ديلمونفي الفصل السابق تناولنا جزء من تاريخ مملكة البحرين في حقبة ما قبل تكون الهوية, وثمة ثغرة تاريخية غريبة في الآثار البحرينية وهي عبارة عن فجوة من مئات من السنين ما بين الحقبة العبيدية قرابة 4000 ق. م. – 3500 ق. م. وحتى الفترة التي ظهرت فيها هوية مميزة للبحرين وذلك في قرابة 2200 ق. م. حيث أن الشعوب التي استخدمت فخار العبيد قد حطت على جزيرة البحرين وشرق الجزيرة العربية وقطر وامتداداً إلى أسفل الخليج العربي عند نقاط عديدة على الساحل وبذلك لم تكن البحرين ذاتها مقصداً لتلك الأقوام.
خلال تلك الفجوة التاريخية التي تبلغ قرابة 1000 عام لا يبدو أنه كان

هناك أي استقرار لأي جماعة على جزيرة البحرين حيث إنه لم يعثر في البحرين على أي دليل يعود لتلك الحقبة ويدل على وجود حضارة في البحرين ويبدو أن المرجح هو أن البحرين كانت في تلك الحقبة مجرد محطة مرور بين الحضارات القائمة في تلك الحقبة على الساحل الشرقي للجزيرة العربية وسواحل عمان والإمارات العربية وحضارة وادي السند (الأندس) وحضارة وادي الرافدين. والحقيقة العلمية المسلم بها حتى الآن بحسب المعطيات الأركيولوجية أن البحرين برزت كحضارة لها مميزاتها الخاصة كفخارها الخاص وأختامها الخاصة التي أهلتها لتكوين هويتها الخاصة وذلك قرابة 2200 ق. م. لكن الثابت أن اسم دلمون أقدم من هذا التاريخ وكذلك الأساطير السومرية من مثل أسطورة جلجامش أقدم من هذا التاريخ فكيف تم ربطها بجزيرة البحرين؟.
استعارة الهوية
الحضارة التي قامت في مملكة البحرين قديماً كانت عريقة ولها هويتها ولن يقلل من شأنها كون اسمها «دلمون» أو أي اسم آخر وقد بات من المسلَّم به أن اسم دلمون ارتبط بالبحرين قرابة العام 2200 ق. م. أما الفترة التي سبقت ذلك فالمسلَّم به أن دلمون هي مكان آخر غير البحرين وبذلك كل ما ربط باسم دلمون ويعود تاريخه لحقبة زمنية تسبق 2200 ق. م. ليس له علاقة بالبحرين ولكن البعض يصر على استعارة كل ما يخص دلمون ويربطه بالبحرين وبذلك يستعير هوية ربما لا تمت للبحرين بصلة فهو يستعير دلمون كهوية أسطورية ذكرت قبل تكوين هوية البحرين الحضارية.
بدايات استعارة الهوية
حتى نتمكن من فصل الهوية الأسطورية عن الهوية الحضارية لابد لنا من تحديد ثلاثة أمور رئيسية:
1 – تاريخ اسم «دلمون» نفسه والأماكن التي يحتمل ارتباطه بها عبر الزمن.
2 – البعد الأسطوري لاسم «دلمون» من خلال الأساطير السومرية ومدى ارتباط هذه الأساطير بمكان معين أو أن الاسم أسطوري بحت.
3 – تحديد الهوية الحضارية للحضارة التي قامت على أرض مملكة البحرين قديماً بمعزل عن اسم «دلمون» حيث لا حاجة له فهوية تلك الحضارة لها من الوجود والقوة ما يجعلها تتحدث عن نفسها.
تاريخ اسم «دلمون»
أظهرت الدراسات الحديثة للنصوص التي عثر عليها في مناطق مختلفة من حضارة وادي الرافدين وفي حقب زمنية مختلفة تبدأ من 3200 ق. م. وجود العلامة الدالة على اسم دلمون في العديد من المناطق وفي حقب زمنية مختلفة وأن شكل هذه العلامة يختلف من حقبة زمنية لأخرى وبذلك أمكن دراسة التطور التدريجي للعلامة الدالة على اسم «دلمون» منذ بدء عهد الكتابة وخلال مراحل تطورها التدريجي. ففي النصوص التي تعود لحقبة الوركاء الرابعة في المنطقة التي عرفت باسم «معبد إنانا» والمؤرخة في 3200 ق. م. – 3000 ق. م. عثر على أقدم ظهور للعلامة الدالة على اسم دلمون وقد كانت هذه العلامة تشبه علامة الطائر بالسومرية (انظر الصورة), وبدأ حدوث تحولات طفيفة في شكل العلامة عبر الزمن وصولاً لحقبة أور (قرابة 2500 ق. م.) حيث تكاد العلامة الأخيرة تفقد صلتها بالصورة الأصلية التي نشأت عنها, وهذا التطور في العلامة جاء وفقاً للتطور العام الذي مرت به الكتابة المسمارية من مرحلة الصورة المجردة إلى العلامة الدالة على فكرة.
النصوص التي ذكرت «دلمون»
لتحديد مدى علاقة النصوص التي تذكر «دلمون» بجزر البحرين علينا أن نضعها في إطار تاريخي محدد, وبحسب آراء الباحثين في تلك النصوص ومدى علاقتها بالبحرين يمكننا تقسيم الحقب التاريخية إلى ثلاث حقب (أنظر جدول رقم 1).
دلمون (3200 ق. م. – 2500 ق. م)
باتفاق جميع الباحثين في حضارة دلمون فإن النصوص العائدة لهذه الحقبة لا تمت بصلة لجزر البحرين بل ترتبط بأرض أخرى أقيمت عليها حضارة دلمون الأولى. وهذه النصوص التي وردت فيها علامة دلمون منذ الوركاء الرابعة وحتى أور الأولى فهي في مجملها نصوص اعتبرت اقتصادية, حيث ترد علامة دلمون مرة واحدة على الأقل في نص يعود للوركاء الرابعة في قائمة تعداد المهن التي جاء فيها اسم «جابي ضرائب دلمون», وفي حقبة الوركاء الثالثة (أو حقبة جمدة نصر), وردت علامة دلمون في العديد من القوائم الاقتصادية ومن الأسماء التي وردت «جابي ضرائب دلمون و»فأس دلمون» ومنتجات أخرى كالمنسوجات ومشتقات الحليب.
وفي ما يخص النصوص التي تعود لحقبة أور الأولى نجد أن الإشارة إلى دلمون ترد كعنصر في عدة أسماء شخصية وأسماء للسلع مثل «نخيل دلمون» و»نحاس دلمون». وآخر النصوص العائدة لحقبة أور هو نقش أور- نانشة ملك لجش حيث يفتخر الملك في هذا النقش بامتلاكه سفن نقل الخشب:
«كان لدى أور- نانشة ملك لجش سفن لنقل خشب دلمون من الأراضي الأجنبية إلى لجش».
ويتمثل جانب من هذه الأهمية الكبرى لهذه النصوص في أنها تشير صراحة إلى أن الخشب الوارد إلى دلمون من أرض أجنبية كان ينقل بالسفن إليها, فالخشب ليس دلمونياً لأن التمييز يبدو واضحاً بين دلمون وبين الأراضي الأجنبية غير المسماة. وأياً كان فدلمون المقصودة هنا ليست جزر البحرين.
الحقبة (2500 ق. م. – 2300 ق. م)
الغالبية من الباحثين في حضارة دلمون لا يعتبر نصوص هذه الحقبة التي تذكر دلمون لها علاقة بجزر البحرين. والبعض يربط بين نصوص ذكرت دلمون وتعود لنهاية هذه الحقبة (أي 2300 ق. م.) وجزر البحرين ونذكر على سبيل المثال دانيال بوتس الذي يعتبر نصوص لجش الاقتصادية التي تعود إلى عهدي لوكال لندا (نحو 2370 ق. م.) وأور كاجينا (قرابة 2355 ق. م)، كذلك النصوص الأكدية كنص سارجون الأكدي (2334 ق. م) لها علاقة بدلمون التي قامت على جزر البحرين (بوتس 2003 ج1 ص 176 و ص 298 – 300).
الحقبة (2200 ق. م. – 567 ق. م)
باتفاق جميع الباحثين في حضارة دلمون أن البحرين كانت مركز دلمون في هذه الحقبة, إلا أن البعض يحاول أن يمد فيها فيذكرها (2300 ق. م – 500 ق. م) وبذلك يدخل نصوص لجش الاقتصادية ونص سارجون الأكدي على أنه مرتبط بجزر البحرين. لارسن يوازي ظهور حضارة في البحرين بفترة أور الثالثة (Larsen 1983, p. 42) أي أن بداية دلمون – البحرين هي 2150 ق. م. وفي كتاب «Bahrain: Civilization of the Two Seas» والذي يضم بحوث لعدد كبير من الباحثين في حضارة دلمون نرى الغالبية تصرح أن الحضارة في البحرين بدأت قرابة 2200 ق. م من أولئك بيار لمبارد وفلمنج هوجلاند حتى أن هاريت كروفورد تقلص المدة بأن جزر البحرين في حدود 2000 ق.م يمكن قبولها بأمان أنها دلمون.
الباحثون عن مكان دلمون
منذ أن عرف اسم دلمون وعدد كبير من الكتاب تبحث عن دلمون ويمكننا أن نقسم أولئك الكتاب بحسب النتائج التي توصلوا لها إلى ثلاثة أقسام: فمنهم من يرى أن دلمون اسم يخص أرض واحدة وهي جزر البحرين ومنهم من يضيف لها شرق الجزيرة العربية وجزيرة فيلكا, ومنهم من يرى أن دلمون اسم لمكان واحد يقع في حضارة وادي السند, وأما الرأي الأكثر قبولاً حالياً أن دلمون اسم ارتبط بمكانين مختلفين.
دلمون هي البحرين
تضم هذه القائمة أهم من قال إن دلمون هي جزر البحرين أو جزر البحرين وشرق الجزيرة العربية وقد حدث ذلك بسبب قلة النصوص التي ذكرت دلمون وقلة التنقيب في البحرين وشرق الجزيرة العربية. وقد كان المستشرق الفرنسي أوبرت Oppert أول من اعتبر أن دلمون هي كبرى جزر البحرين في العام 1880 وذلك بناء على الشبه الكبير بين اسم هذه الجزيرة في المصادر اليونانية والرومانية أي «تايلوس» واللفظة الأكدية «دلمون». وبعد أوبرت بشهور وفي نفس العام أكد عالم المسماريات رولنسون أن دلمون هي جزيرة البحرين وذلك في معرض تعليقه على تقرير الكابتن ديوراند عن جزيرة البحرين. وقد اتفقت آراء العديد من الباحثين مع رأي رولنسون على أن دلمون هي البحرين غير أن الدراسات المتتالية سواء الناتجة عن بعثات التنقيب أو تحليل أساطير سومر وتحديد تواريخها أدى لتضارب بشأن تحديد موقع دلمون.
وفي العام 1946 أكد كورنوال أن هناك احتمالية أن تكون دلمون هي البحرين حيث ذكر أهم النصوص المسمارية القديمة التي تشير إلى التطابق بين دلمون والبحرين وقد أورد نصين من أواخر العهد الآشوري الحديث. وقد عرض كورنوال الآثار المادية التي اكتشفها خلال فترة تنقيبه في البحرين وشرق الجزيرة العربية. وقد خلص كورنوال إلى أنه لا يجب الاعتماد على الكتابات الأدبية والأسطورية فقط ولكن يجب أن يضاف لها الوثائق السياسية والاقتصادية وكذلك اللقى الأثرية. وقد أشار كورنوال إلى الصلة التي تربط البحرين بشرق الجزيرة العربية وبالتالي شمول مسمى دلمون لمناطق أكثر اتساعاً من الجزيرة نفسها.
دلمون في شبه القارة الهندية
قام صموئيل كريمر Kramer بترجمة وتحليل بعض أساطير سومر وبالتحديد أسطورة إنكي وننخورساج (سنناقشها بالتفصيل لاحقاً) وعليه أستنتج أن دلمون هي الأراضي الواقعة في جنوب غرب إيران أو حضارة وادي السند. وقد اعتمد كريمر على الوصف الأسطوري لدلمون التي تمتلك البساتين والمياه العذبة واستبعد أن يكون الوصف ينطبق على البحرين. وتتفق رميلة ثابار (Thapar 1975) مع كريمر في أن دلمون تقع في شبه القارة الهندية حيث تحدد مواقع كل من دلمون ومجان وملوخا في شبه القارة الهندية وأن دلمون تقع في الغرب منها. وقد اعتمدت ثابار على التحليل اللغوي الذي قامت به لأسماء المناطق الثلاث والذي تقول إنه يعود إلى اللغة السنسكريتية أو إحدى لغات الهند القديمة.
وجود أكثر من دلمون
بسبب الكشوفات العديدة سواء في النصوص التي تذكر دلمون أو الكشوف الأثرية التي نتجت من عمليات التنقيب وجد أن هناك نصوص تتفق مع أن دلمون هي جزر البحرين, بينما توجد نصوص تذكر دلمون لكن تاريخها يعود لما قبل قيام حضارة على جزر البحرين وبالتالي هناك على الأقل مكانان ارتبطا باسم دلمون. وفي العام 1981 ظهرت أول دراسة توفيقية لحل إشكالية تحديد موقع دلمون حيث قامت الباحثة تيريزا هوارد كارتر بتحديد مكانين ارتبطا باسم دلمون, الأول وهو دلمون الأولى وقد قامت قبل العام 2200 ق. م. وتقع في منطقة القرنة في جنوب العراق, ولكن بعد العام 2200 ق. م. لم يلبث الحال أن تغير حيث أصبح اسم دلمون من بعد هذا التاريخ مرتبطاً بالبحرين وجزيرة فيلكا وشرق الجزيرة العربية.
وفي العام 1983 حدد دانيال بوتس دلمون الأولى في شرق الجزيرة العربية قبل العام 2500 ق. م. ثم أصبحت جزر البحرين هي مركز دلمون بعد هذا التاريخ. والمسلم به حالياً عند جميع الباحثين في تاريخ حضارة دلمون – البحرين أن جزر البحرين أصبحت مركز دلمون بعد 2200 ق. م. باستثناء البعض الذي يضيف 100 عام إضافية لتصبح 2300 ق. م.
حسين محمد حسين – صحيفة الوسط  – العدد : 2806 |  13 مايو 2010م الموافق 28 جمادى الأولى 1431هـ