556الوجيه صادق البحارنة يفتح نوافذ من ذاكرة الوطن (3) «الأوقاف الجعفرية» من أوائل المؤسسات في نواة الدولة المعاصرة

الحديث مع رجالات البحرين الأوائل يكتسب أهمية استثنائية، كونه يلامس حقباً مهمة من ذاكرة الوطن ومخاضات الحراك السياسي والاجتماعي طوال قرنٍ من الزمان.

ثمة ملامح كثيرة يمكن استثارتها من ذاكرة ثرية لها مخزونها التاريخي الذي تتكئ عليه، لتروي صورة البحرين على مدار القرن العشرين في أبعادها المختلفة وزواياها المتعددة.

هكذا هو الحديث مع شخصية مثل الوجيه صادق الحاج محمد البحارنة الذي عايش بواكير البحرين المعاصرة والتأسيس الإداري لنواة الدولة، مروراً بحقبة الاستقلال وما بعدها من أحداث وصولاً إلى مشارف الألفية الجديدة.

في هذه الحلقات يتحدث صادق البحارنة عن ذكريات محفورة في القلب والوجدان، إنها خلاصة حقبٍ متراكمة. ويتشعب الحديث من المنامة المدينة في سكونها ووداعتها، إلى تجارب المسئولية في العمل الرسمي والأهلي والخاص على حدٍّ سواء.

وثمة أهمية بالغة لرواية تجربة كانت لحقب ممتدة لصيقة بدوائر صناعة القرار، وكذلك ذات احتكاك مع البيئة الاجتماعية عبر منابر ومواقع عدة في خطوط التماس مع أهل هذا الوطن من مختلف فئاتهم وانتماءاتهم الاجتماعية والسياسية والإيديولوجية.

كثيرة هي الأحداث، وكثيرة هي الذكريات… إنها نوافذ مفتوحة من ماضي هذا الوطن أثَّرت حتماً في رسم ملامح الحاضر واستشرافات المستقبل… هنا التذكر له رمزيته ودلالاته الاستثنائية على أكثر من صعيد.

في هذه الحلقة يتحدث صادق البحارنة عن دائرة الأوقاف الجعفرية الذي اقترن اسمه بها، وكان رئيساً لها طوال 40 عاماً… وهنا نص الحوار:

هل لك أن تحدثنا عن ذاكرتك الطويلة مع الأوقاف الجعفرية؟

– في العام 1955 دخلت الأوقاف الجعفرية، والقصة أنني عندما ذهبت للمستشار تشارلز بلغريف، وكانت لي به معرفة عن طريق والدي، فقدرني كثيراً، فقلت له أريد أن أعمل، وبالفعل تسلمت الوظيفة بأمر من المستشار في اليوم نفسه، وكان مدير الأوقاف آنذاك جعفر الناصر وراتبه 200 روبية، وسيدشرف سيدجعفر الخرداوي (كاتب) وأنا الثالث ومعاشي 50 روبية.

ومن المعروف أنه قد تعاقب على الأوقاف عدة رؤساء، أولهم مؤسس الأوقاف السيدعدنان الموسوي الذي توفي في 1928 بعد فترة وجيزة من الرئاسة، التي أصبحت عند السيدأحمد العلوي (والد السيد محمود العلوي أول وزير مالية بعد الاستقلال)، ومن ثم آلت لمحسن التاجر. وكانت رواتبهم 250 روبية.

عندما أصبحت رئيساً خصص لي معاش قدره 500 روبية شهرياً. وأتذكر أن هناك محاسباً لحكومة البحرين يدعى سيدإحسان وهو باكستاني وأخبرني أن مجموع مستحقاتي المتراكمة بلغت 60 ألف روبية ننقلها من سنة لسنة. فقلت له أنا أعمل حراً ورئيساً شرفياً، ولا أريد مبلغاً مقابل الرئاسة، وأرجعوا المبلغ المتراكم على الحكومة. ولحين خروجي لم آخذ ديناراً واحداً كراتب من الأوقاف.

ومن المهم الإشارة إلى أن حاكم البحرين آنذاك المغفور له الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة والمستشار بلغريف منحا عناية كبيرة للأوقاف، فمثلاً الشيخ سلمان أوقف أوقافاً كثيرة للأوقاف، ومنها على سبيل المثال لا الحصر بناية الأوقاف الجعفرية الضخمة الحالية المقابلة للكنيسة في وسط المنامة ومساحتها (120 في 60) النصف الشرقي أوقفها الشيخ سلمان على مصروفات مقبرة الحورة، والنصف الغربي على فقراء الشيعة. وأوراق الطابو موجودة في الأوقاف حتى يومنا هذا.

وكم كانت موازنة الأوقاف الجعفرية في تلك الفترة؟

– أتذكر أن أول موازنة استخرجناها للأوقاف الجعفرية كانت 36 ألف روبية ونشرناها في الجريدة الرسمية، وكانت لدى الأوقاف ممتلكات غير عامرة. وكان المستشار بلغريف يحضر جميع جلسات الأوقاف ولدي جميع المستندات. وقام بتعيين أعضاء جدد وأقوياء منهم منصور العريض، حسن مديفع، الحاج إبراهيم الحواج، صالح الصالح، ياسين رمضان وأنا من جملة الأعضاء.

وكم كانت عدد الاجتماعات التي تعقدها الأوقاف سنوياً؟

– كان مجلس الأوقاف يعقد اجتماعات أسبوعية، والمستشار يحرص على حضور الجلسات، وإذا صادف موعد الاجتماع إجازة المستشار كان يرسل مكتوباً يعتذر فيها عن الحضور وأرجو ألا تبحثوا المواضيع التالية. ويطلب عدم مناقشة الموضوعات الحساسة إلا بحضوره.

وما هي تلك الموضوعات الحساسة؟

– كانت هناك أوقاف متنازع عليها، مثل وقف الإمام (متنازع عليه)، ووقف الخطيب (متنازع عليه)، ووقف الفقيه (مجتهد / محدث) الذي له تأليف. وهناك أوقاف كثيرة من هذا النوع وهي أوقاف ثمينة وليست قليلة.

أود الإشارة إلى أنني استفتيت الإمام السيدمحسن الحكيم (قدس سره) عن قبول المنصب فكتب لي: «لقد أذنت لكم في التصرف في الأوقاف بحسب ما تقتضيه المصلحة بحسب نظركم، وفي أخذ العشر (كانت دائرة الأوقاف تأخذ العشر والعشر الآخر يذهب للتصليحات) وصرفه في الجهات حسب المصلحة العامة التي ترونها أو غيرها والله ولي السداد، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وإذا اقتضى نظركم صرف العشر لبعض الجهات فلا بأس به».

وهذه الإجازة جددتها بعد وفاة السيدمحسن الحكيم عند السيد أبوالقاسم الخوئي وعدد من المراجع الدينية الأخرى.

بالعودة إلى عهد سمو الشيخ سلمان، طلب منكم في العام 1955 رئاسة الأوقاف الجعفرية، وأيضاً ماذا عن أراضي الأوقاف التي وثقها سجل السيدعدنان، لماذا لم يتم تسجيلها رسمياً؟

– بالنسبة لعدم تسجيل الأراضي، فإن السبب الرئيسي كان أن السيدعدنان ثبتها وكثيراً منها تطلب حضور المتبرع، وكان بعضهم متوفياً والآخر يحتاج إلى جلب وتثبيت أمام المحاكم وتوفي السيدعدنان بسرعة، وفي الحقيقة كان هناك تقاعس من الذين أتوا بعد السيدعدنان، وأعتقد لو أننا دخلنا الشيخ سلمان في تلك الفترة لسجلها، لأن علاقته بالشيعة كانت حميمية ومميزة، ومع الأسف أن الوقت مضى كما نرى حالياً.

لقد تسلمتم رئاسة الأوقاف في وضع سياسي مضطرب، (فترة الخلاف بين الحكومة وهيئة الاتحاد الوطني) فكيف أثر ذلك على العمل في الإدارة؟

– في الحقيقة أن مجالس الأوقاف في عهدي كانت 3-4 مجالس، وكانت أولويتي الرئيسية هي التركيز على شئون الأوقاف وتطويرها ورفع الإيرادات، وأنا فكرت في بناء جميع الأراضي والمحلات التجارية، وابتعدت عن النشاطات السياسية.

هل كان سمو الشيخ سلمان يهتم بالمساجد والحسينيات ويتبرع لهم، وهل الدولة لمست الأوقاف بصورة سلبية آنذاك؟

– في عهد الشيخ سلمان والمستشار الأمور كانت حسنة، والمستشار كان له دور في الأوقاف، وقال لي المستشار: هذه دائرتي وأعتز بها. هذا كلام بلغريف، وعندي مراسلات بلغريف وكان يحضر الجلسات ويراعي الأوقاف إلى آخر حد.

وأتذكر عندما دعاه الحاج إبراهيم من قرية كرزكان، وطلب أرض إلى مأتم، قام المستشار بالتحدث مع الشيخ سلمان وأمر الحاكم بأرض 1200 بعمق 700 على البحر، وهي أرض كبيرة.

الشيخ سلمان كان يرسل عليّ، ويقول لي «أريد أن تبني مآتم وتعطي أهل القرى ماجلة (مواد تموينية)، وتعطيهم أغناماً وكل ما يريدون، والقراء (الخطباء الحسينيين) أنا سأنزلهم شهرين محرم وصفر، اذهب ليوسف ارحمه (رئيس الديوان)، وخذ منه شيك 50 ألف روبية (كان ذلك نحو 1956). عندما ذهبت إلى الديوان وجدت أن الشيك كتب باسمي، ورجعت للشيخ سلمان، وقلت له إن الشيك باسمي وليس باسم الأوقاف، فقال الشيخ سلمان: «نحن نثق فيك، وزعها على مآتم القرى»، وكانت لديه نظرة خاصة، ونزولاً عند طلب الشيخ سلمان أخذت الشيك، وأدخلته حساب «تشارترد بنك» التابع للأوقاف الجعفرية، وقطعت رصيداً وبنفسي أوصلته لرئيس الديوان. ونفذت ما طلبه مني الشيخ سلمان، إذ صرفت الأوقاف المال لإعمار المساجد والمآتم ومصاريف الخطباء الحسينيين.

هل لك أن تحدثنا عن قصة مدرسة النعيم للبنات؟

– أراد المستشار أن يبني مدرسة للبنات في منطقة النعيم، ولكن وجهاء وأهالي المنطقة لم يوافقوا على هذا الطلب، ولكي يوقفوا المشروع وقالوا إن الأرض التي ستقام عليها المدرسة هي مسجد ولا يجوز البناء على أرض المسجد، فقام المستشار بأخذ جميع المراسلات الواردة من الجهة الرافضة، فأرسلها إلى رئيس المحكمة الجعفرية الشيخ عبدالحسين الحلي فسأل عن الأرض، فقيل له إن الأرض هي مصلى للعيدين فقط، وليست مسجداً. فكتب الشيخ عبدالحسين الحلي للمستشار بلغريف كتاباً هذا نصه: «أكتب لك هذا الكتاب وأنا واقفٌ على الموقع بصحبة السيدعلوي السيدإبراهيم والشيخ عبدالله الشيخ محمد صالح (آل طعان)، ولم يثبت لنا مسجديته (الموقع)، وإنما هو مصلى تُصلّى فيه صلاتي العيدين».

وقبل المستشار هذا الحكم، ولكنني وعلى سبيل الاحتياط، ولم أحب الخوض في مواجهة مع أهالي النعيم، أخذت الكتاب وسافرت إلى السيدمحسن الحكيم في النجف بنفسي، وأخبرته عن القصة وقلت له هذا كتاب الشيخ عبدالحسين الحلي، ولم تثبت له مسجدية الأرض، فكتب السيدمحسن الحكيم هذا الكتاب: «أجزتك أن تبني على ثلثي الأرض مسجداً، والثلث المطل على الشارع محلات تجارية وسكناً، وما زاد على الدخل يصرف على المساجد المحتاجة في المنطقة». وأود أن أشير إلى نقطة مهمة هنا، وهي مرونة الفتوى التي أباحت صرف ما زاد عن الدخل للأوقاف المحتاجة الأخرى وهي مرونة أراها مهمة لسد احتياجات الكثير من الأوقاف. وبالفعل بنيت المشروع وفق الفتوى، فاعترضوا فأخبرتهم أنني بنيت وفقاً لفتوى السيدمحسن الحكيم.

لمحات من تاريخ إدارة الأوقاف الجعفرية في البحرين

تأسست إدارة الأوقاف الجعفرية في عهد المرحوم الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة العام 1347 هـ الموافق للعام 1928م برئاسة العالم الجليل السيدعدنان السيدمحمدصالح، وكانت في إحدى حُجَر المدرسة الجعفرية بالمنامة، وقد قام رحمه الله بتسجيل جميع الأوقاف في المنامة والقُرى في خمس سجلات تُعرف بسجلات السيدعدنان، وهي تحتوي على كل تفاصيل الأوقاف والواقفين والجهات الموقوف إليها والحدود من الجهات الأربع، وقد توفي رحِمه الله بعد فترة من تولّيه رئاسة الأوقاف وخلفهُ المرحوم السيدأحمد السيدعلوي، وهو من كبار العائلات في البحرين وهو من تجّار اللؤلؤ.

وكانت أعمال الدائرة تسير حسب النُظم آنذاك إذ كان مستشار حكومة البحرين ( شارلزبلغريف) يولي الإدارة عناية خاصة، وكان يتابع أعمالها أولاً بأول، فكان يحضر جلساتها ويُبدي آراءه وإذا كان هناك موضوع يستحق الدراسة يقوم هو بإبداء ملاحظاته، وبعد وفاة المرحوم السيدأحمد العلوي، عيّن المرحوم محسن بن أحمد التاجر وهو أيضاً من الشخصيات البارزة في البحرين وأحد تجارها المرموقين، وأخذت الإدارة في عهده تتحسن وتنتظم بعدد موظفيها ونشاطها، حيث يتولّى شئون الإدارة بالإضافة إلى موظفيها مجلس مكوّن من ثمانية أعضاء إلى 12 عضواً وتكون عضويتهم آنذاك بالانتخاب، فمثلاً ينتخب أعضاء المنامة من المنامة وأعضاء من القرى بموجب إعلان صادر من مستشار حكومة البحرين، أما تشكيل المجلس فهو بالتعيين ويُراعى في ذلك محققين عن المنامة والقرى، ويضم أعضاءً إيرانيين وإحسائيين.

في العام 1955م استقال المرحوم محسن بن أحمد التاجر، فتم اختياري لرئاسة الإدارة بقرار حكومي بموجب كتاب من المستشار في عهد المرحوم الشيخ سلمان بن أحمد آل خليفة، وقد قبلت هذا التكليف من الحكومة الموقرة.

وأول عمل قمت به اختيار ثماني شخصيات من البحرين يمثلون المنامة والقرى ليكونوا أعضاء مجلس الإدارة، فصدر أمر الحكومة بهذا التعيين وعقدت أول جلسة لمجلس الأوقاف في العام نفسه 1955م، وقام بتشكيل لجان من أعضاء المجلس لمساعدته وهذه اللجان هي:

اللجنة المالية: واختصاصها المحاسبة وإعداد الموازنة وغيرها من الأمور المحاسبية.

لجنة الكشف: واختصاصها الكشف على الأوقاف من عقار وأراضٍ ونخيل وترتيب تأجيرها أو تضمينها عن طريق المزايدة.

أما بالنسبة للإدارة الداخلية فقد قُسّمت إلى الإدارات التالية:

– قسم الحسابات، قسم الإيجارات، قسم الإنشاءات والصيانة، وكلها توضع في المناقصات السريّة ما عدا الإصلاحات البسيطة والمستعملة.

لقد قامت الإدارة خلال فترة 35 عاماً بتطوير جميع الأوقاف التي تمثل: أوقاف المساجد، أوقاف المآتم، أوقاف المقابر، أوقاف العبادة، أوقاف أولياء الله الصالحين.

بالنسبة للمآتم وأوقافها فقد قامت الإدارة في تلك الفترة ببناء مجمعات عديدة وبيوت تُعرف بالفلل، وجُدّد في هذه الفترة مأتم محمد العريّض، ومأتم مدن، ومأتم القصّاب، وغيرها من المآتم، وكذلك المقابر فقد بُنِي مسجد بمقبرة الحورة بالمنامة، وتسوير المقبرة، وبناء مغتسلات حديثة للرجال والنساء، وكذلك قاعة كبيرة للمشيّعين.

لقد بلغ دخل هذه الأوقاف خلال الفترة من مليون وسبعمائة ألف دينار سنوياً مقابل دخل الأوقاف في العام 1956م حيث أعدّت الإدارة أول موازنة لها بلغ الإيراد ستة وثلاثين ألف روبية، أي ثلاثة آلاف وستمئة دينار.

وأخيراً فإن حكومة البحرين في الثمانينات والتسعينات تساعد الإدارة بمبلغ أربعمئة ألف دينار سنوياً لنفقات الإدارة من موظفين وغيرها، كما أن الشئون الإسلامية بوزارة العدل تقوم بتخصيص رواتب لأئمة المساجد وخطباء الجمعة، والمؤذنين وملاحظي المساجد بمبالغ لا بأس بها، فالخطيب والإمام يتقاضى 200 إلى 250 ديناراً شهرياً، والمؤذن 100 إلى 120 ديناراً شهرياً.

لقد قامت الإدارة في تلك الفترة بإرسال عدد لا بأس به للدّراسة في النجف الأشرف الذي تخرج منهم الكثير وتجري للطلبة رواتب شهرية تعينهم على مصاريفهم المعيشية آنذاك.

صحيفة الوسط البحرينية – العدد 3454 – الثلثاء 21 فبراير 2012م الموافق 29 ربيع الاول 1433هـ