رشيد الهجريبسم الله الرحمن الرحيم

نقدم لكم سلسلة من حياة الصحابي الجليل رشيد الهجري وربما يعد من افضل رجال مدينة هجر -البحرين- على التاريخ
اسمه وكنيته: المعروف اسمه رشيد الهجري بضم الراء مصغرا وفتح الشين المعجمة ، والهجري بفتح الهاء والجيم وكسر الراء المهملة والياء كذا ضبطه الخليل وجماعة ، وقال

ابن داود بعد ضبطه بفتحتين : ورأيت بعض الناس قد ضبط الهجري بضم الجيم وهو اشتباه عليه .
ولكن ذكر في كتب السيرة أنه أبو عقبة عبد الرحمن بن عقبة او عقبة بن عبد الرحمن , وكناه الرسول يوم أحد أبا عبد الله .
يقول ابن عبد البر في الإستيعاب رشيد الفارسي الأنصاري مولى لبني معاوية بطن من الأوس ، كناه النبي صل الله عليه يوم أحد أبا عبد الله ) .
وترجم له أيضا في مكان : باسم أبي عقبة وذكر القصة في أحد .
وفي تهذيب التهذيب : (أبو عقبة الفارسي مولى الأنصار ، وقيل مولى بني هاشم ، وقيل اسمه رشيد) .
وفي أسد الغابة ترجم له: (باسم أبو عقبة ، وقيل عقبة مولى الأنصار) .
وقال الشيخ الكوراني : أن ما يؤكد أن رشيد الهجري هو أبو عقبة عبد الرحمن بن عقبة تدل مجموع الروايات المتعلقة برشيد رحمه الله على أن اسمه عبد الرحمن بن عقبة وكنيته أبو عقبة على اسم والده ، فغيرها النبي صلى الله عليه وآله وكناه بأبي عبد الله .
1_ يقال انه كان مولى بني معاوية أبو بني هاشم وهو بطن من الأوس وانه فارسي وصار من الأنصار .
فعن ابن أبي شيبة الكوفي قال : (حدثنا خالد بن مخلد قال حدثنا إبراهيم بن إسماعيل قال أخبرني عبد الرحمن بن ثابت وداود بن الحصين عن فارسي مولى بني معاوية أنه ضرب رجلا يوم أحد فقتله وقال : خذها وأنا الغلام الفارسي ، فقال رسول الله ( ص ) : ( ما منعك أن تقول : الأنصاري ، وأنت منهم ، إن مولى القوم منهم ) .
وعن ابن عبد البر: (أبو عقبة الفارسي من أبناء فارس ذكره خليفة في موالي بني هاشم من الصحابة وقال إبراهيم بن عبد الله الخزاعي هو مولى جبير بن عتيك وذكر عنه أنه قال شهدت أحدا مع مولاي جبير بن عتيك فضربت رجلا وقلت خذها وأنا الغلام الفارسي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هلا قلت خذها وأنا الغلام الأنصاري قيل اسمه رشيد ) .
ويقول ا ن ابي الحديد : (أن رشيدا الفارسي مولى بني معاوية ) .
ويقول بن حجر : (رشيد بالتصغير الفارسي مولى بني معاوية من الأنصار ومن قال فيه رشيد الهجري فقد وهم لأنه آخر متأخر من صغار التابعين وأتباعهم روى حديثه البغوي من طريق خالد بن مخلد عن إسماعيل بن أبي حبيبة عن عبد الرحمن بن ثابت عن رشيد الفارسي مولى بني معاوية وقال بن منده روى حديثه أبو عامر العقدي عن بن أبي حبيبة عن عبد الرحمن بن ثابت عن رشيد الهجري مولى بني معاوية أنه ضرب رجلا يوم أحد فقال خذها وأنا الغلام الفارسي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما منعك أن تقول الأنصاري فإن مولى القوم منهم ) .
وقال الشيخ الكوراني : ( المرجح عندي أنه صار مولى للنبي صلى الله عليه وآله بعد أحد وقد يكون اشتراه كما اشترى سلمان الفارسي ، ولذلك ذكروه في موالي بني هاشم من الصحابة ! ) .
وقد جاء في رجال الطوسي رشيد الهجري الرياش بن عدي الطائي , كما فهم البعض رشيد الهجري الرياسي بن عدى الطائي كما جاء في حاشية كتاب التحرير الطاووسي , ولكن قال في السيد الخوئي : الرياش بن عدي الطائي : من أصحاب علي عليه السلام . رجال الشيخ ، بعد رشيد الهجري .
2- نسبته إلى هجر :
يقال انه سكن في محلة الهجريين في البصرة فعرف باسم ( رشيد الهجري ) فقد روى الذهبي، عن الشعبي أن قيس الأرقب قال له : ( فهل تعرف رشيد الهجري ؟ قال الشعبي : نعم بينما أنا واقف في الهجريين إذ قال لي رجل : هل لك في رجل يحب أمير المؤمنين ؟ قلت : نعم ، فأدخلني على رشيد ) .
وقد ذكر السمعاني : أن نسبته إلى هجر ، وهي بلدة من بلاد اليمن من أقصاها وقلال هجر معروفة . والمشهور بهذه النسبة رشيد الهجري .
وربما ينسب الى بلدة الاحساء , وهي ( أي بلاد الأحساء ) مدينة كبيرة عظيمة من أكبر مدن الإسلام القديمة وهي هجر ( بفتح الهاء والجيم على وزن صفر ) تغلبيا كما عرفت فيما تقدم ذكره وينسب إليه رشيد الهجري ( رض ) الذي هو من خواص أصحاب أمير المؤمنين ( ع ) وسيد المسلمين ومن حملة أسراره كما سمعت من كلام صاحب ( الروضات ) وغيره والله أعلم بالصواب .
رشيد الهجري الكوفي
تبين مما سبق أن مولده ومنشؤه وبلده كان مجهولا .
فمن أين جاء إلى الكوفة ؟
وكم سنة قضى فيها ؟
وكيف انتهى إليها ؟
ومتى أصبح من رجال الكوفة ؟
يقول ابن حبان رشيد الهجري يروى عن أبيه عداده في أهل الكوفة .
وقال ابن حجر : رشيد الهجري كوفي , روى عن أبيه .
نعم مما لا شك فيه انه من السابقين المقربين لأمير المؤمنين , قال الشيخ المفيد : في ذكر السابقين المقربين من أمير المؤمنين عليه السلام : حدثنا جعفر بن الحسين ، عن محمد بن جعفر المؤدب : الأركان الأربعة سلمان ، والمقداد وأبو ذر ، وعمار هؤلاء الصحابة . ومن التابعين : أويس بن أنيس القرني الذي يشفع في مثل ربيعة ومضر ، عمرو بن الحمق الخزاعي – وذكر جعفر بن الحسين أنه كان من أمير المؤمنين عليه السلام بمنزلة سلمان من رسول الله صلى الله عليه وآله – رشيد الهجري ، ميثم التمار ، كميل بن زياد النخعي ، قنبر مولى أمير المؤمنين عليه السلام ، محمد بن أبي بكر ، مزرع مولى أمير المؤمنين عليه السلام ، عبد الله بن يحيى ……. )
هل رشيد صحابي ؟؟
أن رشيدا شخصية بارزة في ولائها لأمير المؤمنين عليه السلام , وكان معروفا بهذا الأمر , وهو ممن قتل في حب أمير المؤمنين عليه السلام , ولكن القوم أردوا أن يخرجوه من الصحبة لكي لا تتخرم قاعدة (عدالة الصحابة ) عندهم , بل ضعفوه كما سوف نلاحظ في البحوث الآتية , وحتى إننا لم نجد في كتب الرجال القديمة التابعة لمدرسة أهل البيت بتصريح انه كان من الصحابة مع مكانته العالية عندهم وهذا مما يزيد استغرابا , مع ذكره في كتب المخالفين أكثر من مرة انه كان موجودا في تلك الفترة .
والسبب في ذلك كله أن رشيدا كان مجهولا في الأرض معرفا في السماء , فهو باب أمير المؤمنين عليه السلام وحواريه وكان يأتمنه على بعض علومه .
يقول ابن عبد البر: (أبو عقبة الفارسي من أبناء فارس ذكره خليفة في موالي بني هاشم من الصحابة …… قال شهدت أحدا مع مولاي جبير بن عتيك فضربت رجلا وقلت خذها وأنا الغلام الفارسي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هلا قلت خذها وأنا الغلام الأنصاري قيل اسمه رشيد) .
وقال ابن حجر : (له صحبة ) .
ومهما كان إذا قلنا بتعدد الأسماء أو اتحادها , فمما لاشك فيه عند القوم انه شارك في معركة احد , وهو يدل بالضرورة انه من أصحاب الرسول صلى الله عليه واله وسلم .
إسلامه
لم تَرْوِ كتُب التاريخ وغيرها وقتَ إسلام رشيد الهجري , ولكنَّ الذي نستفيده أنه كان غلاما مسلما في حياة الرسول الأعظم, لاٴنّ مثلَه من رجاحة العقل لا يبقى على الكُفْر, وبراهينُ الإسلام نيّرةٌ , وحُجَجُهُ قائمةٌ .
بل هناكَ ما يشهدُ لإسلامهِ لما ورد عنه صلى الله عليه واله وسلم أنه قد كناه أبا عبد الله في معركة أحد .
وهذا القولُ منه يشهدُ له بالإيمان والعبودية .
ولا غرابةَ ! لاٴنّ مثلَه حقيقٌ بأن يهتديَ إلى الإيمانِ والعبودية ما دامت البراهينُ ساطعةً .
نعم , لا يمُكننا أن نعرفَ عنه متى أسلمَ ؟ .
وكمْ كانَ عُمرُهُ يومَ إسلامه ؟ .
ولعلّه كان مولُوداً في دار الإسلام فَنَشأَ عليها.
كما لا سبيلَ إلى معرفةِ حالِ أبيهِ وشأنهِ وإسلامهِ .
ماذا قالوا في رشيد الهجري ؟
لم تكن شخصية رشيد الهجري غامضة في زماننا هذا فكيف في زمانه , وكان يعلن ولائه لأهل البيت عليهم السلام حتى قتل في حبهم ولم يتبرأ من أمير المؤمنين , وقد كان يتمتع بعلم وفضل وصبر وشجاعة سيده أمير المؤمنين , ولربما قل نظيره على مر الدهور .
وكم منا يتمنى أن يصل إلى هذه المرتبة العظيمة ولم يفلح ! .
فأن ترك حب الجاه والشهرة والزهد من صفات المؤمنين وخصال الموقنين ، فقد قال رسول الله ( ص ) : إن اليسير من الرياء شرك ، وإن الله يحب الأتقياء الأخفياء ، الذين إذا غابوا لم يفقدوا ، وإذا حضروا لم يعرفوا قلوبهم مصابيح الهدى ، يتحول من كل غبراء مظلمة .
وقوله – صلى الله عليه وآله : إن أهل الجنة كل أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له ، الذين إذا استأذنوا على الأمراء لم يؤذن لهم ، وإذا خطبوا النساء لم ينكحوا ، وإذا قالوا لم ينصت لهم . حوائج أحدهم تتخلخل في صدره ، لو قسم نوره يوم القيامة على الناس لوسعهم .
وقوله ( ص ) : قال الله عز وجل : إن من أغبط أوليائي عندي رجلا حفيف الحال ، ذا خط من صلاة ، أحسن عبادة ربه بالغيب ، وكان غامضا في الناس ، جعل رزقه كفافا فصبر عليه ، عجلت منيته فقل تراثه وقل بواكيه .
أليست هذه الصفات كانت موجدة في رشيد الهجري , أوليس من الجدير بنا أن نرفع اسمه في كل حين ليكون قدوة ومنارا لنا , ومع ذلك انظر ماذا قالوا في رشيد الهجري :
قال ابن معين : رشيد الهجري سيئ المذهب .
وقال :ليس بشئ شر من رشيد الهجري .
قال عبد الله بن عدي : ثنا محمد بن علي المروزي ثنا عثمان بن سعيد قال سألت يحيى بن معين عن رشيد الهجري عن أبيه قال : ليس برشيد ولا أبوه ثنا ابن حماد ثنا معاوية عن يحيى قال رشيد الهجري ضعيف ثنا أحمد بن علي المطيري ثنا عبد الله بن الدورقي قال يحيى بن معين رشيد الهجري ليس حديثه بشئ ثنا ابن حماد ثنا العباس عن يحيى قال رشيد الهجري ليس بشئ سمعت ابن حماد يقول : قال البخاري رشيد الهجري عن عبد الله بن عمرو يتكلمون في رشيد . سمعت ابن حماد يقول : قال السعدي هو إبراهيم بن أيوب الجوزجاني رشيد الهجري كذاب غير ثقة وقال النسائي فيما أخبرني محمد بن العباس عنه قال رشيد الهجري ليس بالقوي .
والسبب في ذلك كله معروف لأصحاب العقول , بسبب حبه لأمير المؤمنين , ولم يكن مفرطا في حبه , كما قال شبابة : أفرط الناس في حب علي كما أفرطت النصارى في حب المسيح .
وعليه فقد قال السيد الخوئي : رشيد الهجري هو ممن قتل في حب علي عليه السلام ، قتله ابن زياد ، ولا ريب في جلالة الرجل وقربه من أمير المؤمنين عليه السلام ، وهو من المتسالم عليه بين الموافق والمخالف ويكفي ذلك في إثبات عظمته .
ماذا كان رشيد في عهد رسول الله ؟.
لقد كان رشيد من المجاهدين في عهد رسول الله وكان غلاما في وقته ,ومع ذلك عد من فرسان أحد , وقد كان يعرف فضيلة الجهاد ومكانته , وقبل أن ننقل قصته نأتي ببعض ما جاء في فضيلة الجهاد في الكتاب والسنة : قال تعالى: ((وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا)) .
وقوله تعالى : ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)) .
وقال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : إن الجهاد باب من أبواب الجنة فتحه الله لخاصة أوليائه ، وهو لباس التقوى ، ودرع الله الحصينة ، وجنته الوثيقة .
وقال الإمام الصادق ( عليه السلام ) : الجهاد أفضل الأشياء بعد الفرائض .
وأما قصته فقد ذكر الواقدي في كتابه : كَانَ رُشَيْدٌ الْفَارِسِيّ مَوْلَى بَنِي مُعَاوِيَة لَقِيَ رَجُلًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ مُقَنّعًا فِي الْحَدِيدِ يَقُولُ أَنَا ابْنُ عُوَيْمٍ فَيَعْتَرِضُ لَهُ سَعْدٌ مَوْلَى حَاطِبٍ فَضَرَبَهُ ضَرْبَةً جَزَلَهُ بِاثْنَيْنِ [وَيُقْبِلُ عَلَيْهِ رُشَيْدٌ فَيَضْرِبُهُ عَلَى عَاتِقِهِ فَقَطَعَ الدّرْعَ حَتّى جَزَلَهُ بِاثْنَيْنِ]، وَهُوَ يَقُولُ خُذْهَا وَأَنَا الْغُلَامُ الْفَارِسِيّ وَرَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرَى ذَلِكَ وَيَسْمَعُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَلَا قُلْت خُذْهَا وَأَنَا الْغُلَامُ الْأَنْصَارِيّ "؟ فَيَعْتَرِضُ لَهُ أَخُوهُ وَأَقْبَلَ يَعْدُو كَأَنّهُ كَلْبٌ، يَقُولُ أَنَا ابْنُ عُوَيْمٍ وَيَضْرِبُهُ رُشَيْدٌ عَلَى رَأْسِهِ وَعَلَيْهِ الْمِغْفَرُ فَفَلَقَ رَأْسَهُ يَقُولُ خُذْهَا وَأَنَا الْغُلَامُ الْأَنْصَارِيّ فَتَبَسّمَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: " أَحْسَنْت يَا أَبَا عَبْدِ اللّهِ " فَكَنّاهُ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ وَلَا وَلَدَ لَهُ .
عصر أمير المؤمنين ورشيد
أهم فترة يحدثنا بها التاريخ حول رشيد الهجري هي فترة التي عاش بها مع المولى أمير المؤمنين بعد رحيل الرسول الأعظم , لأنه عصر الفتن والبلاء , وعصر فرز وولاء .
ولأهمية هذا العصر نسهب قليلا فيه .
يقول الشيخ المظفر : كان لأمير المؤمنين % عصرانِ بعدَ الرسول 4 :
الأولُ : ما كان فيه حَلْسَ البيت لا يزورُهُ أحدٌ إلاّ قليلٌ من الناس , ولا يزورُ أحداً إلاّ قليلاً , لأنّ قربَ الناس منهُ وقرُبه منهم يجعله ويجعلهم عرضةً للتنكيل .
أَجَلْ , كانَ يخرجُ من زاوية البيت إلى زاوية المسجد للعبادة أو الإفْتاءِ .
والعصر الثاني : هو العصرُ الذي جاءتْهُ الخلافةُ فيهِ تَجُرُّ أذيالهَا مذعنةً لهُ .
وفي العصرينِ كانَ لهُ صفوةٌ من الأصحاب يُسْتَدرُّ بهم الغَمامُ , وقد بقيَ لديهِ من أهل العصر الأوّل للعصر الثاني فِئَةٌ أمثالُ : عمّار بن ياسِر , وجابر الأنصاري , وابن عبّاس وحبيب بن مُظاهِر , وعمرو بن الحَمِق الخُزاعيّ , وقيس بن سعد , وأبي رافع , ومحمّد بن أبي بكر , وحُجْرِ بن عَدِيّ , ونظائرهم .
وقد أنتجَ العصرَ الثاني زُمْرةً نَدَرَ أن يكونَ مثالهُم في الدهر, كزيدٍ وصَعْصَعةٍ ابني صُوْحان , وأوُيسٍ القَرَنيّ , والأصبغ بن نُباتة , وعليّ وعُبيد الله ابنيْ أبي رافع , ومالكٍ الأشتر , ورُشَيدٍ الهَجَري , ومِيْثمٍ التمار , وكُميلِ بن زيادٍ , وأشباههم .
وكان هؤلاء أمثلةً للفضيلة وكرم الأخلاق , وخزنةً للعلم, والأسرار , كأنّما شاهَدوا الخليقةَ , فغابوا عنها , ثمّ عادوا إليها, هكذا مرّاتٍ عديدةً , أو طالَ بهم العُمُرُ فرأَوا الأجيالَ والقُرونَ , وعاشروا الأممَ والبُطونَ , فاعتبروا بها , واختاروا من الأعمالِ أَحْسنَها , ومن الأخلاقِ أَفْضلَها , وما كان كلّ ما لَدَيْهِم ذلكَ , بَلْ منحَهم أميرُ المؤمنين من غامِرِ علمه , واسْتأْمنَهم على غامِضِ أسرارهِ , مّما لا يَقْوى على احتمالهِ غيرُ أمثالهم .
ولا أدري كيفَ اكتسبَ أولئكَ النَفَرُ الأفذاذُ أهلُ العصر الأوّل من أمير المؤمنينَ جميلَ الفِعالِ والخِصالِ , وأَخَذُوا عنهُ أسرارَ العلمِ وعلمَ الأسرارِ , حتّى زَكَتْ بهم النفوسُ , وكادُوا أن يُزاحموا الملائكةَ المقرّبينَ في صُفُوفهمْ , وغَِبَطَهُم الملأُ الأعلى على ما اتصّفوا بهِ من كمالِ الذاتِ والصِفاتِ , وأميرُ المؤمنينَ% مَغْلُوبٌ عليه حَلْسَ البيتِ لا يُداني الناسَ ولا يُدانونَهُ ؟.
وكيفَ سَما هؤلاء الفِئَةُ الصالحةُ في العصرِ الثاني , وتعلَّموا من أمير المؤمنين هاتيكَ العُلُومَ الإلهيَّة , واكْتَسَبُوا منهُ تلكَ الفضائلَ العلوّيةَ , حتّى صارُوا أَهْلاً لاٴنْ يأْتَمِنَهمُ على نفائسِ الأسرارِ وأسرارِ النفائسِ , فكادُوا أن يكُونوا بعدَ التصفيةِ والتنقية مِلاكاً مجرّداً عن النقائصِ , لا يَعْرِفُون الرذيلةَ ولا تَعرفهم .
وأميرُ المؤمنين % مَشْغُولٌ بحرُوبِه , مَشْغُولٌ بالأمّةِ جمعاء .
والأمدُ قصيرٌ , والزمنُ لا يتّسعُ لذلكَ التعليمِ والتعلّمِ !؟ .
إلاّ أنْ يكونَ الأمرُ الذي هيّأَهُم لاٴن يُصبِحُوا أمثلةً للعلمِ والفضيلةِ والصلاحِ , لايُنافِسُهُم في نَفائسهم بَشَرٌ , هُوَ قُدرةُ أمير المؤمنين % على سُرعةِ التربيةِ مَعَ طيبِ التُربةِ فِيهِم .
انظر ما أعظم البلاء ! الإمام علي عليه السلام يخبر رشيد مع علو شأنه ومعرفته بالإمامة يبين له ما روي في تفسير قوله تعالى : (( فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ)) .
قال رشيد الهجري كنت: أسير مع مولاي علي بن أبي طالب عليه السلام . في هذا الظهر فالتفت إلي فقال: أنا والله يا رشيد صالح المؤمنين .
حيث يدعي البعض أنها نزلت في أبو بكر أوفي عمر كما جاء قول العيني : وصالح المؤمنين أبو بكر ، رضي الله تعالى عنه ، قاله المسيب بن شريك . وقال سعيد بن جبير : هو عمر ، رضي الله تعالى عنه ، وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه علي بن أبي طالب ، رضي الله تعالى عنه ، وعن الكلبي : هم المؤمنون المخلصون الذين ليسوا بمنافقين ، وعن قتادة هم الأنبياء ، عليهم الصلاة والسلام .
فكيف بزماننا هذا من الابتلاءات وإمامنا غائب عنا , أليس بلائنا عظيم ومن عرفه كان من العارفين .
فعن قنوا بنت رشيد الهجري قالت: قلت لأبي: ما أشد اجتهادك؟ قال: يا بنية يأتي قوم بعدنا بصائرهم في دينهم أفضل من اجتهادنا .
علم رشيد
المعروف أن علم الدين , هو الذي يرفع المرء ويجعله يخشى الله سبحانه وتعالى فقد قال جل شأنه في كتابه : ((إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)) , ولاشك أن التفاضل في درجاتهم على حسب التفاضل في نصيبهم من العلم قال تعالى : ((هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ)) .
والمراد بالعلماء العلماء بالله , وهم الذين يعرفون الله سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله معرفة تامة تطمئن بها قلوبهم , وتزيل وصمة الشك والقلق عن نفوسهم وتظهر آثارها في أعمالهم فيصدق فعلهم قولهم . وهي المعرفة الكاملة بقرينة أن أصل المعرفة حاصلة للناس كلهم الا ما شذ مع أن أكثر هم مادون أعينهم إلى الزهرات وإنما يتحقق تلك معرفة تعالى كما ينبغي ومعرفة ما جاء به ومعرفة أوصيائه والتسليم لهم في الأوامر والنواهي , ومن حصلت لهم تلك المعرفة كانت له مقامات روحانية , وتقربات إلهية , وتفضلات ربانية , وحالات نورانية ينظرون به إلى أهل الجنة وهم فيها متنعمون , وإلى النار وهم فيها مصطرخون , فتهون في نظرهم الدنيا وما فيها , وكانت الدنيا عندهم أقل مما يطأونه من التراب .
ولذا قال الصادق عليه السلام " لو يعلم الناس ما في فضل معرفة الله تعالى ما مدوا أعينهم إلى ما متع به الأعداء من زهرة الحياة الدنيا ونعيمها ، وكانت دنياهم أقل عندهم مما يطؤن بأرجلهم ، ولتنعموا بمعرفة الله وتلذذوا بها تلذذ من لم يزل في روضات الجنان مع أولياء الله . إن معرفة الله تعالى أنس من كل وحشة ، وصاحب من كل وحدة ، ونور من كل ظلمة ، وقوة من كل ضعف ، وشفاء من كل سقم ، قد كان قوم قبلكم قوم يقتلون ويحرقون وينشرون وتضيق عليهم الأرض برحبها ، فما يردهم عماهم عليه شئ مما هو فيه من غير ترة وتروا من فعل ذلك بهم ولا أذى بما نقموا منهم : " إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد " . فاسألوا ربكم درجاتهم ، واصبروا على نوائب دهركم تدركوا سعيهم " .
وعليه أن الذي رفع منزلة رشيد وفرة علمه في الدين والشريعة والولاية . حتى صار قلبه منبع للعلم والمعرفة , وتلك المعرفة لا تحصل في الكسب فقد قال الصادق عليه السلام ((العلم نور يقذفه الله في قلب من يشاء )) , ولا يكونُ العلمُ نوراً إلاّ إذا كانَ علمَ الدين , فإذا بلغَ المرءُ مرتبةَ الامتحانِ في الإيمانِ , وخرجَ ناجِحاً بعد الامتحان , وظَفَرَ بالأستاذ المربّي , كأبي الحسن فهنالِكَ العلمُ المقذوفُ, وهنالِكَ النورُ المزجوجُ , وعلى قدر إيمانهِ وامتحان قلبهِ يكونُ علمهُ وعرفانهُ .
وها هو قد وصل إلى رتبة يتمكن أن يخبر بما كان وما يكون إلى قيام الساعة .
فقد روي عن قنوا بنت رشيد الهجري:اجتمع الناس حوله قال: ائتوني بصحيفة ودواة أكتب لكم ما يكون إلى أن تقوم الساعة .
علمه في التخفي
من القصص العجيبة والغريبة التي ترويها كتب الأحاديث هي قصة رشيد الهجري مع أبي أراكة , وخوف أبي اراكة من وقوعه ووقوع أفراد أسرته بيد الظالم من جهة , وخوفه على رشيد من جهة أخرى , ولو لا عناية الله سبحانه وتعالى لأبي اراكة , وكشف علم رشيد له لوقع في الفتن والبلاء .
فعن الحسن محبوب ، عن عبد الكريم يرفعه إلى رشيد الهجري قال :
لما طلب زياد أبو عبيد الله رشيد الهجري اختفى رشيد فجاء ذات يوم إلى أبي أراكة وهو جالس على بابه في جماعة من أصحابه فدخل منزل أبي أراكة ففزع لذلك أبو أراكة وخاف فقام فدخل في إثره .
فقال : ويحك قتلتني وأيتمت ولدي وأهلكتهم .
قال : وما ذاك ؟ قال : أنت مطلوب وجئت حتى دخلت داري وقد رآك من كان عندي. فقال : ما رآني أحد منهم .
قال : وستجربن( تسخر بي ) أيضا " فأخذه وشده كتافا " ثم أدخله بيتا " وأغلق عليه بابه ثم خرج إلى أصحابه .
فقال لهم : إنه خيل إلى أن رجلا " شيخا " قد دخل آنفا " داري .
قالوا : ما رأينا أحدا " فكرر ذلك عليهم كل ذلك يقولون : ما رأينا أحدا " فسكت عنهم .
ثم إنه تخوف أن يكون قد رآه غيرهم فدخل مجلس زياد ليتجسس هل يذكرونه فإن هم أحسوا بذلك أخبرهم أنه عنده ورفعه إليهم .
قال : فسلم على زياد وقعد عنده وكان الذي بينهما لطيف .
قال : فبينا هو كذلك إذ أقبل رشيد على بغلة أبي أراكة مقبلا " نحو مجلس زياد .
قال : فلما نظر إليه أبو أراكة تغير لونه وأسقط في يديه وأيقن بالهلاك .
فنزل رشيد عن البغلة وأقبل إلى زياد فسلم عليه وقام إليه زياد فاعتنقه وقبله ثم أخذ يسأله كيف قدمت ؟ وكيف من خلفت ؟ وكيف كنت في مسيرك ؟ وأخذ لحيته ثم مكث هنيئة ثم قام فذهب .
فقال أبو أراكة لزياد : أصلح الله الأمير من هذا الشيخ ؟ .
قال : هذا أخ من إخواننا من أهل الشام قدم علينا زائرا " .
فانصرف أبو أراكة إلى منزله فإذا رشيد بالبيت كما تركه .
فقال له أبو أراكة : أما إذا كان عندك من العلم ما أرى فاصنع ما بدا لك وادخل علينا كيف شئت .
وربما كان خوف أبي أراكة ناشئ من سوء اختياره , فيخاف من سوء العاقبة . لان ما فعل أبي اراكة في إخفاء رشيد عن ابن زياد غير قبيح , ولكن من شأنه يتضرر , ولا ريب أن هذا الظن ناشئ عن الجهل , فيكون رفعه بالعلم , ولذا قال له: ( إذا كان عند من العلم ما أرى فاصنع ما بدا لك ) .
وما أجمل أن يحظ الإنسان في وقتنا الحاضر بمثل رشيد , وخصوصا نحن دوما في شدة وبلاء وجهل وعناء مع الظالمين , فنحتاج من يعرفنا بهذا العلم حتى يخلصنا من كل شك وريبة .
علمه في البلايا والمنايا
قال الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه ((وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ )) .
وأن علم الكتاب بكل شيء , موجود موروث عند الأئمة الأطهار , لان بعضه ظاهر وبعضه باطن لا يعلمه إلا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وأوصياؤه ( عليهم السلام ) ، وسائر الناس مأمورون بالرجوع إليهم والأخذ منهم .
فنقل عن أمير المؤمنين علي عليه السلام قال سمعته يقول إن رسول الله صلى الله عليه وآله علمني ألف باب من الحلال والحرام ومما كان وما هو كائن إلى يوم القيمة كل يوم يفتح ألف باب فذلك ألف ألف باب حتى علمت المنايا و الوصايا وفصل الخطاب .
وعن عبد الرحمن بن أبي نجران قال كتب أبو الحسن الرضا عليه السلام رسالة وأقرأنيها قال قال علي بن الحسين عليه السلام أن محمدا صلى الله عليه وآله كان أمين الله في أرضه فلما قبض محمد صلى الله عليه وآله كنا أهل البيت ورثته ونحن أمناء الله في أرضه عندنا علم البلايا والمنايا وأنساب العرب ومولد الإسلام .
وعن أبي عبد الله عليه السلام يقول أنى لأعلم ما في السماوات وما في الأرض واعلم ما في الجنة واعلم ما في النار واعلم ما كان وما يكون ثم مكث هنيئة فرأى إن ذلك كبر على من سمعه منه – فقال علمت ذلك من كتاب الله عز وجل إن الله يقول فيه تبيان كل شئ .
وهذا العلم قد يكون عند بعض الأفذاذ من الرجال , فتجده مثلا عند رشيد الهجري , الذي اخذ علمه من مولاه أمير المؤمنين عليه السلام , فعن الأصبغ بن نباتة قال : كان أمير المؤمنين عليه السلام إذا وقف الرجل بين يديه قال : يا فلان استعد واعد لنفسك ما تريد فإنك تمرض في يوم كذا وكذا في شهر كذا وكذا في ساعة كذا وكذا فيكون كما قال . وكان عليه السلام قد علم رشيد الهجري من ذلك فكانوا يلقبونه رشيد البلايا .
وفي الحديث عن إسحاق ابن عمار قال : سمعت العبد الصالح ينعى إلى رجل نفسه ، فقلت في نفسي : وإنه ليعلم متى يموت الرجل من شيعته ! ؟ فالتفت إلي شبه المغضب ، فقال : يا إسحاق قد كان رشيد الهجري يعلم علم المنايا والبلايا والإمام أولى بعلم ذلك .
وذلك لان رشيد يقول : كنت في بعض الطريق مع علي بن أبي طالب إذ التفت إلي فقال : يا رشيد أترى ما أرى ؟
قلت : لا يا أمير المؤمنين وانه ليكشف لك الغطاء مالا يكشف لغيرك .
قال : اني أرى رجلا في ثبج من النار يقول : يا علي استغفر لي ، لا غفر الله له .
ومع ذلك كان أمير المؤمنين عليه السلام يسميه رشيد البلايا , وكان قد ألقى إليه علم البلايا والمنايا فكان في حياته إذا ألقى الرجل قال له: يا فلان تموت بميتة كذا وكذا وتقتل أنت يا فلان بقتلة كذا وكذا فيكون .
فعن فضيل بن الزبير ، قال : مر ميثم التمار على فرس له ، فاستقبل حبيب بن مظاهر الأسدي ، عن مجلس بني أسد ، فتحدثا حتى اختلفت أعناق فرسيهما .
ثم قال حبيب : لكأني بشيخ أصلع ، ضخم البطن ، يبيع البطيخ عند دار الرزق ، قد صلب في حب أهل بيت نبيه ( عليهم السلام ) ، يبقر بطنه على الخشبة !
فقال ميثم : وإني لأعرف رجلا أحمر ، له ضفيرتان ، يخرج لنصرة ابن بنت نبيه ، فيقتل ، ويجال برأسه بالكوفة ، ثم افترقا .
فقال أهل المجلس : ما رأينا أحدا أكذب من هذين ! .
قال : فلم يفترق أهل المجلس ، حتى أقبل رشيد الهجري ، فطلبهما فسأل أهل المجلس عنهما . فقالوا : افترقا وسمعناهما يقولان كذا وكذا .
فقال رشيد : رحم الله ميثما ونسي " ويزاد في عطاء الذي يجئ بالرأس مائة درهم " ,ثم أدبر .
فقال القوم : هذا والله أكذبهم .
فقال القوم : والله ما ذهبت الأيام والليالي ، حتى رأينا ميثما مصلوبا على باب دار عمرو بن حريث ، وجئ برأس حبيب بن مظاهر ، قد قتل مع الحسين ( عليه السلام ) ، ورأينا كل ما قالوا .
يقول الشيخ المظفر : فما يدري المرؤُ من أيّهما يعجبُ أَمِنْ احتمال هؤلاء لهذا العلمِ الغامضِ الذي لا يحتملُه إلاّ الأنبياءُ والملائكةُ والمؤمنون الممتحنةُ قلوبُهم ؟ .
أمْ منْ تَسرُّعِ أولئك الناسِ لتكذيبهمْ ؟ .
ولا عَجَب , فإنّ اللهَ لابُدَّ أن يجعلَ في عبادهِ _ عدا الأنبياء والأوصياء _ مَنْ يكونُ في فعالهِ وخصالهِ قدوةً للناسِ , وحُجَّةً عليهم , ولابُدَّ من أنْ يكون في الناس من يُنكِرُ مثلَ هذا العلمَ , لأَنّ الناسَ أعداءُ ما يجهلُون .
فما أَعْلَمَ هؤلاءِ , وما أجْهَلَ الناسُ .
رشيد من المستضعفين
أحببت أن أقف على قول الإمام الكاظم عليه السلام فيما يتطلبه المقام في قوله : (كان رشيد الهجري من المستضعفين) . حيث ورد عن إسحاق بن عمار الكوفي ، قال : سمعت سيدي أبا الحسن موسى ( صلوات الله عليه ) ينعى إلى رجل نفسه ويخبره ساعة موته وقرب الموت منه يوما بعينه سماه فقلت في نفسي والله انه يعلم متى يموت الرجل من شيعته فالتفت إلي شبيه المغضب فقال لي : يا إسحاق قد كان رشيد الهجري من المستضعفين يعلم علم الخفايا والبلايا فالإمام أولى بعلم ذلك .
فما المراد منه , وكيف هو مستضعف , وهو يعلم علم الخفايا والبلايا ؟ مع انه ورد عن علي عليه السلام: من عرف اختلاف الناس فليس بمستضعف .
فلو رجعنا القران الكريم والسنة النبوية لوجدناها , تارة تذم من يدعي انه كان من المستضعفين أو تقول أن المستضعف هو من لا يستطيع إصابة الحق ولا يعرف اختلاف الناس , وتارة أخرى تمدحهم وترفع من شأنهم .
فيقول سبحانه وتعالى : ((إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا)) .
وعن زرارة قال : سألت أبا جعفر ( عليه السلام ) عن المستضعف ، فقال : هو الذي لا يستطيع حيلة يدفع بها عنه الكفر ولا يهتدي بها إلى سبيل الايمان ، لا يستطيع أن يؤمن ولا يكفر
وعن أبي عبد الله عليه السلام أنه ذكر: أن المستضعفين ضروب يخالف بعضهم بعضا ، ومن لم يكن من أهل القبلة ناصبا فهو مستضعف .
وفي مقابل هذا يقول سبحانه وتعالى : ((وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ )) .
وعن الرسول صلى الله عليه وآله ": ألا أدلكم على أهل الجنة ! كل ضعيف مستضعف ، لو أقسم على الله لأبره . ألا أدلكم على أهل النار ! كل متكبر جواظ " .
فعلى هذا يختلف المستضعف باختلاف اللحاظ ربما يكون مستضعف بسبب البنية العقلية كالصبيان والنساء لقوله تعالى (إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا)) .
وربما يكون بلحاظ الناس إليه مع ما يملك من قوة إيمان وبصيرة , لقول هارون عليه السلام لأخيه موسى عليه السلام في قوله تعالى : ((إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ )) .
فلا يتصور أن الأنبياء عندهم ضعف في الإيمان والعقيدة والبصيرة , فعن علي عليه السلام : ( ولكن الله سبحانه جعل رسله أولي قوة في عزائمهم ، وضعفة فيما ترى الأعين من حالاتهم ، مع قناعة تملأ القلوب والعيون غنى ، وخصاصة تملأ الأبصار والأسماع أذى )
ويصف عليه السلام الأنبياء : كانوا قوما مستضعفين قد اختبرهم الله بالمخمصة ، وابتلاهم بالمجهدة ، وامتحنهم بالمخاوف ، ومخضهم بالمكاره ، فلا تعتبروا الرضى والسخط بالمال والولد جهلا بمواقع الفتنة ، والاختبار في موضع الغنى والاقتدار ، فقد قال سبحانه وتعالى : ((أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ)) فإن الله سبحانه يختبر عباده المستكبرين في أنفسهم بأوليائه المستضعفين في أعينهم .
وقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) – لما نظر إلى علي والحسن والحسين ( عليهم السلام ) وهو يبكي – : أنتم المستضعفون بعدي .
فعن الصادق ( عليه السلام ) في حديث أن في تاسوعاء استضعفوا الحسين ( عليه السلام ) وأصحابه …. .
يقول الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في تفسيره : أن أسلوب المستكبرين على مدى التأريخ لم يكن فرعون وحده يذبح أبناء بني إسرائيل ويستحيي نساءهم لإذلالهم ، فعلى مدى التاريخ نجد أسلوب الجبابرة على هذه الشاكلة ، حيث يسعون لتعطيل القدرات والقوى بأية وسيلة كانت ، فحيث لم يستطيعوا قتل " الرجال " يلجئون إلى قتل " الرجولة " ، ويذوبون روح الشهامة بنشر الفساد والمخدرات والفحشاء والمنكر والانحراف الجنسي وكثرة الشراب والقمار ، ليستطيعوا براحة بال واطمئنان خاطر أن يواصلوا حكمهم وحكومتهم . ولكن أنبياء الله ، وخاصة نبي الإسلام ( صلى الله عليه وآله ) كانوا يسعون لإيقاظ قوى الفتوة النائمة ويشحنوا قدرات الشباب الهائلة ، ويحرروهم من أسر الذلة ، وكانوا يعلمون حتى النساء دروسا من الشجاعة والشهامة ، ليقفن في صفوف الرجال ضد المستكبرين . والشواهد على هذين المنهجين في البلاد الإسلامية في التأريخ المعاصر والتأريخ القديم كثيرة وواضحة جيدا .
فعن الخطاب الكوفي ومصعب بن عبد الله الكوفي : دخل سدير الصيرفي على أبي عبد الله ( عليه السلام ) ، وعنده جماعة من أصحابه ، فقال له : يا سدير ، لا تزال شيعتنا مرعيين محفوظين مستورين معصومين ما أحسنوا النظر لأنفسهم فيما بينهم وبين خالقهم ، وصحت نياتهم لأئمتهم ، وبروا إخوانهم ، فعطفوا على ضعيفهم ، وتصدقوا على ذوي الفاقة منهم ، إنا لا نأمر بظلم ، ولكنا نأمركم بالورع ، الورع الورع ، والمواساة المواساة لإخوانكم ، فإن أولياء الله لم يزالوا مستضعفين قليلين منذ خلق الله آدم ( عليه السلام ) .
فتبين المراد في الرواية الشريفة كيف كان رشيد من المستضعفين وهو يعلم علم المنايا والبلايا , وذلك أنّ الأعداء إستضعفوه كمولاه حيث خاطب قبر أخيه(صلى الله عليه وآله) (وابن اُمّه يعني جدَّته) فقال: إنّ القوم إستضعفوني ـ الخ .
صلابة الإيمان
يعرف المرء في عالم الدنيا بماله وجاهه وسلطانه يقول الله سبحانه وتعالى : ((اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ)) .
ويعرف المرء في عالم الآخرة بصلابة إيمانه وتقواه , قال سبحانه وتعالى ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ )) .
((إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ))
فإذا كان الإنسان في دار الدنيا ويعيش فيها , فهو يعيش إلى طريق الآخرة ومستقر فيها قال علي عليه السلام : فإن الله سبحانه قد جعل الدنيا لما بعدها ، وابتلى فيها أهلها ليعلم أيهم أحسن عملا . ولسنا للدنيا خلقنا ، ولا بالسعي فيها أمرنا ، وإنما وضعنا فيها لنبتلى بها . وعنه ( عليه السلام ) : أخرجوا من الدنيا قلوبكم قبل أن تخرج منها أبدانكم ، ففيها اختبرتم ولغيرها خلقتم .
ومن الملاحظ لا يعرف مكانة المرء إلا بعد الافتتان والامتحان , والتصفية والتمحيص , قال سبحانه وتعالى : (( أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ )) , ويقول سبحانه ((أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا)) .
نعم أن الناس عبيد الدنيا ويختارون من الدين ما ينفعهم ويصلح أمور دنياهم ومعيشتهم فيقول المولى علي عليه السلام : لا تكن ممن يرجوا الآخرة بغير العمل ، ويرجي التوبة بطول الأمل . يقول في الدنيا بقول الزاهدين ، ويعمل فيها بعمل الراغبين . إن أعطي منها لم يشبع ، وإن منع منها لم يقنع ….. إلى أن يقول ….ويستميل وجوه الناس بتدينه ويبطن ضد ما يعلن .
والسبب في ذلك أنهم يعتقدون أن بالتعلق في الدنيا نجاة الآخرة , ولا يعلمون أن الصبر على البلاء والمحن وتقطيع الأيدي والأرجل نجاة الأبدان وراحة الآخرة يقول أمير المؤمنين : إن من الفساد إضاعة الزاد ، ما أصغر المصيبة مع عظم الفاقة غدا .
وقد تمكن رشيد من تجاوز مراحل الإيمان حتى بلغ درجة يغبطها الأولون والآخرون , ويكشف عن تلك الحقيقية قول أمير المؤمنين : أنت معي في الدنيا والآخرة .
وما أعظمها من نعمة أن يكون الإنسان مع إمامه في الدنيا والآخرة , لمن أدرك هذا المعنى بقوله وفعله , كما ظهر ذلك على رشيد الهجري حينما وقع في يد عبيد الله بن زياد .
صبر رشيد
أن رشيد لم يصل إلى هذه الدرجة إلا بعد صبره على هذا العلم وما نزل به من البلاء لان الأئمة لم يكون أئمة إلا بعد الصبر, فقد قال الله سبحانه وتعالى : ((وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ )) .
ففي تفسير علي بن إبراهيم : في قوله : (( يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا)) قال : كان في علم الله أنهم يصبرون على ما يصيبهم فجعلهم أئمة .
وقال الصادق ( ع ) : الصبر يظهر ما في بواطن العباد من النور والصفاء .
ويقول الإمام علي ( عليه السلام ) : الصبر في الأمور بمنزلة الرأس من الجسد ، فإذا فارق الرأس الجسد فسد الجسد ، وإذا فارق الصبر الأمور فسدت الأمور .
ويقول النراقي : ومتى تيسر الصبر وصار ملكة راسخة أورث مقام الرضا ، وإذا أدام مقام الرضا أورث مقام المحبة . وكما أن مقام المحبة أعلى من مقام الرضا ، فكذلك مقام الرضا أعلى من مقام الصبر . ولذلك قال رسول الله ( ص ) : ( أعبد الله على الرضا ، فإن لم تستطع ففي الصبر على ما تكره خير كثير ) .
فقد سئل أمير المؤمنين عليه السلام رشيد فقال : يا رشيد كيف صبرك إذا أرسل إليك دعي بني أمية فقطع يديك ورجليك ولسانك؟ فقلت: يا أمير المؤمنين آخر ذلك الجنة؟ قال: بلى يا رشيد أنت معي في الدنيا والآخرة .
ولذا قال الإمام الصادق ( عليه السلام ) : إن في الجنة منزلة لا يبلغها عبد إلا بالابتلاء في جسده .
وقد ابتلي رشيد بعد علمه بتقطيع الأوصال ولم يخالف إيمانه بسبب قوة صبره .
يقين رشيد
لا ريب أن اليقين من أقوى أسباب السعادة ، الأخروية ، لتوقف الإيمان عليه ، بل هو أصله وركنه ، وغيره من المراتب فرعه وغصنه ، والنجاة في الآخرة لا تحصل إلا به .
قال تعالى : ((قَدْ بَيَّنَّا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ)) .
وإذا حصل اليقين للإنسان سهل عليه ما صعب على الآخرين تحمله , وانس بما استوحش منه الجاهلون , فقد قال أمير المؤمنين عليه السلام : هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة وباشروا روح اليقين واستلانوا ما استوعره المترفون وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون وصحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالمحل الأعلى .
وأن أفضل ما يرزق الإنسان به في دار الدنيا اليقين , فقد قال أمير المؤمنين ( ع ) في خطبة له : يا أيها الناس سلوا الله اليقين ، وارغبوا إليه في العافية ، فان أجل النعمة العافية ، وخير ما دام في القلب اليقين ، والمغبون من غبن دينه ، والمغبوط من غبط يقينه .
ولعله اقل ما قسم ما بين العباد هو اليقين , حيث قال الرضا عليه السلام:الإيمان أفضل من الإسلام بدرجة ، والتقوى أفضل من الإيمان بدرجة ، واليقين أفضل من التقوى بدرجة ، ولم يقسم بين بني آدم شيئا أقل من اليقين .
ومن المعلوم أن رشيد الهجري كان يؤمن ومستيقن بولاية أمير المؤمنين , وهو أفضل ما رزق به , لما روي عن الباقر عليه السلام : بني الإسلام على خمسة أشياء : على الصلاة ، والزكاة ، والحج ، والصوم ، والولاية . " قال زرارة : فقلت : وأي شئ من ذلك أفضل ؟ فقال : الولاية أفضل لأنها مفتاحهن ، والوالي هو الدليل عليهن , بل وقد كان موقنا بما يجري عليه من تقطيع الأوصال , بما اخبر به أمير المؤمنين , فتراه مطمئنا مع عظم المصيبة ووحشة الطريق , حتى أراد ابن زياد يكذب عليا عليه السلام لكي يزعزع يقين رشيد بالولاية وبما اخبره , ولكن لم يفلح , وقد اقسم رشيد بالله انه ما كان يكذب , فقد روي عن أبي عبد الله أنه قال :خرج أمير المؤمنين (عليه السلام) ذات يوم إلى بستان البرني ومعه أصحابه فجلس تحت نخلة فرطبت ونزل منها رطب فوضع بين أيديهم فأكلوا فقال رشيد الهجري: يا أمير المؤمنين ما أطيب هذا الرطب، فقال: يا رشيد أما انك تصلب على جذعها، قال رشيد: فكنت اختلف إليها أطراف النهار وأسقيها ومضى أمير المؤمنين (عليه السلام) فخرجنا يوما وقد قطعت وذهب نصفها فقلت: قد اقترب اجلي فجئت اليوم الآخر فإذا بالنصف الثاني قد جعل زرنوقا يستقى عليه، فقلت: والله ما كذبني خليلي فأتاني العريف فقال: أجب الأمير فأتيته فلما وصلت القصر فإذا انا بخشب ملقى وفيه الزرنوق وجئت حتى ضربت الزرنوق برجلي، وقلت: إليك أعدت وإليك أتيت، ثم دخلت على عبيد الله بن زياد لعنه الله فقال: هات من كذب صاحبك، فقلت: والله ما كان يكذب ولقد أخبرني أنك تقطع يدي ورجلي ولساني .
رشيد يستأذن في الدخول بعد استشهاد مولاه
يقول الله سبحانه وتعالى : ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا))
ويقول جل شانه : (( فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً))
وعن أبي الصباح ، قال : سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله عز وجل : فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم , فقال : هو تسليم الرجل على أهل البيت حين يدخل ثم يردون عليه ، فهو سلامكم على أنفسكم) .
ولذا نرى رشيد يستأذن ويسلم قبل دخول على البيوت التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسم الله , وهي بيوت ال محمد وعليهم السلام .
قال شبابة : حدثنا يزيد بن عياض ، عن مجالد ، قال : كنت أمشي مع قيس الأرقب ، فمررنا بالشعبي ، فقال لي الشعبي : اتق الله لا يشعلك بناره .
فقال قيس : أما والله قد كنت في هذه الدار – كذا قال ، ولعله في هذا الرأي – ثم قال له : وما تركته إلا لحب الدنيا .
قال : فقلت : إن كنت كاذبا ، فلعنك الله .
قال : فهل تعرف أصحاب علي ؟ قال الشعبي : ما كنت أعرف فقهاء الكوفة إلا أصحاب عبد الله قبل أن يقدم علينا علي ، ولقد كان أصحاب عبد الله يسمون قناديل المسجد ، أو سرج المصر .
قال قيس : أفلا تعرف أصحاب علي ؟
قال : نعم .
قال : فهل تعرف الحارث الأعور ؟
قال : نعم ، لقد تعلمت منه حساب الفرائض فخشيت على نفسي منه الوسواس ، فلا أدري ممن تعلمه .
قال : فهل تعرف ابن صبور ؟
قال : نعم ، ولم يكن بفقيه ، ولم يكن فيه خير .
قال : فهل تعرف صعصعة بن صوحان ؟
قال : كان رجلا خطيبا ولم يكن بفقيه .
قال : فهل تعرف رشيد الهجري ؟
قال الشعبي : نعم ، بينما أنا واقف في الهجريين إذ قال لي رجل : هل لك في رجل علينا يحب أمير المؤمنين ؟ قلت : نعم .
فأدخلني على رشيد فقال : خرجت حاجا ، فلما قضيت نسكي ، قلت : لو أحدثت عهدا بأمير المؤمنين ، فممرت بالمدينة ، فأتيت باب علي رضي الله عنه ، فقلت لانسان : استأذن لي على سيد المسلمين .
فقال : هو نائم ، وهو يحسب أني أعني الحسن .
قلت : لست أعني الحسن إنما أعني أمير المؤمنين وإمام المتقين وقائد الغر المحجلين .
قال : أوليس قد مات ! فبكى .
فقلت : أما والله إنه ليتنفس الآن بنفس حي ، ويعترق من الدثار الثقيل .
فقال : أما إذ عرفت سر آل محمد ، فادخل عليه ، فسلم عليه . فدخلت على أمير المؤمنين ، فسلمت عليه ، وأنبأني بأشياء تكون .
قال الشعبي : فقلت لرشيد : إن كنت كاذبا ، فلعنك الله ، ثم خرجت . وبلغ الحديث زيادا ، فقطع لسانه وصلبه .
ولذا ورد إذا أردت زيارة أحد من الأئمة عليهم السلام فقف على بابه وقل : اللهم إني قد وقفت على باب بيت من بيوت نبيك وال نبيك عليه وعليهم السلام ، وقد منعت الدخول إلى بيوته الا باذن نبيك ، فقلت : ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ)) . اللهم إني اعتقد حرمة نبيك في غيبته كما اعتقد في حضرته ، واعلم أن رسلك وخلفاءك احياء عندك يرزقون ، يرون مكاني في وقتي هذا ، ويسمعون كلامي ، وانك حجبت كلامهم . فاني استأذنك يا رب أولا ، واستأذن رسولك صلواتك عليه واله ثانيا ، واستأذن خليفتك الامام المفترض علي طاعته في الدخول في ساعتي هذه ، واستأذن ملائكتك الموكلين بهذه البقعة المباركة المطيعة لك السامعة ، السلام عليكم أيها الملائكة الموكلون بهذا المشهد المبارك ورحمة الله وبركاته . بإذن الله واذن رسوله واذن خلفائه واذن هذا الامام وبإذنكم صلوات الله عليكم أجمعين ، ادخل هذا البيت متقربا إلى الله ، بالله ورسوله محمد وآله الطاهرين ، فكونوا ملائكة الله أعواني ، وكونوا أنصاري حتى ادخل هذا البيت . وادعو الله بفنون
او تقول في الزيارة :أشهد أنكم تسمعون الكلام ، وتردون السلام .
او تقول : واشهد يا موالي أنكم تسمعون كلامي ، وترون مقامي ، وتعرفون مكاني ، وتردون سلامي ، وأنكم حجج الله البالغة ، ونعمه السابغة ، فاذكروني عند ربكم .
رشيد يرى مولاه بعد رحيله
أن رشيد يحدثنا انه رأى أمير المؤمنين عليه السلام حين ذكر شوقه إلى الإمام الحسن عليه السلام , فعن فرات بن أحنف ، عن يحيى بن أم الطويل ، عن رشيد الهجري :
قال : دخلنا على أبي محمد عليه السلام بعد مضي أبيه أمير المؤمنين عليه السلام فتذاكرنا له شوقنا إليه.
فقال الحسن : أتريدون أن تروه ؟
قلنا : نعم ، وأنى لنا بذلك ، وقد مضى لسبيله ! .
فضرب بيده إلى ستر كان معلقا على باب في صدر المجلس ، فرفعه , فقال : انظروا من في هذا البيت . فإذا أمير المؤمنين جالس كأحسن ما رأيناه في حياته .
فقال : هو هو . ثم خلى الستر من يده .
فقال بعضنا : هذا [ الذي رأيناه ] من الحسن كالذي نشاهد من دلائل أمير المؤمنين ومعجزاته .
وهذه الحادثة تبرز لنا عدة أمور :
الأول : أن أمير المؤمنين عليه السلام من أوضح مصاديق الإحياء عند ربهم , يقول الله سبحانه وتعالى : ((وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ)) .
الثاني : كان لرشيد قابلة واستعداد وشوق شديد حتى وصل إلى مرحلة يتمكن معها من روية عالم البرزخ , فعن أبي عبد الله ( عليه السلام ) : قال : ما أنتم والبراءة ، يبرء بعضكم من بعض ، إن المؤمنين بعضهم أفضل من بعض , وبعضهم أكثر صلاة من بعض , وبعضهم أنفذ بصرا من بعض وهي الدرجات .
الثالث : قد ظهرت على يد الإمام الحسن عليه السلام بعض دلائل ومعجزات الإمامة التي كانت عند أبيه أمير المؤمنين عليه السلام .
إيمانه في الرجعة
مما امتازت به الإمامية القول بالرجعة , والمراد منها :هو أن الله تعالى يعيد قوما من الأموات إلى الدنيا قبل يوم القيامة في صورهم التي كانوا عليها ، فيعز فريقا ويذل فريقا آخر .
فيقول الشيخ المفيد : اتفقت الإمامية على وجوب رجعة كثير من الأموات إلى الدنيا قبل يوم القيمة وإن كان بينهم في معنى الرجعة اختلاف .
وهذا نابع من إيمانهم بما ورد من القران والسنة ، وخير دليل قوله تعالى : ((قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ)) .
وعن جميل بن دراج ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال :
قلت له قول الله عز وجل (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ) .
قال : ذلك والله في الرجعة ، أما علمت أن أنبياء الله كثيرا لم ينصروا في الدنيا وقتلوا ، والأئمة قد قتلوا ولم ينصروا فذلك في الرجعة.
قلت : (وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ * يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ) .
قال : هي الرجعة .
وحيث القول بالرجعة يعد عند العامة من المستنكرات التي يستقبح الاعتقاد بها ، وكان المؤلفون منهم في رجال الحديث يعدون الاعتقاد بالرجعة من الطعون في الراوي والشناعات عليه التي تستوجب رفض روايته وطرحها ، وكان علماء الجرح والتعديل ولا يزالون إذا ذكروا بعض العظماء من رواة الشيعة ومحدثيهم ولم يجدوا مجالا للطعن فيه لوثاقته وورعه وأمانته ، نبذوه بأنه يقول بالرجعة ، فكأنهم يقولون يعبد صنما أو يجعل لله شريكا ، فكان هذا الاعتقاد من أكبر ما تنبز به الشيعة الإمامية ويشنع به عليهم
وامثال هؤلاء قول ابن حبان : رشيد الهجري يروي عن أبيه عداده في أهل الكوفة كان يؤمن بالرجعة .
وقال ابن حبان: رشيد الهجري كوفي كان يؤمن بالرجعة .
مضافا إلى ما نقل عن عاصم عن حبيب بن صهبان قال أبو بكر وكان ناسكا قال سمعت عليا على المنبر يقول إن دابة الأرض تأكل بفيها وتحدث بإستها فقال رشيد الهجري أشهد أنك تلك الدابة فقال له علي قولا شديدا .
وفي مكان آخر يقولون : من الشيعة الكذابين ، طائفة معروفة بالكذب ، هي الجماعة السبئية ، سماهم الناس الكذابين ، من رؤوسهم : محمد بن السائب الكلبي ، وجابر بن يزيد الجعفي ، من أفكارهم الخرافية ، الزعم بأن عليا في السماء ،و أنه سيرجع إلى الدنيا ،و كان رشيد الهجري السبئي يقول لعلي بن أبي طالب : أنت دابة الأرض . ويستفاد من مجموع الأخبار المستفيضة من طرق الإمامية أن الراجعين صنفان من المؤمنين والكافرين ، فقد روي عن الصادق ( عليه السلام ) أنه قال : إن الرجعة ليست بعامة ، وهي خاصة ، لا يرجع إلا من محض الإيمان محضا أو محض الشرك محضا أما سوى هذين الصنفين فلا رجوع لهم إلى يوم المآب .
وقد ورد عن أبي عبد الله عليه السلام قال انتهى رسول الله " ص " إلى أمير المؤمنين " ع " وهو نائم في المسجد قد جمع رملا ووضع رأسه عليه فحركه رسول الله صلى الله عليه وآله برجله ثم قال يا دابة الله فقال رجل من أصحابه يا رسول الله أيسمى بعضنا بعضا بهذا الاسم فقال لا والله ما هو إلا له خاصة وهو الدابة التي ذكر الله تعالى في كتابه وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم ان الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله يا علي إذا كان آخر الزمان أخرجك الله في أحسن صورة ومعك ميسم تسم به أعدائك .
وورد عن الإمام الباقر ( عليه السلام ) قال : قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : وإني لصاحب الكرات ودولة الدول ، وإني لصاحب العصا والميسم ، والدابة التي تكلم الناس .
وجاء في زيارته ( عليه السلام ) : ( السلام عليك يا صاحب الكرة والرجعة ) .
رشيد وابن زياد والبراءة
جاء عن أهل بيت العصمة عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه : الإيمان له أركان أربعة التوكل على الله ، وتفويض الأمر إلى الله ، والرضاء بقضاء الله ، والتسليم لأمر الله عز وجل .
وعنه ( عليه السلام ) : من تولانا فليلبس للمحن إهابا .
لقد أبرزت هذه الخصال عند رشيد حين وقوفه أمام الدعي ابن زياد , ذلك السفاك الفتاك , رغبته وشهوته في إراقة الدماء , ولا سيما من العترة الطاهرة وممن يواليهم .
فلقد عاهد رشيد أمير المؤمنين عليه السلام بعدم التبري منه , عندما يعرض للبراءة منه , وكيف يبرء منه من كان صادق الإيمان ومتوكلا ومفوضا وراضيا ومسلما لأمر الله .
فتراه لا يرهبه الموت, بل يرى الموت لذة وغبطة , ولقد سئل الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام : ما بال هؤلاء المسلمين يكرهون الموت ؟ قال : لأنهم جهلوه فكرهوه ولو عرفوه وكانوا من أولياء الله عز وجل لأحبوه ولعلموا أن الآخرة خير لهم من الدنيا ، ثم قال عليه السلام : يا أبا عبد الله ما بال الصبي والمجنون يمتنع من الدواء المنقي لبدنه والنافي للألم عنه ؟ قال : لجهلهم بنفع الدواء . قال : والذي بعث محمدا بالحق نبيا إن من استعد للموت حق الاستعداد فهو أنفع له من هذا الدواء لهذا المتعالج ، أما إنهم لو عرفوا ما يؤدي إليه الموت من النعيم لاستدعوه وأحبوه أشد ما يستدعي العاقل الحازم الدواء لدفع الآفات واجتلاب السلامات .
جاء في الاختصاص : انه أرسل إليه الدعي عبيد الله بن زياد فدعاه إلى البراءة من أمير المؤمنين عليه السلام فأبى أن يتبرأ منه فقال له الدعي : فبأي ميتة قال لك تموت ؟ قال : أخبرني خليلي أنك تدعوني إلى البراءة منه فلا أتبرء .
وكيف يتبرأ وقد نهى عن البراءة , حيث قال أمير المؤمنين عليه السلام على منبر الكوفة : أيها الناس إنكم ستدعون إلى سبي فسبوني ، ثم تدعون إلى البراءة مني فلا تبرؤوا مني .
ومن هذا الرواية وأمثالها يظهر أن هنالك فرق بين السب والبراءة في مورد التقية منها :
أولا : أن البعد السياسي في السب أقوى وأظهر منه في البراءة ، والبعد العقائدي في البراءة أقوى وأظهر . فالخطر العقائدي على المسلمين في البراءة أكثر . لأن السب صادر بالنسبة إلى المسلم أيضا بخلاف البراءة فإنها تكون عن المشركين والكافرين كما قال الله تعالى : ((بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)) .
ثانيا : أن الحق الشخصي في السب أقوى منه في البراءة ، فالحق العام في السب وإن كان عظيما بسبب أنه ظلم وعدوان على وصي النبي ( صلى الله عليه وآله ) الذي يمثل دين الله تعالى ، ولكن فيه حقا شخصيا أيضا لأنه ظلم وعدوان على شخص علي ( عليه السلام ) وباعتبار هذا الحق الشخصي كان له ( عليه السلام ) أن يجعل المؤمنين في حل عند الضرورة بخلاف البراءة منه .
وسيأتي في موضوع التقية في البحث القادم تفصيل أكثر للكلام .
التقية
عرف عن مذهب أهل البيت مذهب التقية , فعن معلى بن خنيس قال : قال أبو عبد الله ( ع ) : يا معلى اكتم أمرنا ولا تذعه ، فإنه من كتم أمرنا ولم يذعه أعزه الله في الدنيا ، وجعله نورا بين عينيه في الآخرة يقوده إلى الجنة ، يا معلى من أذاع حديثنا وأمرنا ولم يكتمها أذله الله به في الدنيا ، ونزع النور من بين عينيه في الآخرة ، وجعله ظلمة تقوده إلى النار ، يا معلى إن التقية ديني ودين آبائي ، ولا دين لمن لا تقية له ، يا معلى إن الله يحب أن يعبد في السر كما يجب أن يعبد في العلانية ، يا معلى إن المذيع لأمرنا كالجاحد به .
وذلك لان التقية من المفاهيم القرآنية , وطريق لخروج المؤمن من الظروف العصيبة سالما , كما في مؤمن آل فرعون وعمار عندما أخذ وأسر وهدد بالقتل , إلى غير ذلك من الموارد , بالإضافة إلى السنة النبوية .
والسؤال المطروح هل رشيد ترك الالتزام بالتقية ؟ أو لماذا رشيد لم يستعمل التقية ليصون نفسه من القتل والصلب ؟ وهو أجدر من غيره في معرفة الشريعة علما وعملا .
الجواب : يتبين من عدة أمور :
1- إن أيام أمير المؤمنين كانت فرصة لأوليائه في ظهورهم دفاعا عن الحق وأصبحوا معروفين , ولما وصل الأمر إلى معاوية وأتباعه اخذ ينتقم منهم , فلا موضوع للتقية بعد تشخيصهم .
2- كان سيف معاوية وأتباعه سيف صارم يستأصل كل من كان على دين علي عليه السلام , فقد روى أبو الحسن علي بن محمد بن أبي سيف المدائني في كتاب " الأحداث " قال : كتب معاوية نسخة واحدة إلى عماله بعد عام الجماعة : أن برئت الذمة ممن روى شيئا من فضل أبي تراب وأهل بيته ، فقامت الخطباء في كل كورة ، وعلى كل منبر ، يلعنون عليا ويبرأون منه ويقعون فيه وفي أهل بيته ، وكان أشد الناس بلاء حينئذ أهل الكوفة ، لكثرة من بها من شيعة علي – عليه السلام – فاستعمل عليها زياد بن سمية ، وضم إليه البصرة ، فكان يتبع الشيعة وهو بهم عارف ، لأنه كان منهم أيام علي – عليه السلام – ، فقتلهم تحت كل حجر ومدر ، وأخافهم ، وقطع الأيدي والأرجل ، وسمل العيون ، وصلبهم على جذوع النخل ، وطردهم وشردهم عن العراق ، فلم يبق بها معروف منهم .
فلذا لو استعمل التقية فأنها لا تقف أمام بطش معاوية , كما هو معلوم لذي الألباب.
3- أن للتقية حد فإذا ترتب عليها مفسدة أعظم – كهدم الدين وخفاء الحقيقة على الأجيال الآتية – كان من الواجب أن يقدموا أنفسهم وأرواحهم أضاحي من أجل الدين ، فللتقية مواضع معينة ، فعن أبي عبد الله قال : فكل شئ يعمل المؤمن بينهم لمكان التقية مما لا يؤدي إلى الفساد في الدين فإنه جائز .
4- ربما يستفاد من قول الباقر عليه السلام : إنما جعلت التقية ليحقن بها الدماء ، فإذا بلغ الدم فلا تقية , أي عندما تصل إلى حد يعلم انه مقتول على كل حال , فالتقية غير لازمة , بل يكون اظهر الحق أولى .
5- قد يقال أن التقية جائز وليست بواجبة , فالإنسان مخير بين أن يضحي بماله ونفسه أو أن يتقي بطش الظالمين .
6- أن أمير المؤمنين اخبر رشيد مرارا بما سيجري عليه , منها عندما خرج أمير المؤمنين (عليه السلام) ذات يوم إلى بستان البرني ومعه أصحابه فجلس تحت نخلة فرطبت ونزل منها رطب فوضع بين أيديهم فأكلوا فقال رشيد الهجري: يا أمير المؤمنين ما أطيب هذا الرطب، فقال: يا رشيد أما انك تصلب على جذعها .
وعلى هذا كيف تجب عليه بعد بيان ما سوف يجري عليه .
حديثه
لم يصل إلينا الكثير من أحاديث رشيد الهجري مع غزارة علمه , وذلك للظروف التي مره بها إتباع أهل البيت عليهم السلام , وقد وقفنا على بعض ما ورد من الأحداث و الروايات التي كان فيها أو نقلت عنه :
1- عن أحمد بن علي قال : حدثنا الحسن بن علي قال : أخبرنا علي قال : أخبرنا محمد بن فضيل عن مسلم الملائي : عن حبة قال العرني : لما توجه علي إلى الخوارج [ كان معه رشيد الهجري فقال له : يا رشيد إني ] هويتك [ و ] إني محدثك حديثا فخذه مني على خلوة ! !
فقال : يا أمير المؤمنين إني رجل نسي .
فقال علي : إني سأعيده عليك حتى تحفظه حبب حبيب آل محمد ما أحبهم فإذ أبغضهم فأبغضه وأبغض مبغض آل محمد ما أبغضهم فإذا أحبهم فأحبه وأنا أبشرك بالبشرى . قالها ثلاث مرات .
2- في تفسير فرات الكوفي:قال : حدثني عبيد بن كثير معنعنا : عن رشيد الهجري قال كنت : أسير مع مولاي علي بن أبي طالب [ عليه السلام . أ ] في هذا الظهر فالتفت إلي فقال : أنا والله يا رشيد صالح المؤمنين .
3- عن جعفر بن المفضل المخلول عن إبراهيم عن جعفر بن يحيى القرني عن يونس بن ظبيان عن أبي خالد عبد الله بن غالب عن رشيد الهجري (رضي الله عنه) قال :كنت وأبا عبد الله سلمان، وأبو عبد الرحمن قيس بن ورقا، وأبو الهيثم مالك بن التيهان وسهل بن حنيف بين يدي أمير المؤمنين (عليه السلام) بالمدينة إذ دخلت خبابة الوالبية وعلى رأسها كور شبيه السيف، وعليها اطمار سابغة متقلدة مصحف، وبين أناملها مسباح من حصى فسلمت وبكت، وقالت آه يا أمير المؤمنين، آه من فقدك واسفاه على غيبتك واحسرتاه على ما يفوت من الغيبة منك لا يلهم عنك ولا يرغب يا أمير المؤمنين من الله فيه الخشية وارادة من أمري معك على يقين وبيان وحقيقة، وأني أتيتك وأنت تعلم ما أريد .
فمد يده اليمنى إليها فأخذ من يدها حصاة بيضاء تلمع وترى من صفائها وأخذ خاتمه من يده وطبع به في الحصاة فانطبعت.
فقال لها: يا حبابة هذا كان مرادك مني ؟
فقالت: أي والله يا أمير المؤمنين هذا أريد لما سمعناه من نقول شيعتك واختلافهم بعدك، فأردت بهذا برهانا يكون معي إن عمرت بعدك – ولا عمرت – ويا ليتني وقومي لك الفداء، فإذا وقعت الإشارة وشئت شيعه فمن يقوم مقامك أتيته بهذه الحصاة، فإذا فعل فعلك بها علمت أنه الخليفة وأرجو أن لا أوجد لذلك.
قال: بلى: والله يا حبابة، لتلقين بهذه الحصاه ابني الحسن، والحسين، وعلي بن الحسين، ومحمد بن على، وجعفر بن محمد، وموسى بن جعفر، وعلي بن موسى، وكلا إذا اتيته استدعى بالحصاة منك وطبعها بهذا الخاتم لك فبعهد علي بن موسى ترين في نفسك برهانا عظيما تعجبين منه فتختارين الموت فتموتين ويتولى أمرك ويقوم على حفرتك ويصلي عليك وأنا مبشرك بأنك مع المكرورات مع المهدي من ذريتي إذا اظهر الله امره. فبكت حبابة.
ثم قالت: يا أمير المؤمنين من أين لأمتك الطائعة الضعيفة اليقين القليلة العمل لولا فضله وفضل رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وفضلك يا أمير المؤمنين أن تتأتى هذه المنزلة التي أنا فيها، والله بما قلته لي مؤقنة ليقيني بأنك أمير المؤمنين حقا لا سواك، فادع لي يا أمير المؤمنين بالثبات على ما هداني الله إليه، ولا أسلبه ولا أفتتن فيه، ولا أضل عنه. فدعا لها أمير المؤمنين بذلك، واصحبها خيرا.
قالت حبابة: لما قبض أمير المؤمنين (عليه السلام) بضربة عبد الرحمن بن ملجم المرادي في مسجد الكوفة أتيت مولاي الحسن فلما رآني قال: أهلا وسهلا بك يا حبابة هاتي الحصاة فمد يده إليها (عليه السلام) كما مد أمير المؤمنين يده فأخذ الحصاة وطبعها كما طبعها أمير المؤمنين، وخرج ذلك الخاتم بعينه، فلما قبض الحسن بالسم أتيت الحسين (عليه السلام) فلما رآني قال: مرحبا بك يا حبابة هاتي الحصاة، فأخذها وختم عليها بذلك الخاتم، فلما استشهد (عليه السلام) أتيت عليا بن الحسين وقد شك الناس فيه ومالت شيعة الحجاز الى محمد بن الحنفية، من شكهم في زين العابدين (عليه السلام)، وصار من كبارهم جميع، فقالوا: يا حبابة الله الله فينا اقصدي الى علي بن الحسين (عليه السلام) حتى يتبين الحق، فصرت إليه فلما رآني رحب بي ومد يده وقال: هاتي الحصاة فأخذها وطبعها بذلك الخاتم ثم صرت بذلك الخاتم الى محمد، والى جعفر بن محمد، والى موسى بن جعفر، والى علي بن موسى الرضا (صلوات الله عليهم أجمعين)، فكل يفعل كفعل أمير المؤمنين (عليه السلام) والحسن والحسين (عليهما السلام)، وكبر سني ورق جلدي ودق عظمي وحال سواد شعري بياضا، وكنت بكثرة نظري إليهم صحيحة العقل والبصر والفهم، فلما صرت الى علي الرضا بن موسى (صلوات الله عليه) رأيت شخصه الكريم ضحكت ضحكا فقال من حضر: قد خرفت يا حبابة، والا نقص عقلك، فقال لهم علي الرضا (صلوات الله عليه) اني لكم، ما خرفت حبابة ولا نقص عقلها، ولكن جدي أمير المؤمنين (عليه السلام) أخبرها بأنها تكون معي وأنها تكون مع المكرورات مع المهدي (عليه السلام)، من ولدي، فضحكت تشوقا إلى ذلك وسرورا وفرحا بقربها منه، فقال القوم: استغفر لنا يا سيدنا وما علمنا هذا، قال: يا حبابة ما الذي قال لك جدي أمير المؤمنين (عليه السلام) ؟
قالت: قال تريني برهانا عظيما.
قال: يا حبابة ترين بياض شعرك ؟
قلت: بلى يا مولاي.
قال: يا حبابة افتحبين ان تريه اسود حالكا كما كان في عنفوان شبابك؟
قلت: نعم يا مولاي.
قال: يا حبابة ويجزيك ذلك أو نزيدك ؟
فقلت: يا مولاي زدني من فضلك علي قال: اتحبين ان تكوني مع سواد شعرك شابة ؟
فقلت: يا مولاي هذا البرهان عظيم.
قال: وهذا اعظم منه ما تجدينه مما لا يعلم الناس به.
فقلت: يا مولاي اجعلني لفضلك اهلا فدعا بدعوات خفية حرك بها شفتيه فعدت والله شابة طرية غضة سوداء الشعر حالكا، ثم دخلت خلوة في جانب الدار ففتشت نفسي فوجدتها بكرا فرجعت وخررت بين يديه ساجدة.
ثم قلت: يا مولاي النقلة إلى الله عز وجل فلا حاجة لي في حياة الدنيا.
فقال: يا حبابة ارحلي إلى أمهات الأولاد فجهازك هناك منفردا .
4- عن محمد بن الحسن ، عن محمد بن الحسن الصفار ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن عثمان بن عيسى ، عن أبي الجارود قال : سمعت القنوا بنت رشيد الهجري تقول : قال أبي : يا بنية أميتي الحديث بالكتمان واجعلي القلب مسكن الأمانة .
5- أمالي الشيباني قال رشيد الهجري : كنت في بعض الطريق مع علي بن أبي طالب إذ التفت إلي فقال : يا رشيد أترى ما أرى ؟ قلت : لا يا أمير المؤمنين وانه ليكشف لك الغطاء مالا يكشف لغيرك ، قال : اني أرى رجلا في ثبج من النار يقول : يا علي استغفر لي ، لا غفر الله له .
5- ماروت أصحاب الحديث إلى رشيد الهجري ويحيى ابن أم الطويل انهما قالا لما ادعى محمد بن الحنفية الإمامة بعد الحسين ( ع ) وقال انا أحق بالإمامة فاني ولد أمير المؤمنين ( ع ) وقد كان اجتمع إليه خلق كثير اقبل زين العابدين ( ع ) يعظه ويذكره ما كان من رسول الله ( ص ) في الإشارة إلى ولد الحسين وان الوصية وصلت إليه من أبيه ( ع ) فلم يقبل محمد بن الحنفية وانتهى الامر إلى أن اخذ علي بن الحسين بيده وقال فنحاكم إلى الحجر الأسود فانطق الله سبحانه الحجر الأسود وشهد لعلي ابن الحسين ( ع ) بالإمامة ورجع محمد بن الحنفية عن خلافة وفيه
6- عن الشعبي أنه كان يقول: سمعت رشيد الهجري والحارث الاَعور الهمداني وصعصعة بن صوحان العبدي وسالم بن دينار الاَزدي، كلهم يذكرون أنهم سمعوا علي بن أبي طالب عليه السلام على منبر الكوفة يقول في خطبته: يا معشر أهل الكوفة، والله لتصبرن على قتال عدوكم أو ليسلطن الله عليكم أقواماً أنتم أولى بالحق منهم، فيعذبكم الله بهم ثم يعذبهم بما شاء من عنده، أَوَ من قتلة بالسيف تفرون إلى الموت على الفراش. فإني أشهد إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إن معالجة ملك الموت لاَشد من ضربة ألف سيف، أخبرني جبرئيل يا علي إنه يصيبكم بعدي أَثَرةٌ وزلزال، فعليكم بالصبر الجميل.
وقال لي أيضاً: قضاء مقضي على لسان النبي الاَمي: إنه لا يبغضك يا علي مؤمن ولا يحبك كافر، وقد خاب من حمل ظلماً وافترى. ثم جعل يقول لنفسه: يا علي إنك ميت مقتول، بل مقتول إن شاء الله، فما ينتظر أشقاها أن يخضب هذه من هذا، ثم أمرَّ يده اليمنى على لحيته، ثم وضعها على رأسه، ثم قال: أما لقد رأيت في منامي أنه يهلك في اثنان ولا ذنب لي: محب غالٍ، ومبغض قالٍ. ثم قال: إلا أنكم ستعرضون على البراءة مني فلا تتبرأوا مني، فإن صاحبكم والله على فطرة الله التي فطر الناس عليها. ثم نزل عن المنبر .
7- عبد الله حدثني أبي ثنا محد بن جعفر ثنا شعبة عن الحكم سمعت سيفا يحدث عن رشيد الهجري عن أبيه ان رجلا قال لعبد الله بن عمرو حدثني ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعني وما وجدت في وسقك يوم اليرموك قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده
شهادته
قال سبحانه وتعالى كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) , وكم فرق بين أن يذوق المرء الموت على الفراش وبين أن يذوق الموت بسقي الأرض بالدماء , بل بالصلب وتقطيع الأوداج , من اجل إحياء الدين والشريعة , فعن علي عليه السلام قال : أيها الناس إن الموت لا يفوته المقيم ، ولا يعجزه الهارب ، ليس عن الموت محيد ولا محيص ، من لم يقتل مات ، إن أفضل الموت القتل ، والذي نفس علي بيده لألف ضربة بالسيف أهون من موتة واحدة على الفراش .
وهذا رشيد , قد منح الله بلطفه فكان من أصحاب اليقين , بعد أن صفاه من كل كدر وعيب حتى كاد أن يكون ملاكا مجردا , ولم يكن هذا كافي حتى مَنَّ الله عليه ما هو أفضل من ذلك نزلا وغرفا , لكي يكتب في عداد الشهداء ليرتفع مكانه في دار الخلود , إكراما من الله على عباده , وحبا له لحسن اختياره , قال تعالى : (الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ) ,إذ أن هنالك مراتب لا تنال إلا بالشهادة , قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : فوق كل ذي بر بر ، حتى يقتل الرجل في سبيل الله فإذا قتل في سبيل الله فليس فوقه بر .
ولم يكن تعدي بن زياد لأصحاب أمير المؤمنين , إلا لأجل بروزهم بالعلم والأخلاق والفضل والولاء , فكانوا دعاة الدين وعلماء الشريعة والعالمين بأحكامها .
وهل يا ترى لو كان من أشياع بني أمية , وكان من أصحاب الفجور والخمور , والكفر والاحاد , يصنع به هكذا !! .
كلا لقد اختار رشيد بملء أرادته طريق الشهادة , ولاء وحبا لنبي واله , ولم يتردد لحظه في الخوض وان كلف الأمر تقطيع الأيد والرجل و اللسان .
فقد كان مستعد تمام الاستعداد لذلك , بل ينظر إلى جذع نخلة ويسقيها في أطراف النهار , وينتظر متى تقطع حتى يصلب عليها , فقد روي عن أبو عبد الله (عليه السلام) قال:خرج أمير المؤمنين (عليه السلام) ذات يوم إلى بستان البرني ومعه أصحابه فجلس تحت نخلة فرطبت ونزل منها رطب فوضع بين أيديهم فأكلوا فقال رشيد الهجري: يا أمير المؤمنين ما أطيب هذا الرطب، فقال: يا رشيد أما انك تصلب على جذعها، قال رشيد: فكنت اختلف إليها أطراف النهار وأسقيها .
ومضى أمير المؤمنين (عليه السلام) فخرجنا يوما وقد قطعت وذهب نصفها فقلت: قد اقترب اجلي فجئت اليوم الآخر فإذا بالنصف الثاني قد جعل زرنوقا يستقى عليه، فقلت: والله ما كذبني خليلي فأتاني العريف فقال: أجب الأمير فأتيته فلما وصلت القصر فإذا انا بخشب ملقى وفيه الزرنوق وجئت حتى ضربت الزرنوق برجلي، وقلت: إليك أعدت وإليك أتيت .
وهذه من أعلام رشيد الباهرة وأخباره المستغربة عن اقتراب اجله .
لم يمر وقتا طويلا , حتى دعاه دعي بن أمية عبيد الله , عندما كان أميرا على الكوفة , وكان همه وعزمه في مطاردة أصحاب أمير المؤمنين , لأنه كان الخبير بهم .
واليك ما روته قنوا بنت رشيد الهجري قالت: سمعت من أبي يقول: قال: حدثني أمير المؤمنين عليه السلام فقال: يا رشيد كيف صبرك إذا أرسل إليك دعي بني أمية فقطع يديك ورجليك ولسانك؟ فقلت: يا أمير المؤمنين آخر ذلك الجنة؟ قال: بلى يا رشيد أنت معي في الدنيا والآخرة، قالت: فوالله ما ذهبت الأيام حتى أرسل إليه الدعي عبيد الله بن زياد فدعاه إلى البراء ة من أمير المؤمنين عليه السلام فأبى أن يتبرأ منه فقال له الدعي: فبأي ميتة قال لك تموت؟ قال: أخبرني خليلي أنك تدعوني إلى البراء ة منه فلا أتبرء منه فتقدمني فتقطع يدي ورجلي ولساني، فقال: والله لاكذبن قوله فيك، قدموه فاقطعوا يديه ورجليه واتركوا لسانه فحملت طوائفه لما قطعت يداه و رجلاه فقلت له: يا أبه كيف تجد ألما لما أصابك؟ فقال: لا يا بنية إلا كالزحام بين الناس فلما حملناه وأخرجناه من القصر اجتمع الناس حوله فقال: ائتوني بصحيفة ودواة أكتب لكم ما يكون إلى أن تقوم الساعة فإن للقوم بقية لم يأخذوها مني بعد فأتوه بصحيفة فكتب الكتاب بسم الله الرحمن الرحيم.
وذهب لعين فأخبره أنه يكتب للناس ما يكون إلى أن تقوم الساعة فأرسل إليه الحجام حتى قطع لسانه فمات في ليلته تلك .
فبعين الله ما لاقيته , يا رشيد , وهو الأخذ بحقك والمنتقم لك من عدوه وعدوك .
ولئن فات الأمويين ما صنعوه هذا اليوم برشيد فلا يفوتهم يوم الخصام والانتقام من الجابر .
وبهذا الحديث الفظيع انقضت حياة رشيد رضوان الله تعالى عليه , فانا لله وإنا إليه راجعون .
فسلام عليكم يا رشيد , يوم ولدت , ويوم أسلمت وأمنت , ويوم جاهدت وصبرت , ويوم قطعت واستشهدت , ويوم تبعث حيا مع الشهداء الصديقين الصابرين .
مكانته في الآخرة
عن النبي صلى الله عليه وآله ان في الجنة منازل لا ينالها العباد بأعمالهم ليس لها علاقة من فوقها ولا عماد من تحتها قيل : يا رسول الله من أهلها ؟ فقال صلى الله عليه وآله : هم أهل البلاء والهموم .
قال أمير المؤمنين يوما لرشيد الهجري : يا رشيد كيف صبرك إذا أرسل إليك دعي بني أمية فقطع يديك ورجليك ولسانك؟
فقلت: يا أمير المؤمنين آخر ذلك الجنة ؟
قال: بلى يا رشيد أنت معي في الدنيا والآخرة .
ولا شكّ أنّ أميرَ المؤمنين أراد درجتَهُ في الجَنّة , ولكنْ لا ندري كيفَ يكونُ في درجته ؟ .
وإنّ الأنبياءَ والأوصياءَ لا يُماثلهم أَحَدٌ في تلك الدرجات, لما هُمْ عليه من الجِهاد في سبيل الله . وعِظَمِ المنزلة في المعرفة والعلم والعبادة .
ولو ساواهم أحدُ في درجاتهم لكان منهم .
ولعلّ المرادَ من الدرجة هُنا أنّه إلى جانبه أو في حَوْزته ودائرته , لأنّا نعتقدُ في أنّ كلّ نبيّ ووصيّ يكونُ أماثل أصحابه إلى جَنْبه وبالقُرْبِ منه , فعن علي ، أنّه قال : ( أَخَذَ رسولُ الله بيد الحسن والحسين عليهما السلام فقال : مَنْ أحَبّني ، وأحبَّ هذين ، وأباهما ، وأمهّما كانَ معي في دَرَجَتي في الجنة) .
قبره اليوم
ان الدلائل التي عندنا ان قبر رشيد الهجري هو في قرية ذي الكفل , وذلك لتسالم الناس يدا عن يد على ان القبر له , مع كثرة الصحابة والتابعين والاولياء والصالحين والشهداء والعلويين الذين ماتوا في الكوفة ودفنوا فيها , واندرست قبورهم , فلا نعرف لها اليوم أثرا سوى قبور قليلة .
ففي تاريخ الكوفة يقول : واما رشيد الهجري فإنه دفن بباب النخيلة من الكوفة وقبره بقرب قرية ذي الكفل .
وتضم ناحية الكفل مقام ولادة النبي ابراهيم الخليل المولود في ما يقارب 1900 ق.م في قرية مازالت تسمى باسمه (قرية ابراهيم الخليل) وهي القرية نفسها التي شهدت محاولة حرقه والمذكورة في القرآن الكريم فضلا عن وجود قبر النبي الصابر ايوب في شمال الناحية على طريق حلة, إذ توجد قبة وصحن يقصده الزوار من جميع انحاء العالم .
وتقول مصادر تاريخية متطابقة ان النبي ذي الكفل واسمه (حزقيال بن بوزي) وهو احد انبياء بني اسرائيل جاء من فلسطين الى بابل عاصمة الدولة الكلدانية مع المسبيين اليهود اثناء السبي البابلي الاول في سنة 597 ق.م وانه كان يقوم بمهمة الكاهن لهم مدة عشرين سنة حتى وفاته فدفن في الكفل وله مزار وقبة مخروطية الشكل وصحن يمتلك قدسية عند الديانات السماوية الثلاث وقد ذكره القرآن الكريم في الآية: (وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ) .
ويقع في المنطقة بقرب جسر العباسيات مرقد الصحابي رشيد الهجري وضريح الامام زيد بن علي بن الحسين ومراقد اخرى منها مرقد بكر بن علي وعبد الله بن زيد، فضلا عن مسجد النخيلة الذي صلى به الامام علي بن ابي طالب.
وتبعد مدينة الكفل عن مدينة الحلة ثلاثين كيلومتراً من نقطة ينقسم فيها الفرات الى قسمين قسم يدعى (نهر الشامية) او نهر ابو كفوف على حد تعبير مصادر الري في عشرينيات القرن الماضي وقسم آخر يدعى (نهر الكوفة) .
وشاع اسمها (بذي الكفل) في أوائل العهد العثماني في حين ذكرها البلدانيون او الرحالة العرب بأسم (القسونات) تلك القرية التي عدت واحة في الصحراء تمتد من حدود بابل البابلية والتي قامت علي ارض اثارية سميت عند قدامي البابليين باسم (بر ملاحة) ووصفها ياقوت الحموي في معجمه بأنها موضع من ارض بابل قرب حلة دبيس بن مزيد الاسدي ومنها قبر باروخ استاذ حزقيل وقبر يوسف الربان وقبر يوسغ وليس يوشع بابن نون، وقبر عزرة، وليس عزرة بناقل التوراة الكاتب، وفيها ايضاً قبر حزقيل المعروف بـ(ذي الكفل) الذي ورد ذكره في القرآن الكريم في سورة الأنبياء. ولأهمية هذه القرية – المدينة جعلها العثمانيون ناحية وجاء ذكرها في وثائق سنة 1850 بأنها تابعة الى قضاء الهندية (طويريج) وبقيت ناحية ملحقة بهذا القضاء حتى سنة 1969 ثم صدر مرسوم جمهوري يلحقها بقضاء الحلة في محافظة بابل .
ومعروف ان الكفل تتوسط الطريق العام بين محافظة بابل ومحافظة النجف وتبلغ نفوسها نحو 15 الف نسمة اكثرهم قبائل عربية عريقة النسب كطفيل وبني مسلم والجبور وغيرهم ويشتغلون بزراعة الأراضي الخصبة وتربية الأغنام والجاموس وتعد ارضها جغرافيا ملائمة لأقامة المؤسسات الصحية الطبية لتربتها وهوائها العليل بل هي الأرض التي تصلح في نظر الخبراء لان تكون موقعاً سياحياً لاسيما السياحة الشتوية لان الفرات يشق المدينة الى اقسام عدة .
بقلم: العبد المطيع- موقع هجر.