clip_image002نهاية حركة الهيئة التنفيذية العليا : رحيل بلجريف وفرض قانون الطوارئ وجلب هندرسون
استطاعت الحكومة في ديسمبر 1956 أن تقضي على حركة الهيئة العليا وأن تنفذ أحكاما قاسية بحق قادة الهيئة ونفيهم إلى خارج البحرين، وهي نهاية محزنة ومؤسفة لأكبر حركة سياسية مرت بها البحرين آنذاك.
تدلنا تجربة الهيئة التنفيذية العليا على مجموعة من

القضايا التي تتحكم في مسار العملية السياسية في البحرين. وإذا استثنينا مسألة رفض الحكومة المطلق لأي مشاركة شعبية إذ كان الحكم يصر على استعداده للمفاوضة على كل شيء ما عدا التمثيل الوطني في البرلمان أو التمثيل النقابي، مقابل إصرار حركة المعارضة على مطالبها العادلة في مجلس تشريعي كامل الصلاحيات ودستور عقدي، فإن قضية إتقان الحكومة لفن اللعب بالأوراق وقدرتها على المناورة ، هي من أهم نتائج حركة الهيئة التنفيذية العليا. فأثناء هذه الحركة تعلم نظام الحكم فن المناورة وأبدى مقدرة عالية في التعامل مع الضغوط الداخلية مستخدما في ذلك كافة الأدوات والأساليب المتاحة أمامه.
فبعد أن قويت شوكة الهيئة وصارت بحكم تمثيلها الشعبي ب 18 ألف توقيع لم يكن بمقدور الحكومة أن تستعمل خيار العنف المفضل لديها وكان عليها أن تقوم أولا بعملية التفاف واستغلال لكافة الظروف والمعطيات من أجل جعل العنف الذي سيستخدم لاحقا عنفا مبررا. وسنجد أن هذا العنف الرسمي تحول إلى عقيدة أمنية يحرص النظام السياسي على تقويتها وجعلها في المرتبة الأولى من أولوياته. ومن هنا يمكن الذهاب إلى أن الحكومة تعاملت مع الهيئة العليا بأسلوبين وبشكل متوازن بفضل دعم وخبرة البريطانيين.
كان هم تشتيت قوة حركة الهيئة وإظهارها بمظهر الضعف الهدف الاستراتيجي الذي حددته الحكومة لمواجهة قوة الحركة سياسيا وشعبيا، ولهذا كانت إستراتيجية العنف مستبعدة في ظل تماسك حركة المعارضة واحتفاظها برصيدها الشعبي. ويعتبر هذا الأسلوب بمثابة قانون أولي يحكم العملية السياسية في البحرين فكلما كانت قوى المعارضة قوية ومتماسكة كلما قلت فرص المواجهة العنيفة وزادت فرص المناورة السياسية.
المناورة السياسية
على إثر إصرار حركة الهيئة العليا على مطالبها السياسية والنقابية قدمت الحكومة بعض الأوراق السياسية التي عدت بمثابة تنازل مؤقت ومحاولة لكسب الوقت انتظارا لفرص أفضل وتمثلت هذه الأوراق في قبول الحكومة بتشكيل مجلسين منتخبين واحد للتعليم وآخر للصحة، مقابل حصولها على تنازل من الهيئة في أمرين الأول تغيير أسم الهيئة التنفيذية العليا إلى مسمى آخر. والثاني القبول بوجود تشكيلات سياسية أخرى . وفي الواقع لا يمكن القول أن قبول حركة الهيئة بالأمرين هو تنازل لأن ذلك قد يحدث تلقائيا حتى وإن رفضت الهيئة العليا الموضوع برمته إلا أن طرح موضوع التنازل كان يستهدف خلق إرباك بين قادة الهيئة وإرباك وتشويش لدى القاعدة الجماهيرية. وقد أثمرت هذه المناورة في إنشقاق حسن بن رجب عن الهيئة وقيامه بتشكيل تنظيم آخر ودار خلاف بين قادة الهيئة حول استراتيجيتها السياسية بين القبول ببعض المكتسبات وبين الإصرار على الرفض والممانعة لحين إذعان الحكومة للمطالب حتى وإن استدعى ذلك المطالبة بإقالة الحاكم وعزله. من جهتها قامت الحكومة بتشكيل جبهة باسم جبهة مناصرة الشيخ وهي تحالف ضم حوالي ألف شخص من العوائل القديمة ومن أفراد القبائل وحثهم على دخول انتخابات مجلسي التعليم والصحة والانتخابات البلدية.
إلا أن أخطر مناورة هي استدعاء الشيخ دعيج بن حمد – كان رئيسا للمحاكم وهو الكل في الكل – أعضاء الهيئة وعرضه عليهم التوقيع على بياض والتعهد بتحقيق جميع المطالب التي يطالب بها أعضاء الهيئة على أن يطالبوا الحكومة البريطانية بإزاحة الشيخ سلمان عن الحكم وتنصيبه هو بدلا عنه، فقال الباكر كلمته المشهورة في ذلك الاجتماع : إننا نرفض هذا العرض ، ولن نقبل بأي حال من الأحوال بدل الشيخ سلمان حاكما لنا.
من جهة أخرى أقدمت الحكومة على طرح بعض القوانين المثيرة للجدل وأبرزها قانون العقوبات وذلك في سنة 1955 وبدأ واضحا أن هدف طرح ذاك القانون هو إشغال حركة الهيئة بمساحات جانبية وتحويل أنظارها إلى موضع ما ترغب فيه السلطة، حيث شكلت الحكومة لجنة لدراسته ودعت الهيئة للتفاعل مع مقترحات اللجنة، من جهة ومن جهة ثانية تصعيد المواجهة مع بريطانيا وإشراكها في مواجهة الهيئة العليا باعتبار أن القانون هو قانون انجليزي ويحتوي على مواد تجرم التعرض لملكة بريطانيا والدولة البريطانية وأن أي محاولة لإسقاطه فهو إشارة إلى المواجهة الصريحة مع البريطانيين. فهذا القانون قد أنجز ليطبق في محاكم الوكالات البريطانية المستعمرة، وهو قانون يجرم كل نشاط سياسي ويسمح لقوات الأمن استخدام القوة المفرطة بما في ذلك إطلاق الرصاص الحي،ففي البند 60 من المادة 2 اعتبر القانون "السجن مدى الحياة لكل من سبب للحاكم أو ولي العهد أذي جسميا أو عمل عملا قصد منه إشهار الحرب على الحاكم أو حرمانه من سلطاته أو حاول إجراء أي تغيير في شكل الدولة أو القوانين الموجودة" أما البند 92 فقد سمح لقوات الشرطة اتخاذ ما يلزم من التدابير لتفريق أشخاص تجمهروا بقصد القيام بعمل .. ولا يعتبر الشرطي مسئولا عن أية إجراءات جنائية أو مدنية حتى إذا كانت نتيجة استعمال القوة قد الحق أذي بالشخص أو سبب وفاته.
أعلنت الهيئة عزمها على إسقاط القانون وتم عرضه على الزعماء الدينيين في الأزهر والنجف وأفتى علماء النجف بعدم ملاءمته للقانون الإسلامي ، وبالتالي فإنه غير ذي جدوى ما دام معارضا ً لمعتقدات المسلمين .. وكان للتحالف الجماهيري ضد القانون الجزائي المذكور أثره على الرأي العام . بل أن أصداءه وصلت إلى القاهرة حيث نشرت مجلة " التحرير " في 9 أغسطس مقالا ً من صفحتين بعنوان : " البركان سينفجر الشهر القادم " وجاء في مقدمة المقال ما يلي :
" عندما تبدأ حكومة البحرين في العمل بقانون الجزاء في سبتمبر القادم فسوف تحدث ثورة . القانون ينص على أن كل المنظمات ، سواء ً المسجلة أم غير المسجلة التي تقوم بنشاطات محظورة سوف تحل . وستكون عقوبة الإعدام ضد من يعملون على قلب الدستور ، أم يثورون على الحكومات الإمبريالية في المنطقة أو يهينون الحاكم ، الشيخ سلمان بن حمد ( الذي يأخذ ثلث واردات البلاد راتبا ً شخصيا ً له ) "
التبرير للعنف
يصف بلجريف بعض الأجواء التي سادت العائلة الحاكمة والخيارات التي سوف تقدم عليها الحكومة بعد أن نفذ صبرها السياسي، فيكتب عن يوم الاثنين 5 مارس/آذار، 1956م " يوم صعب إلى حدٍ ما وملئ بما تطلق عليه الصحف بالنشاط السياسي. . كنت أريد رُؤية سموّه فخابرت للسُؤال ما إذا كان بالإمكان رؤيته في الرفاع وصلت هناك وهم في اجتماع عائلي سري لمؤيدي عيسى مع غريب واحد هو جبر المسلّم وقد دار الاجتماع على نحو جيد وجاد جدا. كانوا ينهضون ويقولون بما يعتقدون ومستعدون للقيام بأي عمل قوي. سموّه كعادته كان يصر على السؤال منهم عن رأيهم في حين كان هو حذرا بأن لا يبدي رأيا، العجوز الشيخ محمد كان أفضل وأكثر المتحدثين وكان مؤيدا للإجراءاتٍ الصارمة، إطلاق النار لو تطلب الأمر"
ويتحدث أيضا عن فكرة أستعانة الحكومة بقوات أمن عراقية بدل قوات الأمن الحالية نظرا لعجزهم عن المواجهة ونقص كفاءتهم العسكرية حيث قام خليفة بن سلمان بزيارة إلى العراق لجلب مزيد من الجنود لتعزيز قوتها البوليسية، استعداد للمواجهة العنيفة مع حركة الهيئة العليا. ويظهر من ملفات لاحقة أن هذا التكتيك لم يكن كافيا وأن الحكومة قامت بتشكيل ميلشات مدفوعة الأجر للقيام بأعمال تخريبية وأعمال عنف لتحريض الناس على قادة الهيئة وفك ارتباط الناس بالحركة ومحاولة التأثير على الفئات غير المسيسة، وفتح المجال لتطبيق قانون العقوبات بأسرع ما يمكن.
بعد العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956 خرجت مظاهرات شعبية بتأيد من الهيئة وتم عقد اجتماعات شعبية في 2 نوفمبر 1956 وخرج المشاركون في مسيرة سلمية سرعان ما تحولت إلى أعمال عنف حيث أشعلت النار في شركة غري ماكنزي وحطمت نوافذ غرفة التجارة البريطانية والمؤسسات البريطانية الأخرى. وعلى إثر هذه الأفعال تم اعتقال قادة الهيئة ابراهيم فخرو وعبد العزيز الشملان وعبد الرحمن الباكر وعبد علي العليوات والسيد علي بن ابراهيم، وابراهيم بن موسى وهرب البعض الآخر . وعلى الفور أعلن الحاكم في 6 نوفمبر 1956" نظرا للاضطرابات التي حدثت خلال الأيام الماضية والتي لا تزال في بلادنا مسببة خطرا على السكان وضررا على ممتلكاتهم لذا وجب وضع حد لذلك حالا لمصلحة بلادنا ، نحن سلمان بن حمد نأمر بهذا : إن الفصول من 1 حتى 30 من قانون العقوبات البحرين الصادر في 1955 ستكون سارية المفعول ويعمل بها في الحال. وفرضت الحكومة حظر التجوال لمنع أي مظاهرات مؤيدة لقادة الهيئة و أصيب أربعة أشخاص برصاص الشرطة أثناء فرض التجوال وتم إنزال القوات البريطانية بدلا من قوة البوليس المحلية. وبالتالي دخلت البحرين تحت قانون الطوارئ وتم تشكيل محكمة خاصة لمحاكمة قادة الهيئة ومن الغريب ان رئيس المحكمة كان الشيخ دعيج بن حمد نفسه والشيخ عبدالله بن عيسى والشيخ علي بن احمد ال خليفة . أما التهم فأبسطها كان التأمر على قلب النظام بالقوة . وقبل جلسة الاستماع ونطق الحكم كان بلجريف يسعى جاهدا وبكل عزم على تلفيق الأدلة ضد قادة الهيئة عبر "تفحّص دقيق للبيانات التي أصدرتها الهيئة" التي علق عليها بنفسه قائلا " كل هذه الدلائل تؤشر إلى قضية خاسرة"
وفي المحكمة اعترف ثلاثة من الشهود في محكمة البديع أنهم تلقوا مبلغ 6 آلاف ربية للقيام بأعمال تكسير وتخريب كما اعترف بعض الشرطة بان بعض الحرائق لم يقم بها المتظاهرون يوم أن عدت الهيئة للاجتماع الجماهيري. إلا أن الحكم قد أعده بلجريف بالتعاون مع بعض أفراد العائلة ولم يكن هناك مجال للتراجع أو المثول أمام محكمة وقضاء عادلين.
خلاصة النتائج
مهما كان دور الهيئة العليا كبيرا ومهما إلا أن هناك مواطن خلل يجب الإشارة إليها ولو مختصرا:
1- خلل الهيئة كان خللا تكتيكا تمثل في قيام الباكر في أجراء اتصالات فردية مع بعض الانجليز ومطالبتهم ببعض القضايا الداخلية وكان من نتيجة هذه الاتصالات أن خففت المعارضة من درجة إصرارها على مطلب المجلس التشريعي وتأجيل مناقشته.
2- انقيادها للتجاذب الخارجي ورغبة بعض الأطراف التوسل بدعم جهات خارجية حيث مال الباكر إلى الناصرية في حين كان الشملان يتصل بشيوخ آل خليفة والسلطات البريطانية.
3- رفضها لكافة أنواع التسوية وربما كما يقول الخوري أن الرفض المطلق كان بمثابة غطاء لتوزع القوى وتشتتها الأيدلوجي فكان الرفض يعني الرغبة في الحفاظ على وحدة الصف وتماسك الهيئة.
4- عدم القدرة على تحويل التعاطف الشعبي إلى تنظيم دائم وموحد وفعال عن طريق تدرج السلطات والصلاحيات والنظم الهرمية فبقيت التنظيمات التقليدية القائمة على النفوذ الشخصي تعمل ضمن المعارضة وكأنها وحدات مستقلة وهذا أدى إلى تشتت التنظيم وتجزؤه الأمر الذي افقد المعارضة على قدرتها على التنسيق وإتباع سياسة الرفض والتصلب فخسرت المعركة.

 

clip_image002
القسم الرابع: ذاكرة التميز
ذاكرة التمييز : موروث هائل من ممارسات الإقصاء وانتهاك الحقوق
تدعى الحكومة أنها تقف على مسافة واحدة من جميع المواطنين، وتزيد تأكيد إدعائها بنفي وقوع تمييز اتجاه أي جماعة طائفية أو عرقية أو سياسية منذ 200 سنة على الأقل،أي منذ سيطرة العائلة المالكة على البحرين سنة 1783. مثل هذا الإدعاء يقابله واقع مختلف تماما في ذاكرته التاريخية وفي ذاكرته المعاصرة فجزء كبير من المواطنين يعيشون تحت وطأة التمييز المبرمج لدرجة تسمح لطرح فكرة التطهير الطائفي. إن التميز القائم على نظرة دونية وإستراتيجية الإقصاء والاحتكار لمصادر القوة والثروة، من شأنه جعل الدولة كيانا هشا وضعيفا ويفتقد التماسك الداخلي لذا فإن المجتمع يفتقد جراء التمييز ميزة الاستقرار السياسي ويبقى مهددا في نسيجه الاجتماعي. تخطى الدولة عندما تنكر أن هناك ممارسات قائمة على التمييز، وتخطى أكثر عندما تصور من يتحدث عن التمييز على أنه طامع ومجاهر بعدائه للدولة، وبين كلا الخطأين تقع أخطاء كثيرة وأخطاء كبيرة. أما الخطيئة الكبرى فهي أن تعمد بعض الجهات لوصف حديث التمييز والممارسات الواقعة على أنها شعور نفسي وعقدة يعاني منها قسم كبير من البحارنة، أو أن الحديث عن التمييز هو حديث طائفي، مع أن التمييز لا يقع على البحارنة فقط وأن هناك فئات يمارس ضدها التمييز أيضا والدليل هو قوة دفاع البحرين التي باتت محتكرة على فئة واحدة إذ من غير المسموح للهولة أن يوظفوا حالهم حال البحارنة مقابل سماح قوة الدفاع بتوظيف أجانب من خارج البحرين وتسهيل كافة الخدمات لهم، وهذا يعني أن الحدود المرسومة للتمييز هي حدود ضيقة جدا لا تستوعب سوى فئة صغيرة من فئات المجتمع المتعددة. ليس خطأ الشيعة أن يتحدثوا بصوت عال عن ظلاماتهم عندما يسكت الآخرون عن حقهم، وليس خطأهم أن يقع التمييز عليهم بدرجة أعلى من غيرهم. إن المساواة والعدالة بين المواطنين ليست هبات يتفضل بها الحاكم على رعيته بل هي حقوق يجب أن تؤدي وإلا وجب أخذها ووضع حد لمانعها، وعلى مثل هذه الرؤية قامت الدول الحديثة وتحركت الشعوب لنيل حريتها وحقوقها.
الغريب في الأمر أن المناهضين لحديث التمييز يتعمدون الخلط بين المفارقات الاجتماعية الناتجة عن طبيعة التفاعل الحر والطوعي أو تنتج عن الاختلافات في القدرات والسمات الشخصية، وبين التميز discrimination الذي يعكس سياسة رسمية تتحيز إلى فريق دون آخر سعيا وراء مصلحة الحكم ومنفعته ويؤكد الخوري أن سياسة التميز في المجتمع البحريني تدور حول مؤسسات الحكم والدولة حيث تتمركز العائلة الحاكمة وحلفاءهم من أصل قبلي في الوظائف الرسمية العليا وفي الوظائف المتعلقة بالأمن والدفاع والنظام والقضاء.
التمييز عقيدة الأجهزة الأمنية
أنني على يقين بأن التمييز هو سياسة متبعة وليس ممارسة فردية أو خطأ يمكن حدوثه في كل مؤسسة سياسية. ومع أن التمييز له غايات سياسية بحتة إلا أنه يتحول إلى غايات أخرى أبرزها الطائفية عندما تصبح سياسة التمييز غير مكتوبة أو سياسة خفية يناقضها القانون القائم. وبالتالي فإن إقصاء الشيعة ووقوعهم تحت التمييز المستمر له غاية سياسية في الأساس هي إبعاد المواطنين عموما عن مسألة تداول السلطة وتقاسم الثروة ومع مرور الوقت تكثف التمييز وأخذ يبحث له عن مبررات أخرى منها الطائفية. يؤكد هذا التفسير مجموعة من الحوادث على رأسها تضمين عقيدة قوات مكافحة الشغب بنزعة طائفية. إن مواجهة أي تحرك سياسي بخيارات العنف والقوة تبقى متوقعة وعلى هذا الأساس تقوم عقيدة أي مؤسسة أمنية، ولكن هذه القوة وهذا العنف إذا ما ضمن نزعة طائفية فهو يتحول إلى تمييز يضاف إلى جريمة استخدام العنف المفرط. وعلى هذا الأساس يمكن تفسير العقاب الجماعي ضد مناطق الشيعة عندما تشهد حركة سياسية مناهضة. وتحتفظ الذاكرة الشعبية بحوارات فضيعة تحتوي على نزعات طائفية تدور بين أفراد قوات الأمن البحرينية ومواطنين شيعة.
التمييز من 1979 إلى الانتفاضة الدستورية سنة 1994
ليس من المعلوم تاريخ إدخال النزعة الطائفية على العقيدة الأمنية لدى الأجهزة الأمنية المتعاظمة، إلا أن سنة 1979 تعتبر مفصلا ودليلا واضحا على ذاك التضمين. فبعد هذا التاريخ حكم على كل شيعي بأنه غير مؤهل لنيل شرف المواطنة وتم تسريح كافة الجنود الشيعة من قوة دفاع البحرين، وكان من المتوقع المجاهرة بالعداء للشيعة في مؤسسات عديدة مثل وزارة الإعلام ووزارة الداخلية ووزارة الخارجية وأغلب إدارات الدولة. لقد كانت الدولة تصور الشيعة على أنهم خطر كامن وعلى أنهم طابور خامس يعمل لمصالح إيران وهذا ما سهل للحكومة أن تعمم هذا الإدعاء على كل من يتحرك سياسيا بأنه عميل ويخدم أجندة خارجية.
قبل أن تندلع الانتفاضة الدستورية سنة 1994 كان التمييز قد أخذ مداه وأنتج واقعا مشوها لمجتمع تعددي. وقتها لم تتضح الحاجة إلى إبراز النزعة الطائفية داخل الأجهزة الأمنية لغياب الحركة السياسية عن الساحة وعندما وقعت الأجهزة الأمنية تحت قبضة المتظاهرين سنة 1994 وجدت الدولة نفسها من جديد بحاجة إلى وضع التمييز في إطار طائفي يعيد فرض شرعيته فظهرت عنوانين الصحف المحلية والتصريحات لوسائل الإعلام الوافدة تنفي وجود التمييز وتعيد اسطوانة التدخل الخارجي والطابور الخامس. كان اعتقاد الدولة أن مثل هذه الخطوة ستكون قادرة على تسديد الضربة القاضية على الانتفاضة الدستورية وكانت النتيجة هي استمرار الانتفاضة في مطالبها الدستورية خصوصا إيقاف التمييز والعمل بساسة موحدة لكل المواطنين. إن اللجوء إلى القوة والعنف قد يكون مفيدا في بعض الحالات لكنه سيقف عاجزا، ويفقد قوته على الإخماد، في حالات توسع رقعة المواجهة وإمكانية دخول أطراف أخرى ، ومن هنا يبدأ صناع القرار في الدولة في تدعيم مكانتهم عبر تحييد أكبر قدر ممكن من الأطراف والفئات الأخرى. ولن يكون هذا التحييد سوى توسيع حدود التمييز والتضييق على الفئة المقصودة من أجل فرض حصار سياسي واقتصادي واجتماعي بالإضافة إلى الحصار الأمني المفروض عليها. إن فترة التسعينات تعطينا نموذجا لما يمكن أن يكون عليه التمييز وفرص تحويله من مجاله السياسي المختص بمسألة السلطة إلى مجالات أخرى مثل المجالات الطائفية وأحيانا العرقية، والنتيجة التي نحصل عليها هنا هي أن التمييز هو خيار سياسي قد يستند إلى نزعة طائفية في ظل توافر ظروف متعددة منها الحاجة إلى تبرير العنف واستخدام القوة . وعلى هذا الأساس يتم بناء عقيدة الأجهزة الأمنية بناءا طائفيا لمواجهة التوترات الأمنية.
من المؤكد أن المشهد التسعيني ليس فريدا من نوعه، وأن كان هو الأكثر وضوحا في تفاصيله، فخلف هذا المشهد مشاهد كثيرة دفعت بالعديد من الباحثين إلى فحص علاقة الدولة بالمجتمع في البحرين وتحديدا علاقتها بالشيعة. وأفضت تلك الدراسات إلى اختلاف في تشخيص تلك العلاقة وتحديد محاورها، وإلى اتفاق عام على أن التمييز المطبق في البحرين هو سياسة متبعة تبحث لها عن وجوه وعن مبررات. وقد تنبه اسحاق الخوري إلى ما هو شبيه بهذا عند تحليله لعلاقة قوة العمل في البحرين ووجد أن المسار الذي سارت عليه الدولة في بناءها الإداري والسياسي هو نفسه الذي كان سائدا قبل إدخال الإصلاحات الإدارية سنة 1923 وبعد إعلان استقلال البحرين سنة 1971، وسرد في دراسته سنة 1975 أغلب التفاصيل الدقيقة التي يقوم عليها التمييز في البحرين وكان من ضمن ما كشف عنه أن العائلة الحاكمة ما زالت تسيطر على جميع الوظائف التي ترتبط مباشرة باستعمال القوة الفعلي أو بالتهديد باستعمالها او تلك الوظائف التي ترتبط بإعادة توزيع الثروة والضمان الاجتماعي ويؤكد الخوري أن الأوضاع قد تغيير بحسب الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية وبحسب الأهمية السياسية للوزارة أو الدائرة المختصة ويقول " في اللحظة التي تصبح لدائرة او لوزارة ما أهمية خاصة في ميزان القوى المحلية في تلك اللحظة بالذات تحال هذه الدائرة أو الوزارة إلى أشراف آل خليفة مباشرة" . وفي مجال آخر يتوصل الخوري إلى حقائق تدل بشكل واضح على أن التمييز هو سياسة وقانون تعمل من خلاله الدولة، فعندما بحث مسألة الإنجاز العلمي كمؤشر للكفاءة والمنهية وجد أن الشيعة والسنة من أهل المدن يتمتعون بأعلى نسبة في مستوى التعليم العالي ( 70%) إلا أن المسح التطبيقي أظهر أن 65% من الموظفين من آل خليفة يشغلون مراكز عالية في الحكومة : رؤساء دوائر، قضاة، وزراء، ضباط في الجيش.
لقد وفرت سياسة التمييز القائمة على أساس تطبيق مبدأ الأنساب على عملية توزيع المخصصات المالية والمناصب الحكومية وفرص العمل، للعائلة الحاكمة مجموعة من الخدمات التي كرست سياسة التمييز تفضيلها على أي سياسة أخرى وكان من أهم تلك الخدمات ( الفوائد) القدرة على استعمال مؤسسات الدولة لفرض الأمن والحكم، واشتداد سيطرة المجموعة الخاصة على الأفراد عموما، وفرض شرعية الأعراف بدلا من اللجوء إلى التمثيل الشعبي والقانون الموحد، وهو ما أدى في النهاية إلى اعتبار المجموعة الأقوى والأكثر نفوذا مجموعة منعزلة عن باقي فئات المجتمع.

بقلم: الاستاذ عباس المرشد