تتمملكة البحرين كما نراها الآن وغالبية أراضيها جرداء متصحرة لا يمكننا أن نتخيل بأي صورة كانت في أيام دلمون، التخيل صعب جدا ليس فقط على الشخص العادي بل وحتى المؤرخين المتخصصين استصعب عليهم التخيل، لقد أحدثت التقارير اليونانية القديمة عن النباتات  في البحرين في حقبة تايلوس صدمة كبيرة للباحثين المعاصرين، وقد كانت أغرب معلومة لم يصدقها عدد كبير من الباحثين المعاصرين هي أن القطن كان يزرع في جزر البحرين في حقبة تايلوس، ليس هذا فقط بل تعدى الأمر لأن يصرح البعض أن

القطن يصدر من البحرين لحضارة ما بين النهرين وحضارات أخرى. إن رفض التقارير اليونانية أمر سهل فيمكن القول إنهم التبسوا أو أنهم يشيرون لمنطقة غير جزر البحرين الحالية ولكن ما حدث أن البحوث الأركيولوجية عززت تلك التقارير. سنتتبع في هذا الفصل قصة قطن دلمون لكننا لن نجيب على السؤال: «متى اختفى قطن دلمون؟ وكيف اختفى؟».

 

تتتت

تقرير ثيوفراتس (372 ق.م – 287 ق.م)
تحدثنا في فصل سابق عن تقرير ثيوفراتس عن نباتات تايلوس المنقول عن تقرير أنذروسثينس أحد قواد الإسكندر الذي أرسله في ربيع العام 323 قبل الميلاد في رحلة استكشافية حيث دار جزئيا حول شبه جزيرة العرب وزار جزر البحرين (تايلوس وأرادوس)، وقد أعد طوافا بحريا عنونه «رحلة بحرية على طول ساحل بحر الهند». وقد ذكر ثيوفراتس القطن ضمن نباتات تايلوس في كتابه تاريخ النبات:
«ويقولون إن شجرا «يحمل الصوف» (نبات القطن) ينمو بكثرة في هذه الجزيرة أيضا، وله ورق يشبه ورق الكرمة، لكنه صغير وليس له ثمر، إلا أن الوعاء (الجوزة) الحاوي «الصوف»، يحاكي حجمه حجم تفاح الربيع، ومغلق، ومتى نضج، ويخرج منه الصوف الذي يحيكون منه أقمشة لهم، بعضها رخيص، وبعضها ثمنه مرتفع جدا. ويُرْوَى أن هذه الشجرة يعثر عليها أيضا في الهند وفي جزيرة العرب (بوتس 2003: ج2 ص838).
بليني (23 م – 79 م)
يعتبر تقرير بليني عن نباتات تايلوس صياغة جديدة لنص ثيوفراستس تحتوي بعض إضافات، يفترض أنها منقولة من أعمال أرستوبولس Arestobulus أو أونيزيكريتس Onesicritus، التي يرجع إليها من اجل الحصول على معلومات إضافية. وهذا نص ما ذكره بليني عن قطن تايلوس:
«وتنمو على هضبة عليا في الجزيرة ذاتها، أشجار تحمل الصوف لكن بطريقة مختلفة عن أشجار الصين لأن أوراق هذه الأشجار ليس عليها ثمر ويمكن أو يظّن أنها أوراق كرمة لولا أنها أصغر منها، لكنها تحمل قرعا بحجم السفرجلة، يتفتّح متى نضج ويكشف عن كرات زغب، يصنع منها قماش غالٍ للثياب، ويسمون هذه الشجرة القطن Gossypinum وتنمو أيضا بأعداد أوفر في جزيرة تايلوس الصغرى، التي تبعد عشرة أميال عن الجزيرة الأخرى. ويقول جوبا: إن لهذا العشب زغبا صوفيا ينمو حوله، يصنع منه قماش أجود من قماش كتان الهند. ويقول أيضا: توجد شجرة عربية تسمى سيناس cynas ينسج منها ثياب، لها ورق يشبه سعف النخل. كذلك، تزوذّ أشجار الهند ذاتها الهنود بالثياب» (بوتس 2003: ج2 ص874).
مؤرخو الفترة الهلنستية
عدد من الكتاب الحديثين من الذين أرخوا للفترة الهلنستية في مملكة البحرين استصعب عليهم قبول دليل زراعة القطن في البحرين، وفضّلوا اعتبار شهادة أنذروسثينس التباسا مع القطن المستورد وبذلك تكون التقارير المعتمدة على شهادته مغلوطة. ويشكك الكاتبان الفرنسيان Colvet وSalle بإمكانية زراعة القطن في مملكة البحرين في يوم من الأيام، بينما ذهب لارسن Larsen في كتابه «Life And Land Use On The Bahrain Islands» إلى حد الامتناع عن ذكر القطن وذلك في عرض مناقشته استثمار الأرض في البحرين في العهد الهلنستي.
سبرنجر ينقل عن الحموي
أشار المستشرق سبرنجر منذ العام 1875م إلى دليل في معجم البلدان لياقوت الحموي، الذي روى أن القطن زرع في البحرين في الماضي، حيث يذكر الحموي من أسماء أوال «ترم» وذكر ياقوت أيضا مدينة ثانية تحمل الاسم ترم (ولكن تحت مادة طرم) قرب قزوين في فارس. وافترض سبرنجر أن نوعا ممتازا من القطن سمي «ترمي» نسبة إلى ترم. وبالرجوع لمعجم ياقوت الحموي نلاحظ ذكر ترم الفارسية في مادة طرم ونص الحموي عن طرم كما يلي:
«طرم بالفتح ثم السكون ناحية كبيرة بالجبال المشرفة على قزوين في طرف بلاد الديلم رأيتها فوجدت بها ضياعا وقرى جبلية لا يرى فيها فرسخ واحد صحراء إلا أنها مع ذلك معشبة كثيرة المياه والقرى وربما سموها بلفظهم ترم بالتاء ولعل القطن الناعم الموصوف منسوب إلى أحد هذين الموضعين وهي الناحية التي كان هزمها وهسوذان المحارب لركن الدولة بن بويه فقال المتنبي يمدح عضد الدولة ما
ما كانت الطرم في عجاجتها
إِلا بعيرا أَضلَّهُ ناشد انتهى
وأما ما يخص القطن المسمى «ترمي» فنلاحظ أنه لم يذكر حرفيا بل أشير له إشارة على أنه نسبة لترم وقد رجح الحموي أنه لربما كان نسبة لطرم أو ترم الفارسية.
نعود مجددا لكتاب سبرنجر الذي يخبرنا أن القطن لا ينمو في بقعة جبلية مثل قزوين فيستبعد احتمال كون القطن الترمي نسبة لترم الفارسية، وهكذا أمكن أن تأتي نسبة «ترمي» فقط من اقتران ترم أوال بنوع من القطن الجيد الخاص.
ويعلق دانيال بوتس على قول سبرنجر «وهذا الاستنتاج صحيح حتما، لكنه لا يحلّ تماما قضية الأصل الأوّل للقطن الترمي، أو التايلوسي بالترابط. وكما يحصل بالنسبة إلى صادرات دلمون، يمكن أن يكون أصل القطن المعروف بالترمي من مكان آخر، ثم نسب إلى ترم، أي المدينة التي كانت يحاك فيها ثياب، أو التي كان يصدّر منها في الأساس» (بوتس 2003: ج2 ص844 – 845).
شهادة ابن بطوطة
ذكر ابن بطوطة في رحلته زراعة القطن في البحرين حيث كتب وصفا لجزر البحرين جاء فيه: «ثم سافرنا من سيراف إلى مدينة البحرين، وهي مدينة كبيرة حسنة ذات بساتين وأشجار وأنهار، وماؤها قريب المؤونة يحفر عليه بالأيدي فيوجد، وبها حدائق النخل والرمان والاترج، ويزرع بها القطن»
وقد ذكر هذه النقطة بوتس في كتابه وعلق عليها قائلا: «لذلك، يبدو أن لا داعي للشك، بأن القطن المعروف بالترمي ينتج في البحرين، أو بأن زراعته فيها ترجع في الحد الأدنى إلى أيام الإسكندر» (بوتس 2003: ج2 ص845).
الدلائل الأركيولوجية
لاحظنا أن عددا من الكتاب يرفضون تصديق أن القطن كان يزرع في مملكة البحرين فكل الدلائل السابقة تتحدث عن «ما ذكر» وليس عن «ما وجد» واستمر التشكيك في زراعة القطن قديما في مملكة البحرين حتى ظهور دراسة تينجبيرج ولامبارد (Tengberg et Lombard، 2001) (باللغة الفرنسية) التي تثبت بالدليل القاطع زراعة القطن قديما ليس في حقبة تايلوس بل منذ حقبة دلمون حيث تم العثور على العديد من بذور القطن في موقع قلعة البحرين تعود لفترة دلمون المبكرة (1000 ق.م – 500 ق.م). كذلك تم العثور في قبور يرجع تاريخها للفترة الأخمينية (القرن الرابع قبل الميلاد)، وغالبا ما تكون قبور نساء، على أدوات مصنوعة من العظام والعاج منها مخارز ومغازل وفلكات المغازل وهي أدوات تستخدم لحلج القطن أو الصوف لتحويلها لخيوط قبل أن يتم نسجها. وربما تم استيراد هذه المواد من شبه القارة الهندية (Lombard 1999).
وقد عرف النسيج في مملكة البحرين منذ حقبة دلمون فهناك نصوص قديمة وردت في حضارة بين النهرين تشير لاستيراد المنسوجات الكتانية من دلمون (Reade And Potts 1993).
أصل القطن في تايلوس
لقد اقترِحَ بأن بذور أو نبات القطن جلب من الهند ليزرع في دلمون إلا أنه لم يتمكن أحد من تحديد تاريخ زمني محدد لذلك وهناك من يرجح زراعته في مملكة البحرين قبل القرن الثامن قبل الميلاد كما سنرى لاحقا، كما يلاحظ من تقرير ثيوفراستس عن قطن تايلوس أنه يتحدث عن أشجار القطن، لاعن نبات القطن، وبذلك اعتبر أن النوع المقصود هو القطن المشجّرGossypium arboreum، لا النوع المعروف أكثر منه المسمى القطن الحشيشي Gossypium herbaceum. وقد ثبت وجود القطن في الهند في الحد الأدنى منذ الفترة الهارابية.
دلمون مركز لتصدير القطن
تم العثور على أنسجة قطنية في قبر بمنطقة أرجان في إيران يعود تاريخها للقرن السابع قبل الميلاد أي عندما كانت المنطقة جزءا من حضارة عيلام وهي من أقدم الحضارات البشرية، وهي تمتد من منطقة خرم آباد ونهر سيمره إلى منطقة عيلام في إيران إلى مناطق الكوت وبغداد وخانقين وكركوك وبابل في العراق، كذلك عثر على أنسجة شبيهة في حضارة آشور يعود تاريخها للقرن الثامن قبل الميلاد، وقد كان التساؤل عن مصدر القطن في كلا الحضارتين، ويرجح أفريس – مون (Alvarez-Mon 2005) أن مصدر القطن هنا هو دلمون.
وقد سبق دانيل بوتس أفريس – مون في ترجيحه أن أصل القطن في حضارة بين النهرين من دلمون فيتحدث بوتس عن سنحاريب الذي يتحدث في نقش أسطوانته العائدة إلى العام 694ق. م عن زراعة «أشجار حمل الصوف» (الأكادية: ناش شيباتي) في نينوى ويناقش التحسينات العائدة التي طرأت على عاصمته، فيقول: «أشجار حمل الصوف الذي يقطفونه، ويحوكونه ثيابا». وقد اقترح أن اصل القطن في حضارة بين النهرين مستورد من الهند ولكن يحتمل أيضا، مادام لسنحاريب علاقات بدلمون في ذلك الوقت أن يكون القطن قد نقل من دلمون أي البحرين.
استمرار إنتاج الأنسجة القطنية
يبدو أن البحرين قديما اشتهرت بالمنسوجات القطنية حتى بدأت تصدر وتنافس وإذا كانت الدلائل القديمة مجرد ترجيحات فإن مصادر ما بعد الإسلام تؤكد ذلك فهي تشير إلى منسوجات البحرين وبالخصوص الأنسجة القطنية حيث ذكر موريس لمبارد في كتابه عن المنسوجات في العالم الإسلامي (بالغة الفرنسية) (Les textiles dans le monde musulman du VIIe au XIIe siecle) أن البحرين وجنوب الجزيرة ظلت تنتج المنسوجات القطنية بعد الإسلام و تصدرها لمصر وإثيوبيا.
ولم يقتصر النسيج على القطن فقط بل وحتى المنسوجات الصوفية، يقول ابن منظور في لسان العرب أن أجود الصوف صوف النقد، وهي غنم صغار الأرجل تكون في البحرين.
المنامة – حسين محمد حسين