imageتناولنا في الفصل السابق الأسماء اليونانية والآرامية التي أطلقت على جزر البحرين أو إحدى جزرها وذلك في الحقبة الهلنستية وهي أسماء يعتقد أنها بقت حتى القرن الثاني بعد الميلاد، وبعد هذا التاريخ أي في الحقبة الساسانية أو قبلها بقليل ارتبطت جزر البحرين بمجموعة أخرى من الأسماء منها ما هو فارسي الأصل أي أن الفرس هم من أطلقوا هذه الأسماء على البحرين قديماً ومنها ما يعتقد أنه عربي الأصل لأنه الاسم السائد لهذه الجزر في المصادر العربية القديمة. سنتناول في هذا الفصل الأسماء الفارسية التي ربما كانت تخص جزر البحرين بأكملها أو جزيرة بعينها وهي: مشماهيج وجزيرة بن كاوان.

مدى الأسماء: بين التوسع والتقلص
يشار هنا إلى أن أسماء المناطق الجغرافية بصورة عامة تتغير فقد تتسع لتشمل منطقة جغرافية واسعة أو تضيق لتشمل جزءاً من تلك المنطقة وعليه إن ورد اسم يخص إحدى جزر البحرين في حقبة تاريخية معينة فربما في حقبة تاريخية أقدم كان يخص جزر البحرين بأكملها، والنقاش في مدى اتساع الأسماء وضيقها يصبح أحياناً عقيماً فأحياناً لا توجد دلائل كافية على ضيق أو اتساع اسم ما مما يجعل المجال مفتوحاً للفرضيات والنظريات، وفيما يخص الأسماء التي سنتناولها في هذا الفصل فهناك عدد كبير من الفرضيات والنظريات والتي لا يمكن أن نرجح أياً منها بسبب نقص المعلومات المتوافرة لدينا وهذا ما سيتضح من خلال نقاش تلك الأسماء.
1 – مشماهيج / سماهيج
هناك ثلاثة أسماء خصت بجزر البحرين أو إحدى جزرها وتلك الأسماء الثلاثة متقاربة في الحروف لكنها جاءت من ثلاثة مصادر مختلفة، وتلك الأسماء هي: «مشماهيج» الذي ورد في المصادر السريانية والاسم «مشماهيك» الذي ورد في المصادر الفارسية والاسم «سماهيج» الذي ورد في المصادر العربية، وما يهمنا من هذه الأسماء هو معرفة أمرين أساسيين، الأول: ما أصل تلك المسميات الثلاثة؟ والثاني: هل يقصد بالاسم إحدى جزر البحرين أو جزر البحرين بأكملها؟
أصل التسمية:
يبدو من المراجع المتوافرة أن اصل التسمية فارسي حيث جاء عن سماهيج في معجم البلدان لياقوت الحموي: «سماهيج اسم جزيرة في وسط البحر بين عمان والبحرين… هذا عن الأزهري وقال غيره سماهيج جزيرة في البحر تدعى بالفارسية ماش ما هي فعربته العرب، وقيل هي قرية على جانب البحرين ومن جواثا».
كذلك في المراجع الفارسية يرجح الأصل الفارسي للاسم والأسماء الأخرى مشتقة منه (Mojtahedzadeh 1995). ويرى الباحث علي أكبر بوشهري أن أصل التسمية ماشماهيك بهلوية الأصل وأول ما ظهرت العام 223م.
مشماهيج: الجزيرة أو الأرخبيل
في المراجع السريانية تعتبر مسماهيج موقع لأسقفية مسيحية نسطورية، ويظهر الاسم مسماهيج تارة كمدينة وتارة أخرى كجزيرة، وتقودنا المراجع العربية التي ذكرت اسم سماهيج إلى نفس الاستنتاج، ولا تتيح لنا المصادر العربية أن نحدد على وجه الدقة فيما إذا كان هذا الاسم يعني أرخبيل البحرين بأكمله أو جزيرة بعينها تابعة للأرخبيل، وقد تم تحديد مشماهيج على أنها جزيرة المحرق إلا أنه لا يمكن التسليم بهذه الفرضية إلا إذا عثرنا على أثر لطائفة مسيحية نسطورية أخرى كانت تعيش في الجزيرة الكبيرة التي ربما كانت تعرف باسم تالون والتي ذكرت على أنها موقع لأسقفية نسطورية أخرى، فإن وجدت تصبح مسماهيج جزيرة المحرق وتالون الجزيرة الكبرى، ولكن في ضوء المعلومات المتاحة حالياً يمكن التسليم بتحديد موقع أسقفية مسماهيج النسطورية في جزيرة المحرق (Beaucamp et Robin 1983).
أما في المصادر الفارسية فيقصد بمشماهيك جزر البحرين بأكملها وحتى في الأدبيات الفارسية الحديثة يستخدم اسم جزر مشماهيك كمرادف لجزر البحرين (Mojtahedzadeh 1995).
وقد ذكر الطبري في تاريخه الاسم «سماهيج» في نفس الفقرة التي ذكر فيها جزيرة بن كاوان وذلك في القرن الأول الهجري (انظر جزيرة بن كاوان في الفقرات التالية) وهذا يعني إن صحت الروايات أن جزيرة بن كاوان كانت إحدى جزر البحرين أو جزر البحرين بأكملها فإن سماهيج لابد أن تكون جزيرة المحرق الحالية فقط.
سماهيج في شرق الجزيرة
ينفرد فضل العماري برأي جديد وهو كون سماهيج التي ذكرت في أشعار العرب قديماً وعرفتها العرب هي منطقة في شرق الجزيرة العربية (العماري 2009). وقد اعتمد العماري على الدلائل الشعرية فقط ولا يوجد مرجع جغرافي يحدد موقع سماهيج في شرق الجزيرة العربية على وجه الدقة إلا ما ورد عند الحموي في معجمه وذكرناه سابقاً: «وقيل (أي سماهيج) هي قرية على جانب البحرين ومن جواثا»، ووجود تشابه في الأسماء بين جزر البحرين وشرق الجزيرة العربية ليس بالجديد على سبيل المثال هناك «السنابس» في البحرين و»سنابس» في جزيرة تاروت في شرق الجزيرة العربية وغيرها من الأسماء المتشابهة، وقد تكون هناك قرية تحمل اسم سماهيج في شرق الجزيرة العربية إلا أنه لا يوجد ما يؤكد ذلك وما ذكره الحموي جاء بسبب اقتران اسم سماهيج وجواثا في الأشعار وهو الأسلوب ذاته الذي اتبعه العماري، إلا أنه وبحسب المعلومات المتوافرة حالياً يبقى المرجح أن سماهيج هي تعريب لاسم فارسي كان يطلقه الفرس على جزر البحرين وقد اقتصر الاسم على جزيرة المحرق الحالية.
2 – بن كاوان
تسمى جزيرة بن كاوان وبنو كاوان وأبو كاوان وذكر الاسم محرفاً باسم جزيرة بر كاوان وأبر كاوان، ويرجح الباحث علي أكبر بوشهري أن هذه الجزيرة كانت تعتبر من أملاك ملك الفرس ومنه جاءت التسمية كاوان أو كاان بمعنى ملك يخص الملك، وقد جاء في المصادر العربية تسمية الجزيرة باسم جزيرة كافان من اللفظ الفارسي «كاان» وهي الجزيرة التي نفي لها صعصعة بن صوحان حيث ذكر ابن حجر (ت 852هـ/ 1448م) في كتابه (الإصابة) (دار الجيل 1992: ج 3 ص 461):
«أن المغيرة نفى صعصعة بأمر معاوية من الكوفة إلى الجزيرة أو إلى البحرين وقيل إلى جزيرة ابن كافان فمات بها».
وهي من الدلائل على أن جزيرة بن كاوان ربما كانت جزر البحرين. ومن الدلائل أيضاً أن جزيرة بن كاوان كانت تخص الفرس ما جاء في تاريخ الطبري (دار الكتب العلمية 1407هجرية: ج3 ص 518) وذلك عند ذكر موقف إهانة مصعب بن الزبير للحكم بن منذر بن الجارود والذي تعرض فيه لآل الجارود ونسبهم لغير نسبهم حيث قال: «يا ابن الخبيث أتدري من أنت ومن الجارود إنما كان الجارود علجاً بجزيرة ابن كاوان فارسياً فقطع إلى ساحل البحر فانتمى إلى عبد القيس»، بعد ذلك أهان عبدالله بن فضالة الزهراني، فقال له: «ألست من أهل هجر ثم من أهل سماهيج أما والله لأردنك إلى نسبك».
نلاحظ أن آل الجارود نسبوا لجزيرة بن كاوان والمعروف عنهم أنهم سكنوا البحرين (أي شرق الجزيرة العربية) والبصرة والقول ان الجارود قطع إلى الساحل أي أن الجزيرة قريبة من شرق الجزيرة العربية، ويلاحظ أيضاً أن سماهيج غير جزيرة بن كاوان إلا أن كلاهما من أملاك فارس، فإن كان المقصود هنا بجزيرة بن كاوان جزيرة البحرين الكبرى فعليه تكون سماهيج جزيرة المحرق فقط. إلا أن تحقيق اسم جزيرة بن كاوان أكثر تعقيداً من اسم سماهيج، حيث يطلق اسم بن كاوان على جزيرتين متباعدتين.
جزيرتا بن كاوان
تخص المراجع الجغرافية العربية اسم بن كاوان (والأسماء الأخرى المحرفة عنه) بجزيرتين إحداهما جزيرة «قشم» والتي تسمى أيضا جزيرة «لافت» أما الأخرى فهي إحدى جزر البحرين. وفيما يخص الاسم الذي يخص إحدى جزر البحرين يعتقد أن الاسم كان يخص جزر البحرين بأكملها ثم اقتصر على إحدى جزرها وربما هي جزيرة النبيه صالح، حيث يوجد اسم قرية في هذه الجزيرة تسمى كافلان والذي قد يكون تحريفاً للاسم كافان.
ويعتبر الإدريسي هو الوحيد الذي أشار إلى أن اسم بن كاوان يطلق على جزيرتين فوصف كلتا الجزيرتين وأوضح ذلك بالخرائط التي لا لبس فيها. إلا أن ياقوت الحموي التبس عليه الأمر فجعل جزيرة بن كاوان واحدة وهي جزيرة لافت. وقد التبس الأمر على العديد من الباحثين حتى لم يعد يعلم أي الجزر هي التي اشتهرت بابن كاوان أكثر. وأيهما التي افتتحها «عثمان بن أبي العاص». وفي سبيل معرفة ذلك لابد لنا أن نتتبع ما روي عن جزيرة بن كاوان ونحلله. نبدأ بوصف الإدريسي في كتاب «نزهة المشتاق في اختراق الآفاق» (الثقافة الدينية 1994م: ج1 ص 411) حيث قال: «وفي البحر جزيرة ابن كاوان وفيها مدينة وجامع آهل، وهي من كورة اردشير وبقربها جزيرة أوال وبها أيضا مدينة ولها جامع وفيها أسواق صالحة وكلا هاتين الجزيرتين على مقربة من البر».
وهذا يعني أن جزيرة بن كاوان هي إحدى جزر البحرين. أما ياقوت الحموي فيقول في معجمه في مادة جزيرة كاوان: «جزيرة كاوان ويقال جزيرة بني كاوان جزيرة عظيمة وهي جزيرة لافت وهي من بحر فارس بين عمان والبحرين افتتحها عثمان بن أبي العاصي الثقفي في أيام عمر بن الخطاب لما أراد غزو فارس في البحرين مر بها في طريقه وكانت من أجل جزائر البحر عامرة آهلة وفيها قرى ومزارع وهي الآن خراب وذكر المسعودي أنها كانت سنة 333 عامرة آهلة وقال هشام بن محمد كاوان اسمه الحارث بن امرء القيس بن حجر بن عامر بن مالك بن زياد بن عصر بن عوف بن عامر بن الحارث بن أنمار بن عمرو بن وديعة بن لكيز بن أفصى بن عبدالقيس»
واللبس هنا واضح في كلام الحموي. فجزيرة لافت هي جزيرة قشم وهي بالقرب من ساحل عمان عند مضيق هرمز. لكن الحموي يؤكد أن جزيرة كاوان جزء من البحرين (جزر البحرين الحالية وشرق شبه الجزيرة العربية) حيث يقول «لما أراد غزو فارس في البحرين مر بها في طريقه».
وملخص قصة الفتح تلك هي أنه عند ما ولى الخليفة عمر بن الخطاب عثمان بن أبي العاص الثقفي البحرين وقد كان قبل ذلك عامل الرسول (ص) على الطائف، استطاع أن يكون جيشا من قبيلة عبدالقيس والقبائل الأخرى في البحرين وخرج بهذا الجيش في سنة 19 هجرية (640 ميلادي) وقيل إنه لم يخرج بنفسه بالجيش بل بعث آخاه الحكم قائدا عليه وافتتح جزيرة ابن كاوان وبنى فيها مسجداً وأسكن فيها من قبيلة عبدقيس. ثم توجه من جزيرة بن كاوان إلى توج (أو

بقلم حسين محمد الجمري

image