بين الدير وسماهيجيقع في الجهة الشمالية الشرقية لجزيرة المحرق (سماهيج التاريخية) على بعد حوالي النصف كيلو تقريبا من الساحل وبالتحديد  الجهة المقابلة لرأس ريا ويطلق عليه الأهالي (البندر) وسمي المرفأ باسم منطقة ريا لقربه منها وهي من قرى سماهيج القديمة المعروفة بالبساتين ووفرة الماء, وكما هو معروف ان مستوى البحر منخف ض ومياهه قليلة العمق فإن مركز البندر بداخل البحر في نقطة مكشوفة وأكثر عمقا للمنطقة البحرية

المجاورة للساحل وهو عبارة عن خور قليل العمق ومساحته صغيرة (في حالة المد مترين أو أكثر وفي حالة الجزر يكون ارتفاعه مترا واحدا) ويعتمد البحارة بوضع سفنهم ومحاملهم الكبيرة في البندر, وإذا Untitled-1كانت حالة الجزر شديدة توضع المحامل والبوانيش في منطقة العظم شمال غرب البندر الأكثر عمقا, أما القوارب الصغيرة فإنها ترسو بمحاذاة الساحل في منطقة الغليل, ويحد البندر من الشمال منطقة النكل والعظم ومن الشرق الزغبة والمطاف ومن الجنوب الخوانجة والحرف ومن الغرب فناء ساحل ريا، ويعتبر المرفأ نقطة انطلاق السفن الكبيرة لاستخراج اللؤلؤ وصيد الأسماك منذ القدم فكان البحارة قديما ينقلون أمتعتهم عبر قوارب صغيرة إلى البندر ويركبون بها سفنهم وبعد رجوعهم من رحلة الصيد والغوص ينتقلون إلى القوارب ذاتها ومن ثم إلى الساحل لإنزال أمتعتهم وصيدهم من لؤلؤ وأسماك.
مستوى ماء البحر
فيما وراء الجهتين الشمالية والشرقية للبندر في داخل البحر يكون الماء أكثر عمقا من الساحل، وكلما اتجهت أكثر ازداد عمق الماء, وهناك مجرى للإبحار متوسط الاتساع يجري شمالا وجنوبا (وخليج البحرين كله من رأس راكان إلى رأس تنورة البالغ طوله 73 ميلا هو كتلة من الشعب الصخرية قليلة الغور باستثناء مجرى واضح متوسط الاتساع هو الذي يجري شمالا وجنوبا من الساحل الشرقي لجزيرة المحرق) (1)، وشمالا إلى الغرب يوجد مجرى بحري يستخدمه البحارة للإبحار يطلق عليه (خور سليل) إلا أن ذلك لا يخلو من عقبات تواجه الإبحار بالسفن للخروج من البندر وخصوصا في حالة الجزر نظرا لانخفاض مستوى الماء وكثرة الشعب المرجانية, وقيادة السفن تحتاج إلى ربان لديه الدراية بمعرفة طرق المنطقة ولذلك امتاز البحارة بمعرفة الطرق السالكة التي تسلك بهم إلى العمق وتوصلهم إلى محميات الأسماك ومصائد اللؤلؤ ومن ثم الرجوع إلى البندر بيسر وسهولة دونما أي مشاكل وعقبات يلقونها في طريق العودة, (وأعظم العقبات الكبيرة بالنسبة للملاحة في الخليج هي فشت الديبل بين جزيرة المحرق ورأس راكان لمسافة طولها أربعة أميال من الشمال الى الجنوب وثلاثة أميال عرضا, ثم فشت الجارم ويبلغ 15 ميلا من الشمال والجنوب وتسعة أميال عرضا في أقصى الشمال, وهو يحمي ميناء المنامة من الرياح الشمالية الغربية, وكثير من شعب جزر البحرين الصخرية جافة جزئيا في الماء الضحل. وفي الجانب الواقع تجاه البحر المفتوح تنتهي مياه البحرين الضحلة على بعد 54 ميلا عن شمال المحرق) (2).
البندر الوحيد في المنطقة
لم تعرف السواحل الشمالية الشرقية للجزيرة طوال التاريخ غير هذا البندر المسمى بندر ريا بدليل أن السواحل الأخرى القريبة منه لا تصلح لرسو السفن فيها, فالسواحل الشمالية المحاذية للدير مياهها ضحلة وتمتد الصخور المرجانية بالقرب من سواحلها ومنها استفاد أهالي سماهيج منذ القدم في نصب المصائد البحرية (المساكر والحضور), والجهة الشرقية المقابلة لسواحل قلالي مشابهة كذلك لسواحل الدير فمياهها ضحلة وتكثر بها الصخور والشعاب المرجانية، واستثمر البحارة الأقدمون سطح الساحل لإصلاح وصيانة السفن وتجديفها بعد كل موسم من مواسم الغوص, ومن هذا الجانب الجغرافي والبيئي للسطح يتضح بعدم وجود مرفأ (بندر) للسفن غير البندر الموجود حاليا بالقرب من ساحل سماهيج وربما يكون ذلك أحد أهم الأسباب تاريخيا لتمركز السكان في الجزيرة في الزمن القديم مع وجود مصادر المياه الجوفية (العيون والكواكب) وخصوبة الأرض والفلاحة, وقد اشتهرت هذه المنطقة قديما بحب أهلها للبحر وصيد الأسماك واستخراج اللؤلؤ وبناء المصائد البحرية (المساكر والحضور) وصناعة القراقير والشباك بالإضافة إلى الخبرة الواسعة بطرق البحار وبمراكز استخراج اللؤلؤ وصيد الأسماك وقد اشتهر الكثير من النواخذة بعلم طوالع النجوم والمناخ ولذلك كان هذا البندر معروفا منذ القدم ولا يهدأ طوال اليوم بخروج ودخول السفن منه وإليه حتى عهد قريب, وفي إحصائية يذكرها صاحب كتاب دليل الخليج ج.ج. لوريمر لعدد السفن في موانئ قلالي والدير وسماهيج ما مجموعه 132 سفينة وقاربا حتى بداية القرن العشرين من ضمن 1947 سفينة في موانئ جزيرتي المحرق والبحرين, ولعل هذه السفن لم تكن للملاحة التجارية والتصدير وإنما كانت للإبحار في استخراج اللؤلؤ وصيد الأسماك، إلا أن الإحصائية تبدو غريبة في مجموع السفن بميناء سماهيج وغير مطابقه للواقع المهني والمعيشي لأهل المنطقة على اعتبار أن الأهالي كانوا يعتمدون على البحر وفي ما يلي أعداد السفن وأنواعها (3):
ميناء قلالي
55 شويس وسمبوك – 4 شوعي وقوارب خفيفة: المجموع (59).
ميناء الدير
25 شويس وسمبوك – بقارة واحدة: المجموع (26)
ميناء سماهيج
6 شويس وسمبوك – 6 شوعي وقوارب خفيفة: المجموع (12)
وفي جدول القرى يذكرها بصورة أخرى (والقوارب 6 شوعيات وسمبوكا و6 ماشوات ويلحق 11 مركبا تستعمل لصيد اللؤلؤ) (4)
الدورالحضاري
يعرف الخليج على أنه بحيرة ضخمة مغلقة مياهها ضحلة وتكثر فيها الخلجان الصغيرة والجزر المتناثرة بالإضافة إلى الصخور والأعشاب المرجانية التي تكون واضحة في حالة الجزر أي أن الملاحة فيه تكون صعبة وذات خطورة على الربان الذي لا يعرف ممرات الخليج ومرافئه (فالدخول إلى هذه الموانئ ليس بالأمر الهين إذ غالبا ما تكون مرافئ الخليج على هيئة مراس مكشوفة مياهها ضحلة وطبيعتها خطرة بسبب الرمال المتحركة والأحجار وسلاسل الصخور الواقعة قرب سطح البحر والتي يصعب تحديدها بحكم كونها غير واضحة المعالم) (5)
ولتوسط موقع أرض دلمون في الخليج أهمية كبيرة في التطور الحضاري بين شعوب المنطقة فمن خلال التأثر والتأثير لعبت التجارة دورا بارزا في تقوية أواصر شعوب المنطقة، حيث كانت جزر البحرين تعتبر موانئ بحد ذاتها بطبيعتها الجغرافية من خلال السفن التي ترسو بالقرب من سواحلها القادمة من بلاد الرافدين وشبه القارة الهندية والصين والبحر الأحمر وتقوم بعملية الشحن والتفريغ للبضائع والمؤن الغذائية والاستهلاكية في (البنادر)، وعرفت بعض الجزر ذلك مثل جزيرة سترة والنبيه صالح (6), وفي سنة 1901 بني مرفأ صغير بالمنامة لترسو السفن القادمة والمغادرة من المنامة (7) إذ كان هذا المرفأ هو الميناء الوحيد في أرخبيل البحرين (والمنامة وهي الميناء الوحيد لاستقبال المراكب التجارية في البحرين) (8) وكذلك كانت التجارة تتوزع بين المنامة والمحرق (وتتوزع التجارة مع قطر بين مدن المحرق والمنامة أما التجارة مع الإحساء والقطيف فإنها تتركز في المنامة) (9)، وفي الزمن القديم لم تكن هذه الجزر مجرد موانئ طبيعية ومركز تجمع التجار والسفن أو محطات للتزود فحسب أو كما يعرف بالوسيط التجاري، بل عرف عن أهل دلمون صناعتهم للسفن ورحلاتهم البحرية الاستكشافية ونزولهم لقاع البحر وتجارتهم عبر الخليج والبحر الأحمر لمزاولة التجارة.
وفي هذا المجال التجاري ليست هناك نصوص تاريخية تجزم أن بندر ريا كان مصدر تصدير وتفريغ رئيسي ورسمي لحضارة دلمون، إلا أن هذا البندر يقع في منطقة جغرافية واستراتيجية تؤهله أن يكون قد لعب دورا حضاريا وإنسانيا في تلك الأزمنة الغابرة ما قبل الميلاد, وحتى وقت قريب كما يروي كبار السن والبحارة أن هناك بعض المراكب الثقيلة والسفن الكبيرة كانت ترسو بوسط البحر وبالتحديد في الممر المائي للسفن الثقيلة بالقرب من الجزيرة شرقا على بعد 8 كيلوات عن بندر ريا في منطقة يقال لها (بوية أم الدود) أو كما يطلق عليها البحارة البوية الحمراء، ومنها تنقل البضائع إلى السفن الصغيرة وتوزعها إلى سواحل المنطقة على غرار ما كانت تتبعه السفن الكبيرة قديما القادمة للبحرين لترسو في المياه الأكثر عمقا بالقرب من الساحل الشمالي لجزيرة أوال لتنقل المسافرين والبضائع بالسفن الصغيرة إلى فرضة المنامة، وكانت بعض القوارب الصغيرة المسماة (العبرة) تصل إلى بندر ريا وسواحل سماهيج لنقل المسافرين إلى السفن الراسية في وسط البحر، وبالتالي تسلك هذه السفن الطرق الملاحية المعروفة إلى سواحل الجزيرة العربية القطيف ودارين وبلاد الرافدين, ويفيد ذلك أن هناك بعض الإشارات في المصادر والمراجع المحلية والعربية والأجنبية تشير إلى وجود مرفأ تحت اسم مشماهيج, مشمهيج أو مسماهيج باللغة السريانية في التلمود ومرجع أرمني آخر, كما جاء موقع المرفأ في نصوص أخرى بصيغة كلمة (ميناء)، أحد هذه النصوص يوضح تجارة جلب اللؤلؤ وتصديره، والنص الآخر يشير إلى فرض الجزية على اليهود (ويجلبون اللؤلؤ من الميناء التابع للفرس, الذي يدعى ميناء مشماهيج), (أعطوا الملك الفارسي 21 ولاية ومينا مشماهيج), وترتبط علاقة هذا المرفأ بتجارة اللؤلؤ قديما فلا يعرف موقعه الجغرافي بالتحديد وذلك لصعوبة تحديد موقع سماهيج التاريخية والمصادر التاريخية في ذلك متنوعة في وصف الموقع فتارة تصف سماهيج أنها جزيرة وتارة تصفها أنها منطقة أكثر اتساعا من ذلك ولهذا يصعب تحديد موقع مرفأ مشماهيج القديم وفي بقعة يقع من أطراف الجزيرة, ويحتمل أن يكون الموقع الحالي للبندر هو نفسه الميناء أو المرفأ كما عبرت عنه المصادر وذلك لما تحويه منطقة الساحل الشمالي الشرقي من مواصفات جغرافية واستراتيجية مناسبة بالإضافة إلى التمركز السكاني والنشاط البحري لأهالي المنطقة لقرون ممتدة طوال التاريخ, والموقع ذاته كان من أهم المناطق البحرية في المنطقة وبه كان اعتماد ساكني جزيرة (سماهيج) المحرق الحالية منذ القدم (أما دارين والعقير والفرضة والغابة وخرشاف وسماهيج وحوار فتلك موانئ صغيرة اشتهرت في الأيام القديمة) (10).
لعب المرفأ دورا كبيرا في تنشيط الحياة التجارية والاقتصادية والمعيشية على المستوى المحلي والإقليمي من خلال بيع وتثمين اللؤلؤ(كان لسماهيج دور بارز في مجال تجارة اللؤلؤ حيث فتحت سواحلها كمرافئ لكل القوارب والسفن العابرة لصيادي السمك والجواهر الثمينة المارين من وإلى ميناء أرادوس وحضنت تجارة اللؤلؤ والنواخذة لتصبح سوقا للتثمين والمزايدة في أسعار اللؤلؤ (بورصة) في وقتنا الحاضر فكانت تعتبر من أقدم المدن الزاهرة على ضفاف الخليج العربي, ومن الأسواق المشهورة ذات الرواج في إقليم أوال) (12).
البندر في أواخر القرن العشرين
ولما كان صيادو الأسماك تعوقهم الحركة من وإلى البندر لتوصيل مستلزماتهم وأمتعتهم البحرية بادرت في هذا الشأن إدارة الثروة السمكية لإقامة معبر من رأس ريا إلى البندر لمساعدة الصيادين في دخولهم وخروجهم وذلك في العام 1986 تم البدء في العمل على ترصيفه واستخدمه البحارة في أعمالهم البحرية وبقرب البندر دفن البحر وبنيت عليه جزيرة صغيرة ووضعت أنابيب في قاع البحر للتخفيف من قوة التيارات المائية وتلاطم الأمواج, وفي بدايات حرب الخليج الثالثة بعد احتلال الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين لدولة الكويت من العام 1990م استخدمت الجزيرة لأغراض عسكرية من قبل قوات التحالف وهي عبارة عن قاعدة عسكرية لإطلاق الصورايخ المضادة (الباتريوت) صورايخ سلاح الجو العراقي المعروفه باسم (سكود) وفي هذه الفترة لاقى البحارة في دخولهم وخروجهم من البندر صعوبة كبيرة وذلك للتفتيش المستمر من قبل الجنود, وبعد الانتهاء من الحرب على العراق أخليت المنطقة من جنود قوات التحالف وأصبحت المنطقة مركزا أمنيا لخفر السواحل ونقطة تفتيش مركزية على الساحل الشمالي الشرقي, وفي بداية التسعينيات ومع الاضطرابات السياسية والأمنية في البلاد تم زيادة حدة التشديد على البحارة في دخولهم إلى المنطقة إلى أواخر التسعينيات وتم الإفساح للبحارة في ذهابهم وعودتهم.
بعد دفن الساحل
بعد عمليات ردم البحر المتواصلة للسواحل أصبح البندر ملامسا للساحل في قبالة جزر أمواج الصناعية ولم تعد كما هي من ذي قبل وأصبح المعبر في بدايته من رأس ريا قاسما بين الساحل الشمالي والبندر تعبر عليه مركبات الشركات والمؤسسات المعنية بدفن الساحل وتخليص معاملاتها، ولعل البندر بحلته الجديدة حاليا أقل شيء يجب أن يكون تعويضا للبحارة وأهل المنطقة بعد فقدانهم السواحل، ولم يكن البندر من قبل يطلق عليه مرسى أو مرفأ لوضعه القديم والتقليدي فإن السفن والمحامل في الوقت الحالي تلامس الرصيف بينما كانت من قبل ترسو في بقعة بحرية مفتوحة قريبة من السواحل.

سماهيج – جعفر يتيم