الغريفيةالسادة الأشراف في البحرين ( الحلقة الثالثة)

النقيب إسماعيل الحسني الذي استوطن بدولة العيونيي (القرن السابع)

نواصل الحديث عن السادة الأشراف ، ولدينا شخصية ذكرت بين القرن السابع الهجري حيث حل في قاعدة وعاصمة الدولة العيونية _ الشيعية المعتقد في الجزيرة العربية _ والتي دخلت أوال تحت سيطرتها بل قد استقل بها بعض الأمراء من العيونيين كما لا يخفى على سابر غور التاريخ ، وقد ضربت السكة _ العملة _ في هذه الدولة وقد كتب عليها عبارة ( علي ولي الله ) مازالت بعض هذه القطع النقدية متداولة عند بعض من يقتني الآثار وهي موجودة في بعض المتاحف .

وهذا الشريف قد حل في أرض البحرين ولكن بمعناها الأعم أي مايشمل ( القطيف ، والأحساء ، وأوال ) وإلا فلا يُعلم بوجه التحديد أين نزل هذا الشريف من أرض البحرين ، ويبدو أنه قد استقر في البحرين نقيباً للأشراف فيها ، وهذا الشريف هو :

النقيب تاج الدين إسماعيل بن النقيب أبي جعفر يحيى _ توفي في بغداد سنة 613 هـ وكان عالماً فاضلاً ، بن النقيب أبي طالب محمد _ توفي في 560هـ ، بن النقيب أبي الحسين محمد _ معروف بالتشيع والدفاع عن أهل البيت (ع) ، بن أبي الحسن محمد ، بن أبي القاسم علي بن أبي العباس محمد ، بن أبي زيد محمد ، بن أبي العباس أحمد ، بن أبي علي عبيد الله ، بن أبي الحسن علي ، بن عبيد الله ، بن عبد الله ، بن الحسن ، بن جعفر ، بن الحسن المثنّى ، بن الحسن السبط بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، عليه السلام .

وقد جاء ذكره في ديوان ابن المقرب العيوني _ رحمه الله _ والمتوفى في العام 631هـ ، فيعلم من خلال تاريخ وفاة ابن المقرب الزمن الذي استقر فيه هذا الشريف في البحرين _ بالمعنى الأعم _ وإنما نذكره ليتيسر للباحثين معرفة تاريخ الهجرات التي قام بها الهاشميون تبعاً للتنوع السياسي والدور الذي لعبوه في الكثير من البلدان ، ولم تذكر المصادر شيئاً عن ذرية تنتسب لهذا الشريف وجاء في ديوان ابن المقرّب مانصّه : [ وقال أيضاً في النقيب تاج الدين إسماعيل بن النقيب أبي جعفر يحيى بن النقيب أبي طالب …..إلخ ، العلوي الحسني وقد مرض مرضاً خفيفاً لم يلزمه عن الجلوس إلا أياماً قليلة ، وطلب منه في ذلك شعراً فقال :

أعيذك أن تسمو إليك الحوادثُ * وأن تتغشاك الخطوب الكوارثُ

سليل العلا لازلت في ظل نعمة * لك المجد ثانٍ والسلامة ثالثُ

والقصيدة مثبتة كاملة في ديوانه _ الطبعة المنقحة _ وهي من القصائد الجميلة ، وجاء في موضع آخر من الديوان أيضاً مانصّه : [ وقال في النقيب الأجل الأوحد العالم الكامل ، تاج الدين إسماعيل ….. إلخ ، وذلك بعد منحدره من بغداد ، وكان قد حضر مجلسه للسلام ، فخلع عليه ثوبين لهما قيمة ، وعرّض له في طلب المدح ، وذلك من شيمة أهل الفضل والكرم ، ولم يكن قال في أحد مدحاً ابتداءاً ، ولا تعرضاً للعطاء لشرف نفسه وكثرة ماله ] ثم ذكر القصيدة وهي طويلة مطلعها :

يخفي الصبابة واللألحاظ تبديها *ويظهر الزهد بين الناس تمويها

ويستر الحب كيما لا يقال صبا * شيخاً فتعلنه الأنفاس تمويها

وهي قصيدة غاية في الجزالة ، ويتعرض فيها ابن المقرب لتمجيد ومدح العلويين والهاشميين وذكر مناقبهم ومنها يظهر تشيع المادح والممدوح بقرائن عدة لامجال لتفصيلها .

بدايات تكوين نقابات الأشراف في المنطقة

والكلام والنص السابق هو لراوية الديوان أو لشارحه والذي لم يستبعد مصححو الديوان ومنقحوه أن يكون الشاعر نفسه هو راوية ديوانه ، ويبدو أن هذا الشريف من خلال النص الثاني ممن استوطن قاعدة العيونيين وعاصمتهم وهي غير أوال والله تعالى العالم ، وإنما ذكرناه لظننا القوي بأن العيونيين قد أسسوا نقابة للأشراف في دولتهم ، واستجلبوا لها من بغداد بعض النقباء كما سيتضح الحال لا حقاً ، ومعلوم أن البحرين سابقاً بمعناها الأعم تشمل أوال وقد ذكرنا أن في القرن الخامس كان هناك وجود للهاشميين والسادة الأشراف في البحرين ، وبجمع هذه القرائن نصل لنتائج مهمة في بحثنا أهمها أن هذه القرائن تفيد بدايات تشكيل نقابة للأشراف في المنطقة .

هل لهذا الشريف سلالة في المنطقة ؟

ويبقى السؤال المهم هل بقيت لهذا الشريف سلالة تنتسب إليه في البحرين أو القطيف أو الأحساء ، وبعد تتبع شديد لم أعثر لحد الآن على السلالة الحسنية في هذه المناطق الثلاث ،نعم للحسنيين تواجد مكثف في الحجاز ، ثم هاجر منهم جماعة للخليج ولكنهم لا ينتمون للشريف صاحب الترجمة ، وسيأتي الكلام على العبيدلي والعبدلي إن شائ الله تعالى كسلالة ثانية من الهاشميين والسادة الحسنيين في الخليج_ والله المسدد للصواب

السادة الأشراف في البحرين (الحلقة الرابعة)

(القرن التاسع)نقابة الأشراف في البحرين

اللهم صل على محمد وآل محمد ، واجعلنا معهم ، في هذه الحلقة نتحدث عن نقابة للأشراف في البحرين ورصد تاريخها ومحاولة لإستكشاف بعض خفاياها نسأله تعالى المدد والعون إنه لطيف خبير ، والبحث في ضمن محاور عدة نتعرض لها بالتسلسل وهي :

المحور الأول : بدايات التكوين وأسبابه :

وقد حكمت الظروف نظراً لكثرة السادة والأشراف في البحرين سواء للبحرين بمعناها الأعم أو الأخص ، وسواء للأشراف من السنة أو الشيعة ، أن تكون لهم نقابة ، ولا أمتلك تفاصيل لهذا الأمر بشكل دقي إلا أن تواجد النقباء في البحرين _ بالمعنى الأعم _ كان من القرن السابع الهجري من خلال إقامات بعض النقباء ونزولهم وربما تشكيل تجمع هاشمي في بيئة تحتضن الكثير منهم ، فلو جمعنا القرائن التالية نرى أن وجود نقابة للأشراف والسادة هي تكوين طبيعي وحق إجتماعي فمن هذه القرائن :

1- قدم التشيع في البحرين ومحبتهم للمنتسبين للذرية العلوية ، حيث يمتد التشيع للقرون الهجرية الأولى على انه أقدم المذاهب في أوال بلا نزاع .

2- أدبيات تلك الفترة للمنطقة من مؤلفات وأشعار تنم عن المحبة القوية للذرية الطاهرة وهي باقية لليوم ‘ فيما ترى في المقابل على خارطة الإسلام نزعة عصبية ضد أهل البيت والأشراف حيث قتلوا وشرّدوا .

3- ماذكرناه سالفاً من تواجد للسلالات العلوية في البحرين ، بمعنى أنها أخذت بالنمو عبر قرون حتى القرن التاسع الهجري مما شكلت تركيبة لا يستهان بها من الناس في معدل النمو الطبيعي للإنسان .

4- الإهتمام الكبير لدى العرب بالأنساب سيما من هم في منطقة البحرين ، وهذا الأمر ملموس ليومنا هذا بين القبائل والعرب وحتى الشيعة في تلك الفترة بحسب بعض المنقولات والمؤلفات .

المصدر الذي اعتمدت عليه المعلومة :

ماجاء في كتاب (دوحة السلطان في النسب والنسب القاسمي ) من تأليف السيد حسين الحسيني الزرباطي _ معاصر _ وهو يعدد النسابين عبر القرون حين وصل للقرن التاسع فذكر مانصّه : [ تحت رقم / 196 : السيد علي أبو الحسن ، نقيب البحرين ابن السيد ماجد بن محمد العبدلي الرفاعي البحراني المتوفى سنة 848 للهجرة ] ، وقد قرأت في بعض المصادر أن له تأليفات في أنساب السادة الأشراف وهم ثلاثة كتب ، لم أظفر ، ولم أطلع على شئ منها إلا مجرد المعرفة بوجودها ، ولو أتيح لنا النظر فيها لربما وضعت الكثير من النقاط على الحروف في بحث مثل هذا البحث الذي نحن فيه عن تاريخ السادة الأشراف في البحرين ولربما فتحت معارف جديدة على التاريخ في المنطقة وبهذه السلالة المنتجبة . أما أسماء كتب الشريف العبدلي أو النقيب هذا فهي كالتالي :

1-(الزبدة فيما عليه من ذراري السبطين ) ، وكتاب 2-( العمدة أوعمدة الأحباب في الأنساب ) ، وكتاب 3- ( العدّة في المختار من الزبدة والعمدة ) ، ولا يخفى على المطلع على كتب الأنساب وبالذات العلوي والهاشمي منها هو اعتياد المؤلفين على تسطير أشجار أنسابهم والإعتناء بها لاتصالها بالشجرة المحمدية الكوثرية المباركة ، وبالتالي فأهمية هذا الكتاب على فرض وجوده تكمن في معرفة أصول السادة في البحرين . وهي مايشمل أوال ، القطيف ، الأحساء ، قطر ، وإن كانت البحرين في القرن التاسع أكثر ماتطلق على جزيرة أوال ، بل هناك مصادر أطلقت مسمى البحرين على أوال خاصة من قبل القرن التاسع ولربما كانت هذه قرينة يستفاد بها في بحثنا هنا والله تعالى العالم .على أننا نرى أن العلماء من القطيف أو الأحساء قل أن يستخدموا لقب البحراني بل أكثر استخدامهم لألقاب مناطقهم مثل الخطي أو القطيفي أو الحساوي و الأحسائي أو الهجري ، وغيرها …ويكتفي الأوالي منهم إما بلقب الأوالي أو بإطلاق البحراني لينصرف الذهن للأوالي دون غيره وهو شائع في مصطلحات القرن التاسع والعاشر فما فوق ، وهذا بحث آخر نبحثه في مكان آخر إن شاء الله تعالى .

معنى النقابة والنقيب :

لكلمة نقيب معنيان لغوي واصطلاحي وبينهما رابط على أساسه انتقل المعنى إلى الإصطلاح ، وقد جاء في القرآن الكريم قوله تعالى :[ولقد أخذ الله ميثاق بني اسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيباً ] ، المائدة :12 ، والتي فسرت عند غالب المفسرين بالوجهاء ، والنخبة من القوم الذين لهم رأي وعلى هذا الأساس تم اختيارهم ، وقد اختار النبي من الأنصار إثني عشر نقيباً من قبيلتي الأوس والخزرج كانوا الصلة بينه وبين الأنصار عامة في إدارة شؤون الناس ، إلا أنه في أواخر زمن الدولة العباسية _ حوالي القرن الرابع الهجري _ قد أصبحت مسألة النقابة أو النقيب العلوي مصطلحاً رسمياً معترف به من قبل الدولة فالنقيب هو الزعيم الذي يعيّنه الخليفة لتولي نفقات قومه وإدارة أمورهم إدارياً ، وهو الوجه الذي يمثل تلك القبيلة من الناس والذي يحتكمون إليه فيهم فيكون أمره مسموع ومطاع رأيه ، والخلاصة كما تفهم من كتب التاريخ أن النقابة التي تكون عند الأشراف والسادة هي : [ نوع من الزعامة والرئاسة للأكفاء من الهاشميين حيث يتم تعينهم بشكل انتخابي أو نخبوي ، من عامة أبناء الذرية الهاشمية ، أو يعينهم السلطان ، ليكونوا وجهاءهم _ أي وجهاء الأشراف _ ومقدميهم ومتولي شؤونهم أمام الحكومات وغيرها مما يطلب فيه التمثيل والتقديم ] ، وتكون هذه السلطة الممنوحة في قبال سلطة رؤساء القبائل وشيوخ العشائر عند عامة الناس.

ويمكن أن نحدد هذا اللقب من الناحية التاريخية أنه كان زمن والد الشريف الرضي وهو السيد حسين بن موسى الموسوي من أعلام القرن الرابع الهجري ، وأخذها عنه ولداه الشريفان الرضي المتوفى في العام 406هـ والمرتضى المتوفى 436هـ .

هذا من ناحية اللقب كـ(مصطلح ) وإلا فإن وجاهة العلويين والهاشميين وتعيين المسؤول عنهم من قبل الحكومات كانت موجودة في القرن الهجري الأول فكان الخلفاء في الصدر الأول يواجهون علياً وبنيه خاصة الحسن والحسين فلا حاجة للمنصب هذا ، لكن بعد واقعة الطف وانتشار ذرية الإمام الحسن عليه السلام وذرية جعفر الطيار وبني العباس وذراري الهاشميين ، وذرية علي صار هناك من يتولى صدقات رسول الله صلى الله عليه وآله من بني هاشم وعطاءهم وتقسيمه بين الخليفة وبينهم ، وإدارة شؤون أوقافهم التي توقف لهم من الخلفاء وأغنياء الهاشميين لتغنيهم عن ما في أيدي الناس لكون الصدقة عليهم حراماً ، فكان الخليفة يعين من يقوم بهذا الدور ، ومن أبرز الشخصيات التي برزت في ذلك الوقت هو زيد بن الحسن السبط ، وقد ذرف على التسعين كما في بعض المصادر ، ومن بعده ابنه الحسن بن زيد بن الحسن السبط والذي ولاه المنصور الدوانيقي على المدينة ، وغير ذلك من الشواهد التي تعبر عن امتداد هذه الوجاهة حتى أصبحت تعطى لقب النقابة ، في القرن الرابع الهجري . على أنني قرأت ماجاء في مقدمة من قدّم أو حقق لكتاب ( ابن طباطبا ) والموسوم بأبناء الإمام في مصر والشام جاء في المقدمة التي كتبها محمد بن نصار المقدسي ، أقوالاً أخرى نوجزها ، ويقال أن أول من تولى نقابة الأشراف هو النسابة الحسين بن أحمد المحدث من ذرية زيد الشهيد ، وقيل أول من تولاها هو إسماعيل بن الحسين بن أحمد والذي يلقب بالعفيف ، تولى نقابة الأشراف بالشام ولاه عليها الخليفة العباسي المقتدر بالله ، والله العالم بالصواب .

ماهي وظائف النقيب ؟

للنقيب عدة وظائف وهي بحسب الصلاحيات المعطاة إليه من قبل الخليفة أو الحاكم وهي مختلفة باختلاف الأزمنة وسعة هذه الصلاحية ، فقد كان الشريف الرضي له صلاحية في إقامة الحدود على خصوص السادة الأشراف حتى نقل أنه كان يضاعف التعزير عليهم لإنتهاكهم وعدم حفظهم قربهم من النبي صلى الله عليه وآله ، فيما تكون أحياناً النقابة مجرد وظيفة تشريفية لا يكون معها سلطة أو شئ من التنفيذ أو التشريع ، وباعتبار أن مسألة النقابة شئ مستحدث بعد زمن النص والتشريع فلذلك لم يتكلم الفقهاء في وظيفة النقيب أو واجباته إلا بالمقدار الذي يمس الفقه من جهة كيفية تحديد النسب وقبوله أو رفضه وفق الميزان الفقهي ، ومن خلال تتبع الكتب التي لها عناية بهذه الأمور نجد أن للنقيب مهام منها :

1- تولي شؤون الأشراف من أوقاف أُوقفت عليهم ، وإدارتها وغير ذلك ،

2- تمثيلهم أمام السلطات

3- رعاية شؤونهم بشكل عام

4- تسجيلهم _ الأشراف _ وإحصاؤهم في البلد التي يكون فيها النقيب مسلطاً ، ولذلك نجد أن أكثر النقباء هم من الناسبة لأن مادونوه إنما هو في دائرة وحدود بلدانهم . ثم أصبحت بعد ذلك مرجعاً للنسابين .

من هنا نعرف إن لقب ( نقيب ) معناه وجود تنظيم للسادة الأشراف وتتبع لمشجراتهم وأنسابهم في البحرين ، وهذه المعلومات توجد عند النقيب الذي ينقب عن أنساب الأشراف وربما ينفي أيضاً لمعرفته وإطلاعه ، وعلى هذا الأساس فوجود نقيب للسادة الأشراف في البحرين معناه وجود حصيلة معتد بها للسادة الأشراف في البحرين في ذلك القرن .

المحور الثاني : التعرف على شخصية النقيب وهويته :

حينما حاولت البحث عن شخصية نقيب الأشراف البحراني هذا وبدأت أفتح كتب الأنساب المعاصرة والقريبة حتى بحثت فيما يقارب من خمسة عشر مصدراً تعنى بهذا اللون من التراجم فإنني لم أفلح في الوقوف على ما يكشف لنا شخصية هذا النقيب فعمدت لمسألة جمع القرائن التي لا تكشف عن الأمر مطلقاً ولكن بشكل كبير ، على أنني آمل في يوم ما أن أوفق للوقوف على مصدر آخر أو قد يقوم باحث آخر باستكشاف هذه الحقيقة بشكل أكبر فتتكامل المعرفة التي نرجوها . وكانت المعطيات التي بين يدي هي : [السيد علي أبو الحسن ، نقيب البحرين ابن السيد ماجد بن محمد العبدلي الرفاعي البحراني المتوفى سنة 848 للهجرة ] وفيما يدور ضمن حدسي حول هذه الشخصية هو :

1- أن هذا السيد الجليل هو عالم دين لأن عادة التأليف للكتب لا تكون إلا من هذا الصنف من الناس ، سيما وأنه شئ تخصصي ، وانصراف عوام الناس عن الكتابة والتأليف في هذه الأزمنة فضلاً عن تلك الأزمنة .

2- كلمة (العبدلي) كلمة جديرة بالوقوف والتأمل لو نظرنا لها في علمي النسب ، والجغرافيا ، لأن اللقب يحتمل أن يأتي من هذين المدخلين ، ولأنها أطلقت على بعض المناطق كما هو الحال في الكويت ، والأردن في عمان ، وربما في بعض مناطق المملكة العربية السعودية ، إلا أن شيئاً من هذه التسميات المكانية لايخدم بحثنا لأن التاريخ الذي دون مع إسم هذه الشخصية متقدم على عبدلي الكويت ، وعبدلي الأردن ، وبعد التقصي هو متقدم على عبدلي ( السعودية ) فهنا نطمئن إلى أن لقب العبدلي الوارد مع إسم هذه الشخصية لا يشير إلى إسم مكان لوفور القرائن على ذلك . بقي النسب ، ومما نلاحظ أن العبدلي أطلقت على غير الهاشميين وهم خارجون عن بحثنا ولا يفيدنا التقصي كثيراً لأننا لا نريد أن يتشعب البحث ولذلك سنقتصر على الهاشميين الذين لقبوا بالعبدلي . وهي تنطبق على غصنين هاشميين :

الأول : العبادلة الذين ينتهون إلى الشريف عبد الله _ وهو سبب تسميتهم بالعبادلة _ الحسني الذي ينتهي نسبه إلى موسى الجون بن عبد الله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن السبط ، كان أمير مكة في العام 1040هـ ، وتمم بناء الكعبة ، ثم عزل نفسة من الإمرة لولده محمد وتوفي في العاشر من جمادى 1041هـ ، من عقبه تسعة أولاد ، والمعقبون منهم ستة ، وذراريهم المنتشرون في مكة ، والطائف ، ومصر ، والأردن ، والشام ، والعراق ، ومنهم ملوك العراق سابقاً ، وملوك الأردن حالياً . وبلا شك فإن صاحب الترجمة لا ينتمي لهذه السلالة لأنه متقدم ، ولقب العبدلي متأخر ، فكيف يأخذ المتقدم لقب المتأخر فلا شك في عدم انتمائه لهذه السلالة .

الأشراف في القرن التاسع

تاريخ السادة الأشراف في البحرين ( الحلقة الخامسة )

_النقيب البحراني_ ( تتمة )

الحمد لله والصلاة على رسول الله ، وآله خير خلق الله وبعد : فقد انتهى بنا الحديث عن الكلام حول ذكر لنقيب تلقب بالبحراني وحول نسبه وهانحن نكمل الكلام عنه

الثاني : من الأسر الهاشمية التي لقبت بهذا اللقب ( العبيدلي) مع احتمالية التصحيف من العبيدلي إلى العبدلي ، وقد وقع هذا كثيراً في أعلام البحرين ، من القرن التاسع والعاشر الهجريين ، كما هو الحال في الشيخ داود بن أبي ( شافيز ) أو ( شافين ) أو ( شاهين ) وكإسم الشيخ حسين بن علي بن أبي ( سردال ) أو ( سروال ) ، أو كإسم الشيخ السيوري ، حينما صحفت ، وغيرها الكثير من الأمثلة ، والذي يقوي هذا الظن كون مسمّى العبيدلي وقع في السادة الأشراف ، والذين ينتهي نسبهم للإمام زين العابدين عليه السلام من طريق ابنه الحسين الأصغر ، وهو والد عبيد الله الأعرج ، ومنه سلالة العبيدليين ، ومنهم نقباء ونسابون أيضاً مثل ، شيخ الشرف العبيدلي والمتوفى في ( 435هـ) وهو أستاذ الشريفين الرضي والمرتضى ، واسمه محمد بن محمد ، وهو غير الشريف يحيى بن الحسن العقيقي العبيدلي صاحب كتاب المعقبين ، المتوفى في 277 هـ فإنه يلقب أيضاً بشيخ الشرف العبيدلي ، ومنهم أيضاً ، أحمد بن مهنا العبيدلي صاحب كتاب ( التذكرة في الأنساب المطهرة ) المتوفى في حدود 675 هـ ، والنسابة الأعرجي الكبير السيد جعفر صاحب ( مناهل الضرب ) من العبيدليين أيضاً ، فكلمة العبيدلي يمكن أن تكون رقماً لا يستهان به في عالم النسابين والأشراف ، هذا وقد قطن البحرين جماعة من العبيدليين من غير الهاشميين وأصولهم تعود لبر فارس منهم بالأمارات المتحدة وقطر والكويت وهم من العبادلة ، ولا يصح منهم نسب هاشمي وأربابهم لا يدعون النسب الهاشمي أيضاً .

هذا كله لو حملنا لقب العبدلي على النسب الهاشمي ، والرفاعي على أنه نسبة لمكان كما هو حال (الرفاع) منطقة من جزيرة البحرين ، أو نسبة للشيخ الرفاعي الكبير _ إلى طريقته _ كما هو الحال في الإنتساب لكثير من الصوفية والمذاهب السنية فينتسبون لمالك فيقال مالكي أو للشافعي أو الحنبلي وهذه النسبة شائعة عندهم ، كما ينتسب الصوفية منهم إلى الطريقة فيقال له الشاذلي طريقة ، أو الجيلاني ، أو الرفاعي بحسب انتمائهم للطريقة الصوفية والشيخ الذي تنسب إليه .

المستوى الثاني : إحتمال كون النسبة إلى الشيخ الرفاعي نسباً ، إلى جده رفاعة ، وبالتالي فيكون لقب العبدلي هو اللقب الأدنى واللقب الأعلى هو الرفاعي ، كما يقولون ( الموسوي الحسيني ) فالنسبة لموسى هي الأدنى والنسبة للحسين هي الأعلى وهذا متعارف في كتب الأنساب ومشجراتهم . أما من يكون العبدلي هذا فالله العالم ، سيما أن الإسم عبدلي يطلق على من ينتسب إلى شخص إسمه عبد الله ، وكذلك العبيدلي يطلق على من اسمه عبيد الله ، ولا أظن أن سلسلة الأنساب تخلو من هذين الإسمين ، فعلى هذا الإحتمال يكون العبدلي إسم أدنى في النسب ، والرفاعي إسم أعلى ، وسوف نتكلم عن السادة الرفاعية في البحرين في موضع الكلام إن شاء الله تعالى .

ومما يقوي الظن بكون هذا الشريف من السادة الرفاعيين أمران لا نغض الطرف عنهما :

1-وجود سلالة لهم استوطنت البحرين بقدوم آل خليفة ومنهم من سكن قطر من القرن العاشر . فهم قريبون من المنطقة التي كانت تسمى بالبحرين مجازاً في تلك الأزمنة . فلعل هذا السبب التصق لقب البحراني

2- وجود كتاب مطبوع لأحد أعلام الصوفية وهو: [ العبدلي الرفاعي محمد بن أحمد العبدلي البحريني الرفاعي (لباب المعاني في أخبار القطبين العظيمين الرفاعي والجيلاني) – (من شفاء صدور المؤمنين في هدم قواعد المبتدئين – لعله يريد المبتدعين _ ) بولاق 1307 عبد المجيد (أفندي) خيري ] [ ذكره هكذا معجم المطبوعات العربية / إلياس سركيس ج2 : 1299 ] ، ويبدو أنه من نفس السلالة أيضاً بقرينتي الرفاعي والعبدلي والبحراني التي تحولت للبحريني حتى يتم التخلص من لقب البحراني لدلالته على الشيعة وهوية التشيع في هذه المنطقة .

وخلاصة الكلام حول هذا النقيب :

1- أنه غير معرّف في المصادر ، ولعل وقوف الباحثين على المخطوطة يفتح أبواباً في التعرف على هذا الشريف بل ويفتح أبواباً في نسب الرفاعيين وتصحيحه ، وهو بذلك ينسف بحثنا الذي بنيناه على التكهنات لحين حصول المعلومات التامة الموثقة .

2- كونه (أوالي ) أيضاً شيء غير مجزوم به ، لكون الإسم يطلق على القطيف والأحساء وأوال ، وكون التصوف كحركة دينية انتشر في الأحساء والقطيف كما البحرين فالجزم بكونه بحراني بمعنى الأوالي محل نظر .

3- يظهر أنه على غير مذهب التشيع لعدة أسباب ، أهمها أن غالبية الأشراف الشيعة ينتسبون لأشرف الشرف في عمود السيادة وهم الأئمة الذين ينتمون إليهم فيقال حسيني أو موسوي أو رضوي ، وحتى لو انتسب لأحد آبائه أو قرية ما فإنه لا يترك الإنتساب للمعصوم فيقال مثلاً ، الأعرجي الحسيني أو الغريفي الموسوي ، أو الطباطبائي الحسني ، خصوصاً لو تأملنا في الألقاب الراجعة لتلك الحقبة التاريخية ، وأمر آخر وهو قرينة تضاف لما سبق أن رجلاً علماً مثل هذا وكونه نال نقابة الأشراف في البحرين أو القطيف أو الأحساء كيف لم يدون في الكتب الشيعية فهي قد رصدت من الرجالات من سبقوه ومن الأعلام من جاؤوا قبله فكيف تهمله على هذه الوجاهة إلا لكونه على غير مذهبهم وليراجع الباحث كتب التراجم الشيعية في القطيف والأحساء والبحرين ليرى هذا الأمر واضحاً .

بقلم: الباحث الشيخ بشار العالي البحراني