20111022015747781تاريخ الدولة العيونية (466 – 636هـ/ 1075 –123م)

في النصف الأخير من القرن الخامس عشر الهجري، قامت دولة في بلاد البحرين، شرق الجزيرة العربية، عرفت بالدولة العيونية؛ سميت بهذا الاسم نسبة لمؤسسها الأمير عبد الله بن علي بن محمد بن إبراهيم العيوني.

كان العيونيون قبل استيطانهم واحة العيون الواقعة شمال مدينة الأحساء بدواً رحلاً ينتسبون لآل إبراهيم من عبد القيس بن ربيعة، لكنهم راحوا تدريجياً يألفون حياة المدن، فأقاموا أولا في العيون ثم منها إلى بقية الحواضر في الأحساء.

والظاهر أن القبيلة التي ينتمي إليها الأمير عبد الله العيوني كانت قسمين القسم الأول وهم من استوطنوا المدن وألفوا حياة الحضر، والقسم الثاني وهم الذين مازالوا على حياة البداوة والصحراء، هذا ما نستشفه من الأحداث و المعارك التي خاضوها من اجل السيطرة على الأحساء. التي ستكون عاصمة حكمهم.

قبل الحديث عن الظروف التي أدت إلى قيام الدولة العيونية لابد من الإشارة إلى ملاحظتين:

الأولى: إن حدود إقليم الدولة العيونية الحقيقية والطبيعية هي منطقة البحرين التي تمتد من كاظمة شمال شرقي الجزيرة العربية (الكويت حالياً) إلى بلاد العروض التي تشتمل على الأطراف الصحراوية المحاذية لقطر. وإن كانت مراكزها الرئيسية هي هجر (الأحساء) وجزيرة أوال و القطيف[1] .

أما الملاحظة الثانية: فهي أنه على الرغم من أن إقليم الساحل الشرقي للجزيرة العربية يشكل ظهيراً جغرافياً للدولة العباسية في بغداد ومنطقة استراتيجية عسكرية في مواجهة الساحل الإيراني، ومورداً اقتصادياً جيداً وعلى الرغم من الروابط الاجتماعية التي تربط البصرة بهذا الإقليم، فإن طبيعة التكوين القبلي فيه، والطبيعة الجغرافية شبه الصحراوية، جعلت من خضوعه تلقائياً إلى بغداد أمراً عسيراً. وإضافة إلى ذلك، فإن الدولة العباسية نفسها كانت منشغلة بأوضاعها الداخلية حتى عن المناطق التي تحكمها العشائر في أطراف العراق. ولذا كان خضوع الأطراف العربية الصحراوية لبغداد خضوعاً اسمياً. ومن المؤكد أن السلطة في بغداد كانت على استعداد لقبول أيّ حاكم قبلي محلي يستطيع أن يبسط نفوذه على أي إقليم من هذا النوع ويساهم في حفظ الأمن ويمنع العبث في الأقاليم، وقد اتضح ذلك في وقوف العباسيين إلى جانب عبد الله بن علي العيوني عندما قرر القضاء على القرامطة، فقد أرسلوا له مساعدة عسكرية بقيادة البقوش. يقول ابن المقرب ملمحاً إلى التأييد الذي حضي به الأمير عبد الله بن علي من قبل الحاكم العباسي في بغداد:

ومالَ أميرُ المؤمنينَ بودهِ   إليهِ وسماهً زعيمَ الأعاربِ[2]

لا ريب أن قيام الدولة العيونية كان نتيجة لمجموعة من العوامل والظروف التي كانت تعيشها الدولة العباسية و القوى المحلية التي كانت تسيطر على إقليم الساحل الشرقي للجزيرة العربية، حيث إن الدولة العباسية في ذلك الوقت لم تزل تعيش أطوار ضعفها ولم يتغير الحال عما هو عليه في القرن الثالث الهجري ولم تزل الحركات الانفصالية والإمارات المحلية تتمرد على سلطة الدولة العباسية وتقوم بتأسيس كيانها الخاص وإن دعت في خطبة الجمعة للخليفة العباسي شكلاً لا مضموناً.

وهكذا كان حال إقليم الساحل الشرقي الخاضع آن ذاك للدولة القرمطية[3] ، فقد ضعف شأن القرامطة فاقتطع الأمراء المحليون أجزاءها كأبي البهلول ابن العياش، والثعلبي، وعمت الفوضى أرجاء الإقليم قرابة الخمسين سنة حيث إن ابن العياش والثعلبي لازالا يُعتبران عند المؤرخين وعند السلطة المركزية في بغداد امتداداً للقرامطة، ولم يستطيعا محو ذلك عن أنفسهما حتى ظهر على وجه الأحداث الأمير عبد الله بن علي العيوني عام 462[4] فبدأ في قتال الأمراء المحليين واستعان بالسلطة المركزية حيث دام الصراع قرابة السبع سنوات استتب بعدها الأمر للأمير عبد الله وأعلنت نهاية الدولة القرمطية عام 469، فالمسافة الزمنية بين سقوط الدولة القرمطية الفعلي على يد الزعماء المحليين وقيام الدولة العيونية قرابة ستين سنة.

فتكون الأحداث قد جرت كالتالي: الخليفة صمصام الدولة يواجه القرامطة في معركة حاسمة عام 375[5] فيقتل مقدمهم، ويأسر جماعة منهم، وينهب سوادهم بهذه الهزيمة بدأ زوال ناموسهم وبدا الجموح القرمطي في الانحسار. ولكن ظهور الأصفر(الأصغر) بن أبي الحسن الثعلبي من بني المنتفق على مسرح الأحداث كان إيذاناً بذهاب دولتهم، إذ تمكن عام 398 من الاستيلاء على الأحساء والخطبة للخليفة العباسي.

لكن ذهاب عقيدتهم والقضاء على ما تبقى من نفوذهم ارتبط بظهور العيونيين بقيادة أميرهم عبد الله بن علي عام 469[6] .

تأسيس الدولة العيونية:

ما أن انتصف القرن الخامس الهجري حتى نشبت الثورات في أرجاء بلاد البحرين، وبرزت الحركات الانفصالية، فبسط أبو البهلول العوام بن محمد بن يوسف الزجاج نفوذه على جزيرة أوال، وسيطر على القطيف يحيى بن العياش، كما طمع عبد الله بن علي العيوني في ملك الأحساء[7] التي كانت تحت حكم الثعلبي آنذاك حيث كان أول من استولى عليها بمعونة سلطان عمان في عام 398[8] . مع بداية العام 461هـ بدأ الأمير عبد الله بتجميع قواته المكونة من أبنائه، وأبناء عشيرته، من بني عبدالقيس، وبعض سكان المنطقة الذين رغبوا في مساندته، بشن الهجمات على أمير الأحساء الذي كانت تسانده بقايا الجيش القرمطي وبعض القبائل كالأزد، وبني عامر.

لم يستطع الأمير عبد الله من إلحاق الهزيمة بأعدائه وفرض سيطرته على الأحساء رغم محاولاته الكثيرة، فلم يجد أمامه إلا أن يطلب المساعدة من الدولة العباسية التي ما أن وصلتها رسله حتى استجابت بإرسال سبعة آلاف مقاتل، حيث وافق السلطان السلجوقي جلال الدولة أبو الفتوح ملكشاه على إرسالها لحرب القرامطة بقيادة إكسلار الذي توجه إلى الأحساء عام 469هـ (1075م)فوصل إلى القطيف وقرر احتلالها وطرد حاكمها ابن عياش الذي فر إلى جزيرة أوال. وبعد أن دخل القطيف واستولى على جميع ما كان يملكه ابن عياش، اتجه إلى الأحساء، وهناك اشترك مع جيش عبد الله بن علي في محاصرة القرامطة. استمر الحصار وطالت مدته، فطلب القرامطة الصلح لمدة شهر مقابل بعض مال يدفعونه، فقبل القائد السلجوقي على أن يعطوه ثلاثة عشر رجلاً رهائن لديه لحين دفع المال، فانطلق القرامطة بعد فك الحصار يجمعون السلاح والمؤن بحجة جمع المال المتفق عليه، وبعد أن جمعوا ما يكفيهم دخلوا المدينة وتحصنوا بها، وأعلنوا نقضهم للصلح المبرم بينهم وبين القائد السلجوقي وشريكه عبد الله بن علي، فما كان من الأخيرين إلا أن قاما بقتل الرهائن، وتشديد الحصار على القرامطة. ولما طالت مدة الحصار ودخل الصيف، بدأ الملل يدب في نفوس جيش الخلافة، وأصيب بعضهم بالحمى والملاريا، عندها قرر القائد السلجوقي الانسحاب والعودة إلى بغداد، بعد أن اتفق مع العيوني أن يبقي لديه مائتي مقاتل بقيادة أخيه البقوش.

بعد أن رحل القائد إكسلار وجنده، هجم ابن عياش على القطيف واستولى عليها، وطمع القرامطة والقبائل المؤيدة لهم في القضاء على عبد الله بن على[9] العيوني وبقية الجيش السلجوقي، فوقعت المعركة الحاسمة بين الفريقين، حيث حشد كل واحد منهما ما لديه من قوة واستعداد، حيث دارت المعركة حول القصر الذي يسكنه القرمطي[10] .فانتهت بانتصار الأمير عبد الله الذي تمكن أخيراً من بسط نفوذه على الأحساء، التي ستصبح اللبنة الأولى في بناء الدولة العيونية.

بعد الانتصار الكبير الذي حققه عبد الله بن علي العيوني على خصومه، أحس بأن القائد السلجوقي (البقوش) ينافسه على السلطة، حيث بدت مطامعه السياسية تتمثل في رغبته بإزاحة عبد الله بن علي، وانتزاع الأحساء من يده، فوقع الخلاف بينهما، وتطور إلى الحد الذي دفع بالأمير عبد الله بن علي العيوني إلى أن يقبض على القائد السلجوقي (البقوش) ويسجنه، ثم يأمر بقتله بعد ذلك.

أثار نبأ مقتل البقوش حفيظة الخلافة العباسية المتمثلة بالسلطة السلجوقية التي اعتبرت أن قتله تهديد لسيادتها ونفوذها على بلاد البحرين، التي تعتقد أنها أصبحت جزءاً من ممتلكاتها. فما كان من الخلافة والدولة السلجوقية إلا أن سارعت بتجهيز جيش قوامه ألفا فارس بقيادة القائد السلجوقي ركن الدين[11] ، الذي وصل إلى الأحساء وحاصر عبد الله بن علي لمدة عام كامل استمرت خلاله المناوشات بين الطرفين، وبعد أن مل جنود السلاجقة من طول الحصار، خرج لهم عبد الله بن علي ومؤيدوه الذين تمكنوا من إيقاع الهزيمة بهم، وإبعادهم عن الأحساء[12] .

يقول ابن المقرب ذاكرا هذه الواقعة:

والشركسية إذ جاءت تطالبنا      دم البقوش وفينا تَقْسِمُ القسما

كما قال أيضاً:

ضربنا وجوه الشركسية دونه    وأقفاءها بالسيف حتى تثلما[13]

لكن البعض يرى أن الحصار الذي دام سنة كاملة والذي تخللته الكثير من السجالات والمواجهات لم ينتهِ إلا بعد أن سلم لهم علي بن عبد الله نفسه خفية عن أبيه، فأخذوه وسجنوه في مدينة كرمان حتى تمكن من التخلص منهم بعد ذلك، واستدلوا على ذلك بقول ابن المقرب:

منا الذي جاد بالنفس الخطيرة في   عز العشيرة حتى استرحل العجما[14]

قرر ابن عياش الذي تمكن من استعادة القطيف – كما مر بنا- أن يهاجم عبد الله قبل أن يسترد أنفاسه من حروبه، ويستفحل أمره، فزحف بجنده إلى الأحساء ووصل إلى مشارفها عند موضع يقال له ناظرة فخرج له الأمير عبد الله بن علي بجيشه إلى ناظرة حيث دارت هناك معركة انتهت بهزيمة زكريا بن يحيى العياش، الذي فر هارباً إلى القطيف، فتبعه عبد الله بن علي، وتمكن من دخول القطيف والاستيلاء عليها بعد أن فر منها زكريا بن عياش عبر الخليج إلى جزيرة أوال. فجهز عبد الله بن علي جيشاً بقيادة ابنه الأكبر الأمير الفضل، الذي عبر إلى جزيرة أوال و هناك دارت معركة بين الطرفين، انتهت بهزيمة جيش ابن عياش، واستيلاء الفضل على الجزيرة التي هرب منها زكريا بن عياش إلى ميناء العقير، حيث لقيه عبد الله بن علي بجيشه، فتمكن من هزيمته وقتله سنة 470هـ (1077م) وبذلك يكون الأمير عبد الله قد وحد معظم بلاد البحرين (الأحساء، والقطيف، وجزيرة أوال ) تحت حكمه، وإلى ذلك يشير ابن المقرب بقوله:

ولم يُنجِّ ابن عياش بمهجته     يمٌ إذا ما يراه الناظر ارتسما

أتى مغيراً فوافى جوَ ناظرةٍ      فعاين الموت منا دون ما زعما

فراح يطرد طرد الوحش ليس يرى     حبل السلامة إلا السوط والقدما

فانصاع نحو أوال يبتغي عصما      إذ لم يجد في نواحي الخط معتصما

فأقحم البحر منا خلفه ملكٌ       مازال مذ كان للأهوال مقتحما

فحاز ملك أوال بعد ما ترك الـ       ـعكروت بالسيف للبوغاء ملتزما

فصار ملك ابن عياش وملك أبي      البهلول مع ملكنا عقداً لنا نظما

من ذا يقاس بعبد الله يوم وغىً      في بأسهِ أو يباري جودُهُ كرما[15]

صراع الأمراء العيونيين وتعاقبهم على السلطة:

لما ملك عبد الله بن علي الأحساء قطع ما كان لرؤساء بني عامر من العوائد، والجرايات التي أجريت لهم أيام القرامطة، فأجمعوا على حربه، فاقبلوا ومعهم خلق كثير من البوادي، فالتقوا في فقور السهلة، يرى (صاحب كتاب تحفة المستفيد) أنه يوجد جنوبي قرية الجفر نخيل تعرف بالفقر وبالقرب منها وتقع جنوباً غرباً قرية غامرة تسمى السهلة، والمنسوب إليها يسمى السهلاوي فلعل الواقعه كانت هناك.

وأقبل بنو عامر يسوقون الإبل أمامهم، وصاحوا عليها فكانت تدق الجموع. وخرج عبد الله بن علي لقتالهم، ولما رأى ما تفعله الإبل بالناس، أمر بضرب الدبادب والأبواق في وجوهها فنفرت ورجعت على أعقابها، فحطمتهم فانهزموا وحمل عليهم عبد الله بن علي فقتلهم قتلاً ذريعاً، ولم ينجُ منهم إلا رئيسهم أحمد بن مسعر، وأبو فراس بن الشباش، في جماعة قليلة هربوا إلى العراق، وجهز عبد الله بن على نساءهم وذراريهم والضعفة منهم ووجههم إلى عُمَان[16] .

هكذا يكون الأمير عبد الله بن علي تخلص من خطرين محدقين به الأول القائد العسكري السلجوقي ركن الدين الذي جاء مع قوة عسكرية قوامها ألفا فارس، والثاني القوى المحلية القبلية المتمثلة في بني عامر.

بهذا يكون الأمير عبد الله أقام دولة قوية، مرهوبة الجانب، جعل عاصمتها الأحساء دام حكمه لها قرابة النصف قرن كما ذكر البعض، انتعشت فيها الزراعة و الحركة التجارية وساد نوع من الرخاء والاستقرار الاجتماعي.

توفى عبد الله في حدود سنة 500هـ بعد أن حكم ما يقرب ستين عاماً وخلفه ابنه الفضل الذي تعقب المفسدين وقطاع الطرق حتى استتب الأمن في عهده[17] .

وشرع الحمى لإبله وإبل المستضعفين من رعيته، فحمى المنطقة الممتدة من ثاج شمالاً إلى يبرين جنوباً، وكان لا يقيم في بلد واحد، بل كان كثير التنقل والتجوال، فهو مرة في الأحساء، ومرة بالقطيف، ومرة بجزيرة أوال، وعلى ما يبدو أنه أسند الأمور الداخلية لأخويه وابنه، فاستمر أخوه علي أميراً على جزيرة أوال في حين جعل أخاه الحسن أميراً على الأحساء، بينما محمد يخلفه على القطيف أثناء تنقله بين مدن بلاد البحرين وبذلك يكون هو قد تفرغ لإدارة شؤون الدولة العيونية التي اتسعت في عهده، وتبوأت مكانة مرموقة بين القوى المحيطة بها[18] .

ويعتقد أن الفضل تولى الأمر بعد والده لمدة تقارب عقدين من الزمان على أقل تقدير[19] .

تولى الحكم بعد وفاة الفضل بن عبد الله ابنه أبو سنان محمد الذي اتخذ من القطيف عاصمة لدولته، وعين عمه علياً أميراً على الأحساء، وأخاه غريراً بن الفضل أميراً على جزيرة أوال وكان أبو سنان مشهوراً بالشجاعة والكرم البالغ الذي تعدى إلى حد الإفراط والتبذير، فيروى أن عامله على جزيرة أوال أتاه بأموال كثيرة فيها اللؤلؤ والذهب والفضة، وصادف وقتها أن كان في بلاطه شاعر من أهل العراق يعرف بالثعالبي يمدح الأمير بقصيدة نالت إعجاب أبي سنان فأمر عامله أن يسلم جميع الأموال التي جاء بها للشاعر، فاستعظم عامله ذلك، فسقط مغشياً عليه، ومات غماً من ساعته، وفي ذلك يقول ابن المقرب:

منا الذي مِن نداهُ مَاتَ عاملهُ      غماً وأصبح في الأموات مُخترما

يبدو أن ذلك دليل على أن الدولة العيونية شهدت استقراراً سياسياً وانتعاشاً اقتصادياً في عهد الأمير أبي سنان، الذي كان بلاطه حافلاً بالعديد من شعراء عصره وأدبائه[20] .

استمر حكم أبو سنان محمد بن الفضل ثماني عشرة سنة وكان له وزيراً خاصاً يسمى الحاج علي بن الفارس الكازروني، ومات أبوسنان مقتولاً على يد عميه أبي منصور وأبي علي، وكان هذا الحدث بداية سيئة في الأسرة العيونية إذ ظل التطاحن قائماً فيما بينهم يقتل بعضهم بعضاً فيما بعد[21] .

وقد لاحت علامات عدم الاستقرار في عهد الأمير أبو سنان بعد أن اشتد الصراع بينه وبين عميه علي والحسن وذلك إما لخلافات إدارية تدخلت فيها المصالح والنقود أو لأنهما يرون أنهم أحق بالحكم من ابن أخيهما.

ازداد الصراع بين الأمير وعميه، وبلغ أشده بعد أن نزل زعيم بني عامر عفيلة بن شبانة بجماعته وإبله على القطيف بغرض الانتجاع فيها خلال فصل الصيف فما كان من الأمير أبي سنان إلا أن طلب منه الرحيل، إلا أن غفيلة رفض ذلك، فخرج له الأمير محمد بن الفضل ودارت معركة بين الطرفين وانتهت بهزيمة بني عامر الذين لجؤوا إلى الأحساء، لكن الأمير العيوني خسر معظم جيشه. عندها أحس أبو سنان أن لعميه يداً فيما حدث له، واتهمهم بالتآمر مع غفيلة ضده خاصة بعد أن لجأ الأخير إلى الأحساء، إثر هزيمته، فقرر محاربة عميه وجهز جيشاً زحف به على الأحساء 538هـ(1143م) فخرج له عماه ودارت معركة طاحنة بينهما، قتل فيها الأمير أبو سنان محمد بن الفضل وأخوه جعفر، وعاد الجيش المنهزم بجثتيهما إلى القطيف حيث دفنا فيها[22] .

لما مات أبو سنان بايع أهل القطيف والجند الذي فيه غرير بن محمد، وبايع أهل الأحساء والجند الذي فيه علي بن عبد الله، لأنه أكبر أفراد الأسرة المالكة، فتجهز غرير بن محمد لغزو عمه بالأحساء بجيش كبير، فاستعد الأمير علي ويكنى أبو منصور للحرب وفتح خزائن الأطعمة، وفرقها على السكان، وأعطى كل بيت ما يكفيهم سنة، وخرج أبو منصور بمن معه من الجند، لصد الأمير غرير، فالتقى الجمعان بموضع في الأحساء يعرف (بالسليمات) واشتد القتال، وقتل الأمير أبو منصور، وانهزم جنده[23] .

لم تستمر مدة حكم أبي فراس غرير بن الفضل طويلاً، فقد توفى سنة 539هـ(1144م) وقيل إنه قتل على يد ابن أخيه، الذي تولى السلطة من بعده، ولصغر سن الأخير، فإنه لم يتمكن من ضبط الأمور، وبالتالي ساءت الأحوال، واضطربت البلاد الأمر الذي سهل على عم ابيه الحسن بن عبد الله أن يستولي على القطيف، بمساعدة ابن أخيه أمير الأحساء، وبذلك تم إبعاد آل الفضل بن عبد الله عن الحكم في بلاد البحرين، التي سيطر عليها أبناء علي بن عبد الله في الأحساء، والأمير الحسن بن عبد الله في القطيف وأوال[24] .

بعد قدوم الأمير أبو علي الحسن بن عبد الله من الأحساء لبسط نفوذه على القطيف التي ساءت الأمور فيها بعد موت غرير إتخذ من القطيف عاصمة لملكه[25] . الذي اتسم بالاستقرار، عدا ما حدث في بداية عهده من تعرض جزيرة أوال لهجمات متعددة من حاكم قيس أبي كرزاز بن سعد بن قيصر، الذي كانت تدفعه مطامعه الاقتصادية للاستيلاء على جزيرة أوال لما تتمتع به من موقع استراتيجيي لسيطرتها على معظم الطرق التجارية في الخليج العربي. لكن العيونيين تمكنوا من هزيمة جيش ملك قيس، وقتل عدد كبير منهم، وأسر نام سار قائد هذه الحملة والذي عفا عنه الأمير الحسن بن عبد الله وأكرمه، وأعاده إلى أخيه في جزيرة قيس[26] .

بعد أن انتصر أبو علي الحسن بن عبد الله في معركة سترة، ساد الأمن والاستقرار ما تبقى من عهده. وشهدت البلاد ازدهاراً وانتعاشاً في الأوضاع الاقتصادية تمثل في حدوث حركة تجارية نشطة تطلبت سك نقود تفي بمتطلبات السوق المحلية في مدن بلاد البحرين، ولعل شخصية الحسن بن عبد الله لعبت دوراً كبيراً في حدوث الاستقرار والانتعاش الاقتصادي الذي شهدته بلاد البحرين خلال مدة حكمه، فعلى ما يبدو أنه كان يتمتع بحنكة وخبرة في إدارة شؤون الدولة اكتسبها خلال المدة التي قضاها منذ عهد والده المؤسس وحتى توليه زمام الحكم إلى جانب ذلك فهو يتمتع بسمو النفس ونبل العاطفة، كان محباً للخير، يقدر الرجال كريماً[27] .

في سنة 549هـ (1154م) توفى الأمير الحسن بن عبد الله العيوني بعد أن حكم بلاد البحرين (القطيف وأوال) مدة إحدى عشرة سنة، تاركاً فراغاً سياسياً كبيراً لم يستطع أبناؤه الثلاثة شكر، وعلي، والزير ملأه لصغر سنهم.مما شجع الطامعين من أفراد البيت العيوني اقتناص هذه الفرصة، وفرض سيطرتهم على القطيف وأوال، حيث تمكن غرير بن منصور بن علي بن عبد الله العيوني من الاستيلاء عليهما، وكانت مدة حكمه سبع سنين تمكن بعدها هجرس بن محمد بن الفضل من قتله، والقبض على زمام السلطة سنة 556هـ(1160م)[28] . ولازالت الأحساء تحت حكم أبناء عمومتهم من العيونيين.

تمكن شكر بن الحسن بن عبد الله من استعادة ملك والده بعد وفاة هجرس بن محمد سنة 557هـ(1161م)، حيث تمكن هو وإخوانه من تثبيت حكمهم في القطيف وأوال فقد استمرت مدة حكم الأمير شكر بن الحسن ثمانية عشر عاماً وبعد وفاته سنة 575هـ(1179م)خلفه أخوه علي بن الحسن الذي لم يستمر في الحكم طويلا، حيث قتله أخوه الزير بن الحسن سنة 575هـ، الذي تولى الحكم لمدة سنتين قتل بعدها فساءت الأوضاع في القطيف وأوال، واشتد الصراع بين أفراد البيت العيوني، وكثر بينهم القاتل والمقتول من أجل السلطة[29] . فأصبحت بلاد البحرين مقسمة بين أفراد البيت العيوني، لا يجمع بينها إلا الاختلاف والتناحر.

لكن فجأة تخرج شخصية تحتل مكانة لها في الأحداث، بظهور عماد الدين محمد بن أبي الحسين أحمد بن أبي سنان محمد بن الفضل في تلك الفترة الحرجة، حيث أدرك بأن الدولة العيونية تسير في طريقها للانهيار والزوال نتيجة للصراعات الداخلية بين أفراد البيت العيوني من جهة، والأخطار الخارجية المحدقة بها من جهة أخرى. فعقد العزم على انتزاع السلطة من آل أبي منصور علي بن عبد الله، الذين كانت لهم اليد الطولى في معظم بلاد البحرين، تمكن محمد بن أحمد من الاستيلاء على القطيف سنة 587هـ(1191م) بعد أن أخرج منها أميرها آنذاك عبد الله ابن منصور بن علي، ثم عبر إلى جزيرة أوال وضمها إلى ملكه الذي أخذ يتسع شيئاً فشيئاً، حتى شمل جميع بلاد البحرين بعد استيلائه على الأحساء سنة 599هـ(1202م) ليعيد بذلك وحدة الدولة العيونية وإعادة هيبتها إلى وسط الجزيرة العربية، وعمان، وأطراف بلاد الشام و العراق.

في هذه الفترة توطدت العلاقة بين الأمير عماد الدين محمد بن أبي الحسين مع الخليفة الناصر لدين الله الذي أعانه على توحيد بلاد البحرين والوصول إلى سدة الحكم وأوكل إليه خفارة الحاج، إذا خرج من بغداد حتى يصل إلى مكة ويرجع منها وقرر له الخليفة كل سنة ألفاً وخمسمائة حمل من البر، وألفاً ومائتي ثوب من عمل مصر[30] .

فقد استطاع أن يبسط يده على القبائل التي كانت تشكل خطراً على قوافل الحج والتجارة، حتى عم الأمن والرخاء كما يرى الشاعر العيوني ابن المقرب:

كانت به البحرين جنة مأربٍ      أيام بهجتها وطيب حياتها[31]

وقد يعكس شعر ابن المقرب صرامة الأمير محمد وحزمه في اتخاذ القرار وقمع المتمردين والمتآمرين، يقول:

أجرى نزاراً كيف شاء ويعرباً     بالكره من مُرادها وعُتاتها

ما حاربته قبيلة إلا غدت     أحياؤها وفداً على أمواتها[32]

لكن الحال لم يدم خصوصاً في وسط مجموعات متنافسة متناحرة، فقد نشط خصومه، بنو عقيل في تدبير المؤامرات ضده حتى تمكنوا من التخلص منه باغتياله سنة 605هـ(1208م)[33] .

يقال في قصة اغتياله: أن راشداً بن عميرة بن غفيلة رئيس قبيلة بني عامر اتفق مع غرير بن الحسن العيوني على خطة لاغتياله، على أن يكون لراشد بن عميرة جميع ما يملكه الأمير محمد من الأموال والذخائر، ولغرير حكم البلاد، فتمكنوا من قتله وقيل أن ذلك كان على يد غرير بن الحسن بن شكر بن علي بن عبد الله العيوني الذي تولى السلطة بعد ذلك.

نبذة عن الشاعر ابن المقرب العيوني:

لا يمكن الحديث عن الدولة العيونية إلا ويتبادر إلى الذهن شخصية فذة وعبقرية شعرية رائعة،عرف ولقب بابن المقرب العيوني، عدَ من فحول الشعراء وله الكثير من الفضل في حفظ تاريخ الدولة العيونية بأحداثها وشخصياتها،

إنه الشاعر الكبير علي بن عبد الله ابن محمد بن إبراهيم بن محمد الربعي، البحراني، العيوني، الأحسائي[34] ، ومؤسس الدولة العيونية هو الجد السادس للشاعر ابن المقرب[35] .

أطلق عليه الربعي نسبة لقبيلة ربيعة، و ربيعة جد شاعرنا الأعلى، وقبيلتة فخذ من عبد القيس العدنانية، ذات الأمجاد والذائعة الصيت في الجاهلية، والإسلام[36] .

البحراني نسبة إلى الاسم القديم لمنطقة الساحل الشرقي للجزيرة العربية، العيوني نسبة إلي قرية العيون التي تبعد خمسة عشر كيلو متراً عن مدينة الهفوف الحالية، والأحسائي نسبة لمدينة الأحساء عاصمة الدولة العيونية، ومحل ولادته وتربيته.

ولد حوالي سنة 572هـ في بلدة العيون المعروفة بالأحساء وتوفي حوالي سنة 630هـ[37] .

نستطيع أن نتعرف على ملامح شخصيته من أشعاره وقصائده، فقد كان عزيز النفس، سامي الهمه طموحاً إلى المجد، يقول في إحدى قصائده:

يظن نحولي ذو السفاهة والغبا      غراماً بهندٍ واشتياقاً إلى دعدِ

ولم يدر أني ماجد شف جسمه     لقاء همومٍ خيلها أبداً تردي

قليل الكرى ماضٍ على الهول مُقدمٌ     على الليل والبيداء والحر والبردِ

عدمت فؤاداً لا يبيتُ وهمهُ       كرامُ المساعي وارتقاءُ إلى المجدِ[38]

كان صاحب عزيمة متوقدة، وحماسة لاهبة، وقناة صلبة يقول:

وما بلغ العلياء إلا ابن حرة   قليل افتكارٍ في أمور العواقب

وما العزُ إلا فوق صهوة سابحٍ     وما المالُ إلا في شَبَا كلِ قاضِبِ

ومَن لم يَعَض الدهر من قبلِ عَضهِ     بنابَيهِ أضحى مُضغَةً للنوائبِ[39]

شعره مليء بالحماسة والفروسية والقوة والحكمة يقول:

من سالم الناس لم تسلم مقاتله     منهم ومن عاش فيهم بالأذى سلما

ومنه قوله:

ومن ضيع السيف اتكالا على العَصَا     شكا وقع حد السيف ممن ينازله

كان ذا مزاجٍ حاد، لا يميل إلى استمراء الراحة، وتجنب صراع الحياة والضرب في أرجاء الأرض، فنفسه العظيمة في طرادٍ دائب.

لقد مل جنبي مضجعي من إقامتي     ومل حسامي من مجاورة الغمد

ولجَ نجيبي في الحنينِ تشوقاً       إلى الرحلِ والإنساع والبيد والوخدِ

وأقبل بالتصهال مُهري يقول لي     أأبقى كذا لا في طِرادٍ ولاطردِ[40]

عاش ابن المقرب في وطنه ومسقط رأسه الأحساء حياة هنيئة، وكان معززاً مكرماً له ما لأمراء الأسرة الحاكمة من الاحترام و التبجيل، حتى دب الشقاق بين أميرين من أمراء العيونيين، فمال بتأييده إلى أحدهما فمني بنكبة شديدة قلبت حياته رأساً على عقب

حدثت تلك النكبة مباشرة بعد تولى محمد بن ماجد إمارة الأحساء، حيث قام الأخير بالانتقام من ابن المقرب الذي ساند منافسه الأمير محمداً أبا الحسين أحمد الذي اغتيل عام 605هـ، فما أن تمكن محمد بن ماجد من الانتصار على خصومه حتى ألقى القبض على ابن المقرب، الذي لم يغادر الأحساء رغم خطورة الأوضاع، فأودعه السجن وصادر أمواله[41] .

وخيره بين السجن أو النفي وفي الحالتين سوف تصادر أملاكه، فاختار أن ينفى إلى العراق التي تنقل فيها بين بغداد والبصرة والموصل، عاد بعدها مراراً إلى مسقط رأسه الأحساء ولكن الأوضاع السياسية لم تكن على ما يرام، فقد ازداد التناحر بين أفراد البيت العيوني ودب الضعف في الدولة، فحاول جاهداً النصح فلم يسمع منه وطالب بحقه فلم يعطِ حقه من الأموال والأملاك التي صودرت منه، فقرر الرحيل إلى العراق من جديد. وقد اختلف في مكان وفاته هل هو في العراق أم في الأحساء.

تعد قصائد هذا الشاعر الكبير أهم مصدر لمعرفة تاريخ الدولة العيونية وشخصياتها والأحداث التي جرت عليها. كما أنه نقل لنا الكثير من الصور عن الحياة الاجتماعية والفكرية، وكذا تكلم في قصائده عن القبائل والأجناس والأعراق التي يتكون منها النسيج السكاني في بلاد البحرين آن ذاك.

نهاية الدولة العيونية:

إن اغتيال الأمير محمد بن أحمد يعد بداية النهاية للدولة العيونية التي عصفت بأركانها صراعات أفراد البيت العيوني وأغلب ما تكون تلك الصراعات بالاستعانة بالدولة العباسية التي لا تتحالف إلا مع الأقوى، وكذا الاستعانة بالقبائل البدوية التي تقطن الصحراء ولا تستغني عن التزود من خيرات الواحات على جدب الصحراء.

فبعد تولي غرير الذي تمكن من اغتيال الأمير محمد بن احمد – كما ذكرنا آنفاً، تمكن الفضل بن محمد بمساعدة الدولة العباسية من انتزاع السلطة في القطيف وأوال سنة 606هـ (1209م)، والأخذ بثار أبيه، بعد أن وقع اتفاقية مع حاكم جزيرة قيس للاشتراك معه في حربه، ومساعدته على تثبيت ملكه في القطيف وأوال، وقد كانت هذه الاتفاقية بمثابة المسمار الأخير في نعش الدولة العيونية التي غدت تتجاذبها الأخطار الخارجية ممثلة في قبيلة بني عامر وحاكم قيس من جهة، والخلافات الداخلية بين الأمراء العيونيين الذين تعاقبوا على السلطة بشكل سريع من جهة أخرى[42] .

شجعت أوضاع الدولة العيونية المتهالكة قبيلة بني عامر في الانقضاض على الأحساء وفرض سيطرتهم عليها بقيادة أحد زعمائهم عصفور بن راشد ابن عم ابن سنان في حدود العقد الثاني من القرن السابع الهجري، وما لبثت أن تلتها القطيف التي تمكن أبو عاصم بن سرحان محمد بن عميرة – أحد شيوخ بني عامر-من الاستيلاء عليها في حدود سنة 630هـ(1231م) وطرد أميرها العيوني الذي لجأ إلى أوال آخر معاقل الدولة العيونية والتي بدورها تعرضت للعديد من الهجمات المنظمة من أتابكية شيراز، كان آخرها الحملة التي قادها الأتابك أبو بكر السلغري سنة 636هـ(1238م)الذي تمكن من الاستيلاء على جزيرة اوال وقتل آخر الأمراء العيونيين محمد بن محمد بن ماجد، والقضاء على الدولة العيونية بعد أن حكمت بلاد البحرين قرابة 167عاماً[43] .

الاستقلال السياسي:

إن الحقيقة التي لا مراء فيها هي أن سلاطين الدولة العيونية، وبشكل خاص خلال فترة حكم جمال الدنيا والدين الحسن بن عبد الله العيوني، لم تكن تربطهم أدنى علاقة بالخلافة العباسية، فجميع الدول التي كانت تتمتع بحكم ذاتي وتربطها علاقة بالخلافة العباسية، تحرص كل الحرص على نقش اسم الخليفة العباسي المعاصر على نقودها كنوع من الاعتراف بالتبعية لدولة الخلافة ومن الأمثلة على ذلك: دولة الأغالبة في أفريقيا، والدولة الحمدانية في بلاد الشام والدولة الأخشيدية، والغزنوية، والسامانية، وغير ذلك من الدول إلا أن الدولة العيونية قد خلت نقودها من اسم الخليفة العباسي[44] وأكثر من ذلك انهم نقشوا إلى جانب الشهادتين الشهادة الثالثة أي شهادة أن علياً ولي الله[45] وهذا دليل قاطع على إعلان الدولة العيونية استقلالها التام، وتعبير واضح على عدم اعتراف سلاطينها بالتبعية لسلطة الخلافة العباسية في بغداد.

سك النقود:

قامت الدولة العيونية بسك النقود الخاصة بها، وكانت تلك النقود تحمل شعارها وملامحها وهذا له دلالات مهمة لأن سك النقود لا يحدث إلا تحت ظروف خاصة تتمتع بها الدولة بعد توسع الحركة التجارية ونشاط الأسواق والتبادل التجاري الذي يستحيل حدوثه دون توفر الإستقرار السياسي والإجتماعي ونوع من الأنظمة تعززها أعراف يعتمد عليها المنتجون كالمزارعين، والحرفيين، والتجار الذين يقومون بعمليات التصدير والإستيراد. كما أن النقود تضطلع بدور مهم لا يقل أهمية عن دورها الإقتصادي، فقد كان دورها الإعلامي في ذلك الوقت ربما يماثل أو يزيد تأثيراً في نفوس الناس عما تقوم به وسائل الإعلام في وقتنا الحاضر[46] . خصوصاً على المستوى الحضاري الذي يثبت أنها كانت تتمتع بمواصفات الدولة المستقلة ذات السيادة وأنها لم تكن تدار بنظام الحكم البدائي القبلي البسيط..

توضح هذه الصورة نموذجاً للعملة العيونية مع وصف للوجه والظهر ومكان السك والتاريخ[47] .

تأمين طرق الحج والتجارة:

قامت الدولة العيونية بتأمين طرق الحج والتجارة في أغلب مراحلها ودر عليها ذلك أرباحاً مجزية وساهم ذلك في إشاعة الاستقرار، هذا الاهتمام يشير إلى نوع مقبول من الحياة المدنية الذي ساد المنطقة في تلك الحقبة من التاريخ.

الاهتمام بالجانب الديني:

من خلال النقد الذي وجهه العيونيون للدولة القرمطية في الجانب الديني على لسان شاعرهم ابن المقرب كتعطيل الصلاة والصيام يقول ابن المقرب:

وأبطلوا الصلواتِ الخمسَ وانتهكوا    شهر الصيام ونصوا منهمُ صنما

ويقول في بيت أخر:

وما بنوا مسجداً للهِ نعرفهُ    بل كلَ ما أدركوهُ قائماً هُدما[48]

من هذه الأبيات وأمثالها نستنتج أن العيونيين يميلون إلى الاهتمام بالدين وأنهم حريصون على التمسك به، وهكذا شعار لا إله إلا الله محمد رسول الله الذي يحتل الوجه الأول للنقود التي قامت الدولة العيونية بسكها، كذلك تعكس أشعار ابن المقرب حبه للرسول وال بيته الكرام، وحثه في أشعاره على التمسك بالأخلاق الفاضلة التي حث الإسلام على التمسك بها.، وهناك مؤشر آخر وهو أن المساجد التي أشار إليها ابن المقرب لابد لها من أئمة يجيدون الفقه الشرعي، لتلبية حاجات الناس الدينية. وهناك مسألة تحفيظ القرآن التي لا يخلو منها مجتمع إسلامي لابد أنها ملأت أركان كثير من المساجد في ذلك العهد، ولا ريب أن هذا الاهتمام يعكس صورة المجتمع المتحضر الذي يعطي الدين والقيم والأخلاق حقها من الاحترام والتقدير.

النشاط العلمي والأدبي:

يلحظ المتتبع الباحث غياب المعلومات عن الحركة العلمية والأدبية، لكن رغم ذلك هناك نقطة ضوء لابد أنها من المؤشرات علي وجود حركة علمية وأدبية وهي العبقرية الشعرية التي تحلى بها إبن المقرب العيوني، الذي ولد وترعرع في أحضان الدولة العيونية، فلابد أن تكون هذه العبقرية من نتاجها ومن ثمرات النشاط العلمي والأدبي الذي كانت تعيشه تلك المنطقة الجغرافية، فلولا وجود شعراء و رواة للشعر وأدباء و مهتمين بالتاريخ لما رأينا شاعراً وأديباً كابن المقرب. كذلك العملات التي سكت من قبل الأمراء العيونيين لابد أن يكون المشرف عليها رجالاً ذوي خبرة في اختيار أفضل الخطوط العربية كالنسخ والرقعة، كذلك لابد أنهم كانوا على دراية بعلم النحو، وأصحاب خبرة حرفية في سك العملات على النمط المتعارف عليه في ذلك الوقت، خصوصاً أن الدولة شهدت فترات طويلة من الاستقرار كالفترة التي تولى الحكم فيها الأمير عبد الله بن علي الذي دام حكمه قرابة النصف قرن، والأمير الفضل الذي دام حكمه قرابة العشرين سنة. ولا يخفى أن أكثر الصراعات التي حدثت كانت بين الأمراء ومجاميع قليلة من أنصارهم ولم تكن تمس الشارع أو الناس العاديين لأنها لم تكن على شكل ثورات أو عصيان مدني إلا ما ندر حيث تتعرض المدن الرئيسية للحصار

هذه كلها مؤشرات على أن العيونيين بنوا دولة بمواصفات مدنية قياساً للحقبة الزمنية التي كانوا فيها، فقد شرعوا القوانين وسنوا الأنظمة الإدارية التي تنظم العلاقات الاجتماعية والحركة التجارية، والعلاقة مع الدول والقوى المجاورة، ولم تكن دولتهم بدائية تدار شؤونها كما تدار القبيلة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] د. فضل بن عمار العماري، ابن المقرب وتاريخ الإمارة العيونية في بلاد البحرين، ص 23.

[2] د. فضل بن عمار العماري، مصدرسابق ص28.

[3] القرامطة ينتسبون لحمدان بن قرمط، الذي استطاع أحد اتباعه وهو الحسن بن بهرام المعروف بأبي سعيد الجنابي من إقامة الدولة القرمطية في بلاد البحرين سنة 286هـ (899م).

[4] د. أحمد موسى الخطيب، شعر علي بن المقرب العيوني دراسة فنية، ص21، دار المريخ، طبعة 1404هـ -1984م.

[5] د. أحمد موسى الخطيب، مصدر سابق، ص20.

[6] د. أحمد موسى الخطيب، مصدر سابق، ص 20.

[7] محمد سعيد المسلم، ساحل الذهب الأسود، ص156، الطبعة الثانية، دار مكتبة الحياة-بيروت.

[8] محمد سعيد المسلم، مصدر سابق، ص154.

[9] نايف بن عبد الله الشرعان، نقود الدولة العيونية في بلاد البحرين، ص49، مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، 1423هـ – 2002م.

[10] د. فضل بن عمار العماري، مصدرسابق، ص 39.

[11] د. فضل بن عمار العماري، مصدرسابق، ص41.

[12] نايف بن عبد الله الشرعان، مصدر سابق، ص25.

[13] د. فضل بن عمار العماري، مصدرسابق، ص41.

[14] د. فضل بن عمار العماري، مصدرسابق، ص42.

[15] نايف بن عبد الله الشرعان، مصدر سابق، ص54.

[16] محمد بن عبد الله بن عبد المحسن آل عبد القادر الأنصاري الأحسائي، تحفة المستفيد بتاريخ الأحساء في القديم والجديد ص 101، مطابع الرياض 1382هـ – 1963م.

[17] محمد سعيد المسلم، مصدر سابق، ص161.

[18] نايف بن عبد الله الشرعان، مصدر سابق، ص55.

[19] نايف بن عبد الله الشرعان، مصدر سابق، ص57.

[20] نايف بن عبد الله الشرعان، مصدر سابق، ص58.

[21] محمد سعيد المسلم، مصدر سابق، ص161.

[22] نايف بن عبد الله الشرعان، مصدر سابق، ص60.

[23] محمد بن عبد الله بن عبد المحسن آل عبد القادر الأنصاري الأحسائي، مصدر سابق، ص103.

[24] نايف بن عبد الله الشرعان، مصدر سابق، ص62.

[25] نايف بن عبد الله الشرعان، مصدر سابق، ص64.

[26] نايف بن عبد الله الشرعان، مصدر سابق، ص65.

[27] نايف بن عبد الله الشرعان، مصدر سابق، ص67.

[28] نايف بن عبد الله الشرعان، مصدر سابق، ص69.

[29] نايف بن عبد الله الشرعان، مصدر سابق، ص70.

[30] محمد بن عبد الله بن عبد المحسن آل عبد القادر الأنصاري الأحسائي، مصدر سابق، ص104.

[31] د. فضل بن عمار العماري، مصدرسابق، ص61.

[32] د. فضل بن عمار العماري، مصدرسابق، ص60.

[33] د. فضل بن عمار العماري، مصدرسابق، ص63.

[34] د. عبده عبد العزيز قلقيلة، التجربة الشعرية عند ابن المقرب مضمونها وبناؤها الفني، ص22 النادي الأدبي بالرياض، الطبعة الأولى 1407هـ – 1986م.

[35] د. عبده عبد العزيز قلقيلة، مصدر سابق ص23.

[36] د. أحمد موسى الخطيب، مصدر سابق، ص31.

[37] د. فضل بن عمار العماري، مصدر سابق، ص157.

[38] د. أحمد موسى الخطيب، مصدر سابق، ص36.

[39] د. أحمد موسى الخطيب، مصدر سابق، ص37.

[40] د. أحمد موسى الخطيب، مصدر سابق، ص39.

[41] د. فضل بن عمار العماري، مصدر سابق، ص166.

[42] نايف بن عبد الله الشرعان، مصدر سابق، ص73.

[43] نايف بن عبد الله الشرعان، مصدر سابق، ص47.

[44] نايف بن عبد الله الشرعان، مصدر سابق، ص8.

[45] نايف بن عبد الله الشرعان، مصدر سابق، ص201.

[46] نايف بن عبد الله الشرعان، مصدر سابق، ص266، ص114.

[47] نايف بن عبد الله الشرعان، مصدر سابق، ص201.

[48] د. فضل بن عمار العماري، مصدر سابق، ص37.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بقلم: سامي أحمد بوخمسين – 19 / 3 / 2011م