9kرجال من زمن اللؤلؤ (المستشار بلغريف وآل شهاب ودانة الهند)
بدأ تاجر اللؤلؤ عبدالمحسن آل شهاب في كتابة وصيته في 21/ 12/ 1918 لأنه كما يبدو قد شعر بدنو أجله رغم أنه كان في الخمسينيات من عمره، وذلك بسبب إصابته ببوادر المرض الخبيث كما ي طلقون عليه في البحرين ألا وهو (السرطان).
ولأنه كان حريصاً على عدم ظلم أحد من أهل بيته جميعاً فيما سيتركه للدنيا وهو في سفر للآخرة، وحتى لا يُختلف على ما سيترك؛ فقد كتب كل ما كان يدور بخلده من حقوق وتبعات عليها في تلك الوصية المطولة التي نورد ما تبقى

منها في هذه الحلقة بعد أن ذكرنا جل مقدمتها وجزء من مطلعها فيما سبق.
«وأن يقضي عنه عبادة أربعين سنه مطلقة خمس الفرائض ولكل سنة صوم شهر وخسوف وكسوف إذا وقع في قضائها، وعبادة خمس سنوات قصر متبوعة بتسبيح الجبر وتسبيح الزهراء في الجميع وأربع وتسعين ختمة من كتاب الله العزيز. ويخرج عنه ألف روبية إلى عشرة سادة في أزواجهم من أهل البلد.
وأن يدفع إلى علماء البحرين مائتي روبية وأن يدفع لطلبة العلم من أهل البحرين ماية روبيه. وأن يشترى نخيل بأربعمئة روبية وتوقف للمأتم (مأتم عبدالمحسن بن متروك آل شهاب) الذي في بيته لمصالحه ولمصرف التعزية. وقد أوصى أن تشترى أرض إلى مسجد قوة ويحفر فيها بئر ويبنى فيها كنيف ومغسل وقفاً لعامة المؤمنين إن تمكن الوصي وإلا يصرف ثُمن المذكور ثلثماية روبيه على منافع مساجد الدراز الأحوج فالأحوج. وان يخرج ماية روبيه إلى (؟؟ كلمة غير واضحة) إلى سبلة الدراز وقفاً للمؤمنين. وماية روبيه إلى أكفان المؤمنين، والمذكور يخرج من الثلث نظير الوصي الآنف ذكره. وإن فضل شيء من الثلث المذكور عن ما رسم فهو لابنه لصلبه أحمد الآتي ذكره دون غيره من الورثة.
وقد وقف أيضاً وقفا شرعيا منجزاً ستة أسهم ونصف سهم شائعة من عامة النخيل المذكورة في سيهات إلى تعزية أبي عبدالله الحسين إلى المأتم الذي في البيت بيد ابنه أحمد وقفاً مؤبداً إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. وقد أوقف نصف نخيله المسماة بنخيل الحسوّني ونصف نخيل بن هميان الكائنة بأرض الدراز إلى درس مؤبداً مطلقاً وله الحطب (وأكادة) المن ألفين. وقد أقر واعترف أيضا أنه قد باع ابنه لصلبه أحمد ستة أسهم ونصف سهم من النخيل التي في سيهات من عامة ثمانية عشر سهماً، وقد باعه أيضا نصف البيت الذي في سيهات. أيضا باعه نصف (المتبقي) نخيل الحسوّني ونخيل بن هميان مع خاصته من النخيل التي في البيت وأيضا قد باعه البيت المعروف بأرض المونة مع البيت المنتقل إليه من قبل الحاج حسين شهاب بالبيع الشرعي. وأيضا قد باعه جميع أثاث بيت سكناه من فرش وصفر وآنية ومصاغ وما يطلق على (غير مقروء؟؟) وما ينقل وما لا ينقل ومهما يساوي قيمته فلساً فصاعداً وأيضا قد باعه جميع ازمالتين وقد أقر أيضاً بأن المصاغ والأثاث الذي عند ابنته حكيمة قد وهبها إياه وليس عليها معارض فيه.
وقد جعل الوصي على تنفيذ هذه الوصايا المذكورة والوقوف المزبورة وتأدية الديون المسطورة ابنه لصلبه أحمد المذكور ثم من بعده ابن الحاج عبدالله بن عيسي وليس لأحد أن ينازعهما في شيء من ذلك، وعلى الأخير منهما أن يوصي لمن يراه. فمن بدله بعدما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه والله سميع عليم. وجرى ذلك على النهج الشرعي والنمط المرعي وصحح عليه الإشهاد باليوم السابع عشر من شهر ربيع الأول من أحد شهور سنة 1337 للسابعة وثلثمئة وألف من الهجرة النبوية على مهاجرها وآله أفضل الصلاة وأكمل التحية والحمدلله رب العالمين.
يشهد بذلك: أحمد بن محمد – يشهد به اعترافاً إبراهيم بن محمد الدرازي – يشهد بما حرر أعلاه صالح بن الحاج على الدرازي – يشهد بذلك حسين بن شهاب الدرازي – يشهد بذلك حسن بن حاج شهاب الدرازي.
وقد وقع صاحب الوصية عبدالمحسن بهذا الشكل الملفت للنظر: ما نسب إلى صحيح وأنا الأقل عبدالمحسن بن متروك بن محمد آل شهاب الدرازي.
ما بعد الوصية الشهابية
عند تحليل الوصية في بعض مقاطعها يمكن طرح بعض التساؤلات مثل: لماذا ذكرت عملة الفلس في نهاية الوصية، وهي الوحدة الصغرى للدينار، ولم تذكر (البيزة) وهي الوحدة الصغرى للروبية الهندية التي ذكرت في كل مفاصل الوصية لأنها عملة ذاك الزمان وليس الدينار والفلس؟ أم أن المقصود هنا بذاك المجاز الفلس أي قشرة السمك وليس المال؟
ولماذا حضر وقت كتابة هذه الوصية خمسة شهود كلهم درازية جلهم من بيت آل شهاب كما يبدو من تواقيعهم؟ كما يلاحظ، لمدققي النظر، أن أحد الشهود الموقعين وهو الأول أحمد بن محمد أخطأ فوقع على السطر السابع والعشرين من الوصية مما أدى لإخفاء عبارة منها لم نتبين ما هي ولذلك لم نعثر على بصمة هذا الشاهد أمام اسمه مباشرة فبدا وكأنه كتب اسمه بلا توقيع أو أن أحداً ما كتبه بدلاً منه وهذا غير صحيح بدليل ما أوردناه.
أما عن تاريخ كتابة هذه الوصية وعلاقتها بتاريخ وفاة الحاج عبدالمحسن فنورد الأدلة التالية على أمل أن يسعفنا احد أفراد العائلة بما يصحح أو يؤيد ما سنورده هنا:
مما أوردناه في الحلقة الماضية حول وثيقة جرد ما وجد في صندوق (البشتخته) الخاص بعبدالمحسن اتضح أن الموقع على ذلك الجرد وهو من الشاهدين على ما وجد فيه من ثروة لا بأس بها في ذاك الزمان، قد كتب أنه تم ذلك الأمر في 12 ربيع الأول العام 1346 وهو يصادف يوم 9/ 9/ 1927. وبالطبع إن فتح الصندوق الخاص بعميد الأسرة عبدالمحسن قد تم بعد وفاته في الأغلب، وإذا صدق هذا فإن تاريخ وفاة العميد ليس عام 1940 كما هو متداول بين أفراد الأسرة حالياً بل ربما- كما يؤدي هذا الترجيح فيصل آل شهاب أيضاً- كان بين 1925 -1927. وهذا التاريخ يؤيد أيضاً ما ذهبنا إليه من أن عبدالمحسن بعد أن أصيب بالمرض في سن مبكرة وشعر بدنو الأجل كتب وصيته ولم يبق بعدها سوى بضع سنوات لم تتعدَ السبع أو الثماني وانتقل إلى رحمة الله. مع أن هناك ترجيح آخر يرمي إلى أن جرد الصندوق لم يتم بعد وفاته بل في حياته وبالتالي فلا نستطيع الجزم بأن سنة وفاته هي ما ذكر في الترجيح الأول، ولكن ليس هناك ما يؤكد هذا الرأي أيضاً.
حكايات شهابية
1 – وغرقت السفينة:
من الصعوبات التي واجهت ملك اللؤلؤ عبدالمحسن بن شهاب في مطلع حياته وهو يزاول مهنة شراء وبيع اللؤلؤ، أنه كان ذات مرة في عرض البحر ومعه عدد من تجار اللؤلؤ البحرينيين في سفرة تجارية لبيع اللؤلؤ في الهند. وهبت عليهم ريح مفاجئة مما أدى لغرق السفينة التي كانوا بها قرب سواحل إيران وذلك قبل خروجها من مضيق هرمز، ولكن عناية الباري أنقذته من موت محقق.
2 – دانة في شرفة الفندق:
كان الهواء منعشاً، والسماء صافية، حين خرج الحاج عبدالمحسن مع ولده أحمد، وهو اليد اليمنى له في التجارة، إلى شرفة الفندق الذي يقيمون فيه كلما وصلوا إلى مومبي عاصمة الشرق في تجارة اللؤلؤ. كان لديه مجموعة ممتازة من حبات اللؤلؤ المخزون لديه في البحرين. في تلك الشرفة المطلة على الشارع الرئيسي بدأ الحاج في وضع أنواع اللؤلؤ الخبير فيه بحسب تصنيفه حجماً وشكلاً وقيمة على الطاولة انتظاراً لوصول المشترين من تجار مومباي المعروفين. جاء المشترون وكان الجميع يجلس في شرفة الفندق، بدأت المفاوضات معهم حول البيع، وأثناء ذلك وقد احتد النقاش بشأن سعر اللؤلؤ رفع جدنا بيده أهم دانة في تلك الصفقة أمام أعين المشترين الهنود في الهواء ليعاينها الجميع أكثر في ضوء الشمس وهو يقول: أنظروا إليها ما أجملها وأجمل استدارتها، فإذا بها تسقط من يده. حاولوا الإمساك بها ولكن لشدة استدارتها تدحرجت سريعاً وانزلقت من شرفة الفندق إلى الشارع. انزعج الحاج عبدالمحسن لهذا الأمر ولكنه بكل هدوء طلب من ابنه أحمد أن ينزل من الغرفة إلى الأسفل بينما هو ينظر إلى الشارع خوفاً من أن يلتقطها أحد المارة ويهرب بها لأنها تساوي ثروة كبيرة في الهند آنذاك. والغريب في هذا الأمر- كما يقول حفيده الحاج حميد بن أحمد – ولله الحمد أنه لم يلاحظ أحد سقوط تلك الدانة في الشارع ولم تختفِ تماماً ولهذا تم العثور عليها بسهولة بعد دقائق من نزول الابن أحمد إلى الشارع، وعاد بها إلى مكان الاجتماع مع فرح الجميع وبالذات العميد وضحكهم مما حدث. وتمت الصفقة وربح فيها الحاج عبدالمحسن الكثير ولكنه لم يتطير مما حدث في ذلك اليوم.
3 – رسالة مباشرة من بلغريف:
يذكر الحفيد حميد بأن والده أحمد كانت له علاقات مميزة بكل أهل المنامة منذ عهد والده عبدالمحسن، وخصوصاً التجار منهم بحكم المهنة ومن الذين عاصروا جده ووالده أمثال: منصور العريض، سالم العريض، عبدالرسول بن رجب، محسن التاجر، عبدعلى العليوات، عبدالرضا العليوات، سيد محمود العلوي، وغيرهم.
ويضيف حميد: «عندما انهار سوق اللؤلؤ تأثر والدي بذلك ولكن ما أنقذه انه كان يملك أراضي زراعية واسعة من بقايا تركة جدنا له أو من تجارة مواد البناء والخضراوات. كما أن والدي كان بعيداً عن أحداث الحركة الوطنية في الخمسينيات، ومع ذلك فقد كانت له علاقات رسمية فقط مع مستشار حكومة البحرين آنذاك (تشارلز دالريمبل بلغريف) تخص أمور الأراضي الزراعية التي يملكها والدي وهي تعطي فكرة عن المساحة الواسعة لتلك الأراضي وآبار المياه الجوفية التي بها. وحدث أن انشغل والدي عن بعض أجزائها في وقت ما، مما دفع بالمستشار بلغريف لأن يرسل له رسالة – كما هو واضح من أصلها المرفق – مباشرة لوالدي مع بعض العتاب الرسمي حول ذاك الأمر، وهي بتاريخ 6 شوال 1352هـ (22/ يناير/ 1934)، يقول فيها بلغريف: «حضرة الأمجد الحاج أحمد بن عبدالمحسن الدرازي المحترم، بعد التحية،، لقد أمرت الحكومة في إعلانيها عدد 48/ 1351هـ وعدد 17/ 1352 هـ بوضع سداد وأنبوبة على كل بئر ولكنكم لم تنفذوا ما أمرت به الحكومة فعليه نلفت نظركم إلى وضع ذلك على جناح السرعة. والسلام».
مستشار حكومة البحرين
بلغريف
– البئر الكائن في بستانكم الواقع خلف بستان يتيم.
– ختم الإدارة المالية لحكومة البحرين
في الحلقة القادمة:
مصائد أسماك وبقرة حلوب وسيارة «عنتر ناش» إنجليزية.

 

المحرق – محمد حميد السلمان

9k

الشهود الموقعون على وصية عبدالمحسن آل شهاب

7k

 

8k ختم الحاج عبدالمحسن آل شهاب