نساء من قرية المعامير يملئون الماء من احدى الصنابير المتصلة ببابكو في الاربعينات copyالمعامير والقرى المجاورة في الحرب العالمية الثانية وشهادات على ألسنة كبار السن تُوثِّقُ لمرحلة الجوع والمرارة
استعرضنا في الحلقة الأولى من الموضوع في الأسبوع الماضي ملامح من أوضاع قرية المعامير والقرى المجاورة خلال الحرب العالمية الثانية، وتمّت الإشارة إلى بعض الآثار النفسية والاجتماعية التي خلّفتها الحرب مروراً بحادثة قصف مصفاة النفط (بابكو) من قبل الطائرات الإيطالية.

وفي حلقة اليوم، يواصل الباحث التاريخي صاحب موقع (سنوات الجريش) جاسم حسين آل عباس الحديث عن أهم الجوانب المأساوية لتداعيات الحرب العالمية على أهل البحرين والقرى المحيطة بالمصفاة، فالقحط الذي لازم فترة الحرب، كان يُعتبر من أشد وأكثر المعاناة التي عاشها الناس في تلك الفترة، وقد أطلق على تلك الفترة عدة أسماء منها (سنة البطاقة) و(سنة الجريش)، حيث اضطر أهل البحرين والقرى لأكل الجريش والطعام الفاسد، وأخيراً اضطروا إلى أكل طعام المواشي الذي كانوا يدخرونه لمواشيهم حيث استمر القحط والجوع والخوف لمدة سبع سنوات.
المجاعة تجتاح المناطق
منذ القدم كان الناس يؤرخون لأنفسهم بالأحداث المهمة التي تقع عليهم ويجعلون بعض الأحداث المهمة كمحطات مفصلية حيث تُقرَن بها العديد من الأحداث والتواريخ، ومن الأحداث المهمة التي وقعت في تلك الفترات كانت أحداث سنة الجريش أو كما يطلق عليها أيضاً سنة البطاقة؛ إذ إن الحكومة طبقت نظام بطاقة التموين التي يتم من خلالها بيع بعض المواد الغذائية بعدد الأنفس، فالغني لا يستطيع ان يشتري أكثر من حصته، فتساوى الأغنياء بالفقراء… يأكلون ويشربون بنسب معينة، وهذا النظام لم يطبق بحذافيره، فهناك تجار كانوا يحتكرون ويخزنون الطعام والتمور في مخازن بيوتهم، وكان لبعض المتنفذين أو المقربين من الحكومة دور في الاستحواذ على كميات كبيرة من الأطعمة، مما كان يضيق الحال على الفقراء وأهل القرى البسطاء الذين كانوا يسلمون أمرهم لله، ويباتون وهم لا يعلمون بأرزاقهم في صباح اليوم التالي.
سبب المجاعة وأهمية البطاقة
نساء في احدى القرى يجلبون الماء من مسافات طويلة copyسنة البطاقة حدثت أثناء نشوب الحرب العالمية الثانية التي أدت إلى محاصرة البحار وخطوط التجارة في المحيطات، وهذا الأمر أدى إلى توقف الاستيراد والتصدير في أغلب  دول العالم ومنها دول الخليج وجزيرة البحرين… في ذلك الوقت كان أغلب البحارة في الخليج والبحرين لا يستطيعون الدخول للبحر لطلب الرزق، فأيّ سفينة كانت ترصد في المياه يتم قصفها أو تتعرض للخطر بسبب الألغام المنتشرة في البحار، لذا توقف أغلب صيادي السمك وكذا أهل الغوص؛ ما أدى إلى نفاد المواد الغذائية والاستهلاكية وانعدامها من الأسواق المحلية.
ومما فاقم المشكلة هو أن الأمطار قلّت في تلك الفترة بدرجة كبيرة ما أدى إلى كساد الزراعة وقلة إنتاج التمر، فأغلب النخيل فسد بلحها وتحول إلى (شيصة) وبذلك ضاع أحد أبرز مصادر الطعام عند عامة الناس، وفي تلك الفترة، استغل بعض التجار هذه المعاناة حيث ارتفعت أسعار المواد الغذائية إلى أضعاف مضاعفة على الرغم من قلة دخل عامة الناس الفقراء، ولذا تعرضت حياة الناس للخطر، فهم مهددون بالموت جوعاً وقد مات العديد من الناس في مختلف مناطق البحرين، حينها قامت الحكومة بطرح مشروع البطاقة وذلك لضمان عدم التلاعب بالأسعار.
الحكومة تشتري «جلات» التمر
كانت الحكومة تشتري «جلات» التمر ممن يملكه ثم تبيعه على الناس بالرطل حسب أعداد أفراد الأسرة كي لا يموت أحد من الجوع، وكان بعض التجار الطماعين يبيعون التمر والطحين والقهوة وغيرها من المواد الغذائية بالخفاء على بعض المتنفذين والأغنياء، وعندما يُبلَّغ عنهم، تقوم الحكومة باتخاذ الإجراءات اللازمة فتتم مصادرة المواد منهم وتباع على عامة الناس في الأسواق عبر البطاقة التي يُحدَّد فيها عدد أفراد الأسرة، وفي تلك الفترة، نفد الرز والدقيق والعديد من المواد الغذائية وبقي الجريش والتمر فقط حيث يتم بيعهما بالبطاقة بأسعار موحدة ومقبولة، لذا كان الجميع يحصلون على الجريش والتمر حسب أعداد الأفراد.
وكان المال لا ينفع صاحبه وإن كان غنيّاً، وهذا الحال استمر لمدة سبع سنوات، ولهذا يُشبِّه البعض هذه السنوات بالسبع العجاف التي ذكرها القرآن الكريم في عهد عزيز مصر… هذه السنوات الصعبة مرت على أهل المعامير وسترة وسائر المناطق، ولكن مرّت معها العديد من الأحداث المُرَّة والأليمة، وهنا سأذكر بعض الذي سمعته من الذين عايشوا هذه السنوات وشاهدوا أحداثها.
شهود في زمن القحط
يذكر المرحوم الحاج حسن بن يوسف آل سعيد، وهو من قرية المعامير، أن فترة المجاعة والقحط كانت أشد السنوات التي مرّت علينا في البحرين والخليج، وفي القرية، وصل بنا الأمر إلى درجة أننا بُلينا بمرض غريب وهو إننا إذا أكلنا لا نشعر بالشبع بل نتضوّر جوعاً أكثر، وفي حديثه عن القرية يقول : «كنا في المعامير وسائر مناطق البحرين نجمع الجريش والتمر الفاسد ونخزنهما للحيوانات، لكننا اضطررنا لأكلهما بسبب القحط وكان طعمهما لذيذاً للغاية بسبب الجوع، وأن والدي الحاج محمد بن يوسف آل سعيد توفي بسبب الجوع في تلك الفترة، ففي ذلك اليوم، كنت في البحر ولم أعلم بوفاته إلا بعد عودتي من البحر، وللأسف لم أحضر تشييعه ودفنه، وفي الفترة نفسها توفي أخي واسمه سعيد وكان حينها (يبلل الليف) الذي نصنع منه الحبل قرب ساحل القرية وهو يتضوّر جوعاً، فسقط أمام الناس مفارقاً الحياة، ومات معه العديد من أهل القرية ومنهم على سبيل المثال محمد بن علي بن متروك وصالح بن متروك وأم الحاج عباس بن مدن بن عبداللطيف والعديد من الأطفال والنساء».
تمر أسود كالقار!
وعن هذه الأيام يتحدث الحاج محمد بن هلال فيقول إنها «كانت أياماً صعبة وكريهة، حتى من خلال الذاكرة، في تلك الأيام كنا نشتري التمر بالبطاقة وكان التمر أسود (كالقار) وطعمه كريه جداً، ولا أبالغ حين أقول إننا كنا أكثر من عشرين شخصاً نتقاسم بيننا رزّاً قليلاً لا يكفي لخمسة أشخاص، وكنا لا نهجع ولا نستطيع النوم بسبب الجوع، والكثير من الناس أصيبوا بالهلوسة إلى درجة أن كل شيء يرونه في أمامهم يتخيلونه طعاماً، وبعضهم كان يأكل الخوص والحشيش وذلك ليشعر بالشبع ولكنه لا يشعر بالشبع مهما أكل، والوجبة الرئيسية حينها كانت طبقاً من الجريش الخشن مثل (الشوار) الذي يعطى للغنم، كنا نطبخه ونأكله لنبقى على قيد الحياة فقط دون أن نشعر بطعم غير المرارة».
وأما الحاج جعفر بن عبدالله بن عتيق فيقول: «كان عمري نحو 16 عاماً، وأذكر أن الجوع اشتد في آخر عامين، وفيهما توفي المرحوم الحاج ناصر بن محمد بن عتيق بسبب الجوع وهو والد المرحوم أحمد وعلي ناصر».
أيام مليئة بالأحداث والمرارة
وفي السياق نفسه، يذكر المرحوم الحاج جاسم بن علي بن أحمد آل حسين أبو عباس تلك الأعوام القاسية بقوله: «لا يمكن أن أصف تلك الأيام؛ لأنها مليئة بالأحداث والمرارة، مازلت أذكر أن أخي المرحوم الحاج جعفر مع المرحوم الحاج حسين بن حميد في فترة المجاعة كانا عائدَين من سترة فشاهد أخي الحاج جعفر روث (فضلات) حمار فتخيله تمراً من شدة الجوع، وأراد أن يأكله ولكن الحاج حسين منعه وقال له إنه ليس تمراً بل روث حمار فألقاه من يده»، ويضيف «إن أهل المعامير كانوا أغنياء بسبب عملهم في الغوص، ولكنهم افتقروا بسبب توقفهم عن دخول البحر، ويُذكر أن شخصاً اسمه مسلم بن متروك توفي بسبب الجوع وكفن بقطعة (خيشة) إذ شمل القحط كل الواردات والصادرات، فالناس كانت تتستر بقطع ملابس ممزقة ومرقعة، وفي الفترة نفسها توفي بعض أهل القرية من الجوع وكنا نشيعهم إلى المقبرة في العكر، ووصل الأمر ببعض الناس أنهم لجأوا إلى السرقة لسد جوعهم وجوع أطفالهم، وهم أناس شرفاء، لكنهم اضطروا إلى السرقة ليبقوا على قيد الحياة بانتظار الفرج… صدِّقْني عشنا مرارة الموت، ولكن رحمة الله  أوقفت الحرب، وعادت الأمور بالتدريج إلى حالها»، وعن تلك المحنة أنشد بيتين من الشعر يحفظهما منذ سنوات الجريش وهما:
هذي سنة وليها اسنين
ومكحلة وليها اعيون
والرجال منها شابت
والنسوان راحوا يطحنون
شعرت بالموت يقترب مِنِّي
ويصف الحاج سلمان بن عيسى بن محمد بن مزعل تلك الأيام قائلاً… «مرت علينا الفترة دون أن يقر لنا قرار، فذات يوم شعرت بالموت يقترب مني وكأنني أحتضر بسبب الجوع، فقلت لأبي رحمه الله : أنا جائع جداً، فردَّ عليَّ بكلمة لم أفهمها وهي (الله ملك الحمد وهو يرزق) وفي صباح اليوم الثاني استيقظنا وإذا بأربع قلات من التمر موجودة على باب البيت فلم نصدق ذلك».
ويذكر الحاج سلمان حادثة وقعت في أواخر سنوات الجريش، وهي أن المرحوم الحاج عيسى بن عبدالله آل عباس كان أحد النواخذة ويملك محملاً (سفينة) كبيراً للغوص، وهو ميسور الحال حينها كان يخرج في أنصاف الليالي ويحمل على ظهره بعض التمر والصدقات ويوزعها على بيوت الفقراء من أهل القرية، وذات يوم شاهده أحد أهل القرية وأفشى الأمر مُدَّعياً أن الحاج عيسى يتلثم كالنساء في منتصف الليل، وعلى إثر هذا، تأثر الحاج عيسى كثيراً وأصيب بالمرض والغم وتوفي في الفترة نفسها.
تعابير شِعْريَّة تصف المعاناة
69 copyويستحضر الحاج سلمان بعض الأبيات النبطية التي حفظها عن المرحوم الحاج جعفر بن إبراهيم بن عبدالله آل عباس الذي كان يعمل نهّاماً في الغوص، وكان ماهراً في نظم الشعر والمواويل النبطية، يقول: كان الحاج جعفر يردد هذه الأبيات في سنوات الجريش التي حلت على البحرين، والقصيدة تحوي تعابير رائعة تصف حجم المعاناة والآلام التي حلت على البحرين والمعامير في فترة الحرب العالمية الثانية، وبالخصوص في آخر عامين من الحرب 1944 – 1945، يقول فيها:
ياهي سنة تيهت بالي ولا لي فكر
خلت جميع الخلق تمشي بليه فكر
انهض يا مولاي وانته مولى الذخر
نجّي شيعتك من القحط يا علي.
وللمرحوم الحاج علي بن عبدالله بن عتيق (البنّاي) بيتان من الشعر سمعهما من الحاج جعفر بن إبراهيم آل عباس في الفترة نفسها، وكان يتحدث فيهما عن قانون البطاقة الذي طُبِّق على الناس خلال سنوات الجوع، ويخص فيهما دكان السلمابادي وهو الدكان الوحيد الواقع في قرية المعامير، ويقول في مطلعها:
سلَّط عليك من دكان
شوفك يجيب الأحزان
لاجينا إلى البطاقة
كأنه غليون خاكة
يزمر علينا الدكان
يد تسرق رغيف خبز
كانت أيام الجوع شديدة وقاسية، فأحداثها كثيرة ومتشعبة، فالجوع ترك تداعيات كبيرة وكثيرة على مجتمع البحرين، فلم يكن مستغرباً أن تمتد يد أحد ليسرق رغيفاً من هنا أو هناك ليطعم أبناءه الصغار الذين يتضوّرون جوعاً ليبقيهم على قيد الحياة، وقد وقفت على بعض المواقف من هذا النوع ولا أود ذكرها لما تحوي من خصوصية، وهذا يدل على عظمة البلاء وشدة المحن التي عصفت بأهل البحرين خلال السنوات السبع من القحط والجوع والخوف.
وفي الختام، يستحضر الحاج محمد بن هلال آل حسين تلك الأحداث وقد اختنق بعبرته وانهمرت دموعه قائلاً: «الله لا يعيد تلك الأيام الصعبة، يجب علينا في هذا الزمن أن لا ننسى تلك المحن وأن نذكر نعم الله علينا، فالجوع كافر والموت أفضل من أن ترى أهلك وناسك يتضورون جوعاً، وأنت عاجز عن فعل أي شيء، و ما ذكرته هو قليل من المعاناة التي عشناها في تلك الفترة، وإذا تأملنا فيها، سنعرف أن نعم الله علينا كثيرة ونحن نجهلها فالحمد له على ما أنعم وبالشكر تدوم النعم».
الوسط – العدد 2822 – السبت 29 مايو 2010م