untitled8بعد أربعين عاما قضاها مع الأختام الدلمونية… العريفي: الأختام تعبيرات أوجدها البحرينيون قبل 5 آلاف عام

منذ بدأ التنقيب عن الآثار في البحرين على يد منقبين من أمثال "بيبي" عثر في مناطق مختلفة على أختام دلمونية كانت عبارة عن كتلة من الصدف أو الحجر شذبت الى أن اتخذت الشكل المطلوب ومن ثم قام الإنسان البحريني قبل خمسة آلاف عام قبل الميلاد بالحفر عليها معبرا بذلك عن جملة من اعتقاداته وطقوسه الدينية وجوانب من حياته العامة. هذه الأختام التي وجدها المنقبون مع اكتشاف كل قبر في مستوطنات عالي، الشاخورة، الحجر، سار وباربار كان لها ما يميزها، إذ على رغم المساحة الصغيرة للبحرين فإنها تعتبر أكبر مقبرة في العالم. وربما يكون

الفنان راشد العريفي أفضل من يتحدث عن هذه الأختام فهو لم يتعامل معها تعامل الباحث أو المنقب فحسب وانما أضاف الى هاتين الصفتين صفة الفنان حين حاول اعادة هذا التراث الإنساني العريق واكتشاف جمالياته والمنافذ التي يمكن الولوج منها الى خلق آخر. ونحن في هذا اللقاء نتعرف على هذه الأختام وعلى جوانب مهمة منها.

بصفتك باحثا وفنانا تشكيليا عملت لفترة طويلة على الأختام الدلمونية، كيف تفهم أهمية الختم الدلموني؟

– الختم الدلموني ظاهرة من ظواهر التعبير الإنساني عن مأثورات وموجودات كانت قبل خمسة آلاف عام قبل الميلاد وهو تحرير للشيء بواسطة الرمز الذي يرمز فيه الى هويته على أنه راع أو صياد أو تاجر، إذ كان الختم الدلموني بمثابة التعريف لشخصية كل فرد لذلك نجده يعلقه على صدره ويضعه في قبره عند مماته كرمز له وتحقيق لذاته. والحقيقة أن في هذا الرمز قبل خمسة آلاف عام قبل الميلاد تعريفا ربما حمل شيئا من الاسقاط في الفترة المعاصرة. فهو يحمل قيمة وجانبا إنسانيا حضاريا حين يكون بمثابة الشعار الذي يفصح عن شخصية صاحبه وتكون له قيمته سواء عند الأسرة أو القبيلة أو الفرد. ففي العصر الحديث الذي نعيش فيه نجد ذلك التطاحن بين الشركات على الماركات العالمية وذلك الجري وراء الاعلان التلفزيوني. فتحقيق هوية الإنسان الدلموني شيء كبير وبين الإنسان الدلموني قبل خمسة آلاف عام قبل الميلاد واليوم فترة طويلة ودراسة هذه الفترة ستضيف جانبا مهما من حياة الإنسان الدلموني وتساهم في شعور الإنسان البحريني بأن له هوية وكيانا.

وكيف برأيك شكل الإنسان الدلموني هذه الأختام؟

– إن الاختام الدلمونية الدائرية والمستطيلة وغيرها من الأشكال، رغبات من قبل صاحب الختم في تكوين الشكل، فكلها أشكال ولكن السؤال كيف تستطيع أن توجد الوشم أو حركة الخط فيها، وهنا يبرز دور المنفذ الذي سيعبر بواسطة الخط، اذ إننا نجد اليوم ممن يمارسون الفن الحديث في كل الدول محاولة للتقرب من هذه الخطوط الموجودة في الأختام الدلمونية التي لو جردتها لوجدتها في صورة أبسط من البساطة، ولكنهم أي الفنانين لا يستطيعون ذلك لأن خطوطهم ليست نابعة بشكل طبيعي. ففي أعمال مثال انجليزي يدعى "هنري مور" محاولة في تبسيط التماثيل، ولكن عندما تقارن هذه التماثيل مع فنان آخر من حضارة سبأ تجد تفوق فنان سبأ بكثير.

وهل كانت هناك علاقة بين الطقوس الدينية وهذه الأختام؟

– إن الطقوس هي عناصر هذه الأختام وهي طقوس تخضع أحيانا الى قيم عبادية في معبد أو طقوس لحياة اجتماعية أو ممارسات إنسانية حياتية كأناس يحتسون الخمر مثلا أو أناس يمارسون عادة طبيعية إنسانية في البشر أو عادة مقدسة في علاقتهم المباشرة سواء كان في الجنس أو في عادات اجتماعية متاحة في الحياة وكلها تجد لها وسيلة في التعبير بالرسم على الختم. لذلك تجد أن الخط عند الدلمونيين وسيلة تعبير حداثية عندهم، لكنها وسيلة عميقة إنسانيا ولا يقوم بها الا من كان له من الشفافية حظ كبير لذلك تعتبر هذه الأختام أختاما حضارية. وأنا أعتقد أن تكثيف الثقافة لهذه الأختام بواسطة التعبير سواء بالرسم أو لوحات الباليه أو الموسيقى أو المسرح أو النصوص الشعرية أو النصوص الأدبية سواء في القصة أو الرواية لوجدت من رسائل التعبير الثقافية الراقية ولوجدت عددا كبيرا من هؤلاء البشر يأتي ليستفيد من هذه الثقافة ويتعرف على عمق هذه الحضارة فيكون هناك تفاعل إنساني مكمل للحياة الآن، وخصوصا إذا وجدت المؤسسة سواء منها الرسمية أو غير الرسمية التي تتبنى هذه الأمر من الجانب المعرفي والمادي.

وما خصوصية هذه الأختام؟

– لقد كانت الكثافة السكانية في البحرين متمركزة في المزارع أما البراري فكانت خالية، وعلى رغم اعتداء بعض القرويين على مباني أو معابد باربار حين بنو بأحجارها بيوتهم، فإن الكثير من المناطق والفضاءات الواسعة للمستوطنات كمستوطنات عالي، الشاخورة، الحجر، سار، باربار والقلعة بقيت آثارا يمكن الاستمرار في تنقيبها، وخصوصا مع ظهور قانون حماية الآثار الذي حد من هذا الاعتداء. وقد اكتشفت الأختام كنوع من التفرد مع كثافتها، إذ وجد أن في كل قبر ختم. والآثاريون ينقبون منذ أكثر من مئتي أو ثلاثمئة عام، وعندما تؤسس الدول لابد من وجود المتاحف وعندما يبحثون عن آثارهم يلتفتون الى آثار الآخرين. فعندما التفتوا الى الحضارات العربية وتحديدا حضارة سومر وآشور التفتوا الى حضارة دلمون كحضارة بها نوع من القدسية، اذ بها نوع من التفرد في الختم. فالختم موجود في حضارات كثيرة ولكن ما يميز الختم في البحرين هو وجود أكبر مقبرة. وهذا التوثيق كتبه الكثيرون، ولكن السؤال في كيفية تفعيل هذا التوثيق تفعيلا ثقافيا معاصرا. إن الفراعنة لديهم ثروة كبيرة من الثقافة الفرعونية، ولكن للأسف ومع كثرة الفنانين التشكيليين لم يلتفت الكثيرون الى الحضارة الفرعونية وهناك أيضا ثروة كبيرة من الثقافة السومرية، ولكن لا يوجد أحد تخصص في النقد التشكيلي في الثقافة السومرية في العراق.

بخصوص هذه الأختام والآثار بشكل عام، ما شروط تسجيل أي منها في اليونسكو؟ وما الذي ينقص آثارنا؟ وما الفوائد التي ستعود على البحرين من وراء هذا التسجيل في نظرك؟

– بعد العثور على الختم يفتح له ملف، وهذا الملف يقاس فيه الأثر ويكتب عنه في أية مادة ويشخص من جميع الجوانب في كادر خاص، وهذا الكادر الخاص لكل أثر يعثر عليه من موقع الأثر سواء كان قبرا أو مستوطنة تشخص كتابة ومن ثم توضع في ملفات خاصة في المتحف. ومن الأهمية بمكان أن يكون لليونسكو اطلاع على كل اثر يكشف عنه، فإن في تسجيل هذه الآثار كأثر عالمي فائدة اعلامية له في البحرين من الجانب السياحي والاقتصادي وهذا الجانب مهم للبحرين في أن توضع مقبرة عالي وكذلك المستوطنات كأثر إنساني عالمي يسجل في اليونسكو ليكون له أثر سياحي كبير يعود على البحرين من الجانب الاقتصادي بفوائد كثيرة واذا تم الاهتمام بهذه الأشياء وتم تشخيصها في اليونسكو وعملت خطة استراتيجية على المدى البعيد للآثار والمستوطنات بأن تدعم بوسائل حديثة كوسائل النشر والمطبوعات ووسائل الجذب السياحي بأن توجد مجمع اقتصاديا أو سياحي لهذا الأثر على اعتبار أنه أثر إنساني عالمي سجل في اليونسكو فسيكون له مردود اقتصادي وسياحي كبير

صحيفة الوسط البحرينية – العدد 889-الشاخورة – جعفر الديري