الكاشيونفي الفصل السابق بدأنا النقاش في بداية مرحلة الأفول الاقتصادي لثقافة باربار (1800 ق. م. – 1600 ق. م.) حيث بدأت بالأفول ومن ثم حدث انقطاع حضاري لثقافة باربار, وقد تم الاستدلال على هذا الانقطاع من خلال دراسة التسلسل الطبقي للآثار في موقع قلعة البحرين حيث لاحظ لارسين وجود فجوة في التسلسل الزمني لمخلفاتها من الأواني الفخارية ت قع بين الطبقة الأثرية التي عرفت بالمدينة الثانية وهي جزء من حقبة باربار وبين الطبقة الأثرية التي عرفت بالمدينة الثالثة وهي جزء من الحقبة التي تلت حقبة باربار والتي تميزت بظهور مخلفات العهد

الكاشي من مبانٍ ومنشآت معمارية وأوان فخارية تميزت بعناصر أنفرد بها الفن الكاشي الذي وجدت نظائره في جنوب بلاد الرافدين خلال الفترة التي سيطرت فيها الشعوب الكاشية على الجنوب الرافدي وهو ما سنتطرق له بالتفصيل لاحقاً.
أسباب الأفول الاقتصادي
لم يكن الأفول الاقتصادي الذي مرت به ثقافة باربار حالة خاصة بل إن الأفول الاقتصادي أصاب عدد من المناطق المجاورة لثقافة باربار ولكن بنسب مختلفة. وقد حاول كريستوفر إيدنز أن يبرهن على أن عدد من المناطق كجزر البحرين وشرق الجزيرة العربية وفيلكا وقطر وغيرها قد مرت بفترة انقطاع حضاري وذلك في دراسته « Bahrain and the Arabian Gulf during the Second. Millennium B.C.: Urban Crisis and Colonialism «التي جمع فيها العديد من الأدلة الكتابية والأثرية لمواقع مختلفة من منطقة الخليج العربي تثبت أن المنطقة تعرضت لانهيار اقتصادي وسياسي أو أزمة حضارية بعد القرن الثامن عشر قبل الميلاد (Edens 1986).
وفيما يخص ثقافة باربار يمكننا هنا أن نجمل ثلاثة أسباب رئيسية أدت لأفولها الاقتصادي:
1 – تدهور حضارة وادي السند
تزامنت فترة الأفول الاقتصادي والاستراتيجي لثقافة باربار مع تدهور حضارة وادي السند الذي جفّ نهرها الذي يعتبر العصب المغذي لهذه الحضارة وتبعه غزو شعوب الأريان لهذه الحضارة, مما أدى بشعوب حضارة وادي السند إلى أن تنتشر مكونة جماعات متفرقة أصبحت لاحقاً النواة التي كونت الشعب القبلي في شبه القارة الهندية.
2 – سياسة الدولة البابلية القديمة
أثرت السياسة التي أتبعتها الدولة البابلية القديمة التي سيطرت على جنوب بلاد الرافدين (1800 ق. م. – 1600 ق. م.) على التجارة الخارجية حيث عملت سياسة الدولة المركزية القوية على الاستئثار بكافة الشئون السياسية والاجتماعية والاقتصادية أيضاً فسيطرت على زمام التجارة الخارجية التي كانت بأيدي أفراد من العامة ومستثمرين وتجار فانخرطت في مجال الإنتاج الواسع التي عملت على تصريفه بطريقتها الخاصة بعد أن اتسعت رقعة مساحتها إلى الجنوب وإلى الشمال من بلاد الرافدين فاختفت طبقة التجار الأثرياء ووكلاؤهم الذين ساهموا في إيجاد صلات حضارية من خلال تنقلاتهم بين بلاد الرافدين والمناطق الواقعة على الشرق والغرب والشمال والجنوب (آل ثاني 1997: ص 208 – 209).
3 – ظهور مراكز تجارية جديدة
ظهرت مراكز تجارية جديدة تنافس جزر البحرين وقد ساهم ذلك في تقليص دور جزر البحرين السابق كوسيط تجاري.
تكون الدولة الكاشية
عاشت الجماعات التي سكنت وادي الرافدين حقبة زمنية تميزت بالسلم والتسامح وخاصة في ظل سلالة أور الثالثة وسلالتي أيسين – لارسا مما جعل من كان يقطنها أو الوافدين إليها يمارسون نشاطات وأعمال مختلفة وقد أصبح بمقدور جماعات مختلفة الاستيطان وتكوين هوية مستقلة لهم, وهذه الحالة ذاتها كانت متوفرة في المناطق المجاورة مما أتاح لثقافة باربار أن تتكون وأن تنتشر بسهولة وسلم ودون الخوض في حروب من أجل نشر الهوية. إلا أن الحال لم يستمر على ما هو عليه فقد تطلعت جماعات في حضارة وادي الرافدين لبسط سيطرتها على الجماعات الأخرى مع تغيير في السياسات الداخلية للدولة وقد بدأ ذلك في عهد بابل القديمة التي سيطرت على جنوب وادي الرافدين وبذلك ازدادت وتيرة الحروب والمنازعات من أجل السلطة. ومن الجماعات التي تكونت في فترة السلم النسبي الكاشيون والتي سعت بعد ذلك لمد نفوذها السياسي.
من هم الكاشيون
من بين الجماعات البشرية القديمة التي استوطنت وادي الرافدين يعتبر الكاشيون دون شك من أقلها شهرة وأكثرها غموضاً. ويبدو أنهم جاءوا من أواسط جبال زاجروس بإيران وبدأوا في الانتقال إلى بلاد الرافدين والانتشار شيئاً فشيئاً فيها خلال القرنين الثامن عشر والسابع عشر قبل الميلاد. وتفيدنا السجلات المبكرة بأن الكاشيين كانوا في البداية أجراء يعملون في الزراعة وتذكر وثائق أخرى إدارية وتجارية تعود إلى القرن السابع عشر قبل الميلاد أسماء كاشية لأفراد توطدت أقدامهم سلمياً في جسد الدولة القائمة آنذاك وفي ذلك القرن أسست جماعة من أولئك الكاشيين دولة صغيرة مستقلة على حدود بلاد الرافدين بمنطقة تسمى حنا (Hana) وتزعمها ملك يسمى كاشيلاشو أو كاشيلين (لومبارد 1996).
ويبدو أن تلك الجماعات من الكاشيين قد اندمجوا في الحياة العامة لبلاد الرافدين وتبنوا تقاليدها وعاداتها الاجتماعية وعاشوا نمط حياتها وتحدثوا باللغة الأكدية وتدينوا بديانتها على الرغم أنهم احتفظوا ببعض آلهتهم جنباً على جنب مع آلهة بابل. وعند انهيار دولة بابل وسقوط عاصمتها العام 1595 ق. م. على يد الحثيين بقيادة مورسيليس الأول اغتنم المستوطنون الكاشيون الفرصة واستولوا على عرشهم الذي بقي شاغراً بعد وفاة آخر ملوك بابل. وقد أسس الكاشيون على أنقاض بابل مملكة أو أسرة مالكة ظلت تحكم بابل مدة لا تقل عن 438 عاماً وتعتبر بذلك واحدة من أطول الأسر المالكة حكماً في العراق القديم. ورغم هذا الوجود الكاشي الطويل ببلاد وادي الرافدين إلا أن المعلومات المتوافرة بين أيدينا عن الدولة الكاشية تكاد تكون غير كافية (لومبارد 1996 و Lombard 1999).
السيطرة الكاشية على شرق الجزيرة العربية
لا نعلم بالتحديد زمن سيطرة الكاشيون على جزر البحرين إلا أنه حدث بين الأعوام 1600 ق. م و1500 ق.م. أي بعد فترة الأفول الاقتصادي والانقطاع الحضاري الذي ظهر على جزر البحرين. وفي هذه الفترة استطاع الكاشيون الذين سيطروا على جنوب بلاد الرافدين أن يسيطروا على دلمون أو ثقافة باربار والتي كانت تضم جزر البحرين وشرق الجزيرة العربية وجزيرة فيلكا, وقد استطاع الكاشيون ضم هذه الأراضي إلى مملكتهم التي سيطرت على الجنوب الرافدي قرابة سنة 1600 قبل الميلاد. وقد بنى الكاشيون في جزر البحرين المدينة الثالثة في موقع قلعة البحرين وذلك فوق أنقاض المدينة الثانية التي كانت تمثل ثقافة باربار. ويعتقد البعض أنه ربما كانت هناك إيجابية للسيطرة الكاشية فربما تكون هذه السيطرة أكسبت جزر البحرين شيئاً من الأهمية بعد حقبة زمنية تميزت بالركود أو الأفول الاقتصادي (Lombard 1999).
وتعتبر السيطرة الكاشية حدث مميز في تاريخ المنطقة حيث يقول دانيال بوتس عن هذه الحقبة إنه لأول مرة في تاريخ منطقة الخليج العربي تشهد المصادر المكتوبة التي عثر عليها في بلاد الرافدين أن هناك ممثلين لسلطة خارجية (أي الكاشيون) سيطروا على دلمون, فقبل هذا التاريخ لا شيء يوحي بأن هناك سلطة ما قامت في بلاد الرافدين حكمت الخليج العربي (بوتس 2003: ج1 ص 461). وهذا يؤكد ما ذكرناه سابقاً أن ثقافة باربار كانت مستقلة بذاتها حتى فخارها وأختامها كانت تمثل هويتها هي ولم تكن تمثل هويات مستوردة ولكن بقدوم الكاشيون لم تعد هناك لقى تمثل هوية محلية لثقافة باربار. ويؤكد بوتس على هذه النقطة الأخيرة حيث يذكر في حديثه عن اللقى الأثرية في الحقبة الكاشية:
«وتبين البقايا الأثرية أيضاً توافقاً كبيراً مع النماذج الأثرية البابلية حتى يجب علينا, على الأرجح, افتراض حصول تدفق البابليين على الخليج آنذاك. فقرابة منتصف الألف الأول تحولت العلاقة من سيطرة علنية إلى تابعية مقترنة بدفع الجزية (بوتس 2003: ج1 ص 461).
نماذج التطور الثقافي إبان السيطرة الكاشية
حدث تغير ثقافي وحضاري واضح للمناطق التي كانت تسود فيها ثقافة باربار وتعرضت للسيطرة الكاشية ويمكننا أن نميز نمطين لهذا التغير: الأول حدث في جزيرة فيلكا والثاني في جزر البحرين, وكان أول من تعرض لهذه المقارنة هو لارسين في كتابه السابق الذكر (Larsen 1983, p. 249) إلا أن المرجع الوحيد والشامل للحقبة الكاشية في جزر البحرين وجزيرة فيلكا هو دراسة إليزابيث برانوين دينتونBranwen Elizabeth» Denton» المعنونةThe late second millennium» B.C. in the Arab/Iranian Gulf» وترجمة العنوان «الألفية الثانية المتأخرة قبل الميلاد في الخليج العربي» والتي قدمتها كأطروحة لنيل درجة الدكتوراه في العام 1991. توثق دينتون وصف التطور الثقافي الذي حدث في كل من جزر البحرين وجزيرة فيلكا بشيء من الإسهاب والوصف الدقيق للتغير في الأختام والفخار في المرحلة الانتقالية من حقبة باربار إلى الحقبة الكاشية. ومن خلال هذا التوصيف الدقيق يمكننا أن نستخلص النموذجين التاليين.
فيلكا والتثقف من الخارج
تأسست على جزيرة فيلكا حضارة من قبل سكان وافدين لها من جزر البحرين وبذلك كانت تلك الحضارة شبيهة بحضارة باربار ولكن تختلف عنها بوجود تأثير فراتي وعبر الزمن أخذ التأثير الفراتي في ازدياد مع تراجع تأثير حضارة باربار حتى أصبح التأثير الفراتي هو الغالب وذلك في عهد الدولة البابلية القديمة (بوتس 2003: ج1 ص 461). لارسين من خلال دراسته للفخار يتحدث عن تغير متسلسل واضح في نمط الفخار في جزيرة فيلكا وميوله للحضارات الفراتية حتى يتحول تماماً لفخار فراتي وبدخول الفترة الكاشية ينتهي فخار باربار تماماً ويبقى الفخار الكاشي ويبقى الرابط الوحيد بين الهوية الجديدة والهوية القديمة هي الأختام الدلمونية التي حافظت على شكلها الدائري (Larsen 1983, p. 249). إلا أن الرموز والنقوش التي توجد على الوجه الأمامي بدأت تتغير تدريجياً لتأخذ طابع فراتي. هذا النوع من التغير التدريجي شبيه تماماً بالتغير الذي حدث للأختام الدلمونية في بداية ظهورها حيث كان الوجه الأمامي ينقش عليه رموز حضارة وادي السند وتغير تدريجياً لتكون له هوية مستقلة وفي جزيرة فيلكا استمر هذا التغير التدريجي في النقوش باتجاه التأثير الفراتي حتى أصبح الختم شبيهاً شكلاً بأختام دلمون الدائرية بينما نقوشه الظاهرية فراتية وهذا النوع من الأختام التي تطورت في العهد الكاشي لم يعثر عليها في جزر البحرين (Denton 1991, p. 246).
جزر البحرين
لقد اختلف الوضع في جزر البحرين عما حدث في جزيرة فيلكا من حيث عدم وضوح الانتقال السلس المتسلسل من حقبة باربار إلى الحقبة الكاشية. لكن حدث تغير فجائي في الطبقات الأثرية حيث تناقص فخار باربار وظهر فخار جديد ومنتشر بكميات كبيرة وهو الفخار الكاشي الذي عرف بالفخار الكارميلي أو العسلي (caramel ware) بالإضافة لاختفاء الأختام الدلمونية الدائرية وظهور الأختام الفراتية الأسطوانية الشكل. بمعنى آخر هناك تغير في الهوية فقد تراجعت هوية باربار وظهرت الهوية الكاشية. ومن الواضح أن الكاشيين عملوا على طمس هوية باربار فالفخار الكاشي صنع محلياً ولم يستورد من الخارج يدلنا على ذلك طريقة عجن الطين قبل تصنيع الفخار منه والذي تميزت به الجماعات التي صنعت فخار باربار حيث يتم خلط نسبة من الرمل بالطين بعدها يصنع منه الفخار ويبدو أن هذه العادة في خلط الرمل تحولت لبصمة خفية تخص شعب ثقافة باربار الذي صنع فخاره الخاص بهذه الطريقة (Denton 1991, p. 108), ويبدو أن هذا الفخار الكاشي قد تم تصنيعه في جزر البحرين بإيعاز من القيادة الكاشية. بالإضافة لسيادة الفخار الكاشي الذي حل محل فخار باربار الذي استمر لفترة وجيزة ثم انتهى حدثت تغيرات جذرية أخرى من بينها إلغاء الأختام الدائرية التي كانت تستخدم في المعاملات التجارية وتم استخدام الأختام الأسطوانية بدلاً منها وهي أختام يتم دمغها على الطين وذلك بدحرجتها على الطين لتعطي دمغة بشكل مستطيل.
المنامة – حسين محمد حسين الجمري

 

الكاشيون

أختام أسطوانية وطريقة دمغها على الطين عن طريق دحرجتها

 

الكاشيون 2

آنية فخارية كاشية عثر عليها في قرية المقشع