loc-14الوجيه صادق البحارنة يفتح نوافذ من ذاكرة الوطن (5) زيارة الأمير الراحل للنجف الأشرف تاريخية بكل المعاني

صورة تاريخية تجمع بين سمو الأمير الراحل الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة مع الإمام السيد محسن الحكيم في منزله بالكوفة في العام 1968م

الحديث مع رجالات البحرين الأوائل يكتسب أهمية استثنائية، كونه يلامس حقباً مهمة من ذاكرة الوطن ومخاضات الحراك السياسي والاجتماعي طوال قرن من الزمان.

ثمّة ملامح كثيرة يمكن استثارتها من ذاكرة ثرية لها مخزونها

التاريخي الذي تتكئ عليه، لتروي صورة البحرين على مدار القرن العشرين في أبعادها المختلفة وزواياها المتعددة.

هكذا هو الحديث مع شخصية مثل الوجيه صادق الحاج محمد البحارنة الذي عايش بواكير البحرين المعاصرة والتأسيس الإداري لنواة الدولة، مروراً بحقبة الاستقلال وما بعدها من أحداث وصولاً إلى مشارف الألفية الجديدة.

في هذه الحلقات يتحدث صادق البحارنة عن ذكريات محفورة في القلب والوجدان، إنها خلاصة حقب متراكمة. ويتشعّب الحديث من المنامة المدينة في سكونها ووداعتها، إلى تجارب المسئولية في العمل الرسمي والأهلي والخاص على حدٍّ سواء.

وثمة أهمية بالغة لرواية تجربة كانت لحقب ممتدة لصيقة بدوائر صناعة القرار، وكذلك ذات احتكاك مع البيئة الاجتماعية عبر منابر ومواقع عديدة في خطوط التماس مع أهل هذا الوطن من مختلف فئاتهم وانتماءاتهم الاجتماعية والسياسية والإيديولوجية.

كثيرة هي الأحداث، وكثيرة هي الذكريات… إنها نوافذ مفتوحة من ماضي هذا الوطن أثرت حتماً في رسم ملامح الحاضر واستشرافات المستقبل… هنا التذكر له رمزيته ودلالاته الاستثنائية على أكثر من صعيد.

في هذه الحلقة يتحدث صادق البحارنة عن تفاصيل الزيارة التاريخية التي قام بها سمو الأمير الراحل المغفور له الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة للعراق في العام 1968م…

وهنا نص الحوار:

لقد كانت زيارة سمو الأمير الراحل للعراق زيارة تاريخية من حيث الشخوص والتوقيت والدلالات… ما الذي تذكره اليوم من تلك الزيارة؟

– في الواقع كنت محظوظاً للغاية بالمشاركة في الزيارة التاريخية التي قام بها سمو الأمير الراحل المغفور له الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة للعراق في العام 1968، وقوبل سمو الأمير الراحل بترحاب كبير في العراق من جميع الجهات سواءً من قبل الدولة العراقية أو المراجع الدينية، وكذلك على المستوى الشعبي.

وكنت ضمن الوفد الرسمي الذي ضم رئيس الوزراء سمو الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة وسمو الشيخ محمد بن مبارك آل خليفة وأحمد العمران ومحمود العلوي وأنا وبعض الصحافيين مثل إبراهيم قرنل. ونزلنا في القصر الأبيض لعبدالإله في بغداد.

وفي المساء (قُبيل العشاء) أرسل عليَّ سمو الأمير الشيخ عيسى في القصر في بغداد، وأخبرني عن رغبته الملحة في زيارة الإمام السيدمحسن الحكيم، وقال لي: «إنني سألت رئيس الوزراء العراقي أن أطلب مقابلة مع السيدمحسن الحكيم. وجاء الرد بأن ترتيب هذا اللقاء سيستغرق مدة لا تقل عن ثلاثة أيام (وهو ما يتجاوز موعد الزيارة للعراق)».

وقلت: «أنا سأرتب الموضوع (الزيارة)، خصوصاً أن لديكم زيارة الأئمة الأطهار غداً صباحاً». ولا أخفيك أنه في بادئ الأمر شكك الأمير في سرعة ترتيب الزيارة ولكنني أقنعته أن الزيارة ستتم وفق ما يتمنى.

وبالفعل خرجت من القصر حاملاً بشتي دون مرافق وأخذت سيارة (تاكسي) وطلبت منه أن يوصلني إلى الكوفة، وينتظرني ومن ثم يرجعني إلى بغداد وطلب مني 25 ديناراً ولكنني دفعت له 50 ديناراً من أجل أن أضمن تحقيق المهمة التي خرجت من أجلها، وكانت المسافة ما بين بغداد والكوفة ساعتين ونصف الساعة.

وبالفعل قد وصلت إلى بيت الإمام السيدمحسن الحكيم في الكوفة مقابل شط الفرات، وكان في مجلس المنزل السيدمحمد باقر الصدر، والسيدمحمد باقر الحكيم، وآخرون، وبعد أن رحّبوا بي، سألتهم عن السيد الحكيم فقالوا لي: «نأسف بأن سماحة السيد ذهب للنوم»، ولكنني طلبت منهم أن يخبروه بوجودي وخصوصاً أني قطعت مسافة طويلة من أجل مقابلة سماحته، ومن حسن الحظ لما علم السيدمحسن الحكيم بوجودي خرج ورحّب بي. وسألني عن الوالد الذي كانت تربطه به علاقة تاريخية وثيقة. وقد كنت مع الوالد أثناء زيارته للعراق وأتذكر أنه حينما زار النجف أسكنه السيدمحسن الحكيم في بيت ابنه السيدمحمد باقر في النجف.

وبعد أن ضيّفني السيدمحسن الحكيم. قلت له: «يا سماحة الإمام، هل سمعتم عن زيارة سمو أمير البحرين للعراق؟» فقال: «نعم، سمعنا عنها»، فقلت له إن سمو الأمير يرغب في زيارتكم غداً. فوافق الإمام الحكيم على الزيارة ولكن طلب أن تكون الزيارة قبل الساعة الحادية عشرة صباحاً؛ لأنه سيذهب إلى النجف لصلاة الجماعة.

رجعت إلى بغداد وكان الوقت متأخراً، فانتظرت لليوم التالي، وفي الصباح الباكر (تحديداً في الساعة السادسة صباحاً) ذهبت لسمو الأمير الشيخ عيسى بن سلمان، وقلت: يا طويل العمر لقد رتبت الموعد مع السيدمحسن الحكيم، والبيت سهل وهو في آخر الكوفة مقابل الفرات، في الجسر المؤدي إلى طريق النجف، وعندما يلف السائق على اليمين سيكون هناك شخص من قبل مكتب السيد الحكيم ينتظر عند الشط.

وبصراحة لم يكن الشيخ عيسى واثقاً أن اللقاء الذي قال عنه رئيس الوزراء العراقي إنه يحتاج إلى ثلاثة أيام من أجل ترتيبه، يستطيع صادق البحارنة ترتيبه خلال عدة ساعات فقط!

وما سبب الزيارة أساساً؟

– بصراحة لم أكن أعلم في بداية الأمر ما كان في ضمير الأمير، ولكنه كان مصرّاً بشدة على الزيارة. ولكنني حملت رسالة من الوالد للسيد محسن الحكيم كان هذا فحواها: «يا سماحة الإمام قد يطلب منكم سمو الأمير الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة المساعدة بشأن تثبيت عروبة البحرين فأرجو من سماحتكم ألا تقصّروا». وقد أوصلت الرسالة، وكانت نتائج الزيارة أكثر مما توقع وفد البحرين، لأن الإمام الحكيم وقف وقفة تاريخية من أجل أن تصبح البحرين دولة عربية مستقلة.

وكيف كان برنامج الزيارة؟

– في الصباح الباكر قام الوفد برئاسة الأمير بزيارة الإمام الكاظم (ع) في منطقة الكاظمية في الثامنة صباحاً. وبعد ختام الزيارة سأل الأمير: «كم أهديتم للعاملين في الحضرة الكاظمية؟»، فقال السيد محمود العلوي: ثلاثة آلاف دينار. فقال سموه: «أعطوهم سبعة آلاف ليصبح المجموع 10 آلاف دينار». وذهبنا إلى مرقد الإمام أبي حنيفة ولاحقاً ذهبنا إلى مرقد عبدالقادر الكيلاني ومنحهم الأمير عطايا مشابهة.

وصلنا الكوفة ودخل سموه بيت السيد محسن الحكيم، وجلس الأمير ورئيس الوزراء وبقية أعضاء الوفد على الأرض في بيت السيد الحكيم. فلما دخل السيد قمنا جميعاً وسلمنا عليه، وقمت بتعريفه على سمو الأمير وبقية أعضاء الوفد. وتبادل السيد الأحاديث، وقدم الحكيم سيجارة ملفوفة إلى الشيخ عيسى.

وقال السيد الحكيم لسمو الأمير: «سمعت من أهل البحرين أنكم ترعون مساجدهم وحسينياتهم وتساعدونهم في حياتهم وتهتمون بحقوقهم وشئونهم كافة، فجزاك الله خيراً»، فرد عليه سمو الأمير: «نحن كحكام واجبنا أن نرعى رعايانا، وأنا لا أفرق بين شيعي وسنّي، وأعطي الجميع».

في ختام اللقاء، قدّم الأمير إلى الحكيم هدية وهي عبارة عن عشرين ألف دينار، إلا أن الحكيم لم يتسلمها، وطلب أن تصرف في عمل خير في البحرين. وعندما تحدثت مع سمو الأمير الشيخ عيسى أبلغته برغبة الحكيم. وأثناء الحديث اقترحت أن تصرف الأموال في إعادة بناء جامع رأس رمان، واستحسن الأمير الفكرة، واعتبرها ذكرى للزيارة.

بعد رجوعنا للبحرين ذهبت لمجلس سمو الأمير الراحل وقلت له إن جناب السيد (الحكيم) قبل إعمار الجامع في المنامة كذكرى للزيارة، ووافق على اختيار جامع رأس رمان الذي كان متهالكاً آنذاك، بعد ذلك، أعلنّا عن المشروع وبعد إنجاز الخرائط تبيّن لنا أن كلفة البناء ستصل إلى 54 ألف دينار.

كانت لدينا 20 ألفاً وذهبت إلى الأمير لأخبره بأن ما لدينا لا يكفي… فوجّه الحكومة بدفع 10 آلاف دينار، وتبرع الأمير بـ 10 آلاف دينار أخرى، وساهمت الأوقاف بالبقية، وبُني الجامع الذي استمر بناؤه لسنوات طويلة.

وبالعودة إلى الزيارة ذهبنا لجامع الكوفة. وبعد وصولنا النجف زرنا الحضرة الحيدرية، مرقد الإمام علي بن أبي طالب (ع)، وفي كل هذه الزيارات قدم الأمير هدايا لتلك الحضرات.

وعند وصولنا لمدينة كربلاء نزلنا في فندق، وألقى السيد محمد حسن الشخص قصيدة ترحيبية، بالإضافة إلى شخص بدوي عراقي آخر ألقى قصيدة نبطية في فندق كربلاء وكان فندقاً جديداً ولكنه بعيد عن الحرم… تغذينا وذهبنا إلى الإمام الحسين وزرنا الحضرة، وآخر زيارة للوفد كانت لحرم أبي الفضل العباس… ومن الطرائف أن الشيخ عيسى كان لابساً خنجراً، ومعه سيف فيه كراكي، فقلت له مازحاً: «طال عمرك أنت داخل على العباس هذا راسه حار يعلّق في السقف، وما يصير ندخل عليه بخنجر»، فابتسم سمو الأمير بينما كان ينزع الخنجر ويسلم الأغراض لخادمه فرحان.

وأذكر أن السيد مهدي والسيد محمد باقر والسيد هادي الحكيم ردّوا الزيارة لسمو الأمير بزيارته في القصر الأبيض.

ولاحقاً زارنا السيدمهدي الحكيم بالبحرين في العام 1970 تقريباً، وأخبرني أنه مطارد (من قبل النظام العراقي الذي استلم حكمه حزب البعث)، وكان مطلوباً. وعندما عرف سمو الأمير بالموضوع أمر للسيد مهدي بجواز بحريني، معتبراً أن ذلك جزءٌ من ردّ الجميل لعائلة الحكيم. بعد ذلك ذهب السيدمهدي الحكيم إلى دبي وعيّنوه رئيساً للأوقاف، ومن ثم ترك دبي وذهب إلى باكستان والهند، وبعد ذلك انتقل إلى لندن في ثمانينات القرن الماضي، وعندما قام بزيارة للسودان كانت السلطات العراقية مازالت تلاحقه واغتالته هناك في 1988.

وهل التقى سمو الأمير مع طلبة العلوم الدينية في النجف الأشرف؟

– نعم، التقى الأمير الشيخ عيسى بن سلمان مع مجموعة من طلبة العلوم الدينية البحرينيين في النجف الأشرف، وأذكر أن من بين من حضر هذا اللقاء الشيخ محمد سعيد المبارك الذي عُيّن قاضياً في المحكمة والسيد علوي الغريفي  والسيد جواد الوداعي والشيخ أحمد العصفور وعدداً آخر من طلبة العلوم الدينية.

وهل التقى الأمير مع السيد علي كمال الدين حيث كان منفيّاً إثر مشاركته في هيئة الاتحاد الوطني؟

– لقد أرسلنا الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة إلى النجف الأشرف أنا والسيد محمود العلوي وقال: «جيبوا معكم السيد علي كمال الدين». وبعد زيارة سمو الأمير عاد السيد علي كمال الدين إلى البحرين وسافر للنجف مرة أخرى، وقدّره سمو الأمير كثيراً، فالحقّ يُقال.

وبالمناسبة أن والدي قد توفي في العام 1968، أي السنة نفسها التي حدثت فيها الزيارة التاريخية للأمير. وجئت المحل وفتحت وصيّته، وكانت الوصيّة أن يُنقل إلى العراق ويُدفَن في إحدى حجرات النجف مع بذل المال ما أمكن.

كانت الوصيّة صعبة، وعلى الفور أرسلت العبارة بالبرقية إلى السيد محسن الحكيم الذي أجابني ببرقية أيضاً مفادها أن الحجرة مهيّأة فانقلوا الجنازة إلى النجف. وأخذت تابوتاً من عند «كري ماكنزي» وفيها أربع مقابض ذهبية اللون، وفي 12 رمضان (في اليوم التالي للوفاة) وصلنا إلى النجف، وحصل الوالد على توفيق، توفي في العاشرة مساءً وغسلناه في البيت وطلبت من قارئ للقرآن أن يتلو عليه القرآن إلى الفجر، وبالصدفة في ذلك اليوم كانت هناك طائرة إلى النجف تابعة للخطوط العراقية. ودفن كما أراد في وصيته.

وبعد الانتهاء من مراسم الدفن أصرّ علي أخوالي إقامة مجلس العزاء في النجف الأشرف. وبالفعل قام المشرف على جامع الطوسي بتحضير مستلزمات الفاتحة (مجلس العزاء) وكانوا يجمعون السجائر على هيئة جبل لتوزيعه على القادمين لتأدية مراسم العزاء. وهي عادة مشهورة لدى العراقيين. (انتهى(

صحيفة الوسط البحرينية -حيدر محمد- العدد 3456 – الخميس 23 فبراير 2012م الموافق 01 ربيع الثاني 1433هـ