رفع الشراعيقتضى إغلاق ملف حركة 1938 استعراض مجموعة من النقاط أهمها كيفية دخول الشيخ سلمان بن حمد على خط الحركة بعد تطورها والأمر الثاني تحليل أسباب النهاية غير المربحة.
ارتباط حركة 1938 بالشيخ سلمان بن حمد
في خصوص الأمر الأول المتعلق بدخول الشيخ سلمان بن حمد

  وحضوره بعض اجتماعات القيادة السياسية للحركة، فتوجد مجموعة كبيرة من الوثائق السياسية التي يصعب نشر بعضها هنا وهي وثائق تؤكد الدخول المتأخر له على خط الحركة. فقبل ظهور الحركة العلني كانت العائلة الحاكمة تعيش قلق ولاية العهد خصوصا بعد ظهور أعراض المرض على الشيخ حمد بن عيسى. وكانت الأسماء المطروحة مختلفة التوجهات،إلا أن أغلبها لم يكن يحظى بتأيد شعبي وبالأخص من قبل البحارنة. فالشيخ سلمان بن حمد لم يكن مؤيدا من قبل البحارنة وكانت لهم معه عدة خلافات تتعلق أساسا بالقضاء وانتشار الفساد في أجهزة المحكمة المشكلة حديثا سنة 1929. أما الشيخ عبدالله بن عيسى عم الحاكم فكانت علاقته بالبحارنة موضع شك وريبة نظرا لكثير من القضايا التي ارتكبها إبان عهد حكم والده الشيخ عيسى بن علي وقد ذكر الميجر ديلي في تقريره سنة 1923 عدد من القضايا الأخلاقية التي ارتكبها الشيخ عبدالله في حق بعض العوائل . بدورها كانت الإدارة البريطانية غير راضية على تولية أيا من الاثنين وتطمح إلى أن تكون ولاية العهد لصالح أحد أبناء الشيخ حمد الصغار .مهما يكن فإن نشؤ الاختلاف داخل العائلة الحاكمة وصعوبة حسمه آنذاك مرر ولاية العهد بصورة تشوبها رائحة الخداع وبحسب بلجريف فإن الشيخ حمد جمع بعض الأعيان من الشيعة والسنة وجعلهم يوقعون على وثيقة لا يعلمون ما تحتويه من قبولهم وموافقتهم على تولية الشيخ سلمان بن حمد ولاية العهد وإقصاء الشيخ عبدالله بن عيسى وأبناء الشيخ حمد الآخرين. وكانت هذه هي المرة الأولى التي تحسم العائلة الحاكمة مسألة ولاية العهد وتحولها إلى قانون رسمي ينص على التوريث للأبن الأكبر للحاكم.
وفق هذه المعطيات، يمكننا فهم الأسباب التي جعلت الشيخ سلمان بن حمد يحاول الدخول في تحالف مع قادة حركة 1938 فهو مضطر أن يكون قريبا من القاعدة الشعبية لضمان تسميته لولاية العهد في حالة حدوث انقلاب عائلي من قبل الشيخ عبدالله بن عيسى، ومن جهة ثانية فقد كانت علاقته مع بعض الأطراف السنية جيدة جدا لذا حاول استثمارها لمعرفة أهداف وتطلعات حركة 1938.
وفي الواقع فإن مسألة ولاية العهد كانت سببا قويا لجعل بعض أفراد العائلة الحاكمة لأن يقومون بخطوات تجلب له التأييد الشعبي وهذا جانب يؤكد على قوية الرأي الشعبي والجماهيري في إضفاء طابع الشرعية على الحاكم، وبحث كل الحكام إلى نيله ليس لوجود قناعة بناء الشرعية على قاعدة الرضا الشعبي، وهو ما كانت حركة 1938 وما تلاها من تحركات سياسية تطمح إلى تثبيته، بل لأن هناك خلافا وعدم حسم داخل العائلة الحاكمة، فقد وجدت مثل هذه الخلافات سنة 1869 وفي سنة 1923 وفي سنة 1938 وسنرى أنا تتكرر في سنة 1954 وبصور مختلفة لكنها تحت المبدأ نفسه في عام 1999. تسلسل الأحداث واستمرار اللجوء إلى الاستقواء الشعبي يدلنا على أن الاستعانة بالرأي الشعبي عادة ما تحدث في ظل تصدع داخلي ويكون الاحتماء به وسيلة من ضمن وسائل عديدة لحسم المنافسة الداخلية التي سرعان ما تزول ويزول معها تقوية الرأي الشعبي أو الاحتماء به.
ومهما يكن فإن مطالب حركة 1938 كانت مطالب متقدمة وذات سقف عالي جدا وقد رأينا أن جميع أفراد العائلة الحاكمة كانوا ينظرون إلى مطلب المجلس التشريعي على أنه بداية زوال حكم العائلة الحاكمة وفي أفضل الحالات تمثل الاستجابة لهذا المطلب إضعافا لنفوذهم، وهذا الموقف الموحد لم يكن غائبا عن ذهن قادة الحركة، من هنا حاول بلجريف الضغط على قادة الحركة لوضع حد منخفض لمطالبهم السياسية، وبطريقة لا تخلو من الخداع واللعب على أوتار طائفية وفؤية استطاع إحداث ثغرة واسعة داخل صفوف قادة الحركة. فقام باعتقال القادة من أهل السنة وأبقى قادة الشيعة للإيحاء بأن الشيعة دخلوا في تفاوض سري وتنازلوا عن مطالب الحركة، كما قام وبالتعاون مع الحكومة المحلية بقمع أي تحرك سياسي كالمظاهرات الاحتجاجية والتعامل مع المحتجين بطريقة عنيفة وصل صداها إلى مجلس العموم البريطاني لمعرفة أسباب العنف السياسي المستخدم ضد المتظاهرين في البحرين.
التمعن في إستراتيجية بلجريف التي أسسها سنة 1938 ستعطينا فهما دقيقا لما سوف يتخذ من خطوات وطرق لمواجهة أي تحرك سياسي وهو ما سنأتي عليه لاحقا، وباختصار فقد استطاع بلجريف تفتيت المطالب السياسية وخفض سقفها إلى مطالب إدارية تحت حجة إمكانية التفاوض وإمكانية العمل من خلالها في الوقت الراهن والإرجاء للمطالب السياسية العليا خصوصا تشكيل المجلس التشريعي المنتخب والدستور العقدي.
أسباب نهاية حركة 1938
قبل أن تظهر حركة 1938 في البحرين ظهرت حركات مشابهة لها في المطالب والأسلوب والأدوات في كل من الكويت ودبي واستطاعت الحركة في الكويت أن تحقق انجازا مؤقتا تمثل في إنشاء المجلس التشريعي ووضع أول دستور عقدي بين عائلة آل صباح والتجار الكويتيين، ورغم حالة الانقلاب التي لحقت بهذا الانجاز إلا أن أثر الحركة ظل مرتكزا أساسيا في المشهد السياسي الكويتي لحد الآن وهو قيام العلاقة بين الشعب والعائلة الحاكمة على أسس الشراكة. أما في البحرين ودبي فقد انتهت الحركة من دون أن تنجز أهم مطلب لديها وهو تشكيل المجلس التشريعي المنتخب، رغم النتائج الإيجابية التي واكبت الحركة في البحرين.
التجارب السياسية تعلمنا بأن تنازل السلطة السياسية عن امتيازاتها وعن احتكارها لعملية توزيع الثروة ومصادر القوة، لا يتم ببساطة وأن مثل هذا التنازل لا يكون إلى عبر سلسلة طويلة من المقاومة والاستمرار في المطالبة. فقد ظل مطلب المجلس التشريعي مطلبا وطنيا قرابة السبعين سنة، وظلت السلطة ترفض الاستجابة لحق المواطنين في تشكيل حكومتهم لأكثر من تلك المدة. وفي الوقت الذي كان المواطنون قد حددوا خيارهم الاستراتيجي بشكل واضح ودقيق عبر انتهاج الأسلوب السلمي في المطالبة بالحقوق السياسية، مقابل ذلك كانت السلطة تتأرجح في طرق استجابتها وتحديد أولوياتها فتارة يكون العنف والإكراه وتارة اللعب بحبال الطائفية وثالثة من خلال الزبائن والوسطاء وفي مرات محدودة تكون لغة القانون والحوار وسيلة أخيرة لسد الطرق أمام المطالبات الحقوقية والسياسية.
ما من شك أن عنف السلطة كان له الدور الحاسم في إنهاء حركة 1938 والأثر المهم في حالة البحرين هو وقوف المعتمد السياسي والمستشار البريطاني والشيخ الحاكم في خندق واحد وهو خندق الرفض المطلق وسعوا جمعيا لمقاومة الضغط المحلي ممثلا في مطالب الحركة ومقاومة ضغط المقيم السياسي الذي كان يؤيد إدخال بعض الإصلاحات الديمقراطية مثلما جرى ذلك في الكويت. لقد استطاع فريق الرفض المكون من المستشار والمقيم والحاكم في أن ينهي حركة 1938 ويؤجل مطالبها وأن يعيد ترتيب أوراقه الداخلية بما يضمن لهم مزيدا من القوة والنفوذ.
استراتيجيات الرفض والحصار
تدلنا تفاصيل حركة 1938 على أن الكثير من هذه الاستراتيجيات التي اتبعتها السلطة لمحاصرة مطلب المجلس التشريعي والدستور العقدي ويمكننا هنا استخلاص أربع استراتيجيات تلجأ إليه السلطة لمواجهة أي مطلب المجلس التشريعي ومطلب الدستور العقدي وهي:

إستراتجية العنف
إستراتيجية الطائفية
إستراتيجية التشطير
إستراتيجية القانون واللعبة الديمقراطية
إستراتيجية العنف
تمثل هذه الإستراتيجية الخيار الأول لمواجهة أي تحرك سياسي وبمقدار ما تمتلك السلطة من قوة عسكرية تزيد فرص اللجوء إلى هذه الإستراتيجية وعندما تكون القوة العسكرية ضعيفة أو عاجزة عن قمع المطالبة السلمية تلجأ السلطة إلى خيارات أخرى. إلى ما قبل سنة 1919 لم يكن لدى الحكومة أية قوة عسكرية رسمية وكان الحاكم يعتمد كليا على الفداوية في جمع الضرائب وفرضها وبحلول سنة 1919 شكلت أول فرقة شرطة من البنجابين بعد إلغاء نظام الفداوية. استمر تطوير قوة الشرطة وزيادة هيبتها كقوة ردع وتدخل سريع لقمع التحركات الجماهيرية والمظاهرات التي أخذت في التزايد منذ سنة 1922. وفي العام 1930 شهدت البحرين أول انتفاضة عمالية قادها الغواصون احتجاجا على اعتقال الحكومة لأحد الغواصين واحتجاجا على تدني الوضع الاقتصادي إثر تطبيق قانون الغوص الجديد. لقد واجهت قوة الشرطة الغواصين بعنف منقطع النظير وقتلت أثنين من الغاصة المحتجين وصدرت أوامر عليا من الشيخ حمد والمستشار البريطاني بلجريف بقمع أي تحرك جديد وملاحقة قادة الانتفاضة واعتقالهم ونفي بعضهم. وفي سنة 1934 عندما تقدم البحارنة بمجموعة من المطالب السياسية وتم رفضها هدد المستشار بلجريف قادة البحارنة بقمع أي تحرك جماهيري يظهر في القرى أو المدن وحذرهم من الدعوة إلى أي إضراب في السوق المركزي. لقد كان الحكومة تشعر بأنها تمتلك كافة مصادر القوة خصوصا الحسم العسكري لذا لم تكن على استعداد لبحث مطالب الغواصين أو مطالب البحارنة أو أي مجموعة سياسية. على هذا الأساس تصدت السلطة السياسية لحركة 1938 وفق قناعة أمنية خالصة. وتشير التجارب السياسية ومنها تجربة سنة 1938 إلى أن السلطة السياسية تدفع في بعض الأحيان الأوضاع السياسية إلى منطقة مغلقة من أجل تنفيذ هذا الأسلوب لاعتقادها بأنه الأسلوب الأخف كلفة والأنسب لمحاصرة المطالب السياسية. وفي الواقع ظلت إستراتيجية العنف خيارا أوليا لمواجهة أي تحرك سياسي وعلى إثر ذلك يمكن فهم الاهتمام المنقطع النظير ببناء القوة الأمنية وتخصيص ثلث ميزانية الدولة لها. أما متى يتم اللجوء إلى الاستراتيجيات الأخرى فهو ما سيتضح في دراسة أكبر حركة سياسية في تاريخ البحرين وهي حركة الهيئة العليا أو هيئة الاتحاد الوطني سنة 1954.
المطلب الدستوري في الخمسينات : الأحداث الطائفية وبلورة المطالب السياسيةمنذ حوالي ستة عقود(1955-1956) شهدت البحرين حركة سياسية هي الأعظم في تاريخ البحرين السياسي. وبقدر ما كانت تلك الحركة مرتكزا جوهريا في المطالبة بدستور عقدي ومجلس تشريعي منتخب، وفريدة في إستراتيجيتها بل وحتى نتائجها، فإن طرق مواجهتها والأساليب التي ابتكرت آنذاك ظلت واحدة ومستمرة، ويمكنا بكل سهولة الآن مطابقة العديد من تلك الأساليب بأساليب معاصرة تمارسها الحكومة اتجاه مطلب الدستور العقدي والمجلس التشريعي.
يجرنا هذا التشابه إلى التذكير مجددا بأهمية قراءة التاريخ وتحليله من أجل تجاوزه ومن أجل تجنب الوقوع في الأخطاء ومن أجل تطوير آليات العمل السياسي والمطلبي، فما يحتاجه الناس في البحرين هو الاستقرار السياسي الذي يكفل حقوق الناس كافة ويمنع عنهم وقوع الظلم والتمييز. وإذا كان الفرد العادي غير معني تماما بقراءة التاريخ، فإن القادة السياسيين والمنشغلين في العمل السياسي مطالبون بقراءة التاريخ قراءة واعية وناقدة، وإلا استمر الوضع على ما هو عليه، وتكررت الأخطاء والكوارث.
في قراءتنا لذاكرة الخمسينات سنكون أمام قراءة نقدية لما لهذه الذاكرة من آثار مستمرة لحد الآن مثل قانون التجمعات وقانون الإرهاب من جهة نظام الحكم أما في جهة المعارضة فسنجد التجزؤ والتشتت والاعتماد على النفوذ الشخصي بدلا من المؤسسات التنظيمية وتنظيم الصلاحيات. وستكون هذه القراءة مختصرة لبعض الحوادث ومفصلة لحوادث أخرى وذلك لاعتبارات منهجية مثل قناعتي بأن البحث في الجذور الاجتماعية للاحتجاجات يتطلب التركيز على ارتباط بعضها بالبعض الآخر، لا على مقومات كل منها على حدة، وأخرى تخص تشذيب الذاكرة التاريخية مما لحقها من تحريف وإخفاء.
أولا: الأحداث الطائفية والقدرة على التوحيد
بالرغم من حركة 1938 استطاعت لأول مرة التقريب بين الشيعة والسنة في البحرين، إلا أن سياسية التمييز والتهميش كانت سائدة وفاعلة ومن عبرها يمكن لأي حدث صغير أن يتحول فجأة إلى نزاع كبير يحمل طابعا طائفيا يؤدي لنتائج كارثية. وفي مرات عديدة كان بعض أفراد السلطة يفتعل بعض المشاكل بين الطائفتين من أجل تمرير قرار سياسي أو خدمة لأغراض شخصية، ومع ذلك فإن أجواء التقارب بين الطائفتين ودعوات الوحدة السياسية كانت تقلق عدد كبير من العائلة الحاكمة آنذاك. وبالرجوع إلى سنوات أسبق من سنة 1953 سنرى أن المجتمع المحلي كانت تشده دعوات الوحدة السياسية ونبذ الطائفية من خلال الأندية ومن خلال الصحافة الناشئة وقد أكد تقرير سري سنة 1954 ذلك حيث ذكر "أن الشعور السياسي بدأ يحرض ويدار بسيل جارف من المنشورات السياسية السرية والكراسات ومقالات الصحف والتي كان لها تأييد كبير وتأثير واضح على الشعب" كما إن العمال البحرينيين الذين كانوا يعملون في أرامكو( الدمام) كانوا حلقة وصل قوية جمعت بين الشيعة والسنة وفتحت عيونهم على الإضرابات العمالية والمطالبة السياسية. وعلى الصعيد المحلي برز أعيان البحارنة كقوة سياسية ذات طموح وأهداف تسعى للمشاركة في الحكم والاستفادة من الدولة كمواطنين، وقد لحظ بعض أفراد السلطة أن خروج مواكب العزاء في عاشوراء بشكل منظم وملفت يشكل تجاوزا لما يرونه خطا أحمرا.
الاعتداء على موكب عاشوراء
نتيجة لكل هذا قامت مجموعة مدفوعة الأجر بالهجوم على موكب العزاء في يوم العاشر سنة 1953 قرب مدرسة الزهراء وبحسب الرواية المحلية كان الشيخ دعيج بن حمد آل خليفة هو من دفع بهؤلاء لضرب مسيرة العزاء بقناني زجاجية. ورغم أن التقارير الرسمية تقول أن الحادث كان عرضي جدا إلا أن الرسالة التي بعث بها حاكم البلاد الشيخ سلمان بن حمد إلى المستشار بلجريف قبل يوم الأربعين من العام نفسه حيث يطلب منع خروج المواكب تؤكد أن هناك رغبة في توتير الأمور الطائفية ومما يؤكد وجود مساعي لتوتير الأجواء هو ما تلا يوم العاشر من أحداث في قرية عراد وتورط قسم من الفداوية التابعين لأحد الشيوخ وتعاون الشرطة معهم في تسهيل الهجوم على قرية عراد الشيعية. فأثناء حدوث الهجوم على الموكب حدثت فوضى وتدافع المعزين ووصل بعضهم إلى مبنى المعتمدية البريطانية وقامت الشرطة بإطلاق الرصاص على الناس من دون تميز أو فهم لماذا الناس يتدافعون ويهربون طلبا للحماية والاختباء وانتشرت إشاعات أن شيعة المنامة يضربون سنة المنامة وأن سنة المحرق يهجمون على شيعة عراد ووصل الأمر إلى قيام شيعة المنامة بحفر خندق حول بعض المناطق تجنبا لهجوم سنة المحرق وكانت الأجواء اشبه ما تكون ببداية حرب أهلية ويصف المستشار بلجريف بعضا من تلك الأحداث بقوله"ذهبت هناك " المحرق" فكان الأشراس يضربون البحارنة الذين قدموا إلى المدينة عبر الجسر ويسحبونهم من الحافلات، وفي الوقت نفسه كان الشيخ (Kh) جالسا في مكتب الشرطة على مسافة بضع ياردات دون أن يفعل شيئا ومعه عدد كاف من الرجال تحت أمرته، وهذا ما فعلته فيما بعد، في غضون ذلك رميت أحدهم في البحر. عندما عُدت وجدت الزعماء الشيعة بانتظار لقائي باحتجاجهم قائلين بأن كل شيء كان مخططا له مسبقا، ولكني متأكد بأن الأمر لم يكن كذلك. لاحقاً ذهبت إلى المحرّق مرة أخرى ووجدت جمهرة خارجة بوضوح للمشاكل، ولكنّنا أرجعناهم. كان الشرطة –بوضوح- متعاطفين مع السّنة والمحرّقيين. إفادات الشرطة حول الاضطرابات. الكُلّ أظهر نوايا قوية معادية للشيعة، إنه لأمر غريب كيف أن هذا الشعور يستحوذ عليهم كلهم. أحد الشرطة أشار إلى الشيعة بكلمة "العدو"، وهكذا يرونهم كان عندي بعض أهالي "عراد"، لن يكون بمقدور المرء فعل شيء بأن يحزن أو يتعاطف، فقد تصرفوا بنحو مروّع وخاصة البعض من الشيوخ"
في هذه الأحداث برز العلامة السيد علي السيد كمال الدين كزعيم وطني وديني حيث حث الناس على التزام الهدوء وكتابة عريضة رفعت للحاكم فيها احتجاج قوي اللهجة على تلك الممارسات وتحتوي على المطالبة بالمجلس التشريعي كمخرج من الأزمات الطائفة والسياسية كما دعت العريضة لتشكيل لجنة تحقيق في إجراءات الشرطة في عراد وأمام مبنى المعتمدية البريطانية. كما برزت المآتم كمؤسسات تستخدم للإعلانات السياسية والمطلبية وأماكن لعقد الاجتماعات والتواصل مع القيادات السياسية والدينية
حداثة سترة
في شهر يوليو سنة 1954 حدث نزاع قرب مصافي النفط في سترة بين صبية من أهل السنة وآخرين من الشيعة بسبب دولاب عجلة دراجة هوائية وتطور الأمر بتدخل الكبار راح ضحيته واحد من أهل السنة فأمر قائد الشرطة بحملة اعتقالات واسعة في صفوف أهالي سترة وبلغ عدد المعتقلين حوالي خمسين شخصا وأفرج عن بعضهم لاحقا إلا أن قسما منهم قدموا للمحاكمة بعد أسبوع من اعتقالهم واحتشد البحارنة امام المحكمة التي حكمت المحكمة بسجن ثلاث سنوات ودفع غرامة خمسة آلاف ربية فاحتج الشيعة وساروا بمظاهرة ناحية القلعة فأطلقت الشرطة الرصاص وقتلت أربعة فحمل القتلى لمبنى المعتمدية البريطانية وأعلنوا الإضراب العام الذي استمر أسبوعا كاملا وغاب أكثر من ألفي عامل عن بابكو وتعطلت السوق وتم الوصول إلى تشكيل لجنة لبحث الأسباب التي أدت لإطلاق النار وبحسب يوميات بلجريف فقد جرت الأحداث بالشكل التالي" قمنا نحن بالتحقيق فوجدنا بأن 38 شرطيا أقدموا على إطلاق النار. وعلى الفور تقريبا دوّنت إفاداتهم وقد استمر ذلك حتى المساء تخللت ذلك ساعة استراحة لتناول بعض الطعام. في هذه الأثناء كان هناك مشهدا مخيفا في وكالة المعتمدية، إذ قام حشد هائل بتحطيم السياج واقتحام الفناء والهجوم إلى المبنى، وهم غاضبون بشدّة، ثم صعدوا بالأجساد عبر السلالم، وانتزعوا العلم البريطاني ومن المحزن أن وضعوه على الأجساد. كانت الحشود تريد الوصول إلى رجال شرطة لم يكونوا مسئولين عن إطلاق النار فقام "وول" بوضع رجال الشرطة في غرفة بعيدا عن الغوغاء، لأنها كانت هجمة مؤقتة وتنتهي. وقد انصرفوا في النهاية لدفن الرجال في المقبرة وأكد " وول" بوضوح بأن الحشود هاجمت القلعة فعلا ولكنه يعتقد بأنه لم يكن لينبغي على الشرطة فتح النار وأنه كان يتوجب على الضباط –وهم من آل خليفة- التريّث. في المساء التقى المعتمد أعيان البحارنة ( أربعة) وكرروا عليه مطالبهم وهي :
1- إقالة الشيخ خليفة بن سلمان ( المدير العام للشرطة ) وشخص آخر .
2- إطلاق سراح الأفراد الذين سجنوا في قضية سترة أو على الأقل إعطاؤهم فرصة الاستئناف ضد الحكم .
وأكد الأربعة استعداد الشيعة للاستمرار في الإضراب الذي بدأوه حتى تبدي الحكومة حسن نيتها تجاه حماية الشيعة ( من آل خليفة ) في 8 يوليو وزعت في السوق منشورات تتضمن " مطالب شعب البحرين وكانت كالتالي :
1- تكوين " مجلس استشاري " يتكون من عدد متساو من الشيعة والسنة لمتابعة كل الشؤون العامة وكتابة قواعد وتوصيات تقدم للحاكم لإقرارها أو رفضها المعقول .
2- تكوين لجنة قانونية لتشريع قوانين ، والقانون يوافق عليه المجلس الاستشاري .
3- إصلاح المحاكم وذلك بتعيين قضاة لديهم شهادات جامعية .
4- انتخاب مجالس للبلدية والصحة والتعليم .
5- إصلاح الشرطة وإقرار مبدأ أن يكون رئيس الشرطة مسئولا ً عن تبعات أي خرق للأمن والسلام .
6- دفع تعويضات لضحايا الأحداث منذ العاشر من المحرم العام الماضي .
7- معاقبة المسئولين عن إطلاق النار في 1 يوليو .
ويقول بلجريف عن تداعيات تلك الأحداث في يومياته " طلبني ( الحاكم ) ثانيةً في الساعة 5:30 وكنت عنده لساعتين، آل خليفة كلهم كانوا هناك، وكذلك مجاميع من البدو وهم مسلحين في الخارج، بعضهم منشغل برقصات الحرب السخيفة. الكثير من الكلام الأحمق والشيوخ الشباب يطلقون تعليقات متهورة حول تحريك البدو ضد البحارنة، وسموّه بينما لا يقل عن أي منهم غضبا وطيشا يقرر تجميع كل البدو في الرفاع – حركة محسوبة جيدا بغرض إيقاع الذعر وجلب الاضطراب".
وعندما أخرجت لجنة التحقيق تقريرها الأول ذكر التقرير" أن المظاهرة كانت مزعجة وقاسية ، ولكن اللوم يقع على الشرطة لإطلاقهم النار بدون أوامر ، وحيا تصرف أحد الضباط لمحاولته تفريق الجموع بسلام ، وأوصى بعمل تأديبي ضد الذين أطلقوا النار بدون أوامر ، وأوصى أيضا ً بتسليح الشرطة بأسلحة أقل خطرا ً من بنادق الخدمة للاستعمال في المهمات المدنية ، وألمح إلى الغياب الكامل لضباط الشرطة خارج القلعة رغم التحذيرات بقدوم المتظاهرين .وقد تم الاحتفال بذكرى " الأربعين " لـ " الشهداء " ، حيث أغلق الشيعة متاجرهم وقاموا بمسيرات للمقبرة . وقد طبع منشور بالمناسبة في لبنان يحتوي على صور الشباب الذين قتلوا ويقال أن 1500 نسخة بيعت بثمن نصف روبية للنسخة الواحدة
في هذه الأثناء كانت محاولات تبذل من أجل احتواء التوتر الطائفي وتم عقد اجتماعات بين السنة والشيعة إلا أن الشيخ سلمان أمر بتوقيف تلك الاجتماعات ومنعها خوفا من تحولها إلى اجتماعات تؤدي إلى تشكيل جبهة سياسية موحدة وهو ما حدث بالفعل لاحقا وكما سنرى في الحلقة المقبلة.
بقلم: عباس المرشد