النسيجتناولنا في الفصل السابق تاريخ القطن في دلمون, وللقطن ثقافة ارتبطت به تتمثل في طرق الزراعة وطرق حلج القطن لصنع الخيوط القطنية وكذلك عملية  النسيج. وبما أننا لا نمتلك أدلة كافية تمكننا من تناول تفاصيل ثقافة القطن فسنركز هنا على حرفة النسيج, حيث تعتبر النسيج واحدة من أهم الحرف التقليدية التي عرفها الإنسان

في البحرين يتوارثها الأبناء عن الأجداد منذ زمن بعيد جدا فجذور هذه الحرفة تضرب في أعماق التاريخ وقد تناولنا في الفصل السابق دلائل وجود هذه الصنعة منذ حقبة دلمون, وعلى مدى تلك القرون استطاعت هذه الصنعة أن تلبي معظم حاجيات السكان من الملبوسات ونسج الأشرعة للسفن البحرية وغيرها من الأدوات.
مصانع النسيج قديما
منذ بداية القرن العشرين اشتهرت العديد من القرى في مملكة البحرين بصناعة النسيج، ومن خلال ما كتبه لوريمر في «دليل الخليج العربي» والتاجر في «عقد اللآل في تاريخ أوال» يمكننا أن نحدد تلك القرى وهي: أبو صيبع وبني جمرة والمرخ والدراز وباربار وشهركان. وهناك قرى خصت بنسج الأشرعة وهي: بني جمرة والدراز والمرخ والقرية والجنبية وشهركان. إلا أنها تركزت بعد ذلك في قرى أبو صيبع وبني جمرة والمرخ.
وقد ازدهرت في الماضي صناعة الأشرعة في مملكة البحرين، حيث كان يصدر منه كميات كبيرة إلى دبي وقطر والبصرة وعمان وتبلغ في كثير من الأحيان بين الأربعمئة والخمسئمة مَنّ في الأسبوع, وكان رسل جلالة ابن السعود في ذلك الحين يشترون له مقادير كبيرة لصنع الخيام, إلا أن هذه الصنعة تدهورت في بداية الخمسينيات لعدم توافر الغزل اللازم لنسج الأشرعة، وهبوط عدد سفن الخليج الشراعية ولاسيما سفن الغوص.
الحرب العالمية وازدهار النسيج
تدهورت صناعة النسيج بصورة عامة بسبب زيادة النشاط التجاري واستيراد السلع من الخارج إلا أنه بسبب الحصار الذي حدث بسبب الحرب العالمية الثانية ازدهر النسيج مرة أخرى، وقد أشار إلى ذلك تقرير عن النسيج في مملكة البحرين نشر في مجلة «صوت البحرين» في العام 1951م:
«ثم قامت الحرب العالمية الثانية فتوقفت سيول البضائع الأجنبية عن التدفق على البلاد، واضطر الناس إلى اللجوء إلى ما لديهم من السوائل فدب النشاط في صناعة النسيج اليدوية. وصاحب ذلك توافر «الغزل» المستورد من إيران والعراق ومصر والهند ما فتح المجال أمام هؤلاء القوم لزيادة عدد مصانعهم حتى بلغت في قرية بني جمرة وحدها أكثر من ثلاثمئة مصنع. ومن ثم راحوا ينتجون للبلاد من الأزر والغتر والأردية وأنواع الأقمشة الأخرى ما استطاع أن يسد حاجات السكان. كما صُدّر منه الكثير إلى دبي والقطيف وإمارات الخليج الأخرى».
النسيج بعد الحرب
ذكر تقرير «صوت البحرين» السابق وضع صنعة النسيج بعد الحرب وحتى وقت بداية التقرير:
«وعندها اضطر الكثيرون إلى إغلاق مصانعهم والتحق بعضهم كعمال عاديين في شركة بترول البحرين ومارس البعض الآخر منهم مهنة صيد الأسماك. وما بقي في «بني جمرة» من المصانع الآن لا يزيد عددها على الخمسين مصنعا… وقبل أربع سنوات أو ثلاث هاجر الكثيرون منهم إلى المملكة العربية السعودية والكويت لإقامة مصانع لهم هناك. ولكن يظهر أنهم لم ينجحوا في مهمتهم هذه فعاد أكثرهم. وإذا صادف أيها القارئ أن ذهبت إلى دبي أو الكويت أو غيرهما من أقطار الخليج ووجدت أحدا يشتغل بصناعة النسيج فتأكد تمام التأكد أنه هاجر إليها من البحرين إذ ليس في كل الخليج من يجيد هذه الصناعة غير أهالي البحرين».
بعد ما ذكر في التقرير الذي كتب العام 1951م فليس من الغريب أن يذكر محمد عبدالهادي جمال عن النسيج في الكويت:
«ومن أشهر أصحاب معامل الحياكة (أي النسيج) في الماضي المرحوم الحاج حسين البحراني وكان لديه أكبر معمل للحياكة في الكويت يحتوي على عدد كبير من الأنوال» (جمال 2003 ص 226).
الصيبعي والطرابزون
من أشهر الأردية التي كانت تنسج في البحرين هو «الصيبعي» الذي سمي نسبة لقرية أبو صيبع وقد تحدث عنه تقرير «صوت البحرين»:
«أما أبوصيبع فقد اشتهرت بنسج نوع من الأردية ذات المربعات التي تشبه ذيل الطاووس في ألوانها، وكانت لها فيما مضى أهمية خاصة عند قسم كبير من سكان البحرين، إذ كان من الأمور التقليدية أن يفرش رداء منها على سرير العروس ليلة زفافها ليصبح ملكا لها لا يجوز التفريط فيه. حتى إذا فارقت الحياة غطى نعشها وصحبها إلى القبر. إلا أن هذه العادة أخذت في التلاشي بفعل الزمن ولم يبقَ لها وجود إلا بين القلائل والقلائل جدا من الناس. وكانت قرية المرخ – وقد توقف فيها العمل الآن – شهيرة بنسيج «الطرابزون» وهو نوع من القماش الأبيض الشفاف كانت تلبسه العائلة الحاكمة والطبقة المترفة من الشعب».
تركيب عدة النسيج
تمكنا من معرفة تفاصيل تركيب عدة النسيج من مقابلة مصورة مع نساجي قرية بني جمرة، وهي في الغالب مطابقة للمسميات في دولة الكويت.
تعرف آلة النسيج الرئيسية بالعدة, وقبل أن تثبت العدة يتم حفر حفرة في المكان المراد نصب العدة فيه، وبعد ذلك تثبت على جانبي الحفرة أربع قوائم تعرف كل قائمة باسم الرزة. ويتم تثبيت قطعتين من الخشب (تسمى الواحدة مفرضة) بصورة أفقية ومتوازية على جانبي الحفرة، وتستند كل قطعة منها على رزتين, وقد سميت مفرضة وذلك أن كل قطعة تكون مفرضة أي مشرشرة أي بها فروض أو شقوق. ويوضع فوق المفرضتين قطع خشبية مستعرضة تمر من فوق الحفرة تسمى عوارض. يتدلى من طرفي إحدى العوارض حبل قصير وفي نهاية كل حبل تربط عصا صغيرة من المنتصف بحيث تصبح كالميزان تسمى بكرة.
وتوجد في قاع الحفرة دواستان يتحكم بهما النساج بقدمه، وكل دواسة مربوط بها خيط يمر إلى أعلى، ويربط في إحدى طرفي البكرة, أما الطرف الآخر فيربط بالنيرة وهي عبارة عن عصاتين صغيرتين مثبت بهما عدد كبير من الخيوط القطنية, وتوجد بالعدة نيرتين كل واحدة مثبته بدواسة يتحكم بها النساج, فكلما داس دواسة ارتفعت النيرة المرتبطة بها, وبذلك تقسم النيرتان خيوط السدى إلى صفين كما سنرى لاحقا.
ومثبت بالمفرضتين أيضا عارضة الدفاف, والدفاف عبارة عن قطعة خشبية لها نتوء كبير بوسطها العلوي (مسكة) ومثبت بأسفلها الحَف ويسمى في اللغة العربية الفصحى الحفة، ومنهم من يسميه المشط، فهو عبارة عن قطعة خشبية شبيهة بالمشط أي أن بها شقوقا طولية والذي على النساج أن يمرر خيوط السدى بينها. ومتصل بالحف خشبتان كبيرتان عموديتان تسمى كل واحدة قفل الدفاف, وتتصل الخشبتان من أسفل الحف بقطعة خشبية مستطيلة تسمى زيران.
ويوجد في مقدمة الحفرة وأمام النساج مباشرة عندما يجلس في الحفرة النول أو المسداة، وهو عبارة عن خشبة كبيرة مستطيلة الشكل ذات أضلاع متساوية تكون مثبتة بالرزتين الأماميتين ولها مسكة خشبية تسمى المفرك أو المفراك يتم تحريكها لإدارة النول. ويستخدم النول لطي الجزء المكتمل الحياكة.
آلات وخطوات صناعة النسيج
تمر عملية النسيج بثلاث خطوات رئيسية هي: التبليل والتسدية وعملية النسج نفسها, وفي كل خطوة من هذه الخطوات هناك مجموعة من الأدوات أو الآلات التي تستخدم وسنحاول تلخيص كل ذلك هنا.
1 – التبليل
وهي عملية تجهيز الخيوط التي يشتريها النساج من السوق والتي تكون على شكل ربطات تسمى وشايع والمفرد وشيعة, حيث يقوم بفكها و»دولبتها» أي لفها على جهاز خشبي يسمى الدواره (في الكويت يسمى دولاب) وهو مرتبط بآلة أخرى تسمى الدولاب (تسمى في الكويت الفريطة), وذلك لنقل الخيط من الوشيعة إلى البكرة والتي تسمى الكلم (القلم) أو الكشر (القشر). حيث توضع البكرة في المغزل الموجود في الدولاب. وبعد أن يلف الخيط على البكرة تسمى حينها البلول, وهذا البلول يوضع في الكريب أو المزراق وتسمى هذه الخيوط باسم خيوط الضريب.
2 – التسدية والعكاد (العقاد)
التسدية هي عملية مد الخيوط طوليا وحينها تعرف هذه الخيوط الطولية بالسدي (لسدى) ويتوجب إدخالها في الأماكن المخصصة لها من عدة النساج. ويقوم النساج قبل إدخال الخيوط بعمل المريس وهو التمر الممروس بالماء ليطلي به الخيوط حتى تتصلب وتسهل حياكتها. وأصعب جزء في التسدية هو العقاد (العكاد) فخلال هذه العملية يتم عقد كل خيط من خيوط السدي في خيط من خيوط «النيرة» في صفوف متوازية, وقد تبلغ خيوط السدي ستمئة وأربعين خيطا. ويتم ربط كل خيط من خيوط السدي بأحد خيوط النيرة. وتوجد بالعدة نيرتين كل واحدة مثبتة بدواسة يتحكم بها النساج, فكلما داس دواسة ارتفعت النيرة المرتبطة بها, وبذلك تقسم النيرتان خيوط السدي إلى صفين. وبعد أن تمر خيوط السدي من خلال النيرتين تمر بعدها من خلال شقوق الحَف, بعدها تثبت في النول أو المسداة.
3 – عملية النسج أو الحياكة
تعتبر عملية النسيج عملية سريعة ودقيقة يستخدم النساج فيها كلتا يديه ورجليه ويوزع الخيوط ويداخلها بعضها ببعض بشكل منسق ومنظم وينسج النساج في اليوم ثلاثة إلى خمسة أمتار من القطع النسيجية, وتتلخص عملية النسج بإدخال الخيوط العرضية التي تسمى الضريب بين الخيوط الطولية أو السدي. والخيوط العرضية هي التي سبق لفها على البكرة لتكوين «البلول» التي توضع في الكريب. لقد سبق أن ذكرنا أن هناك صفين من خيوط السدي يمكن التحكم بهما عن طريق الدواسات والنيرتين, فكلما داس دواسة ارتفعت النيرة المرتبطة بها, وبذلك تقسم النيرتان خيوط السدي إلى صفين, وهكذا يدوس الناسج بإحدى رجليه على (الدواسة) الخاصة بإحدى النيرتين فيرتفع أحد الصفين فيمرر بينهما الكريب ممررا بذلك الخيوط العرضية (الضريب). فإذا تم إدخال الخيط يقوم بشده وضغطه بواسطة (الدفاف) إلى الجهة التي تمت حياكتها, ومن بعدها يرفع الصف الآخر من الخيوط الطولية وذلك برفع رجله عن الدواسة الأولى والضغط على الدواسة الأخرى فيرفع الصف السفلي حينها يمرر الكريب مرة أخرى بين الصفين ويكرر العمليات اللاحقة, وهكذا إلى أن تتم عملية الحياكة.
4 – طي الجزء المنسوج
كلما تم نسج جزء من النسيج يقوم النساج بطيه على النول الذي يقوم بتدويره بواسطة (المفراك) إلى أن يتم حياكة القطعة المطلوبة. أما الجزء الذي تم حياكته ولم يتم طيه بعد وهو الجزء المحصور بين النول والدفاف فيوضع فوقه (المشباح) وهو خشبتان صغيرتان مستطيلتان توجد بوسطهما من أعلى ثقوب صغيرة متقابلة لشبك خشبتي المشباح مع بعض بواسطة (چلاب) معدني صغير أو (سيخ) يوضع في الثقبين المتقابلين لها. ويثبت طرفا المشباح في طرفي السدي المنسوج لشده وتحديد عرضه بعد حياكته, كذلك يساعد المشباح على عدم تقطع الغزل المار من خلال الحَف, وتستخدم ثقوب المشباح لتطويل وتقصير عرض السدي المنسوج. وبعد أن يكتمل نسج السدي يتم نشر القطعة المنسوجة وتقطيعها بحسب الأطوال المطلوبة.

المنامة – حسين محمد حسين