غريفيالسادة الأشراف في البحرين ( الحلقة الأولى)

أقدم تواجد للسلالة الهاشمية في جزيرة البحرين
مقدمة :
إن الحقيقة المسلم بها تاريخياً والتي لا تقبل النقاش أن الموطن الأول للسلالة الهاشمية كانت أرض مكة زادها الله شرفاً منبت قريش الجد الأعلى لهذه السلالة المنتجبة من خيرة الأنبياء والمتصلة بآدم وذريته من الأصفياء ، أشرف بقاع الأرض ، وقبلة المسلمين ومنها هاجر النبي المصطفى صلى الله عليه وآله إلى المدينة المنورة حيث مثواه الأخير ، وجاء في بعض الآثار تأسّفه صلى الله عليه وآله على فراق الحرم المكّي ، فقد روي عنه أنه قال: (والله إنك لخير أرض الله وأحب البلادإلى الله ولولا أني أخرجت منك ماخرجت )

وكانت المدينة العاصمة الإسلامية إبان حكم الخلفاء الثلاثة من بعد النبي الأكرم حتى بايع الناس علياً بالخلافة فنقل العاصمة من المدينة المنورة إلى الكوفة حتى استشهد صلوات الله عليه ، فعاد بعدها الحسنان إلى المدينة ، وكانت دار إقامتهم ومأواهم فهم أهلها وذروة المجد فيها ، ويحدثنا التاريخ أن الأئمة الإثني عشر _ عند الشيعة الإمامية _ جلهم من مواليد المدينة ماعدا علي بن أبي طالب حيث ولد في حرم الإله وأمنه في جوف الكعبة المشرفة قبل البعثة المحمدية ، وقد ذكر هذا الأمر الحاكم النيشابوري في مستدركه حيث قال : [ فقد تواترت الأخبار ان فاطمة بنت أسد ولدت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في جوف الكعبة ] فلاحظ كلمة تواترت الأخبار فهذه دعوى تواتر، وأما الإمام علي بن الحسين _ على قول وهو مستبعد عن غالب أهل السير أنه ولد في الكوفة أيام حكم علي عليه السلام _ والإمام الثاني عشر محمد بن الحسن العسكري الذي ولد في مدينة سامراء بالعراق كما هو متفق عليه ، فالمدينة هي عش أهل البيت صلوات الله عليهم ، وما تركوها إلا لما حل بهم فشتتهم في غالب البلدان الإسلامية ، فتركها الكثير من السلالة العلوية في حكومة بني أمية وبني العباس فعمروا العراق والكوفة ، وخراسان ، وجل نواحي إيران ، ومصر ، وما من بلد اليوم إلا ولهم فيها مزار يُزار ، ولهم لعصى ترحالهم إلقاءٌ وقرار .
وكان للمنطقة الشرقية من شبه الجزيرة العربية نصيب من هذا التشرف بانتقال الذرية الطاهرة إليها ، ولجزيرة (أوال) حظ من هذا الترحال النبوي الطاهر والذي ترك بصماته في تاريخ هذه المنطقة والجزيرة من خلال نشر الفكر ( العلوي ) ومذهب أهل البيت صلوات الله عليهم في غالب الأحيان من خلال الشخصيات التي ساهمت في بناء فكر المنطقة وبناء هويته الثقافية ، فمنهم من غيّبه الإهمال عن الذكر ، ومنهم من دوّن إسمه لكونه من الرواة والمتصلين بإجازات الحديث ، أو كان من العلماء أو الشعراء فمنهم هاتان الشخصيتان :

(1) ابن الشريف أكمل البحراني
وعن منتظم الدرين نقلاً عن البحار أن اسمه محمد وليس في البحار ذلك والله العالم . فلعله رآه في مكان آخر فإن صح النقل يكون اسمه بهذه الصيغة ، [ الشريف محمد بن الشريف أكمل البحراني ]
يقول الشيخ الحر العاملي في كتابه أمل الآمل : [ الشريف المعروف بابن الشريف أكمل البحريني ، فاضل فقيه يروي عن محمد بن محمد البصروي ، كتاب المفيد في التكليف له ] ج2 : 131_ انتهى _
ويقول الشيخ البلادي في كتاب أنوار البدرين ما نصّه [ العالم الفقيه الشريف المعروف بابن الشريف أكمل البحراني ذكره الفاضل المحقق الشيخ أسد الله الشوشتري في مقدمات (مقابيس الأنوار ونفائس الأسرار) وذكر إنه يروي عن السيد المرتضى علم الهدى بواسطة الشيخ الجليل النبيل المعظم المعتمد أبي الحسن محمد بن محمد البصروي فعلى هذا أسبق من نذكره من علماء البحرين، ولعل محمد بن محمد البصروي هو الذي قدمناه قبله والنسبة إلى البصروي لقب أو نسبة للسكنى فافهم. ونسبة الشرافة إليه يدل على إنه من الذرية العلوية كما هو المصطلح عليه بينهم والله العالم. ] 58 ، وفي المستدرك نقل عبارة صاحب المقابيس كاملة . إلا أن الفائدة في نقل الشيخ البلادي أنه قد عده من علماء أوال لقرينة رجحت عنده هذه النسبة . كما لا يفوتنا تسجيل ملاحظة صاحب أنوار البدرين من كون البصروي متحداً مع
فهو _ أي الشريف بن الشريف أكمل _ كما نرى يروي عن الشريف المرتضى المتوفى في العام 436هـ بواسطة محمد بن محمد البصروي ، وبحسب طبقات الشيخ السبحاني ج5 : 14 ، فإن وفاة البصروي في عام 443 هـ ومن هنا عدّه آغا بزرك الطهراني من أعلام القرن الخامس الهجري ./ النابس في القرن الخامس ج2 :5 ، فينتج أن الشريف ابن الشريف قد أدرك زمن الشريف المرتضى أيضاً فهو معاصر له . ولوقلنا أن الشيخ الطوسي مات في العام 460 هـ ، لأمكننا القول أن الشريف أكمل من طبقة الشيخ الطوسي على وجه التقريب _ والله تعالى العالم _
فالحاصل أنه عاش من علماء الشيعة في البحرين من ذرية النبي صلى الله عليه وآله في القرن الخامس الهجري ، وكان لهم اتصال برجالات الطائفة في العراق ووجهائها ولهم نشاط ملحوظ في إثراء الجو العلمي وانتعاشه ونقل هذا التراث للبحرين .
وبعد نقلة نتجاوز فيها الكثير من الأعلام ( الشيعة) في جزيرة أوال يخبرنا التاريخ في القرن السابع الهجري بتواجد آخر لهذه السلالة الطاهرة على جزيرة أوال ففي كتاب الغدير للشيخ الأميني :

(2) السيد عبد العزيز السريجي الأوالي
مفخرة أوال ، وأحد سبعة من فحول الشعراء من القرن الثامن الهجري الذين صدحوا بغدير أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فكانوا محط انتباه أهل البلاغة ، واحد المترجمين في موسوعة الغدير للعلامة الأميني ، في القرن الثامن ، ويكفي في علو شأنه هذه القصيدة الرائعة التي يتحدث فيها بأنفاسه الولائية عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه وهي :

إن لم أفض في المغاني ماء أجفاني * فمـــــا أفـــــظ إذن قلبـــــي وأجـفاني
وكيـــــف لا يهــــمل الدمع الهتون فتى * أمســـــى أسيــــــر صبابات وأحزان ؟
يا ربـــــةَ السجـــــف هــلا كنتِ قاضيةً * ديـــــناً وأقلعـــــتِ عـــن مطلٍ وليّان ؟
لو كنـــــت في عـصر بلقيس لما خلبت * بلقيـــــس قـــــلب ابــــن داود سليمان
يا قــلب كم بالحسان البيض تجعلني * مستهتــراً ؟ والنُهي عن ذاك ينهاني
ولـــــي بـــــود أميــــر النحل "حيدرة" * شغـــــل عــن اللهو والإطراب ألهاني
هـــــات الحــــديث سميري عن مناقبه * ودع حـــــديث ربـــــى نجـــــد ونعمان
مـــــردي الكـــــماة وفـــــتّاك العـــــتاة * وهطـّال الهبات وأمن الخائف الجاني
بنـــــى بصـــــارمه الاســـــلام إذ هـدم ال * أصنـــــام أكـــــرمْ بــه من هادم بان
سائـــــل بـه يوم أحد والقليب وفي * بـــــدر وخيـــــبر يا مــــن فيه يلحاني
ويـــــوم صفـــــين والألبـــــاب طائشـة * وفـــــي حنـــــيــــن إذا التفّ الفريقان
ويـــــوم عـــــمرو بن ود حيـــــن جلله * عـــــضبا بـــــه قـــــربت آجـال أقران
وفـــــي " الغـدير " وقد أبدى النبي له * مناقـــــبا أرغـــمت ذا البغظة الشاني
إذ قـــــال: مـــــن كنــت مولاه فأنت له * مـــــولى بـــــه الله يهـــدي كل حيران
أُنــزلت مني كما هارون أنزل من * مـــــوسى ولــم يك بعدي مرسل ثاني
وآيـــــة الشمـــــس إذ ردت مبــــــادرة * غـــــراء أقـــــصر عــــنها كل إنسان
وإن فـــــي قـــــصة الأفعـــــى ومكمنه * في الخــــف هديا لذي بغض وارعان
وقـــــصة الطـــــائر المشـــــوي بـــينة * لكـــــل مــــن حـــاد عن عمد وشنآن
واســـــأل بـــــه يـوم وافي ظهر منبره * والــناس قد فزعوا من شخص ثعبان
فـــــقال: خـــــلوا له نهجـــا ولا تجدوا * بأسـاً بتمـــــكينه قـــصدي وإتياني
فجـــــاء حـــــتى رقى أعـــــواد منـبره * مهمـــــهما بلــــسان الخاضع الجاني
من غـــــيره بطَـَن العلم الخفي ؟ ومن * ســـــواه قـال: اسألوني قبل فقداني ؟
ومـــــن وقـت نفسُهُ نفسَ الرسولِ وقد * وافـــــى الفـراشَ ذوو كفر وطغيان ؟
ومن تـــــصدق فــــي حال الركوع ولم * يسجـــــد كــــما سجدت قومٌ لأوثان ؟
من كـــــان فـــــي حرم الرحمن مولده * وحــاطه الله من باس وعدوان ؟
من غـــيره خاطب الرحمن واعتضدت * به النبـــــوة فـــــي ســـــر وإعـلان ؟
من أعـــــطي الــراية الغراء إذ ربدت * نـــــار الوغـــا فتحاماها الخميسان ؟
مـــــن ردت الكـــف إذ بانت بدعوته ؟ * والعـــــين بعد ذهاب المنظر الفاني ؟
مـــــن أنــزل الوحي في أن لا يسد له * باب وقـــــد ســـــد أبــــواب لإخوان ؟
ومـــــن بـــــه بلغـــــت من بعد أوبتها * بـــــراءة لأولـي شرك وكفران ؟
ومـــــن تظـــــلم طـــــفلا وارتقى كتف * المخـــــتار خيـر ذوي شيب وشبان ؟
ومـــــن يقــــول: خذي يا نار ذا وذري * هـــــذا وبالــــكأس يسقي كل ظمآن ؟
من غسل المصطفى ؟ من سال في يده * أجـــــلُّ نفـس نأت عن خير جثمان ؟
ومـــــن تـــــورّك متـــــنَ الريح طائعةً * تجــــري بأمر مليك الخلق رحمان ؟
حتـــــى أتــــى فتية الكهف الذين جرت * عـــلى مراقدهم أعصار أزمان
فاستيقـــــظوا ثـــــم قالوا بعـــد يقظتهم *: أنـــــت الـــوصي على علم وإيقانِ

وقد آثرت أن أنقلها كاملة حتى تكون شاهدة على ذلك العصر ، وعلى قوة علماء البحرين وشعرائها ، وثراء تجربتهم في تلك الأزمنة حيث القصيدة تطفح بذكر فضائل ومناقب أمير المؤمنين ، التي تظافرت في كتب السنة والشيعة ، ولم يزد صاحب الغدير على مانقله عن هذا الشاعر صاحب كتاب ( الطليعة ) للسماوي فقال في الغدير ج 6 : 20 مانصّه [ (الشاعر) * السيد عبد العزيز بن محمد بن الحسن بن أبي نصر الحسيني السريجي الأوالي ترجمة العلامة السماوي في (الطليعة من شعراء الشيعة) فقال: كان فاضلاً أديباً جامعاً، وشاعراً ظريفاً بارعاً، توفي في البصرة سنة 750 تقريبا . ] أقول : وسريج محلة بالبصرة ولكنه يحمل لقب الأوالي الذي يلقي عليه طابعاً بحرانياً لإنتمائه لجزيرة أوال .

وهاتان الإحداثيتان الزمنيتان من أهم مايمكننا توثيقه لتواجد السادة الأشراف ، في جزيرة البحرين ( أوال) على أن قبلهما وبينهما وبعدهما شخوص كثيرة أهملها النسيان وعدم التدوين ، ولعلي أظفر بشئ في بطون الكتب أو المشجرات لأنقله فيكون شاهداً حراً على هذا التوثيق المهم والله تعالى العالم

السادة الأشراف في البحرين (الحلقة الثانية)

السادة والأشراف في الحقل المذهبي
في مقدمة الحلقة السابقة تحدثنا عن أهل البيت عليهم السلام وكونهم قد تفرقوا إلى العالم من منطقتين هما مكة زادها الله شرفاً ، والمدينة المنورة ، ثم تعرضنا بعد ذلك لأقدم الشخصيات من السادة الأشراف في البحرين ، وحيث إن البحث أمامنا ممتد ومتشعب لشعب ربما يتعبنا توضيحها في محلها فلا بأس أن نفرد لها هذه الحلقة ، ومنها إشكالية ماهو مذهب السادة الأشراف وأئمة أهل البيت عليهم السلام خصوصاً بأننا سنجد البعد المذهبي وتوضيحه مهم في أكثر من شخصية .
وهنا عدة محاور :

المحور الأول : أهل البيت أئمة الشيعة
يرجع الشيعة في الفقه والعقيدة لعلي بن أبي طالب (ع) والأئمة من ولده ، وعلي هو ابن عم النبي صلى الله عليه وآله ، وأخوه كما في حديث المؤاخاة ، وزوج ابنته فاطمة الزهراء ، وأبو الذرية النبوية ، وقد تواترت الروايات بحادثة الغدير التي قال فيها النبي صلى الله عليه وآله لعلي أمام الناس والحجّاج ( من كنت مولاه فهذا علي مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه ) الذي اعتبره الشيعة أحد أكبر الأدلة على إمامة علي دون غيره من الناس ، إضافة للآيات القرآنية التي بين فيها الله فضل علي وولده كقوله تعالى : (فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين ) آل عمران : 61 ، والتي يجمع المفسرون أنها نزلت في النبي وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام ، وقوله تعالى : (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ) المائدة : 55، فلهذه الأدلة وغيرها من الآيات والروايات ، إلتزم الشيعة بعلي والأئمة من ولده وعددهم أحد عشر إماماً فيكون المجموع بعلي وولده إثني عشر إماماً وهو عين ما رواه المسلمون سنة وشيعة حول الخلفاء بعد النبي صلى الله عليه وآله ، فقد أخرج البخاري وأحمد والبيهقي وغيرهم عن جابر بن سمرة ، قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( يكون اثنا عشر أميرا ، فقال كلمة لم أسمعها ، فقال أبي : إنه قال : كلهم من قريش ) ، قال البغوي : هذا حديث متفق على صحته ، وأخرج مسلم عن جابر بن سمرة قال : دخلت مع أبي على النبي صلى الله عليه وسلم ، فسمعته يقول : ( إن هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة . قال : ثم تكلم بكلام خفي علي . قال : فقلت لأبي : ما قال ؟ قال : كلهم من قريش) وأخرج مسلم أيضا – واللفظ له – وأحمد عن جابر بن سمرة ، قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : لا يزال أمر الناس ماضياً ما وليهم اثنا عشر رجلا . ثم تكلم النبي صلى الله عليه وسلم بكلمة خفيت علي ، فسألت أبي : ماذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : كلهم من قريش ) .وأخرج مسلم أيضا وأحمد والطيالسي وابن حبان والخطيب التبريزي وغيرهم عن جابر بن سمرة ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لا يزال الإسلام عزيزاً إلى اثني عشر خليفة . ثم قال كلمة لم أفهمها ، فقلت لأبي : ما قال ؟ فقال : كلهم من قريش ). إلى غير ذلك ، وقد تميّز أهل البيت علي والحسنان وعلي بن الحسين ، وابنه الباقر محمد ، وابنه جعفر بن محمد الصادق ، وابن الصادق موسى بن جعفر ، وابنه علي بن موسى الرضا ، وابن الرضا محمد بن علي الجواد ، وعلي بن محمد الهادي ، والحسن بن علي العسكري ، ومحمد بن الحسن القائم ( ذرية بعضها من بعض ) قد تميزوا بفقه مختلف ، وعقيدة مختلفة في مسائل التوحيد ونفي الرؤوية والتجسيم ونفي التشبيه بخلاف الحنابلة والمشبهة والمجسمة ولهم في ذلك أقوال مأثورة ، حتى بنوا الهيكلة التامة للمذهب وفق مبان ومناهج وأسس قوية ورصينة حفلت بها الكتب المدونة عند شيعتهم الذين أودعوا عندهم الكثير الكثير من معارفهم وعلومهم ، وإن لم تكن ترضي الكثير من الناس إلا أنها استقلت وكونت مذهباً يختلف عن الآخرين وهو المذهب الشيعي ، يقول ابن خلدون في مقدمته : [ وشذّ أهل البيت بمذاهب ابتدعوها، وفقه انفردوا به. وبنوه على مذهبهم في تناول بعض الصحابة بالقدح، وعلى قولهم بعصمة الأئمة، ورفع الخلاف عن أقوالهم. وهي كلها أصول واهية. وشذّ بمثل ذلك الخوارج. ولم يحتفل الجمهور بمذاهبهم، بل أوسعوها جانب الإنكار والقدح، فلا نعرف شيئاً من مذاهبهم، ولا نروي كتبهم، ولا أثر لشيء منها إلا في مواطنهم. فكتب الشيعة في بلادهم، وحيث كانت دولتهم قائمة ] ، على أن جماعة من أصحاب الجرح والتعديل قد ذموا جعفر بن محمد ووالده محمد بن علي الباقر عليهما السلام ولم يأخذوا بما رووه عن آبائهم عن النبي صلى الله عليه وآله .

المحور الثاني : إنحصار الذرية النبوية في أولاد علي وفاطمة
ومن ناحية أخرى فإن الله سبحانه جعل ذرية النبي المصطفى محصورة في أولاد علي من فاطمة عليهم السلام ، فهم نالوا شرف الإتصال بالنبي دون أولاد علي من غير فاطمة عليها السلام ، وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال : ( إن الله جعل ذرية كل نبي في صلبه ، وان الله جعل ذريتي في صلب علي بن أبي طالب ) الذي قال عنه الشوكاني في نيل الأوطار : أنه صالح للحجّة ، وفي أمالي الصدوق عن النبي صلى الله عليه وآله يخاطب علياً : ( ياعلي ، إن الله تبارك وتعالى جعل ذرية كل نبي من صلبه ، وجعل ذريتي من صلبك ) إلى غير ذلك من الروايات التي استفاد منها جمع من المفسرين ومنهم المفسّر الكبيرالفخر الرازي الذي ذهب إلى أن المراد من ( الكوثر ) في قوله تعالى : إنا أعطيناك الكوثر ، المراد منها فاطمة الزهراء عليها السلام ، خصوصاً لو لاحظنا ذيل السورة وهو قوله تعالى : ( إن شانئك هو الأبتر ) فالكوثر على وزن الفوعل وهو الشئ المتكثّر . وعلى أية حال فقد وهبَ اللهُ الذرية للنبي عبر علي وفاطمة سلام الله عليهما دون غيرهما من الخلق .
وضعيفٌ مانُقل من أكثر من مصدر أن عمراً (رض) قد تزوج بأم كلثوم بنت علي بن أبي طالب عليه السلام فقد ضعّفه كبار علماء الشيعة كالمفيد والشريف المرتضى ، ولا يلتفت إلى مانُقل من روايات ضعيفة في ذلك ، وفي ثنايا هذه الحكاية المختلقة التي تقول أن عمراً (رض) قد تزوج من أم كلثوم وأولدها زيداً ، فزيد هذا _ وهو شخصية مختلقة _ لم يُعقب بل مات هو وأمه في يوم واحد والروايات لو نظرت لها فكلها متضاربة مع بعضها ، ويُفترض أن تسقط لتعارضها وليس البحث هاهنا مقامه فقد رد على هذا الأمر كبار العلماء .
فالمتحصل أن أبناء علي من فاطمة هم ذرية النبي بنص الأخبار عن النبي صلى الله عليه وآله بحسب المصادر ، وهم الذرية النبوية التي نشير لها هنا في بحوثنا حول السادة والأشراف . ونقل السيوطي في كتابه الثغور الباسمة (طبعة الهند) قوله : قال العلماء انقرض نسب رسول الله (ص)إلا من فاطمة لأن أمامة بنت بنته زينب تزوجت بعلي ثم بعده بالمغيرة بن نوفل وجاءها منهما أولاد قال الزبير بن بكار ، انقرض عقب زينب .

المحور الثالث : الذرية النبوية فيهم السنة والشيعة
إذا بعد كل ما قدمنا نستطيع أن نجزم بأن المذهب الأساس لذرية علي بن أبي طالب هو مذهب العلويين أو التشيع ، وهو ماعليه الأئمة الإثني عشر من أهل البيت عليهم السلام ، إلا أننا نجد بعد تعاقب القرون فقد تحول جماعة من السادة للمذاهب الإسلامية الأخرى ، فمنهم الشافعية ومنهم المالكية ومنهم الأشاعرة ومنهم الصوفية ومنهم الإسماعيلية ومنهم الزيدية ، ومنهم غير ذلك بل ومنهم من هرب لبلاد الهند في سنوات التتبع والملاحقات من قبل الحكومات حتى استقر متخفياً لا يظهر مذهبه ودرج أهله على عقيدة أهل الهند حتى أصبحوا من الهندوس ، فلا حول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم ، وحينما نلاحظ فإن من عاش في المذهب من السادة الحسنيين قد اتخذوا المذاهب السنية معتقداً لهم ، فكانوا على أحد المذاهب الأربعة ، كالسادة في الأردن ، ومصر ، والمغرب ، وبعض أشراف الهند على المذهب الحنفي ، وفي أفريقيا .
إلا أننا لو رجعنا لأصل الشجرة وأصل المنبت كالإمام الحسن عليه السلام ، أو الإمام الصادق ، والإمام موسى بن جعفر عليهم السلام فهم على مذهب التشيّع ، ثم وبسبب بعض الظروف السياسية والبعد الجغرافي والتعايش والهجرات التي سبقت غيروا مذهبهم الفقهي والعقدي .
وكونهم قد اتخذوا مذهباً غير مذهب أهل البيت عليهم السلام لا يعني إلغاؤهم من هذه الشجرة المباركة فهذا شأنهم ولهم أن يختاروا ، وكذلك بعض الأشراف في البحرين الذين وفدوا بعد قدوم آل خليفة فإنهم لا يتدينون بمذهب أهل البيت ، وهم مع ذلك محترمون ولهم مكانتهم واحترامهم من الجميع ، إلا أن الغالب على السادة في العراق وإيران والبحرين وجبل عامل ،هو المذهب الإثناعشري ، نسأل الله سبحانه أن يجعلنا من المتمسكين بدينه والحمد لله رب العالمين . _ وللحديث بقية _

بقلم: الباحث الشيخ بشار العالي البحراني