النقط تبين اماكن سقوط القنابلكبار السن من قرية المعامير يعودون بالذاكرة إلى الحرب العالمية الثانية
وقعت أحداث عديدة في مناطق وقرى البحرين في الماضي، بعضها سمعنا عنه وبعضها لم نسمع عنه، لكننا حيثنما نبحث في المهمل من التراث والتاريخ، سنقف على العديد من الأحداث والوقائع الغريبة التي لا نكاد نصدق بعضها.
وبحسب صاحب موقع «سنوات الجريش» التاريخي التراثي الباحث جاسم حسين آل عباس، فإن هناك الكثير من الأحداث المهمة التي شهدتها البحرين، وبعد فترة، اختفت آثارها وغدت في طي النسيان، ولا

شك إننا سمعنا وقرأنا الكثير عن تفاصيل الحرب العالمية، ولكن غلبيتنا لا يعلمون بأن هناك تداعيات وآثار خلفتها تلك الحرب على دول الخليج، وبينها جزيرة البحرين التي عانت كثيراً بسبب الحرب التي تركت آثاراً سيئةً على السكان بسبب الحصار والمجاعة التي قضت على العديد من الناس في سائر القرى والمناطق… فترة الحرب كانت قاسية على الأهالي، فالتوتر والهلع والخوف من المجهول جعل الكثير من الناس يتمنون الموت على تلك الحياة التعيسة التي يقفون فيها عاجزين وهم ينظرون الى أهليهم وهم يرحلون واحداً تلو الآخر بسبب الجوع والأمراض وتعطل الحياة.

 

ومن بين العديد من الأحداث التي وقعت في تلك الفترة الصعبة، حدث مهم يتعلق بقصف مصفاة النفط المجاورة لمنطقة المعامير وسترة والنويدرات والعكر، يقول الباحث آل عباس: «قبل أعوام، سمعت من بعض كبار السن بعض الذكريات المرة التي عاشوها، ولفت انتباهي أنهم كانوا يتحدثون عن قصف شركة بابكو أثناء الحرب العالمية، وظننت في بداية الأمر أن الموضوع لا يتعدى كونه إشاعة أو تضخيماً لحادثة بسيطة وقعت في ذلك الزمن حيث من غير المعقول أن تمر حادثة بهذا الحجم على سكان جزيرة صغيرة وينساها الناس ببساطة!»، ولكن سرعان ما اتضحت الرؤية بعد أن بحثت في أكثر من مصدر عن تلك الحادثة، لذا حاولت جاهداً أن أقف على ردة فعل الناس، وعلى الآثار النفسية التي خلفتها على أهالي القرى القريبة من موقع الحدث وخصوصاً القرى الملاصقة لشركة نفط البحرين (بابكو)، وخلصت الى بعض النتائج التي سأذكرها على لسان بعض المسنين في المنطقة، وبداية، سندخل من خلال الأجواء والأوضاع النفسية التي عاشها الناس خلال الحرب.
الأجواء قبل الغارة
بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية، كان للشائعات دور كبير في إدارة الحرب، وكان لها تأثير واضح في خلق حالة من القلق والخوف لدى سائر شعوب العالم، ففي شهر يوليو/ تموز من العام 1940 وأثناء اشتعال الحرب الطاحنة، وردت بعض الشائعات عن تواجد غواصات إيطالية شرق قناة السويس، وهذه الشائعة تكررت طوال الأعوام الثلاثة التالية، حينها قام الإنجليز برصد تلك الغواصات واستعدوا للهجوم عليها فتبيّن فيما بعد أنها مجرد حيتان. (المصدر: كتاب نكهة الماضي: مهدي عبدالله).
وفي خضم هذه الأحداث، عاش أهل البحرين – وخصوصاً جيران مصفاة التكرير – بين الشائعات والأخبار المتناقضة التي قضّت مضاجعهم ولاسيما أنهم كانوا يعلمون بأن تواجد القوات البريطانية على أرض البحرين يشكل خطراً عليهم إذ يعرضهم للغارات والقصف من قبل دول المحور، ولاسيما أهالي سترة والمعامير، وذلك بحكم موقعهم الاستراتيجي المجاور للمصفاة، وخزانات النفط العملاقة التي تقع شرق المعامير وغرب وجنوب سترة.
ومنذ بداية اشتعال الحرب، سرت العديد من الشائعات التي تتحدث عن احتمال قصف معمل التكرير في البحرين (بابكو) في أي لحظة، وهذا جعل الناس يعيشون حالة من التوتر الدائم طوال فترة الحرب، وفي الفترة نفسها قام المستشار بلغريف بنشر إعلان في مجلة «البحرين» ينصح فيه الأهالي بعدم الإقامة في المدن خلال الصيف، وقام هو بتطبيق الإعلان على نفسه وزوجته حيث غادرا منزلهما في المنامة، وفي الفترة نفسها قامت الحكومة بسد العديد من الآبار المتوقفة عن العمل فغطيت بطبقة من الأسفلت والكونكريت، وتم تشكيل لجنة خاصة تقوم بتوعية الطلاب في المدارس بكيفية التعامل مع أي قصف، إذ قامت بتعريف الطلاب بأنواع القنابل والألغام، وتم إنشاء مخابئ تحت الأرض في العديد من المدارس والأماكن.
إغراق «أبوام» كويتية وقطرية
وفي الصيف، وردت أخبار وتقارير عن تواجد سفن مجهولة في مياه الخليج، وقيامها بإغراق «أبوام» (بواخر) كويتية وقطرية بالقرب من السواحل الهندية، وفي فترة الحرب، انتشرت إشاعات أخرى ومنها حادثة الطيور الكبيرة؛ ففي تاريخ 4 سبتمبر/ أيلول من العام 1940، شوهدت في سماء البحرين مجموعة من الطيور الغريبة وهي من فصيلة غير معروفة وحجمها ضخم جداً، وقد ظهرت بالقرب من شركة نفط البحرين (بابكو) ومحيطها من القرى وكان يبلغ عددها 200 طائر تقريباً، وقد عثر على أحد الطيور ميتاً في مصفاة التكرير فتمت معاينته والكشف عليه فتبيّن أنه من فصيلة اللقلق، وقد وجدت في رجله شريط مكتوب عليه (جامعة كوناس ليثوني – رقم ب 3973)، ولأن هذه الطيور غير معروفة لدى الأهالي، فقد أطلقوا عليها أسماء مختلفة، واعتقد بعض الناس في قرى سترة وغيرها من القرى أن هذه الطيور ربما تحمل قنابل موجهة من قبل الإيطاليين لتفجير المصفاة أو غيرها من الأهداف، وسرعان ما تبيّنت الحقيقة وعرف الناس إنها مجرد طيور مهاجرة.
في تلك الفترة، كان أهل سترة والمعامير يستقون أخبار الحرب من مصادر عدة منها أجهزة الراديو التي كان يملكها بعض الأفراد، ولكن الأخبار غالبيتها تتضارب وغير موثوقة؛ ما يجعل الناس تعيش حالة توتر وقلق لا حدود له.
ليلة قصف بابكو
في مساء 19 أكتوبر/ تشرين الأول من العام 1940، وتحديداً في تمام الساعة 2:20 صباحاً بتوقيت البحرين، دخلت الطائرات الحربية الإيطالية لأجواء البحرين وشنت غارة متواصلة على معمل التكرير (بابكو) وألقت 92 – وقيل 82 – قنبلة بالقرب من المعمل وتبيّن أن الطائرات كانت قادمة من جزر الدوديكان الواقعة على بعد 2800 ميل من جزيرة البحرين.
وفي خضم التفجيرات سارع مدير شركة بابكو بالذهاب إلى موقع المصفاة وأمر بإشعال الأضواء بقوة؛ ما جعل المنظر يماثل الحريق، وهذا ما جعل الإيطاليين يعتقدون أن أهم هدف في البحرين دمر وأن الحرائق ترى من بعد مئات الأميال.
ويذكر المرحوم الحاج حسن بن محمد بن يوسف آل سعيد والحاج عباس بن محمد بن عباس وآخرون من أهل المعامير أن الإنجليز اتخذوا احتياطهم المسبق لمثل هذه الغارات، فقد كدسوا تلالاً من السعف وجريد النخل الذي جمعوه من مزارع القرى القريبة من «بابكو» كالعكر والنويدرات والمعامير وسترة، وأثناء الغارة قاموا بإطفاء جميع الأنوار في الشركة وأشعلوا السعف بالنار للتمويه ونجحت الخطة حيث غادرت الطائرات أجواء البحرين بعد مشاهدة النيران تشتعل في الموقع.
في تلك الفترة، ظن البعض من أهل البحرين أن الغارة كانت مدبرة من قبل الإنجليز بهدف تأجيج الرأي العام في البحرين والعالم ضد دول المحور، إلا أن (راديو روما) حسم الأمر في الساعة الثامنة صباحاً حين أعلن أن سلاح الطيران الإيطالي دمر البحرين، وقد ترك الحرائق مشتعلة فيها إلى درجة أن قُوّاد الطائرات كانوا يرون الحرائق تشتعل من بعد مئات الأميال.
الكابتن باولو موسي
وقصة هذه الغارة بإيجاز، أن الكابتن باولو موسي عرض على الرئيس «موسيليني» خطة للتخلص من البحرية الملكية البريطانية، وذلك بقصف ممول البترول الرئيسي لها وهو شركة «بابكو» الواقعة في جزيرة البحرين، فوافق موسيليني على الخطوة وأسند قيادة تنفيذها للميجور «إيتوري ميوري». وقد جهزت أربع طائرات من نوع «Savoia Marchetti SM82» للقيام بتلك المهمة، وكان هذا أول حادث من نوعه تتعرض له البحرين، ولم تكن قد أخذت احتياطاتها من قبل، ولكن بعد ذلك بدأت العديد من التجهيزات الدفاعية حيث بنيت دروع صغرى حول معمل التكرير وخزانات النفط ونصبت العديد من المدافع المضادة للطائرات.
وفي شهر يونيو/ حزيران من العام ذاته، قرعت صفارات الإنذار معلنة وقوع غارة جوية ثانية على معمل التكرير، وهذه المرة عبر الطيران الحربي الياباني فأصيب الناس بالذعر والهلع ولكن سرعان ما تبيّن أنها أخبار كاذبة.
وخلال فترة الحرب لمدة سبع سنوات، عاش أهل البحرين بين الخوف والجوع، ولكن كيف قضى أهل القرى القريبة من معمل التكرير تلك السنوات؟ وخصوصاً بعد أن اتضح للناس أن أبرز الأهداف في البحرين هو معمل التكرير وخزانات النفط؟ وهذا يشكل خطراً على السكان القريبين من «بابكو» ولاسيما قرية المعامير التي تقع وسط المنشأتين المصفاة والخزانات، وكذلك النويدرات والعكر وباقي القرى المجاورة التي حتماً سيصلها الخطر في حال قصف تلك المنشآت.
وهذا يتضح إذا وقفنا على الأوضاع والأجواء التي عاشها الأهالي أثناء تلك الحرب القاسية، فشبح الحرب الطاحنة التي خلفت ملايين القتلى والجرحى كان ماثلاً لهم أمام أي خبر أو حادثة ولاسيما بعد أن دخلت البحرين في دائرة الاستهداف من قبل دول المحور.
شهادات كبار السن
كبار السن الذين عاصروا وعاشوا تلك الحرب بتفاصيلها ذكروا الكثير من الأحداث التي وقعت أثناء الحرب ومنها ما قاله الحاج محمد بن هلال آل حسين الذي كان يعمل في «بابكو» أثناء الحرب العالمية: «كنا نقضي الليل والنهار بخوف ورجاء نتابع أخبار الحرب عبر أجهزة المذياع الكبيرة التي تشبه (الطابوقة)، وعددها قليل في عامة القرى، أما عن ليلة قصف بابكو فقد سمعنا أزيز الطائرات، وكانت منخفضة جداً وصوتها قوي ومزعج، وقد أدى هبوطها بمقربة من الأرض إلى تكسر بعض زجاج النوافذ والأبواب، وعند اقترابها من سطح الأرض أكثر تساقط الغبار من أسقف البرستجات والبيوت، حينها توقعنا أنهم جاءوا لقصف البيوت والسكان فلم يبق أحد إلا استيقظ من نومه مفزوعاً وخائفاً، واستيقظ الكثير من الناس من نومهم، فبعض الرجال ركضوا نحو ساحل المعامير ونزلوا فيه للاحتماء من النيران والانفجارات التي كنا ننتظرها في أي لحظة، وكنا نعتقد أن مياه البحر ستحمينا من النيران».
ويضيف قائلاً «ما زلت أذكر أننا سمعنا بوضوح صوت القصف على بابكو وكأنه حلم مفزع حيث لم نكن نسمع غير أزيز الطائرات الذي غطى على صراخ الأهالي، وبعد قليل، شاهدنا النيران تشتعل قرب بابكو، وتبيّن فيما بعد أن القنابل لم تنفجر والحرائق كانت عبارة عن خطة من إدارة الشركة لتضليل الطائرات لإيهامها بأن الهدف أصيب».
أما الحاج مسلم بن مدن بن أمان، وهو أكبر المسنين في قرية المعامير فيشير إلى أن القصف وقع في ليلة الجمعة من شهر رمضان، فيقول: «كنت حينها جالساً في مجلس الحاج سعيد بن علي آل عباس ومعنا أحد الخطباء من خارج القرية وهو الملا يوسف بن الملا عطية الجمري إذا لم يخب ظني، وفي منتصف الليل قبل السحور، سمعنا صوت الطائرات المرعب ثم شعرنا باهتزاز الأرض والبيوت أكثر من مرة، وعرفنا أن هناك غارة جوية، وكانت الأجواء مرعبة للغاية وسمعنا صوت قصف الطائرات واضحاً، ولكن لم نسمع صوت انفجار القنابل حيث تبيّن في اليوم التالي أنها سقطت على مواقع طينية قرب (شباثة) جنوب القرية، وفي اليوم الثاني ذهب الكثير من الناس لمشاهدة آثار القنابل».
أما الحاج علي بن محمد بن إبراهيم بن علي فيذكر حادثة وقعت معه في مطلع السبعينيات تتعلق بحادثة بابكو، وهي أنه في إحدى سفراته للعراق عبر الباخرة، التقى بأحد الضباط العراقيين ودار بينهما حديث حول السفر، وعندما اطمأن الضابط للحاج علي بادره بالسؤال: «يا حاج هل تذكر حادثة قصف مصفاة النفط في البحرين؟ قال نعم. فقال هل تصدق أنني أنا الذي كنت أقود الطائرة وأنا الذي ألقيت القنابل خارج المصفاة كي لا تتضرر».
السدّة والقنوات المائية ملاجئ القرى
ويذكر بلغريف في مذكراته أن العديد من مدارس البحرين في فترة الحرب العالمية حفروا فيها خنادق أو ملاجئ تحت الأرض في حدود المدارس، وذلك للاحتماء بها من القصف والغارات، وهذا الأمر انطبق على العديد من الأماكن التي يتجمع فيها الناس في البحرين وكذا الخليج، وكانت لبعض القرى ملاجئ صغيرة وبعضها تحتوي على مغارات صغيرة وقنوات مائية كان الناس قد هيأوها للاختباء فيها، وعلى سبيل المثال، فقرية العكر كانت توجد بها مغارتان وهما عبارة عن قناتين لمياه طبيعية كانتا مهيأتين لهذه المهمة كما ذكر أحد كبار السن من أهالي قرية العكر.
أما الاحتياطات البسيطة التي اتخذها أهل المعامير فقد تمثلت في حفر أحد الملاجئ أو الخنادق تحت الأرض وكانوا يطلقون عليه (السدّة) وموقعها شرق مأتم الزهراء القديم – مأتم النساء حالياً – والسدة تحوي أعلاها مدخلاً ضيق وحجمها بمساحة غرفة عادية 15 قدماً طولاً في 12 قدماً عرضاً، وكانوا يعتقدون بأن اللجوء إلى السدة سيحميهم في حال تعرضت المصفاة أو خزاناتها للقصف، وبعد الحرب بقت السدة مهملة لعدة سنوات فتحولت إلى خربة تتجمع فيها الجرذان والحشرات والأوساخ فقام بعض الأهالي بردمها، ويقول السيد أمين بن السيد إبراهيم الساكن إنه كان حينها شاباً وشاهد (السدّة)، ويذكر أن «أغلب أحاديث الناس في البحرين وخصوصاً أهالي القرى القريبة من بابكو خلال سنوات الحرب، كانت تدور حول الحرب والجوع والغم الذي حل على الناس، وأكثر ما كنا نخشاه أن تطول الحرب… فنقص الطعام والجوع وصل إلى حد لا يحتمل، لذا كثر التضرع والدعاء إلى الله كي ينجي العالم من الهلاك والجوع»، ويختم بالقول: «الحمد لله توقفت الحرب وبالتدريج عادت الأمور إلى طبيعتها».

الوسط

قصف مصفاة النفط