دلمون 4هناك كمٌ كبيرٌ من البحوث والتقارير والكتب حول تاريخ الحضارة في البحرين القديمة أو ما عرفت باسم حضارة دلمون بصورة عامة, وغالبية تلك الدراسات يغلب عليها النمط الوصفي، حيث يقل  أو يندر فيها التحليل. ما يميز تلك الدراسات أيضاً عدم الاتفاق على مسميات الحقب الزمنية, لقد عرضنا في فصل سابق جزءاً من هذه المشكلة، ولكن بعد الحقبة الكاشية زاد الأمر تعقيداً وخاصة مع وجود فجوة تاريخية كبيرة. الحقبة الزمنية بعد الكاشية في البحرين تتطلب منا الوقوف

على عدة نقاط والإجابة على عدة أسئلة مبهمة في هذه الحقبة. الأسئلة التي سنحاول الإجابة عليها بوضوح هنا هي: كيف تم تقسيم الحقب الزمنية للبحرين القديمة؟ وما هي تلك الحقب؟ وما سر الفجوة التاريخية بعد الفترة الكاشية؟ وكيف تم دراستها؟
تسلسل الحقب الزمنية
هناك حقب تاريخية واضحة في التسلسل الزمني للحقب القديمة في البحرين فحقبة باربار واضحة وهي أكثر الحقب التي درست بصورة مفصلة, تلتها الحقبة الكاشية وإن تميزت بدايتها بالغموض إلا أنها واضحة وهناك أدلة كتابية استدل عليها الباحثون للتدليل على السيطرة الكاشية على البحرين وهي النقوشات التي عثر عليها في بلاد الرافدين والتي تذكر سيطرة الكاشيين على دلمون. بعد الحقبة الكاشية لا يوجد ذكر لاسم دلمون في النقوشات الفراتية وقد استمر الصمت عن اسم دلمون قرابة 500 عام أي منذ 1240 وحتى 709 ق.م. ثم عاد اسم دلمون للظهور في النقوشات الفراتية واستمر في الظهور ما بين 709 وحتى 544 ق.م. وتغطي هذه الحقبة الزمنية (709 – 544 ق.م.) سيطرة كل من الدولة الآشورية الجديدة والدولة البابلية الجديدة على التوالي على جنوب بلاد الرافدين ومد السيطرة السياسية على دلمون. وقد تزامنت تلك النقوشات التي تذكر اسم دلمون مع وجود آثار عثر عليها في البحرين تدلل على وجود تأثيرات لكل من بلاد بابل الجديدة وآشور الجديدة وهي متمثلة بصورة أساسية في الطبقة الآثارية التي عرفت باسم المدينة الرابعة في موقع قلعة البحرين. وقد كان آخر ذكر لدلمون قرابة 544 ق. م. أي في حقبة بابل الجديدة وبعد أن سيطر الفرس الأخمينيين على بلاد وادي الرافدين لم يعد هناك أي ذكر لدلمون. وقد امتدت سيطرت الأخمينيين لتشمل جزر البحرين وشرق الجزيرة العربية وامتدت أيضاً لتشمل دولة الإمارات العربية وسلطنة عمان.
هذه المعطيات الأولية مكنت الباحثين من أمثال لارسين الذي تحدثنا عنه كثيراً في الفصول السابقة من تحديد تسلسل الحقب الزمنية للبحرين القديمة على أساس الثقافة المسيطرة والتي بدأت بالثقافة المحلية الممثلة في حقبة باربار وانتهت بحقبة بابل الجديدة, وهذه الحقب هي التي تعرف باسم حقب حضارة دلمون لأنها جاءت متزامنة مع ذكر اسم دلمون في نقوشات بلاد الرافدين وكذلك مع وجود الدليل الأثري الذي عثر عليه في جزر البحرين الدال على ذلك. بالطبع حدثت تعديلات على التسلسل الذي كونه لارسين, وهناك من انتقد هذا التسلسل وتم اقتراح تسلسل آخر للحقب لكنه ليس بأفضل منه.
إيجابيات وسلبيات أنظمة الحقب الزمنية
اقترح عدد من الباحثين كلارسين على سبيل المثال أن تسمى الحقب الزمنية في البحرين بأسماء حقب وادي الرافدين مع وجود استثناءات، وقد تطرقنا لتصنيف لارسين للحقب الزمنية في البحرين في فصل سابق بالتفصيل. هناك عدة نقاط قوة في تصنيف لارسين منها تسمية حقبة باربار فهي واضحة ومميزة وكذلك الحقبة الكاشية وكذلك حقبة آشور الجديدة وحقبة بابل الجديدة والحقبة الأخمينية توجد عليها دلائل قوية وتبدو مسميات أقرب للمنطق. ما يعيب هذا التقسيم وجود الثغرات التاريخية بسبب الفجوات الآثارية بسبب عدم التسلسل السلس للطبقات الأثرية. الواضح هنا أنه يجب إدخال تعديلات في هذا التقسيم ليستوعب الحقب الغامضة في تاريخ البحرين القديم وبالخصوص الحقبة الزمنية الواقعة بين1240 – 709 ق.م. إلا أن البعض عوضاً عن إدخال تعديلات قام باستخدام نظام آخر ليصف به هذه الحقبة حيث أطلق على الحقبة الزمنية من 1300 وحتى 300 ق. م. مسمى «عصر الحديد», فهل هي تسمية أكثر دقة من أسماء بلاد الرافدين؟
عصر الحديد
عصر الحديد هو مصطلح استخدم أساساً ليصف حقبة زمنية في تسلسل تاريخ إيران فيما بين الأعوام 1300 وحتى 300 ق. م. وهو اقتباس لمسميات هذه الحقبة تمت استعارته من مناطق مجاورة في الشرق الأدنى التي تميزت بظهور الحديد وعليه عرفت هذه الحقبة باسم «عصر الحديد». يذكر أن الحديد لم يستخدم في إيران إلا قرابة القرن التاسع قبل الميلاد أي في الحقبة التي عرفت باسم «عصر الحديد الثاني» حيث يقسم عصر الحديد لثلاثة أقسام رئيسية هي:
1 – عصر الحديد الأول (Iron age I) أو (Iron I)
2 – عصر الحديد الثاني (Iron age II) أو (Iron II)
3 – عصر الحديد الثالث (Iron age III) أو (Iron III)
وقد تم اقتباس هذا المسمى ليشير لتسلسل الحقب الزمنية في دولة الإمارات وعمان, ومنذ الوهلة الأولى لاقتباس هذا المسمى في تلك الدول ظهر إشكال كبير فحالهم ليس بأفضل من إيران حيث إنه لم يثبت استخدام الحديد في هذه المناطق إلا بعد القرن الرابع قبل الميلاد أي بعد انتهاء جميع حقب عصر الحديد.
عصر حديد بدون حديد
من الثابت علمياً أن الحديد لم يستعمل عملياً في شرق الجزيرة العربية بما في ذلك دولة الإمارات العربية وسلطنة عمان وظل البرونز هو المعدن المفضل إلى أقصى حد حتى الفترة الهلنستية التي أعقبت الحقبة الأخمينية, إلا أنه وعلى الرغم من ذلك تم الاتفاق على تسمية الحقبة الزمنية الواقعة بين 1300 و300 ق. م. في شرق الجزيرة العربية باسم عصر الحديد وذلك تماشياً مع نظام تقسيم الحقب الذي اتبع في إيران. وقد اقتبست تسمية عصر الحديد في بادئ الأمر للحقب الزمنية في دولة الإمارات وسلطنة عمان، أما في البحرين فقد اقتبست حقب بلاد الرافدين لها كما أسلفنا في فصل سابق. ويبدو جلياً أن استخدام لفظ عصر الحديد عند الحديث عن شرق الجزيرة العربية مضللاً على الأقل من ناحية المصطلحات التقنية ولابد أن تكون هناك ظروف أدت لاستخدام هذا المصطلح وعدم البحث عن بديل. ولكن عند الوقوف على تلك الأسباب والظروف يتضح لنا أنه ربما كانت هناك أسباب قوية نسبياً لاختيار هذه التسمية لتلك الحقبة الزمنية من تاريخ منطقة دولة الإمارات وسلطنة عمان ولكن لا توجد أسباب منطقية تعلل اقتباس هذه التسمية للحقب الزمنية في البحرين وهنا لا بد لنا أن نتطرق لكلا المنطقتين على حدة لمعرفة الفارق.
العصر الحديدي في الإمارات وعمان
من بين الذين تطرقوا للخيارات المتوافرة لإعطاء مسميات للحقب الزمنية الواقعة بين 1300 ق. م. و 300 ق. م. في دولة الإمارات وعمان الباحث دانيال بوتس وذلك في كتابه «الخليج العربي في العصور القديمة» حيث تطرق للبدائل ومن تلك البدائل إدخال تغيير بسيط في مسميات الحقب الزمنية التي استخدمت في إيران وهي «عصر الحديد I» و»العصر الحديد II» و»العصر الحديد III» وذلك بتغيير الأرقام الرومانية بحروف أبجدية أي تصبح «العصر الحديدي أ» و»العصر الحديدي ب» و»العصر الحديدي ج» وذلك لتحاشي الالتباس حيث إن ثقافات عصر الحديد في دولة الإمارات العربية وسلطنة عمان يغلب عليها الطابع المحلي على الرغم من التشابه في الفخار مع الثقافات المتزامنة التي قامت في إيران, إلا أن هذه التسميات ستحل اللبس الواقع بين منطقة إيران ومنطقة شرق الجزيرة العربية ولن يحل اللبس الأساسي وهو غياب للمميز الأساسي للعصر وهو الحديد كما أسلفنا سابقاً والذي ظهر في الحقبة الهلنستية تقريباً (بوتس 2003: ج1 ص 531 – 532).
أما الخيار الثاني من التسميات الذي تطرق له دانيال بوتس فهو استخدام أسماء لأماكن محلية تعتبر كنماذج لمواقع أثرية لتحديد فترة معينة متميزة وهذا قياساً على تسمية الحقب التي سبقت حقبة العصر الحديدي محل الخلاف كتسمية «حفيت» و»أم النار» و»وادي سوق». لكن ليس هناك اتفاق في اختيار تلك الأسماء الممثلة. ويسوق لنا بوتس كمثال اسم «لزق» وهو موقع محصن يقع حنوبي وادي سمد فعلى الرغم أن هذا المكان يظهر بعض الاتصالات الواضحة ببقية المواقع التي تم دراستها في الإمارات أو عمان إلا أن الاسم يبقى صيغة جنوبية من ثقافة آثارية تتمثل على وجه أفضل في شمال شبه الجزيرة العمانية وهو بذلك لا يرضي كتسمية تطلق على لقى جميع شبه جزيرة عمان (بوتس 2003: ج1 ص 532).
وبذلك يخرج دانيال بوتس بنتيجة أن تسمية الحقب التاريخية في شبه جزيرة عمان بعصر الحديد على الرغم من عدم وجود الحديد ليست سيئة بسبب وجود تشابه في الفخار بين هذه الثقافات وتلك التي في إيران وعدم وجود اسم موحد لتلك الثقافات التي ظهرت في شبه جزيرة عمان بسبب تباينها. أضف إلى ذلك وجود تشابه من حيث ظهور نظام الأفلاج في شبه جزيرة عمان في هذه الحقبة تزامناً لظهوره في إيران وحيث تجمع الدراسات على انتقال هذا النظام من إيران لبقية مناطق الخليج العربي وحتى بلاد الرافدين.
عصر الحديد في البحرين
هناك إشكال واضح في تسلسل الحقب الزمنية في البحرين بعد الحقبة الكاشية وهذا الإشكال ناتج عن وجود فجوة تاريخية غامضة تقع بين 1240 ق. م. – 709 ق.م. بمعنى آخر ليس هناك تسلسل سلس للحقب الزمنية وهذا يعيق أن نقتبس الحقب الزمنية لبلاد الرافدين, بالمقابل تسمية عصر الحديد لا تحل لنا هذا الإشكال الناتج من عدم التسلسل السلس, ولكن تم العثور على لقى آثارية ربما تعزز من قوة تسمية الحقب باسم عصر الحديد وبالخصوص في عصر الحديد الأول وعصر الحديد الثالث ويمكننا أن نوجز ذلك فيما يلي:
1- في عصر الحديد الأول (1200 – 1000)
يقع هذا العصر ضمن الثغرة التاريخية الغامضة والتي ساهمت البعثة الفرنسية في إعطاء تصور لما حدث فيها اعتماداً على أنواع الفخار الذي عثر عليه وهذا ما سنتناوله بالتفصيل لاحقاً. بالإضافة لنتائج البعثة الفرنسية هناك أيضا مجموعة صغيرة من الفخار عثر عليها في المدينة الثالثة في موقع قلعة البحرين وقد قام هوجلاند بدراسة هذا النوع من الفخار والذي يوجد له ما يوازيه في مناطق عدة في الإمارات والذي يعود للعصر الحديدي الأول والذي على أساسه وضع هوجلاند طبقة آثارية ضمن طبقات المدينة الثالثة هي المدينة الثالثة ج (IIIc) التي تمتد حتى 1000 ق. م. (Magee 1996). وبالتالي هناك تشابه بين عصر الحديد الأول في البحرين وعصر الحديد الأول في الإمارات.
2 – العصر الحديدي الثالث (600/550 ق. م. – 300 ق. م.)
في هذه الحقبة خضعت بلاد وادي الرافدين وشرق الجزيرة العربية بما في ذلك شبه جزيرة عمان لسيطرة الفرس الأخمينيين وبذلك يوجد تشابه في اللقى الآثارية ووجود الفخار المميز للأخمينيين.
تنسيق الحقب الزمنية بعد الحقبة الكاشية
يمكننا من البحوث التي ركزت على الحقب الزمنية بعد الكاشية أن نرتب جدولاً يقارن بين الأنظمة المختلفة التي استعملت في تقسيم تلك الحقب وبإمكاننا أن نعدل من التقسيم الذي اتبعه لارسين وذلك بحسب النتائج التي كشفت عنها البعثة الفرنسية وكذلك دراسة هوجلاند. الجدول المرفق هنا يلخص الحقب التاريخية بعد الكاشية بما في ذلك فترة الغموض وهي الحقبة ما بين 1200 ق. م. – 710 ق. م. أما الطبقات الآثارية التي تمثل هذه الحقب الزمنية فجزء منها ضمن المدينة الثالثة والجزء الآخر ضمن المدينة الرابعة التي بنيت فوق أنقاض المدينة الثالثة, أما تفصيل كل مرحلة فسنتناوله بالتفصيل في الفصل القادم.
المنامة – حسين محمد حسين

دلمون 4

آثار المدينة الرابعة في موقع قلعة البحرين

 

دلمون

مقارنة بين نظم تقسيم الحقب التاريخية في البحرين