جوية حديثة للمعامير والجزر الثلاث وسط البحر 2009
جزر المقطع في قرية المعامير … قصة حادثة تاريخية مهملة شهدت معركة في العام 1815 ميلادية بعد واقعة (خكيكيرة)
صورة جوية للمعامير وتبدو الجزر الثلاث في البحر بذل الباحث البحريني جاسم حسين آل عباس، صاحب موقع (سنوات الجريش) التراثي والتاريخي، جهدا كبيرا على ما يبدو

في جمع معلومات تتعلق بثلاث جزر تقع قبالة ساحل قرية المعامير، والمهم في هذا البحث، أن تلك الجزر الثلاث شهدت معركة تاريخية مهملة، لكنه وجد ما تيسر من معلومات عنها في كتاب «التحفة النبهانية»، لمؤلفه محمد بن أحمد بن خليفة النبهاني، الطبعة الرابعة، بالصفحة 99، كما وجد في مجلة «الوثيقة» في عددها رقم (53) الصادر في شهر يناير/ كانون الثاني من العام 2008 مقالا للباحث علي أبا حسين بعنوان :»مقدمة عن تاريخ الوقائع الحربية في البحرين»، كما اعتمد على روايات عدد من كبار السن في قرية المعامير.
 
أغلب تاريخ أوال… لم يكتب!
ويستهل الباحث حديثه بالقول إن تاريخ البحرين ما زال يخبئ الكثير من المفاجآت التي تجعلك تقف مبهورا وأنت تتصفح كتب التاريخ والتراجم، فكلما توغلت في المطالعة، يزداد يقينك بأن أغلب تاريخ جزيرة (أوال) لم يكتب! فضلا عن تاريخ البحرين الكبرى، لذا ليس من باب المبالغة إذا قلنا بأن المتوفر بين أيدينا من تاريخ البحرين – وأعني أوال – لا يتجاوز 10 في المئة وإثبات ذلك لا يتطلب جهدا… فمن خلال المرور السريع على تاريخ البحرين وما مرّ عليها من أهوال وحروب وتهجير وتشريد وتشتت أهلها في الأمصار وحرقها عن بكرة أبيها ثلاث مرات، كما ينقل البحراني في أنيس الجليس (أنيس المسافر وجليس الحاضر للشيخ يوسف البحراني)، هذا إن لم يكن هناك تاريخ قد أحرق خلال هذه الفترات كما حدث في الكثير من البلدان التي تعرضت للغزو والحروب… وهذا يعطي دلالة واضحة على انعدام الاستقرار في جزيرة أوال في فترات متعددة، والمعلوم أن أغلب كتب التراجم والتاريخ دوّنت في فترات الاستقرار الأمني والاجتماعي.
 
«يقطعون» الطريق إلى الساحل
من خلال هذه المقدمة المختصرة، أودّ الوقوف على حادثة تاريخية شدت انتباهي وخصوصا أنها ترتبط بالجزر الثلاث الواقعة في وسط ساحل قرية المعامير… في هذه الجزر، كنا منذ الطفولة نسرح ونمرح فوقها، ويطلق الأهالي على هذه الجزر الثلاث اسم (المقطع) وهو اسم ارتبط بها منذ القدم، كما يطلقون على الجزيرة الواحدة اسم (المقطع) أيضا باستثناء الجزيرة الشرقية التي تسمى إلى جانب المقطع (الزغيبة)، وأهل القرى القريبة منها – بما فيها المعامير – لا يعلمون سبب تسميتها، وسبق لي أن سألت بعض كبار السن عن سبب تسميتها، لكن لم أجد جوابا مؤكدا.
ويشير الباحث آل عباس إلى أن جمع بعض الروايات حول سبب التسمية، منها أن القدماء من أهل البحرين عموما، والمعامير خصوصا، يقطعون الطريق من وإلى الساحل الآخر عبر الجزر، حيث تقع بين جزيرة… سترة الجزيرة الأم، ولذا سميت بالمقطع لأن الناس تقطع الطريق عبرها لا سيما عبر الجزر الثلاث، في حين تقول رواية أخرى أنها مجرد جزر من اليابسة، وهي عبارة عن ثلاث قطع، والقطع تطلق على بعض الجزر في البحرين كقطعة جرادة وغيرها وقطعة مديليج.
وللأمانة، لا أذكر أو لا أدري إن كانت هناك روايات أخرى قد تكون لدى البعض، لكن الروايتان السالفتان هما مما جاء على لسان كبار السن في قرية المعامير، وقبل أعوام، كنت أبحث في كتاب التحفة النبهانية، فوقع نظري على رواية لواقعة اسمها (وقعة المقطع) حدثت في العام 1815 ميلادية، ولا أعلم مدى صحتها في واقع الأمر، وربما يكون اسمها مرتبط بتسمية الجزر الثلاث ونبدأ بذكر الحادثة ومن ثم التعليق والاستنتاج.
 
العودة إلى الموقع الجغرافي
وقعة المقطع، وتسمى دولة الإمام في سترة، هي إحدى المعارك التاريخية التي وقعت في العام الهجري 1230 الموافق للعام الميلادي 1815، أي بعد أربع سنوات من نزوح أهل منطقة عسكر إلى قرية المعامير والنويدرات، وإذا عدنا إلى الموقع الجغرافي لهذه المعركة، سنجد أن قرية المعامير كانت ضمن أرض المعركة، فمن المعلوم أن قناة المعامير البحرية تتوسطها ثلاث جزر صغيرة ويطلق عليها اسم المقطع والمقاطع لجمع الجزر الثلاث، وهذه التسمية تطلق على الجزر الثلاث، وربما يعود ذلك نسبة إلى تلك الوقعة التي ذكرتها بعض كتب التاريخ، وقد يتعجب البعض من هذا القول، ولكن لابد من سرد بعض التفاصيل المتعلقة بالمعركة لتتضح الصورة.
 
بين الزبارة والفريحة
في الفترة المذكورة، كان (إبراهيم بن عفيصان) ورجل يؤازره اسمه (رحمة) يكنان العداء لحكام البحرين، حيث كان إبراهيم ورحمة قد هزما في معركة (خكيكيرة) أمام الحكام، و(خكيكيرة) اسم موقع في البحر بين الزبارة والفريحة في قطر، حيث انتصر الحكام في تلك الوقعة مما أشعل نار البغض والحسد في نفس (رحمة) فلم يقر له قرار ولا بال وكان حينها عاجزا عن فعل أي شيء، فقام بسلب بعض السفن التابعة للبحرين، ولكنه لم يظفر بطائل، فتوجه إلى عمان لمقابلة حاكمها، ولما قابله أطمعه وحرضه لأخذ البحرين، وقد نجح في ذلك واقنع الحاكم، وفي نفس الفترة، كان تجار البحرين يسافرون إلى الهند لبيع اللؤلؤ والتجارة فدخلوا في بحر مسقط فقبض عليهم حاكم مسقط وسجنهم في برج (قلعة موزة الجلالي)، ثم بعث برسالة إلى حاكم البحرين وأخبره فيها بأمر التجار المسجونين لديه، وطلب منه الدخول في طاعته، فلم يستجب له حاكم البحرين آنذاك، فجهز حاكم مسقط جيشا بحريا وسار به نحو البحرين وكان معه (رحمة)، ونزل جيشهم في جزيرة سترة وبقوا فيها ثلاثة أيام، وفي اليوم الثالث وصلهم خبر بأن جنود آل حكام البحرين موجودون بين النخيل في منطقة (جدعلي)، ولما أصبح الصباح، ظهرت أعلامهم بين النخيل، وكان حاكم البحرين قد قسّم الجنود إلى معسكرين وهما: المعسكر الأول: معسكر المشاة بقيادته ومعه أخيه وموقعها بين نخيل جدعلي للتستر بالنخيل الكثيفة، أما المعسكر الثاني فكان معسكر الفرسان بقيادة ابنيه وموقعها في منطقة المعامير التي كانت تسترها الكثير من النخيل المتصلة بنخيل العكر، وهذا الموقع استخدم لمباغتة جيش حاكم مسقط في جزيرة سترة.
4 أيام من المراوغة
في ذلك الحين، اختلف حاكم مسقط و(رحمة)، ويقال إن رحمة راوغ الحاكم أربعة أيام واتجه خلالها إلى المنامة، وحينها نزل حاكم مسقط في منطقة العكر فوجد معسكر الفرسان في المعامير ووقعت بينهم معركة في تلك البقعة بين (جزيرة سترة والمعامير والعكر)، علما بأن هذا الموقع يحوي جزر المقطع الثلاث، وحينها انهزم حاكم مسقط بعد مقتل أخيه سالم حيث فر إلى جزيرة سترة ونزل منطقة واديان، ثم فر منها بسفنه إلى مسقط، وقتل أيضا في المعركة عدد من المقربين من حاكم البحرين، وتحوي هذه المعركة عدة تفاصيل لا داعي لذكرها غير أن الطرفين عقدا اتفاقية بينهما. في بداية مروري على هذه الحادثة، لم أكن مقتنعا بربط تسمية جزر المقطع بهذه المعركة، ولكنني قمت حينها بالاتصال ببعض المهتمين بالشأن التاريخي في البحرين، حيث رجح بعضهم نسبة تسمية الجزر الثلاث لتلك الواقعة، وبعد فترة عثرت على مخطط يبين موقع المعركة والمساحة التقريبية التي شملت موقع الحادثة، وكانت المعامير داخلة ضمنها وبينها الجزر الثلاث.
ويختم الباحث آل عباس بالقول: «من خلال ما تقدم، لا أستطيع الجزم بصحة ما خرجت به من استنتاج وسأترك ذلك للقارئ».

الوسط – سعيد محمد