llllllllllllllll

      قبل حرب الخليج الثانية بشهور كانت الحياة تختلف كثيرا هذه الايام اذ لم تكن وسائل الاعلام كالصحف والفضائيات والانترنت متوفرة، كان الوقت لايمر بسرعة والناس لديها الوقت الكافي لزيارة المجالس والاختلاط بالمجتمع واي حادثة تجري او خبر في ذلك الوقت تجد الناس تتناوله لفترة طويلة، ولعل حادثة بحارة المعامير كانت ابرز الحوادث المهمة  التي مرت على القرية، هناك العديد من الاحداث التي وقعت لاهل المعامير في البحر من غرق وموت وفقدان وسياتي ذكرها ان شاء الله، ولكن هنا سنتناول حادثة

البحارة الاخير التي وقعت في تاريخ 4/1/ 1989م وكان ذلك في أوج فصل الشتاء، تلك الحادثة كتبت عنها بعض الصحف وتابعها الناس في جميع مناطق البحرين، ومفاد تلك الحادثة أن بعض الشباب العاطلين من أهل المعامير استغلوا موسم صيد الربيان واشتغلوا في الصيد وهم كل من: عبدالهادي احمد صليل (نوخذة) ومحمد عبدالعظيم محمد علي وحبيب علي حبيب دسمال وإبراهيم حسن دهوم ومحمد علي إبراهيم مرهون، والحادثة بدأت عندما اتفق عبدالهادي مع المرحوم الحاج يعقوب آل يعقوب الذي يسكن قرية العكر على أن يبحر في (بانوشه) مع الشباب المذكورين وحينها كان الحاج يعقوب يملك أكبر (بانوش) في بندر الدار، وبعد أيام بدأ الشباب في العمل في صيد الربيان ولكن بعد أسبوع من الصيد الوفير قامت إدارة خفر السواحل بمنع أصحاب القوارب الصغيرة من الإبحار وحذرت جميع البحارة من هبوب عاصفة فعادت جميع (البوانيش) للبندر، في ذلك اليوم كان الهواء غير مستقر ولكن الشباب قرروا دخول البحر رغم التحذيرات، انطلقوا في الإبحار في ظهر ذلك اليوم وعند المساء وصلوا إلى منطقة (غميص) شرق البحرين وقاموا بإنزال الشبك في البحر، وفي هذه الأثناء هبت عاصفة شديدة مصحوبة بأمطار غزيرة فقام البحارة بسحب الشبك بصعوبة كبيرة ومباشرة قرروا الذهاب باتجاه الغرب نحو سواحل البحرين للاحتماء بالمياه الضحلة عن الموج والهواء، ولكنهم عندما أرادوا تشغيل المحرك لم يعمل حيث تعطل تماما عن العمل وجرت عدة محاولات لإصلاحه ولم يكن يوجد بينهم من يملك أي خبرة في إصلاح المحركات البحرية، ولم يستطيعوا اكتشاف الخلل في نفس الوقت حيث تبين بعد أيام أن السبب كان انفصال الأنبوب المتصل بخزان الوقود مما جعل الوقود يتسرب لخارج الخزان، في هذه الأثناء كان الموج يتلاعب (بالبانوش) والأمطار تنهمر بغزارة والهواء يدفعها بسرعة نحو المجهول، في ذلك الوقت لم يكن بالإمكان تدارك الأمر بسهولة حيث لا توجد أي وسيلة اتصال ولم يكن يوجد غيرهم في البحر، تلك الليلة كانت قاسية بالنسبة لهم حيث لم تستقر الأمواج وظل (البانوش) يسير بسرعة بسبب الرياح الشديدة والشباب يراقبون البحر علهم يعثرون على احد (البوانيش) ليسحبهم إلى البر ولكنهم لم يعثروا على احد حتى صباح اليوم الثاني، وفي النهار أصبحوا لا يرون أي شيء سوى الأمواج والبحر الممتد في جميع الجهات، مر عليهم ذلك النهار بصعوبة ولكنهم في عصر ذلك اليوم شاهدوا مركبا من بعيد يتقدم نحوهم وكان الجو غائما وإذا به مركب خفر السواحل فاستبشروا خيرا حيث تقدم منهم فاخبروا طاقم خفر السواحل إن (بانوشهم) متعطل منذ أمس بسبب نفاذ الوقود لكن طاقم خفر السواحل اعتذروا للشباب بأنهم لن يتمكنوا من سحب (البانوش) بسبب حجمه الكبير والرياح الشديدة المتقلبة لذا سيذهبون ويعودون لاحقا لسحب البانوش فيما بعد وأعطوهم جرة مليئة بوقود الديزل ليتمكنوا من الاقتراب إلى سواحل البحرين، وبعد رحيلهم اختفوا عن الأنظار تماما ولم يعودوا بتاتا، مر على الشباب ذلك النهار وخيم الظلام و(البانوش) تتقاذفه الأمواج والرياح، حينها كانوا يأكلون من بقايا صيدهم من الربيان، ومرت تلك الليلة وطلع الفجر وهم لا يعلمون إلى أي مكان أخذهم البحر، ومر عليهم ذلك النهار أيضا وعيونهم تتطلع لما وراء ذلك البحر علهم يرون اليابسة ولكن الليل داهمهم دون أن يروا أحدا في البحر، في تلك الليلة الموافقة 6 يناير قام الشباب بإلقاء (الباورتين) –السن- بعد اشتداد الرياح وكان (البانوش) يتوقف ثم يندفع بسبب الرياح القوية مما تسبب في انكسار إحدى (الباورتين) وبقى البانوش يندفع (بباورة) واحدة، وبعد منتصف الليل تقريبا تفاجئوا (ببانوش) من بعيد فوجهوا ناحيته إشارات عبر المصباح فاقترب منهم ووجه الضوء نحوهم وشاهدهم ثم ذهب دون أن يساعدهم وتبين فيما بعد انه من أهل البحرين من مدينة المحرق، ذهب ذلك البانوش وذهبت معه الآمال ليبقى الأمل الأخير بالله حيث بدأت الأمور تتعقد وبعضهم شعر بالجوع واليأس والملل، وكان نومهم قليل ومتقطع بسبب البرد القارس وبعضهم خالجه الضن بان الموت قادم لا محالة، انقضى الليل الطويل وطلع عليهم النهار والبحر يتقاذفهم من مكان إلى آخر، وبعد طول المعاناة والصبر انقضى النهار الطويل وحل عليهم الظلام وكانوا يعانون من شدة البرد فأطراف أقدامهم أصبحت كقطع الثلج من شدة البرودة.
في الليلة الرابعة -ليلة جمعة- وفي الساعة الثامنة مساءا وقعت المفاجأة حيث شاهد احدهم من بعيد سلسلة مصابيح في البر، ورغم الفرحة الكبيرة التي غمرتهم أصابتهم الحيرة إذ لم يكونوا يعلمون في أي دولة هم؟ ولكن التوقعات كانت بين السعودية أو قطر، ومن حسن الحظ كانت الرياح تدفع البانوش نحو تلك المصابيح باتجاه البر، ولكن سرعان ما اصطدم البانوش بالصخور المرجانية فتوقف تماما وكانت المسافة بعيدة وكان من المستحيل النزول في مياه البحر من شدة البرودة، وبعد نقاش وجدل دار بينهم قرروا السباحة باتجاه البر رغم بعد المسافة وعدم توفر سترات النجاة التي تساعدهم على السباحة، وحينها قاموا باستخدام ثلاجات السمك لتساعدهم على السباحة، وبعد معاناة كبيرة وصلوا إلى بر دولة قطر، هناك حدثت لهم عدة مواقف حتى وصلوا إلى خفر السواحل وبقوا في عهدتهم حتى عودتهم للبلاد.
وهذه الحادثة وجدتها في مذكرات الحاج جاسم حبيب محمد هلال حيث ذكرها بهذه العبارات نصا:
4/1/1989م خروج بحارة المعامير وهم عبدالهادي صليل ومحمد عبدالعظيم وحبيب دسمال وإبراهيم دهوم ومحمد علي مرهون.
6/1/1989م ضجة كبيرة بقرية المعامير اليوم بسبب عدم رجوع البحارة من يومين وفي نفس اليوم ذهبت أنا (جاسم حبيب) وعلي حبيب دسمال إلى البندر للبحث عنهم ثم ذهبنا إلى الحاج يعقوب في العكر.
7/1/1989م عبدالهادي صليل يتصل إلى البحرين بالتلفون ويخبر أهل المعامير إن البحارة بخير وهم في قطر، فرح أهل المعامير بهذا الخبر فرحا شديدا وفي نفس اليوم يتصل علي حبيب دسمال بالبحارة في قطر.
10/1/1989م وصول البحارة في ظهر هذا اليوم إلى المعامير وهم قادمون من قطر وسط فرحة الجميع.
في ذلك اليوم كانت الفرحة كبيرة وعمت جميع أهل المعامير الذين كانوا ينتظرون أخبارهم على أحر من الجمر لاسيما إن ثلاثة من بحارة قرية العكر توفوا في فترة اختفاء شباب المعامير وهم سعيد وعبدالله وثالث لا اذكر اسمه، ولذا كان العديد من أهل القرية يتوقعون إن البحارة غرقوا في البحر وبعد وصول أخبار وجودهم في قطر عمت الفرحة أهل القرية وخصوصا أقاربهم وأصدقائهم.