1الفصل الأول

قبيلة عبدالقيس

معلومات عامة عن قبيلة عبدالقيس – نسب عبد القيس – عبد القيس من قبائل ربيعة العدنانية، يرجع نسبها الى عبد القيس بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان (معجم قبائل العرب: كحالة:2 /726)

وقد تزعمت قبائل ربيعة كلها في بعض الأزمنة: فـ«أول بيت كان في ربيعة بن نزار كانت فيه الرئاسة والحكومة واللواء والمرباع يكون ذلك كابراً عن كابر ويتوارثونه ولا يتنازعون فيه ، ضبيعة بن ربيعة بن نزار ، ثم تحوَّلت الرئاسة والحكومة من ضبيعة بن ربيعة الى عنزة بن أسد بن ربيعة ، ثم تحولت الى عبد القيس بن أفصى بن دعمي بن جديلة ، ثم خرج ذلك عنهم الى النمر بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمي» (الإنباه على قبائل الرواة:ابن عبدالبر: 89)

وكان موطنها تهامة ثم البحرين ، ويطلق اسم البحرين آنذاك على الأجزاء الشرقية من شبه الجزيرة، المعروفة اليوم بالإحساء والقطيف والبحرين ، ثم اختصت جزيرة أوال (البحرين حالياً) بهذا الإسم. قال ياقوت الحموي في معجم البلدان:1 /364: « وهو اسم جامع لبلاد على ساحل بحر الهند بين البصرة وعمان… والبحرين هي: الخط والقطيف والآرة وهجر وبينونة والزارة وجواثا والسابور ودارين والغابة ».

وكان أهل هذه المنطقة قبلهم أياد وكندة ، وبعض بطون بكر بن وائل ، والأزد وبنو سعد من تميم ، ثم جاءت عبد القيس مع ظهور الإسلام أو قبله بقليل ، فنزلت بنو جذيمة بن عوف الخط وما جاورها ، ونزلت بنو شن بن أفصى طرفها وأدناها الى العراق ، ونزلت نكرة بن لكيز القطيف وما حولها الى الشفار والظهران الى الرمل ، ونزلت عامر بن الحارث والعمور وهم: الديل ومحارب وعجل ، أبناء عمرو بن وديعة الجوف والعيون والإحساء حذاء طرف الدهناء ، فسكنت بنو عبد القيس معظم قرى ومدن البحرين

وامتهنت الزراعة وخصوصاً زراعة النخيل ، ومع بدأ الفتوحات الإسلامية وإنشاء البصرة والكوفة هاجر كثير منهم . فقد بنيت البصرة على أربع خطط: خطة أهل العالية ، وكانت تضم قبائل متعددة ، ومنها: سليم ، وضبَّة ، ومزينة ، وباهلة ، وثقيف ، وخزاعة ، وهذيل ، وقشير ، ونهد ، ونمير ، وغني ، حيث كانت أعدادها كانت قليلة في البصرة .وخطة تميم:وتضم عدداً من البطون مثل: سعد، وصريم، ونهشل، ومجاشع ، ويربوع ، وقريع وغيرها. وخطة ربيعة وهي قسمان: إحداها لبكر بن وائل وضمت: بني عجل بن لجيم ، وقيس بن ثعلبة ، وتيم بن ثعلبة ، وسدوس ، ويشكر ، وذهل ، وحنيفة ، وعنزة …

والأخرى: كانت لعبد القيس وضمَّت بطوناً منهم: بني محارب بن عمرو ، وبني عصر بن عوف ، والعمور بني عامر بن الحارث ، بني الصباح بن لكيز ، وبطوناً أخرى.

والخطة الرابعة: كانت للأزد ، والقبائل اليمنية الأخرى.

أما الكوفة فقسمت سبعة أقسام ، عرفت بالأسباع، وهي:

1- همدان وحميَر سبعاً ، وعليهم سعيد بن قيس الهمداني.

2- مذحج والأشعريون ، وعليهم زياد بن النظر الحارثي.

3- قيس عيلان وعبد القيس ، وعليهم سعد بن مسعود الثقفي عم المختار بن أبي عبيد .

4- كندة وقضاعة ومهر ، وعليهم حجر بن عدي الكندي.

5- الأزد وبجيلة وخثعم والأنصار،وعليهم مخنف بن سليم.

6- قبائل بكر بن وائل وتغلب وسائر ربيعة غير عبد القيس سبعاً ، وعليهم وعلة بن مخدوج الذهلي .

7 – قريش وتميم وأسد وضبَّة والرباب ومزينة سبعا ، وعليهم معقل بن قيس الرياحي (الغارات: الثقفي : 1 : 52)

أشهر بطون قبيلة عبد القيس

1- بنو أذينة بن سلمة بن الحارث بن خالد بن عائذ بن سعد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن بهثة بن جديمة بن الديل بن شن بن أفصى بن عبد القيس ، وهو أحد أصحاب النبي (ص) وأصحاب أمير المؤمنين (ع) ، ومن ولده عمر بن اُذينة أحد أصحاب الإمام الكاظم (ع) .

2- بكر بن لكيز بن عبد القيس (معجم قبائل العرب: 1 : 93) ومنهم يموت بن المزرع بن يموت العبدي ، قال الخطيب البغدادي: أنه صاحب أخبار وملح وآداب ، وهو ابن أخت الجاحظ (تاريخ بغداد: 14 : 361).

3- جذيمة بن عوف بن أنمار بن عمرو بن وديعة بن لكيز بن أفصى بن عبد القيس ، ومنازلهم بالبيضاء بناحية الخط من البحرين (معجم قبائل العرب:1 :176) والنسبة إليه جذمي وهم بطن كبير له فروع .

4 – جيلان: حي من عبد القيس من العدنانية (المصدر السابق:1 :224).

5 – بنو حداد بن ظالم بن ذهل بن عجل بن عمرو بن وديعة بن لكيز بن أفصى بن عبد القيس (المصدر السابق:1 :248) والنسب إليهم حدادي. (الأنساب: السمعاني: 2 : 281)

6 – حصيص ، بطن من عبد قيس بن أفصى (تاج العروس: الزبيدي : 9 : 256)

7 – حطمة بن محارب (معجم قبائل العرب:1 :284) وإليهم تنسب الدروع الحطمية، وفي الحديث أن صداق فاطمة (عليها السلام) كان درعاً حطمية. (الكافي : 5 : 277 )

8 – الحواثر ، وهم بنو حوثرة بن ربيعة بن عمرو بن عوف بن أنمار بن وديعة بن لكيز. (معجم قبائل العرب: 1 : 316)

9 – الديْل ، بن عمرو بن وديعة بن لكيز: (الأنساب: 2 : 508)

وهناك بطن آخر يسمى بنو الديل ، وهم بن شن بن أفصى (معجم قبائل العرب: 1 : 400)

10 – بنو دهن بن عذرة بن منبه من عبد القيس (الأنساب: 2 : 518) قيل أن منهم عمار الدهني أحد أصحاب الصادق (ع).

11 – ربيعة بن قحطان، ذكروا في كتاب النبي (ص) لسفيان بن همام المحاربي. (مكاتيب الرسول: الميانجي : 3 : 206)

12 – بنو زبر بن عطارد ، من عبد القيس. (المصدر السابق:3 :133)

13 – زفر بن زفر، ذكر في كتاب النبي (ص) لسفيان بن همام.

14 – بنو سحتن بن عوف بن جديلة بن عوف بن بكر بن أنمار بن وديعة بن لكيز بن أفصى. (معجم قبائل العرب : 2 : 504)

15- سليمة، ومنهم ثعلبة بن عمرو أحد الشعراء الجاهليين. (الأعلام: 2 : 99)

16- بنو شن بن أفصى بن عبد القيس ولهم المثل: وافق شن طبقه ! يقال إنهم كانوا يكثرون الغارات على القبائل ولا يقوم لهم أحد ، فواقعتهم طبق وهم حيٌّ من أياد فانتصفت منهم ، وفي ذلك ضرب المثل (الصحاح: الجوهري: 4: 1511)

17 – الشحر، ذكروا في كتاب النبي (ص) الى سفيان بن همام .

18 – بنو شُقرة بن نكرة من عبد القيس. والنسبة إليه شقري (الأنساب: 3 : 444)

19 – بنو صباح بن لكيز بن أفصى بن عبد القيس (الأنساب:3 : 519) ومنهم أبو خيرة الصباحي أحد صحابة النبي (ص) .

20 – عامر بن جذيمة (معجم قبائل العرب : 2 : 706) سكنوا الجوف ولهم ماء صُلاصل (معجم البلدان:3 :419)

21 – بنو عامر بن الحارث ، ويسمون في البصرة بني النخل ، ومن منازلهم في البحرين: أوجار ، المريداء ، الجبيلة ، العبقسيين ، كنوت ، الفرضة ، نهى ، الدبيرة ، شفار… (معجم قبائل العرب: 2 : 706)

22 – بنو عصر بن عمرو بن عوف بن جذيمة (الأنساب: 4 : 201) ، ومنهم عمرو بن مرجوم العصري، والمنذر بن عائذ المعروف بالأشج كبير وفد عبد القيس الى النبي (ص) .

23 – العمور ، وهم: الديل وعجل ومحارب أبناء عمرو بن وديعة بن لكيز. (معجم البلدان: 3 : 419)

24 – بنوالعوق بن الديل . والعوقة موضع بالبصرة ، والنسب إليهم عوقي. (الأنساب: 4 : 259)

25- غنم بن وديعة (معجم قبائل العرب:3 :895) وهو أخو عمرو ودهن ابنا وديعة ، وهم بطن كبير ، منهم حكيم بن جبلة العبدي .

26 – فريع ، هم بنو ثعلبة بن معاوية بن ثعلبة بن جذيمة. (الأنساب: 4 : 379)

27 – قرَّة ، حي من عبد القيس. (معجم قبائل العرب: 3 : 944)

28 – بنو اللبوء بن عبد القيس سكنوا الموصل ، وأمهم هند بنت تميم بن مر ، وله إخوة لأمه أشهرهم أفصى. (المعارف : 93)

29- بنو محارب بن عمرو بن وديعة ، والنسبة إليه محاربي ، ومنازلهم البحرين والقطيف، ومنها: العرجة ، والرفيلة ، والكثيب وذو النار، والمرزى، ونبطاء، والمطلع (معجم قبائل العرب: 3 : 1043)

وأولاد محارب حطمة وظفر (المعارف: 93)

30 – بنو مرَّة بن الحارث بن عبد القيس. (الأنساب : 5/270)

31 – بنو نكرة بن لكيز بن أفصى ، ومن ولده المثقب العبدي الشاعر( عائذ بن محصن) والممزق العبدي الشاعر(شأس بن نهار) ومنهم حماد بن كيسان النكري يروي عن أبيه عن أمير المؤمنين (ع) ، وقد سكن هذا البطن البصرة (المصدر السابق:5 :523)

32 – بنو واثلة بن عمرو ، والنسب إليه واثلي (المصدر السابق:5 :556)

الفصل الثاني

اعتزاز العبوده بانتسابهم الى عبدالقيس وربيعه ومحافظتهم عليه

الحمد لله وصلى الله على محمد واله الطيبين الطاهرين … وبعد فعند البحث عن عبدالقيس وجدنا ان من أفضل المصادر التي تحدثت عنهم بنوع من الدقة والتفصيل بعيدا عن المجاملة والانحياز من جانب أو الاساءة

والتجريح من جانب اخر هو الكتاب الذي ألفه السيد عبد الهادي الربيعي وراجعه وأضاف إليه الشيخ علي الكوراني العاملي ضمن سلسلة مؤلفاته التي حملت عنوان القبائل العربية في العراق الجزء الثالث.

يتالف الكتاب من سبعة فصول ويبلغ عدد صفحاته 96 صفحة وسوف نقدمه لكم بالتناوب بأذن الله تعالى لكي يكون مرجعا لجميع أبناء عبد القيس ولنا نحن ابناء قبيلة العبوده في العراق بالذات، وقد يتسائل البعض عن سبب اصرارنا على تناول موضوع عبدالقيس بنوع من التفصيل ، والجواب هو وببساطة لاننا(اي العبوده) ننتمي لهذه القبيلة العريقة هذا اولا وثانيالان هذه القبيله تعرضت للعديد من المآسي على طول تاريخها الحافل بالامجاد، فمن قتل وترويع وتشريد الى أسا ءة وتشكيك وتهميش متعمد ومن ثم محاولة تفكيكها الى مسميات مختلفه ، ولكي تعلموا ماهو السر في ذلك كله ، فالجواب واضح و هو لان ابنائها كانوا ولازالوا حتى اليوم من اتباع أهل البيت ( عليهم السلام) ولم يغيروا ولائهم طرفة عين رغم مرور مئات السنين فهم هكذا كانوا ولازالوا وسيبقون الى ابد الدهر وهم يفخرون بقول رسول الله عنهم ((ان خير اهل المشرق هم عبدالقيس)).

حيث اتبعوا الرسول الاكرم(ص) ومن ثم كانوا السند لعلي وابنائه من بعده(عليهم السلام) ، ولااطيل عليكم فاننا ندرس تاريخ قبيلتنا بالتفصيل اعتزازا وفخرا بأجدادنا (وهذا حق لنا) الذين لم يساوموا يوما على مبادئهم ودينهم وعزهم وشرفهم ولا تأخروا او ترددوا في نصرة مذهب الحق والدفاع عنه والتاريخ حافل بمآثرهم البطولية سواء في معركة الجمل او صفين او النهروان او معركة الطف الخالدة ، وهم كلهم أصحاب تاريخ واحد سواء ممن سكن البحرين او الإحساء والقطيف من السعوديه او نحن سكنة العراق فنحن كنا وسنبقى جسدا واحدا وقلبا نابضا بالحب للاسلام ومبادئه العظيمه.

واخيرا فاننا نترك لكم الاطلاع والاستمتاع بهذا التاريخ العريق ، ومن الله التوفيق وهو نعم المولى ونعم النصير…… عبدا لرزاق العبودي

الفصل الثاني

حروب عبدالقيس

حربهم مع الفرس: لما مات ملك الفرس هرمز بن نرسي بن بهرام ، أوصى لإبنه سابور وكان صغيراً ، فطمعت في مملكته الترك والروم والعرب ، وكان العرب أقرب الناس الى الفرس فسار جمع من عبد القيس

وغيرهم من عرب البحرين وعبروا البحر الى بلاد فارس وسواحل أردشير وغلبوا أهلها على مواشيهم ومعايشهم ، ويبدو أنهم مكثوا في الجانب الشرقي من الخليج عدَّة سنين ، حتى كبر سابور بن هرمز الملقب بذي الأكتاف فاختار ألفاً من شجعان جيشه وقصد عبد القيس وغيرهم ممن كانوا في بلاد فارس ، فأوقع بهم وهم غارُّون فقتل منهم وأسر ، ثم عبر البحر الى الخط وهجر وبها ناس من تميم وعبد القيس وبكر بن وائل فقتل منهم ، وكانت وطئته على عبد القيس شديدة حتى سالت الدماء على الأرض وغوَّر آبارهم (الكامل في التاريخ: 1 : 391)

حربهم مع النمر بن قاسط: وسببها أن عبد القيس لم ترض بحكم بني النمر بن قاسط ، فعدت على عامر الضحيان وهو رئيس ربيعة يوم ذاك فقتلته ، ثم اصطلحوا على الدية ألف بعير وقبضت النمر بن قاسط منها خمس مئة ، وتأخرت عبد القيس عن سداد الباقي ، فقتلت منهم النمر بن قاسط أربعة أسرى كانوا عندهم، فثارت عبد القيس وكانت بينهم حرب كثر فيها الفناء ، وكانت أول وقعة بين قبائل ربيعة (الإنباه على قبائل الرواة: 90)

حربهم مع بني تميم: في يوم عينين ، وهي قرية بالبحرين كثيرة النخل ، كانت فيها وقعة بين عبد القيس وبني منقر من تميم ، عندما تعرضت عبد القيس لبضائع بني منقر ، فاستعانت منقر ببني مجاشع، فجرت بين الطرفين معركة عرفت بيوم عينين (معجم قبائل العرب: 3: 1147)

الفصل الثالث

دخول عبدالقيس في الاسلام

كانت عبد القيس من القبائل السبَّاقة الى الدخول في الإسلام والإستجابة للنبي (ص) ، وروي أن سبب إسلامهم أن رجلاً منهم يدعى منقذ بن حبان أحد بني غنم بن وديعة ، كان يتاجر الى يثرب فدخلها ومعه تمر

وملاحف ومرَّ به النبي (ص) فلما رآه قال: أمنقذ بن حبان ، كيف جميع هيأتك وقومك ؟ ثم سأله عن أشرافهم ، فأسلم منقذ وتعلم سورة الفاتحة وإقرأ ، ثم سافر الى هجر ، فكتب معه النبي (ص) كتاباً الى بني عبد القيس، فكتمه منقذ أياماً ثم أطلع إمرأته على الكتاب ، وكانت إمرأته بنت المنذر بن عائذ الأشج العصري ، فأنكرت عليه ذلك وأخبرت أباها بحاله! فالتقاه عمه الأشج فذكر له منقذ إسلامه وقرأ عليه شيئاً من القرآن ، فوقع ذلك في قلب الأشج العصري فسار بكتاب رسول الله (ص) الى قومه عصر ومحارب فوقع الإسلام في قلوبهم ، فأجمعوا على المسير الى رسول الله (سبل الهدى والرشاد:الصالحي الشامي : 6 : 372)

وروى أن رسول الله (ص) بعث العلاء بن الحضرمي الى المنذر بن ساوى أخي عبد القيس، وكان والياً على البحرين من قبل ملك الفرس ، فأسلم المنذر وأسلم جميع العرب بالبحرين (الكامل في التاريخ: 2 : 318)

وفد عبد القيس من هَجَر

في الخصال/416 ، عن الإمام الصادق (ع) قال: «قال أمير المؤمنين (ع) بينما نحن عند رسول الله (ص) إذ ورد عليه وفد عبد القيس فسلموا ، ثم وضعوا بين يديه جلَّة تمر ، فقال رسول الله (ص) : أصدقةٌ أم هدية؟ قالوا: بل هديةٌ يا رسول الله ، قال: أي تمراتكم هذه ؟ قالوا: البَرْني. فقال: إن هذا جبرئيل يخبرني أن فيه تسع خصال: يطيب النكهة ، ويطيب المعدة ، ويهضم الطعام ، ويزيد في السمع والبصر ويقوي الظهر ، ويخبل الشيطان ، ويقرب من الله عز وجل ويباعد من الشيطان ».

وفي الخرائج: 1/107: « قال: إئتوني بتمر أرضكم مما معكم . فأتاه كل واحد منهم بنوع منه فقال النبي (ص) : هذا يسمى كذا وهذا يسمى كذا. قالوا: أنت أعلم بتمر أرضنا منا ! فوصف لهم أرضهم فقالوا: دخلتها ؟ قال: لا ولكن فسح لي فنظرت إليها ! فقام رجل منهم فقال: يا رسول الله هذا خالي وبه خبل فأخذ بردائه وقال: أخرج يا عدو الله ثلاثاً ثم أرسله فبرئ . فأتوه بشاة هرمة فأخذ إحدى أذنيها بين إصبعيه فصار لها ميسماً ، ثم قال: خذوها فإن هذا ميسم في آذان ما تلد إلى يوم القيامة ، فهي تتوالد كذلك »!

وفي الصحيح من السيرة: 27/309 ، ملخصاً: « قدم وفد عبد قيس وهي قبيلة تسكن البحرين وماوالاها من أطراف العراق سنة تسع ، ورووا أنه بينما رسول الله (ص) يحدث أصحابه إذ قال لهم: سيطلع عليكم من هاهنا ركب هم خير أهل المشرق .

وفي حديث البيهقي: فجعلنا نتبادر من رواحلنا فنقبِّل يد رسول الله ورجله ، وانتظر المنذر الأشج حتى أتيَ عيبته فلبس ثوبيه فأخرج ثوبين أبيضين من ثيابه فلبسهما ثم جاء يمشي حتى أخذ بيد رسول الله (ص) فقبَّلها وكان رجلاً دميماً ، فلما نظر إلى دمامته ، قال: إنه لا يُسْتَقَى في مُسُوك الرجال ، إنما يُحتاج من الرجل إلى أصغريه لسانه وقلبه . قال له رسول الله (ص) : إن فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله: الحلم والأناة . قال: يا رسول الله أنا أتخلق بهما أم الله جبلني عليهما ؟ قال: بل الله تعالى جبلك عليهما. قال: الحمد لله الذي جبلني على خَلَّتين يحبهما الله تعالى ورسوله .

وقال لهم النبي (ص) : يا معشر عبد القيس ما لي أرى وجوهكم قد تغيرت ؟ قالوا: يا نبي الله نحن بأرض وخمة ، وكنا نتخذ من هذه الأنبذة ما يقطع اللحمان في بطوننا ، فلما نهيتنا عن الظروف ، فذلك الذي ترى في وجوهنا !

فقال (ص) : إن الظروف لاتُحلّ ولاتُحرم ، ولكن كل مسكر حرام ، وليس أن تجلسوا فتشربوا حتى إذا ثملت العروق تفاخرتم ، فوثب الرجل على ابن عمه بالسيف فتركه أعرج ! قال: وهو يومئذ في القوم الأعرج الذي أصابه ذلك !

وعن أنس: أن وفد عبد القيس من أهل هجر قدموا على رسول الله (ص) ، فبينما هم عنده إذ أقبل عليهم فقال: لكم تمرة تدعونها كذا وتمرة تدعونها كذا ، حتى عدَّ ألوان تمرهم أجمع. فقال له رجل من القوم: بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، لو كنت ولدت في هجر ما كنت بأعلم منك الساعة ، أشهد أنك رسول الله ! فقال (ص) : إن أرضكم رفعت لي منذ قعدتم إليَّ فنظرت من أدناها إلى أقصاها ، فخير تمركم البرني الذي يذهبُ بالداء ولا داء معه !

وعن ابن عباس قال: إن أول جُمعة جُمعت بعد جُمعة في مسجد رسول الله (ص) في مسجد عبد القيس بجواثى من البحرين. وعن نوح بن مخلد: أنه أتى رسول الله (ص) وهو بمكة فسأله ممن أنت؟ فقال: أنا من بني ضبيعة بن ربيعة. فقال رسول الله (ص) : خير ربيعة عبد القيس ، ثم الحي الذي أنت منهم. (صحيح البخاري: 1 : 215)

وكانت لهم وفادتان الى النبي (ص) إحداهما سنة ست أو خمس والثانية سنة تسع أو بعدها ، وكان عدد الوفد أربعين رجلاً. كتب النبي (ص) إلى العلاء بن الحضرمي في البحرين أن يقدم عليه عشرون رجلاً منهم ، فقدموا عليه ورأسهم عبد الله بن عوف الأشج ، فشكى الوفد العلاء بن الحضرمي فعزله النبي (ص) وولى أبان بن سعيد ، وأوصاه بعبد القيس خيراً.

ونصرت عبد القيس أمير المؤمنين (ع) في حروبه ، لاسيما أبناء صوحان:صعصعة ، وزيد ، وسيحان ، وعمرو.. واشتهروا بالفصاحة والخطابة والشعر . وقيل كان لصحار بن العباس العبدي كتاب: الأمثال ».

وروي عن الإمام علي بن موسى الرضا (ع) عن أبيه عن جده عن آبائه (عليهم السلام) : « أن رسول الله (ص) كان يحب أربع قبائل: كان يحب الأنصار ، وعبد القيس ، وأسلم ، وبني تميم » (الخصال:الصدوق : 288)

رسائل النبي (ص) إليهم

بعث النبي (ص) برسالتين لبني عبد القيس ، نص الأولى: «بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا كتاب من محمد رسول الله لعبد القيس وحاشيتها من البحرين وما حولها ، إنكم أتيتموني مسلمين مؤمنين بالله ورسوله ، وعاهدتم على دينه ، فقبلت على أن تطيعوا الله ورسوله فيما أحببتم وكرهتم ، وتقيموا الصلاة وتؤتوا الزكاة ، وتحجوا البيت ، وتصوموا رمضان ، وكونوا قائمين لله بالقسط ولو على أنفسكم ، وعلى أن تؤخذ من حواشي أموال أغنيائكم ، فترد على فقرائكم ، فريضة من الله ورسوله في أموال المسلمين». (مكاتيب الرسول: 3 : 204)

والرسالة الثانية الى سفيان بن همام المحاربي ، ونصها: «بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا كتاب من رسول الله لسفيان بن همام على بني ربيعة بن قحطان ، وبني زفر بن زفر ، وبني الشحر لمن أسلم منهم ، وأعطى الزكاة ، وأطاع الله ورسوله ، واجتنب المشركين ، وأعطى من المغنم خمس الله وصفيه ، وسهم النبي وصفيه » (المصدر السابق:3 :206)

من خصائص عبد القيس

كان بنو عبد القيس أشعر القبائل وأخطبهم (الغارات:2 :785) فقد برز منهم شعراء مشهورون: كطرفة بن العبد أحد أصحاب المعلقات ، والمثقب العبدي عائذ بن محصن ، والممزق العبدي شأس بن نهار والصلتان العبدي الذي حكم بين جرير والفرزدق ، ويزيد بن حذاق العبدي ، والمفضل بن عامر ، وعمرو بن درّأك ، والأعور الشني بشر بن المنقذ ، وسفيان بن مصعب أبو محمد العبدي ، وأبي البحر الخطي، وعلي بن المقرب ، وسعيد بن هاشم بن وعلة ، وعبد الصمد بن المعدل بن غيلان ، وحرب بن الحكم بن الجارود ، ومهلهل بن يموت بن المرزع الذي يرجع نسبه الى حكيم بن جبلة ، وكان شاعراً مليح الشعر (تاريخ دمشق:61 : 306) وغيرهم العديد . كما كان فيهم خطباء مشهورون: كزيد بن صوحان وأخوه صعصعة ، وهرم بن حيان ، ومصقلة بن رقبة ، وبه يضرب المثل فيقال: أخطب من مصقلة .

وقال شرح النهج: ولعبد القيس ست خصال فاقت بها العرب! منها: أسْوَدُ العرب بيتاً ، وأشرفهم رهطاً الجارود هو وولده . ومنها: أشجع العرب حكيم بن جبلة قطعت رجله يوم الجمل، فأخذها بيده وزحف على قاتله فضربه بها حتى قتله ، وهو يقول:

يا نفس لا تراعي إن قطعت كراعي إن معي ذراعي

فلا يعرف أحد في العرب صنع صنيعه !

ومنها: أعبد العرب ، هرم بن حيان صاحب اُويس القرني. ومنها: أجود العرب عبدالله بن سوار بن همام ، غزا السند في أربعة آلاف ففتحها ، وأطعم الجيش كله ذاهباً وقافلاً ، وبلغه أن رجلاً من الجيش مرض فاشتهى خبيصاً ، فأمر باتخاذ الخبيص لأربعة آلاف إنسان فأطعمهم حتى فضل ، وتقدم إليهم ألا يوقد أحد منهم ناراً لطعام في عسكره مع ناره . ومنها: أخطب العرب مصقلة بن رقبة ، وبه يضرب المثل فيقال: أخطب من مصقلة . ومنها: أهدى العرب في الجاهلية ، وأبعدهم مغاراً وأثراً في الأرض في عدوه ، وهو دعيميص الرمل ، كان يعرف بالنجوم هداية ، وكان أهدى من القطا ، يدفن بيض النعام في الرمل مملوءً ماءً ثم يعود فيستخرجه! (شرح نهج البلاغة: 18 : 57)

وكان بنو عبد القيس موضع ثقة أهل البيت (عليهم السلام) ، ومن ذلك: أن الإمام أمير المؤمنين (ع) لما أراد إعادة عائشة الى المدينة ، قال لعبد القيس: يا معشر عبد القيس ، إندبوا لي الحرة الخيرة من نسائكم ، فأتوه بعشرين إمرأة وقيل أربعين ، فأمرهن بلبس العمائم وقلدهن السيوف وبعثهن مع عائشة. (الكافئة: المفيد : 13

وروى فيه أيضا /29: « عن حبة العرني أن أمير المؤمنين (ع) بعث إلى عائشة محمداً أخاها وعمار بن ياسر: أن ارتحلي والحقي بيتك الذي تركك فيه رسول الله (ص) ، فقالت: لا أفعل ! وأخبراه بقولها فغضب ثم ردهما إليها وبعث معهما الأشتر فقال: والله لتخرجن أو لتحملن احتمالاً . ثم قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: يا معشر عبد القيس، أندبوا إلى الحرة الخيرة من نسائكم ، فإن هذه المرأة قد أبت أن تخرج ، لتحملوها احتمالاً! فلما علمت بذلك قالت لهم: قولوا فليجهزني. فأتوا أمير المؤمنين (ع) فذكروا له ذلك ، فجهزها وبعث معها بالنساء . وقال الأحنف بن قيس: فقالت: لا أفعل! فقال لها ، لئن لم تفعلي لأرسلن إليك نسوة من بكر بن وائل بشفار حداد يأخذنك بها ! قال: فخرجت حينئذ . وفي رواية أن أمير المؤمنين (ع) دخل على عائشة لما أبت الخروج فقال لها: يا شعيرا إرتحلي وإلا تكلمت بما تعلمينه . فقالت : نعم أرتحل ».

وعندما جاء الإمام الصادق (ع) الى الكوفة في عهد المنصور نزل في حي بني عبد القيس (الروضة البهية: الشهيد الثاني : 1 : 33)

. وروى أحمد في فضائل الصحابة 2 /830 عنه (ص) :« إن خير أهل المشرق عبد القيس» وروي عن أمير المؤمنين (ع) حين دخل البصرة: « عبد القيس خير ربيعة ، وفي كل خير».

وعن الإمام الحسين (ع) في حديث: « والذي جعل أحمس خير بجيلة ، وعبد القيس خير ربيعة ، وهمدان خير اليمن، إنكم خير الفرق» (بحار الأنوار: 65 : 88)

الفصل الرابع

بنو عبدالقيس كلهم شيعه

عرفت عبد القيس بتشيُّعها من قديم ، قال ابن قتيبة في المعارف في ترجمته صحار العبدي:« وكان عثمانياً وكانت عبد القيس تتشيَّع فخالفها» (المعارف: 339) ومثله الثقفي في الغارات2 /785 .

وعندما خرج طلحة والزبير بعائشة لحرب الجمل ، كتب طلحة والزبير الى المنذر بن الجارود العبدي: « أما بعد فقد كان أبوك رئيساً في الجاهلية وسيداً في الإسلام ، وإنك من أبيك بمنزلة اللاحق من السابق ، يقال كاد أو لحق ، وقد قتل عثمان من أنت خير منه، وقد غضب له من هو خير منك، والسلام».

فكتب المنذر العبدي إليهم: « أما بعد فإنه لم يلحقني بأهل الخير إلا أن أكون خيراً من أهل الشر ، وإنما أوجب حق عثمان اليوم حقه بالأمس ، وقد كان بينكم فخذلتموه ! فمتى بدا لكم هذا الرأي ، واستنبطتم هذا العلم »! (موسوعة التاريخ الإسلامي لليوسفي: 4 : 505)

وكتبت عائشة الى زيد بن صوحان أحد سادات عبد القيس في الكوفة: «من عائشة أم المؤمنين ، حبيبة رسول الله الى إبنها الخالص زيد بن صوحان ، أما بعد: إذا أتاك كتابي هذا فاقدم فانصرنا ، فإن لم تفعل فخذِّل الناس عن عليِّ ». (الكامل في التاريخ: 2 : 32)

فأجابها: «بسم الله الرحمن الرحيم ، من صعصعة بن صوحان صاحب رسول الله (ص) الى أم المؤمنين عائشة: أما بعد ، فقد أتاني كتابك أيتها الأم ، تأمريني فيه بما أمرك الله تعالى به من لزوم البيت وترك الجهاد ، لقوله تعالى: يَا نِسَاءَ النَّبِىِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفًا . وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ . وتفعلين أنت بما أمرني به الله من الجهاد، وهذا عجيب! لأني لو قيل لي: من أعقل الناس لما عدوتك ، فاتقي الله أيتها الأم ، وارجعي الى بيتك الذي أمرك رسول الله (ص) بلزومه ، فإني في إثر كتابي هذا خارج الى علي للبيعة التي في عنقي ، والسلام على من اتبع الهدى ». (العقد النضيد: محمد حسن القمي: 136)

وكتبت عائشة وطلحة والزبير الى عثمان بن حنيف والي البصرة دعوه فيها الى الدخول في طاعتهم ، فاستشار الأحنف بن قيس التميمي السعدي ، وحكيم بن جبلة العبدي ، فأشارا عليه أن يخرج إليهم قبل أن يدخلوا البصرة ويفسدوا أهلها ، لكن عثمان تمهل في ذلك منتظر أمراً من الإمام أمير المؤمنين ، فقال له حكيم بن جبلة العبدي: « فأذن لي أنا أن أسير بالناس إليهم ، فإن دخلوا في طاعة أمير المؤمنين ، وإلا نابذناهم في القتال . فقال عثمان: لو كان رأيي ذلك لسرت إليهم بنفسي. فقال حكيم: أما والله إن دخلوا عليك هذا المصر ، لينقلبن قلوب كثير من الناس إليهم ، وليزيلنَّك عن مجلسك هذا » (موسوعة التاريخ الإسلامي: 4 : 522)

ثم جمع عثمان بن حنيف الناس وخطبهم بخطبة ذكَّر فيها بحق أمير المؤمنين (ع) بالخلافة دون غيره ، وأخبر الناس بنكث طلحة والزبير بيعتهما له ، ثم طلب من الناس المشورة ، فقام حكيم بن جبلة العبدي فقال له: « إن دخلا علينا قاتلناهما وإن وقفا تلقيناهما، والله لا أبالي أن أقاتلهما وحدي ، وإن كنت أحب الحياة ، ولكن ما أخشى في طريق الحق وحشة ولا غيرة ولا غشَّاً ، ولا سوء منقلب الى البعث ، وإنها لدعوة قتيلها شهيد وحيُّها فائز والتعجيل الى الله خير من التأخير في الدنيا ! ثم خاطب عثمان: وهذه ربيعة معك ، ثم التفت الى قومه فقال لهم: يا معشر عبد القيس ، إن عثمان بن حنيف دمه مضمون ، وأمانته مؤداة ، وأيم الله لو لم يكن أميراً علينا لمنعناه لمكانته من رسول الله فكيف وله الولاية والجوار ، فاشخصوا بأبصاركم وجاهدوا عدوكم ، فإما أن تموتوا كراماً أو تعيشوا أحراراً » (المصدر السابق:4 :535)

وقصد أصحاب الجمل بجمعهم دار الإمارة بالمربد ، فمنعهم أصحاب عثمان بن حنيف وعلى رأسهم حكيم بن جبلة وقومه من عبد القيس وتضاربوا معهم بالسيوف حتى أخرجوهم الى السبخة ، فبات القوم هناك. (المصدر السابق:4 :538)

ولما كان الصبح عبأ أصحاب الجمل أتباعهم للحرب ، وخرج عثمان بن حنيف بمن معه من أهل البصرة ، فاقتتلوا يومئذ قتالاً شديداً ، فأصيب خمس مئة من شيوخ عبد القيس ممن كانوا معه سوى من أصيب من سائر الناس ، وفشى القتل والجراحات في أصحاب الجمل أيضاً ، فتوقفوا عن الحرب ، ثم اتفقوا على عقد الصلح فيما بينهم ، وقد نصَّت وثيقة الصلح على أن لايتعرض أصحاب الجمل لأحد من الناس ، على أن يدخلوا البصرة ويخالطوا أهلها الى أن يأتي أمير المؤمنين (ع) .

لكنهم ما لبثوا أن نكثوا ، فدخل طلحة والزبير على عثمان بن حنيف عند صلاة الفجر في المسجد ، وأخذوه وضربوه ضرباً مبرحاً ونتفوا شعر رأسه ولحيته ، وأخذوه ومن معه من خزان بيت المال(1) وكانوا سبعين رجلاً الى عائشة فأمرت بضرب أعناقهم إلا عثمان خافت قومه في المدينة ، فأطلقوا سراحه (المصدر السابق:4 :542)

معركة الجمل الأصغر

ولما بلغ حكيم بن جبلة العبدي ما صنع القوم بعثمان بن حنيف ،وقتلهم للشرط وحراس بيت المال (السبابجة) ، نادى في قومه عبد القيس: يا قوم إنفروا الى هؤلاء الضالين الظالمين ، الذين سفكوا الدم الحرام وقتلوا العباد الصالحين ، واستحلوا ما حرَّم الله ! فأجابه سبع مئة منهم فأتوا المسجد ، فقال لهم حكيم: أما ترون ما صنع بأخي عثمان بن حنيف ، لست بأخيه إن لم أنصره ! ثم رفع يديه الى السماء ودعا: اللهم إن طلحة والزبير لم يريدا بما عملا القربة منك ، وما أرادا إلا الدنيا ، اللهم فاقتلهما بمن قتلا ، ولا تعطهما ما أمِّلا !

ثم أخذ رمحه وركب فرسه وتبعه أصحابه ، وقيل أنهم كانوا ثلاث مئة وخرج إليهم وخرج القوم أيضاً فحملوا عائشة على جمل فسمي يوم الجمل الأصغر، وتجالد الفريقان بالسيوف فشد رجل من الأزد من عسكر عائشة على حكيم فضرب رجله فقطعها ، ووقع الأزدي عن فرسه فرماه حكيم بساقه المقطوعة فصرعه ، ثم حبا إليه فقتله خنقاً ، ثم قضى حكيم نحبه ، وقتل معه إخوة ثلاثة له ، وقتل جميع من كان معه وأغلبهم من عبد القيس وقليل منهم من بكر بن وائل (شرح نهج البلاغة: 13 : 148) .

وبعد مقتل حكيم بن جبلة العبدي وأصحابه رضي الله عنهم سقطت البصرة بيد أصحاب الجمل، وخطب طلحة قائلاً:

أيها الناس إن رسول الله (ص) توفي وهو عنا راضٍ ٍ، وكنا مع أبي بكر حتى مات وهو عنا راض ، ثم كان عمر بن الخطاب فسمعناه وأطعناه حتى قبض وهو عنا راض ، فأمرنا بالتشاور في أمر الخلافة من بعده ، واختار ستة نفر رضيهم للأمر ، فاستقام أمرنا على رجل من الستة وليناه واجتمع أمرنا عليه وهو عثمان ، وكان أهلاً لذلك فبايعناه وسمعناه واطعناه ، وأحدث أحداثاً لم تكن على عهد أبي بكر وعمر، فكرهها الناس منه ولم يكن لنا بدٌّ مما صنعناه ، ثم أخذ هذا الرجل الأمر من دوننا ومن غير مشورتنا وتغلب عليه يعني عليا (ع) ، ونحن وهو فيه شرع سواء فاُتي بنا إليه واللج (2) على أعناقنا فبايعناه كرهاً .

___________________________

1 ـ السبابجة ، قوم هنود كانوا يسكنون البحرين والبصرة ، فلما جاء الإسلام صاروا مسلمين وعرفوا بالورع والتقوى فجعلهم عثمان بن حنيف خزاناً لبيت المال.

2 ـ وهو سيف الأشتر النخعي ، فهو يزعم بأنه بايع تحت تهديد السلاح .

والذي نطلبه الآن منه أن يدفع الى ورثة عثمان قاتليه ويخلع عنه هذا الأمر ويعتزله ، ليتشاور المسلمون فيمن يكون لهم إماماً ، كسنة عمر بن الخطاب في الشورى ، فإذا استقام رأينا ورأي أهل الإسلام على رجل بايعناه !

ولم يتم طلحة كلامه بعد ، حتى قام رجل من خيار عبد القيس فنادى في الجمع: أيها الناس أنصتوا أتكلم لكم . وعلم عبدالله بن الزبير أنه من عبد القيس ، فأراد أن يسكته فقال له: ويلك ما لك وللكلام ! فقال الرجل العبدي: ما لي وللكلام ؟ أنا والله للكلام ثم حمد الله وأثنى عليه وذكر النبي فصلى عليه ، ثم وجه خطابه لطلحة والزبير: يا معشر المهاجرين: كنتم أول الناس إسلاماً ، بعث الله نبيه محمداً (ص) بينكم فدعاكم فأسلمتم فكنتم فيه القادة ونحن لكم تبع ، ثم توفي رسول الله (ص) فبايعتم رجلاً منكم لم تستأذنونا في ذلك فسلمنا لكم ، ثم توفي ذلك الرجل واستخلف عمر بن الخطاب ، فوالله ما استشارنا في ذلك ، ولكن رضيتم فرضينا وسلمنا ، ثم إن عمر جعلها شورى في ستة نفر ، فاخترتم واحداً منهم فسلمنا لكم واتبعناكم ، ثم إن الرجل أحدث أحداثاً أنكرتموها فحصرتموه وخلعتموه وقتلتموه وما استشرتمونا في ذلك .

ثم بايعتم علي بن أبي طالب (ع) وما استشرتمونا في بيعته فرضينا وسلمنا وكنا لكم تبعاً .

فوالله ما ندري بماذا نقمتم عليه: هل استأثر بمال؟ أو حكم بغير ما أنزل الله ؟ أو أحدث حدثاً منكراً ؟ فحدثونا به نحن معكم! فوالله ما نراكم إلا قد ظللتم بخلافكم له !

فناداه ابن الزبير: ما أنت وذاك ، فهمَّ قوم من أتباع ابن الزبير أن يثبوا على الرجل العبدي ، فمنعهم قومه .

وقام سيد آخر من سادات عبد القيس، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس ، إنه قد كان أول هذا الأمر وقوامه المهاجرون والأنصار بالمدينة ، ولم يكن لأحد من أهل الأمصار أن ينقضوا ما أبرموا ولا يبرموا ما أنقضوا ، فكانوا إذا رأوا رأياً كتبوا به الى الأمصار فسمعوا لهم وأطاعوا .

وإن عائشة وطلحة والزبير كانوا أشدَّ الناس على عثمان حتى قتل ! وبايع الناس علياً وبايعه في جملتهم طلحة والزبير، وجاءنا نبأهما ببيعته فبايعناه ، فلا والله ما نخلع خليفتنا ولا ننقض بيعتنا ! فأمر طلحة والزبير أتباعهم بإلقاء القبض عليه ونتف رأسه ولحيته ، كعثمان بن حنيف! (موسوعة التاريخ الإسلامي: 4 : 554)

ووصل خبر مقتل حكيم بن جبلة الى أميرالمؤمنين (ع) وهو في ذي قار ، فقرأ قوله تعالى: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ ، ثم قام على غرائر الأحمال فقال: إنه أتاني خبر فضيع ونبأ جليل أن طلحة والزبير وردا البصرة فوثبا على عاملي فضرباه ضرباً مبرحاً ، وتُرك لا يُدرى أهو حيٌّ أم ميِّت ! وقتلا العبد الصالح حكيم بن جبلة في عدة من رجال مسلمين صالحين ، لقوا الله موفين ببيعتهم ماضين على حقهم ، وقتلا السبابجة خزان بيت المال للمسلمين ، قتلوا منهم طائفة صبراً وأخرى غدراً !

فبكى الناس بكاءاً شديداً ، وأتاه الخبر بما لقيت ربيعة وخروج عبد القيس منهم ونزولهم على الطريق ينتظرونه ليلحقوا به ، فقال (ع) : عبد القيس خير ربيعة ، وفي كل ربيعة خير ، ثم قال :

يا لهف نفساه على ربيعهْ**** ربيعةُ السامعة المطيعهْ

قد سبقتني فيهم الوقيعهْ **** دعا عليٌّ دعوة سميعهْ

حلُّوا بها المنزلة الرفيعهْ (المصدر السابق:4 :548)

وقال المسعودي في مروج الذهب:1/321 إنه (ع) كان يكثر من قول هذه الأبيات

وقدَّر بعض المؤرخين عدد العبديين الذين إلتحقوا بالإمام (ع) بأربعة آلاف رجل (الغارات:2 :785) ، وقيل ألفي رجل. (أنساب الأشراف: 262)

وبعث (ع) برسائل الى طلحة والزبير وعائشة عاتباً وناصحاً ومحذراً من سفك دماء المسلمين ، فلم ينفعهم النصح وأصرُّوا على غيِّهم ! واصطف الجيشان وجعل الإمام (ع) ربيعة البصرة والكوفة ومنهم عبد القيس في الميمنة ، وجعل عليهم علباء بن الهيثم السدوسي وقيل عبدالله بن جعفر ، ومضر البصرة والكوفة في الميسرة وعليهم ولده الحسن السبط (ع) ، وثبت هو بالبقية في القلب ، وكان على الخيل عمار بن ياسر ، وعلى الرجالة ربيبه محمد بن أبي بكر(تاريخ خليفة بن خياط: 134) ولم يرغب (ع) أن يبدأ القوم بالقتال برغم ما اقترفوه ، فأرسل عبدالله بن عباس الى القادة الثلاثة: طلحة والزبير وعائشة ، يناشدهم حقن دماء المسلمين لكنهم أصروا على القتال، وانسحب الزبير من المعركة ، وقَتَل مروان طلحة قبل بدئها ، وبقيت عائشة وحدها فقادت المعركة سبعة أيام ، وفي اليوم السابع انهزمت شر هزيمة !

وممن قتل مبارزة من العبديين من أصحاب أمير المؤمنين (ع) في ذلك اليوم زيد بن صوحان رضي الله عنه.

عبد القيس في معركة صفين

كان عبد الله بن عباس والي البصرة فقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين (ع) ثم قال: أيها الناس ، إستعدوا للمسير الى إمامكم وانفروا في سبيل الله خفافاً وثقالاً ، وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم ، فإنكم قاتلون المحلين القاسطين، الذين لا يقرؤون القرآن ، ولا يعرفون حكم الكتاب ، ولا يدينون دين الحق مع أمير المؤمنين وابن عم رسول الله (ص) ، الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، والصادع بالحق والقيم بالهدى..

فقام إليه الأحنف بن قيس سيد تميم فقال: والله لنجيبنك ولنخرجن معك على العسر واليسر والرضى والكره ، نحتسب في ذلك الخير.. وقام خالد بن معمر السدوسي سيد بكر بن وائل فقال: سمعنا وأطعنا ، فمتى استنفرتنا فنفرنا ، ومتى دعوتنا أجبنا . وقام إليه عمرو بن مرجوم العبدي سيد عبد القيس فقال: وفَّق الله أمير المؤمنين وجمع له أمر المسلمين ، ولعن المحلين القاسطين الذين لايقرؤون القرآن !

نحن والله عليهم حنقون ، ولهم في الله مفارقون ، فمتى أردتنا صحبك خيلنا ورجلنا » (موسوعة التاريخ الإسلامي: 5 : 73)

وفي صفين جعل الإمام (ع) ميسرة جيشه كلها من ربيعة بكل بطونها بمن فيهم عبد القيس ، وعيَّن عبد الله بن عباس قائداً عليهم ، كما جعل منهم قادة لفئآت أصغر ، فكان صعصعة بن صوحان العبدي على ربيعة الكوفة ، والحارث بن مرَّة العبدي على رجالة الميسرة ، وعمرو بن حنظلة على عبد القيس البصرة والحصين بن المنذر على قبائل بكر بن وائل البصرة ، وخالد بن معمرعلى ذهل البصرة. (المصدر السابق:5 :128) وفي اليوم الخامس كان الدور لعبد الله بن عباس ومعه الميسرة من قبائل ربيعة وعبد القيس، فلما رآهم معاوية قال: من هؤلاء في الميسرة؟ قالوا ربيعة ، فلم يجد معاوية أحداً من ربيعة في الشام ! فأرسل الى حِمير لمواجهتهم وجعل عليهم الوليد بن عقبه واقتتل الفريقان قتالاً شديداً حتى الظهر، ثم تراجع الفريقان.

وفي اليوم التاسع من القتال كانت الوقعة العظيمة ، وكان عبدالله بن عباس على قبائل ربيعة وعبد القيس ، وكان ذو الكلاع الحميري حانقاً عليهم ، فحمل عليهم حملات ومعه أربعة آلاف رجل عاهدوه على القتال حتى الموت ، سوى غيرهم: « فأقبل ومعه عبيد الله بن عمر ، وحمل على ربيعة بخيله ورجاله حملة شديدة ، فتضعضعت رايات ربيعة ، ثم ثبتوا إلا قليلاً ، وانصرف الشاميون ، ثم كرُّوا ثانية فشدُّوا على ربيعة حملة شديدة فثبتوا إلا قليلاً ، وتقدم أبو عرفاء جبلة بن عطية الذهلي ذهل بني شيبان ، وهو شيخ كبير فأخذ الراية ونادى بالقوم: يا أهل هذه الراية ، إن عمل الجنة كُرٌِْه كلُّه وثقيل ، وإن عمل النار حِبٌّ كله وخفيف ، وإن الجنة لا يدخلها إلا الصابرون الذين صبروا أنفسهم على أمر الله وفرائضه وليس شئ مما افترض الله على العباد أشدُّ من الجهاد . ويحكم ألا تحبون أن يغفر لكم ، أما تشتاقون الى الجنة ؟ فإذا رأيتموني قد شددت فشدوا، ثم شدَّ على القوم فشدُّوا معه فقاتل وقاتلوا قتالاً شديداً حتى قتل ، فشدَّت ربيعة بعده شدَّة عظيمة على صفوف أهل الشام فنقضوها . واشتدَّ القتال بين ربيعة ومنهم عبد القيس وحمير حتى كثرت القتلى فيما بينهم ، وخاف زياد بن خصفة التيمي (1) الهلاك على ربيعة فقال لقومه: إن ذا الكلاع وعبيدالله أبادا ربيعة ، فانهضوا إليهم وإلا هلكوا ولا بكر بعد اليوم فركبت عبد القيس وجاءت كأنها غمامة سوداء ، فحملوا على ميمنة معاوية ذو الكلاع ومن معه من حمير ، فاستنجد بالأشعريين وعك ولخم وصمد بنو عبد القيس وقتلوا ذا الكلاع الحميري وتضعضعت لقتله أركان حمير! فلجأ إبن العاص الى رفع المصاحف ، فتضاربوا بالسيوف حتى تعطفت كالمناجل ، وتطاعنوا بالرماح حتى تكسَّرت أسنتها ». (المصدر السابق:5 :155)

ولم يكن منهم أحد مع معاوية كما تقدم، ولا من كبار الصحابة ولا من أهل بيعة الرضوان ، ولا من الأنصار!

وقال نصر بن مزاحم في وقعة صفين /402: «وأقبل علي على ربيعة فقال: أنتم درعي ورمحي! قال:فربيعة تفخر بهذا الكلام إلى اليوم».

وقال في/305: «وشدت ربيعة بعده شدة عظيمة على صفوف أهل الشام فنقضتها ! وفي ذلك قال مجزأة بن ثور:

أضربهم ولا أرى معاويهْ****الأبرج العين العظيم الحاويهْ

هوت به في النار أم هاويهْ****جاوره فيها كلاب عاويهْ

أغـوى طغامـاً ، لا هـدته هـاديـه ».

__________________________

1 ـ تيم اللات بطن من ربيعة

الفصل الخامس

العبديون مع الحسين (ع) في كربلاء

استشهد من العبديين مع الإمام الحسين (ع) ستة رجال هم:1- الأدهم بن أمية العبدي:أبوه أمية العبدي كان صحابياً سكن البصرة ، وقد جاء الأدهم الى كربلاء مع يزيد

بن ثبيط العبدي. (قصة كربلاء: علي منفرد: 280) واستشهد في الحملة الأولى .

2- سيف بن مالك: ورد اسمه والسلام عليه في الزيارتين(1)، لكن في الزيارة الرجبية باسم سفيان بن مالك ، وفي المناقب لابن شهر آشوب باسم: سيف بن مالك النميري ، وعدَّه من شهداء الحملة الأولى ، وهو بصري كان ممن يجتمعون في دار مارية العبدية. (أنصار الحسين: 93)

3- عامر بن مسلم: ورد اسمه والسلام عليه في الزيارتين أيضاً ، وعدَّه في المناقب في عداد شهداء الحملة الأولى ، وكان معه مولاه سالم استشهد أيضاً. (أنصار الحسين:96)

4- عبدالله بن يزيد بن ثبيط: جاء مع والده من البصرة، وقتل في الحملة الأولى، وإسمه في زيارة الناحية المقدسة (قصة كربلاء:286)

5- عبيدالله بن يزيد بن ثبيط: قتل في الحملة الأولى أيضاً (المصدر السابق)

6- يزيد بن ثبيط أو ثبيت العبدي: من أشراف عبد القيس، وكان له من الأبناء عشرة ، فلما بلغهم كتاب الحسين (ع) الى البصريين ، اجتمع وبعض بني قومه في دار مارية بنت منقذ العبيدية ، ثم خرج هو وولداه والتحق بالحسين (ع) بمكة وجاء معه الى كربلاء ، قتل ولداه في الحملة الأولى ، وقتل هو مبارزة. (المصدر السابق:300)

__________________________

1 ـ الزيارة الرجبية وزيارة الناحية المقدسة

الفصل السادس

من شخصيات عبدالقيس

الأشج العصري: المنذر بن عائذ

إسمه المنذر بن عائذ بن الحارث بن المنذربن النعمان بن زياد بن عصر ، سيد عبد القيس وقائدهم للإسلام

وابن ساداتهم (الاستيعاب: 1 : 454) ، قال ابن حبان في الثقات: أنه أول من أسلم من ربيعة (الثقات : ابن حبان:3 :386) ، وذكروا في قصة إسلامه أنه كان له صديقاً لراهب ينزل دارين ، فكان يلقاه كل عام فلقيه عاماً بالزارة ، فأخبره الراهب أن نبياً سيخرج من مكة يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة ، بين كتفيه علامة ، يظهر على كل الأديان ، فبعث الأشج الى إبن أخت له من بني عامر بن الحارث ، يقال له عامر بن عبدالقيس ، وبعث معه تمراً وملاحف ، وضمَّ إليه دليلاً يقال له الأريقط العبدي ، فأتى مكة عام الهجرة ، فالتقى النبي (ص) وصحت عنده العلامات ، فأسلم وقال له (ص) : أدع خالك للإسلام ، فجاء عمرو حتى دخل منزله فسلَّم ، فخرجت إمرأته الى أبيها وهي مارية بنت الأشج فقالت له: إن زوجي قد صبأ ، فانتهرها وجاء الأشج فأخبره الخبر فأسلم ، وكتم إسلامه حيناً ، ثم خرج مع جماعة من قومه وافداً على رسول الله (ص) . (الإصابة: 2 : 34)

وقد ذكرنا وفودهم على النبي (ص) وفيهم الأشج فرحب به النبي (ص) وأجلسه الى يمينه وقال له: يا أشج فيك خصلتان يحبهما الله ورسوله. فقال: وما هما ؟ فقال: الحلم والحياء..» (الاستيعاب: 1 : 44 )

وكان الأشج يسكن البحرين ، ثم انتقل الى البصرة. (الطبقات الكبرى: 7 : 87)

2- زيد بن صوحان

هو زيد بن صوحان ، بن الحارث ، بن الهجرس ، بن صبرة ، بن حدرجان ، بن عساس ، بن ليث ، بن حداد ، بن ظالم ، بن ذهل ، بن عجل ، بن عمرو ، بن وديعة (الطبقات الكبرى: 6 : 123)

قال عنه علماؤنا: أنه كان من الأبدال ، واستشهد يوم الجمل وبيده راية عبد القيس في الكوفة ، فوقف أمير المؤمنين (ع) على رأسه وبه رمق فقال له: رحمك الله يا زيد كنت خفيف المؤونة عظيم المعونة ، فرفع زيد إليه رأسه ثم قال: وأنت يا أمير المؤمنين فجزاك الله خيراً ، فوالله ما علمتك إلا بالله عليم ، وفي أمِّ الكتاب لعليٌّ حكيم ، وإن الله في صدرك لعظيم ، والله ما قاتلت معك على جهالة ، ولكني سمعت اُمَّ سلمة زوج النبي (ص) تقول: سمعت رسول الله (ص) يقول: من كنت مولاه فعليٌّ مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وانصر من نصره واخذل من خذله . فكرهت أن أخذلك فيخذلني الله. (معجم رجال الحديث: 8 : 257)

وقد جدد استشهاده حزن أمير المؤمنين (ع) على من قتل من ربيعة قبل وروده البصرة. (أعيان الشيعة: 7 : 101)

وروي عن النبي (ص) أنه قال: جندب ما جندب ، والأقطع الخير زيد ! فسألوه فقال: رجلان يكونان في هذه الأمة يضرب أحدهما بضربة تفرق بين الحق والباطل ، والآخر تقطع يده في سبيل الله ، ثم يتبع الله آخر جسده بأوله ! قال الأجلح: أما جندب فقتل الساحر عند الوليد بن عقبة ، وأما زيد فقطعت يده يوم جلولاء وقتل يوم الجمل ». (المصدر السابق:6 :123)

وعن النعمان أبي قدامة أنه كان في جيش عليهم سلمان الفارسي فكان يؤمهم زيد بن صوحان يأمره بذلك سلمان (المصدر السابق:6 :123)

وطلب عبدالله بن عباس من صعصعة أن يصف له أخويه زيداً وسيحان ، فقال صعصعة: أما زيد فكما قال أخو غنيِّ:

فتى لا يبالي أن يكون بوجهه**** إذا سدت خلاَّت الكرام شحوب

إذا ما ترا آه الرجال تحفظوا**** فلم ينطقوا العوراء وهو قريب

حليف الندى يدعو الندى فيجيبه**** إليه ، ويدعوه الندى فيجيب

كأن بيوت الحي ما لم يكن بها**** بسابس ما يلفى بهن غريب

ثم قال: كان والله يا ابن عباس عظيم المروة ، شريف الأخوَّة ، جليل الخطر ، بعيد الأثر ، كميش العروة ، أليف البدوة ، سليم جوانح الصدر ، قليل وساوس الدهر ، ذاكراً الله طرفي النهار وزلفي الليل ، الجوع والشبع عنده سيان ، لا ينافس في دنياً ، وأقل أصحابه من ينافس فيها ، يطيل السكوت ، ويحفظ الكلام ، إن نطق نطق بعقام ، يهرب منه الدعار الأشرار ، ويألفه الأحرار الأخيار . فقال ابن عباس: ما ظنك برجل من أهل الجنة ، رحم الله زيداً. (مروج الذهب: 1 : 368)

واحتج زيد مع جملة صلحاء الكوفة على تصرفات والي عثمان سعيد بن العاص ، فغضب عثمان ونفاهم الى الشام ، منهم مالك بن الحارث الأشتر ، وكميل بن زياد ، وعمرو بن زرارة وشريح بن أوفى ، وزيد وصعصعة إبنا صوحان . (تاريخ المدينة المنورة: 3 : 1141) وبقوا منفيين الى أن أخرج أهل الكوفة سعيد بن العاص ، وكتبوا إليهم فعادوا الى مصرهم .

وعندما وصل الإمام أمير المؤمنين (ع) الى ذي قار ، استبطأ وصول مقاتلة أهل الكوفة فأرسل ولده الإمام الحسن (ع) ، وعمار بن ياسر ، وقيس بن سعد ، وزيد بن صوحان ، يستحثون له أهل الكوفة ويدعونهم للنهوض،وكان أبو موسى الأشعري والي الكوفة آنذاك يثبط الناس عن الإمام (ع) .

3- صعصعة بن صوحان

وهو شقيق زيد بن صوحان ، ولد في دارين قرب القطيف وسكن الكوفة ، وكان من كبار سادات عبدالقيس ، وخيرة رجالاتها ، خطيباً شاعراً ، فصيحاً ، عاقلاً ، فطناً ، شجاعاً ، وقائداً كبيراً ، ومن أشدِّ الناس حباً وولاءً وطاعة لأمير المؤمنين (ع) . قال الإمام الصادق (ع) : « ما كان مع أمير المؤمنين (ع) من أصحابه من يعرف حقه ، إلا صعصعة وأصحابه » (معجم رجال الحديث: 9 : 378)

وشهد صعصعة مشاهد أمير المؤمنين (ع) كلها الجمل وصفين والنهروان ، مقاتلاً وحاملاً للراية .

وعندما بايع أمير المؤمنين (ع) قال له: «يا أمير المؤمنين لقد زيَّنت الخلافة وما زانتك ، ورفعتها وما رفعتك ، وهي إليك أحوج منك إليها ». (شرح أصول الكافي: 7 : 203)

وقال في علي (ع) : «جمع الحلم والسلم والعلم، والقرابة القريبة ، والهجرة القديمة ، والبلاء العظيم في الإسلام». (مناقب أمير المؤمنين: محمد بن سليمان: 2 : 67)

وبعثه أمير المؤمنين (ع) الى الخوارج حين نزلوا حروراء لينظر ما يريدون ، فقالوا له: أرأيت لو كان عليٌّ معنا في موضعنا أتكون معه ؟ قال: نعم ، قالوا: فأنت إذن مقلد علياً دينك ، إرجع فلا دين لك ! فقال لهم صعصعة: ويلكم ألا أقلد من قلد الله فأحسن التقليد ، فاضطلع بأمر الله صديقاً ، أو لم يكن رسول الله (ص) إذا اشتدَّت الحرب قدَّمه في لهواتها فيطأ صماخها بأخمصه ، ويخمد لهبها بحدِّه ، مكدوداً في ذات الله ، عنه يعبر رسول الله (ص) والمسلمون ، فأنى تصرفون ، وأين تذهبون ، والى من ترغبون ، وعمن تصدفون؟! عن القمر الباهر ، والسراج الزاهر ، والصراط المستقيم ، وحسان الأعد المقيم ، قاتلكم الله أنى تؤفكون ؟ أفي الصديق الأكبر والغرض الأقصى ترمون ؟ طاشت عقولكم ، وغارت حلومكم ، وشاهت وجوهكم ، لقد علوتم القلة من الجبل ، وباعدتم العلة من النهل ، أتستهدفون أمير المؤمنين صلوات الله عليه ووصي رسول الله (ص) ؟! لقد سوَّلت لكم أنفسكم خسراناً مبيناً ، فبعداً وسحقاً للكفرة الظالمين ، عدل بكم عن القصد الشيطان ، وعمَّى لكم واضح المحجة الحرمان! (الاختصاص: 121)

وعندما نفاه عثمان الى الشام مع الأشتر وجماعة ، جرت بينهم وبين معاوية محاورات ، وفيها لصعصعة كلام بليغ.

ولما أُلحد أمير المؤمنين (ع) ، وقف صعصعة على القبر الشريف يؤبنه ، واضعاً إحدى يديه على فؤاده ، وأخذ بالأخرى تراباً من تراب القبر وصار يضرب به رأسه، ثم قال: « بأبي أنت واُمِّي يا أمير المؤمنين ، ثم قال: هنيئاً لك يا أبا الحسن ، فلقد طاب مولدك ، وقوي صبرك ، وعظم جهادك ، وظفرت برأيك ، وربحت تجارتك ، وقدمت على خالقك ، فتلقاك الله ببشارته ، وحفك بملائكته ، واستقررت في جوار المصطفى ، فأكرمك الله بجواره ، ولحقت بدرجة أخيك المصطفى ، وشربت بكأسه الأوفى ، فأسأل الله أن يمنَّ علينا باقتفائنا أثرك ، والعمل بسيرتك ، والموالاة لأوليائك ، والمعاداة لأعدائك ، وأن يحشرنا في زمرة أوليائك ، فقد نلت مالم ينله أحد ، وأدركت ما لم يدركه أحد ، وجاهدت في سبيل ربك بين يدي أخيك المصطفى حق جهاده ، وقمت بدين الله حق القيام ، حتى أقمت السنن ، وأبَرْتَ الفتن ، واستقام الإسلام ، وانتظم الإيمان . فعليك مني أفضل الصلاة والسلام بك اشتدَّ ظهر المؤمنين ، واتضحت أعلام السبل ، وأقيمت السنن ، وما جمع لأحد من مناقبك وخصالك ، سبقت الى إجابة النبي (ص) مقدماً مؤثراً ، وسارعت الى نصرته ، ووقيته بنفسك ، ورميت سيفك ذا الفقار في مواطن الخوف والحذر ، قصم الله بك كل جبار عنيد ، وذل بك كل ذي بأس شديد ، وهدم بك حصون أهل الشرك والعدوان والردى ، وقتل بك أهل الضلال من العدى . فهنيئاً لك يا أبا الحسن .

لقد شرَّف الله مقامك وكنت أقرب الناس الى رسول الله (ص) نسباً، وأولهم إسلاماً ، وأوفاهم يقيناً ، وأشدهم قلباً ، وأبذلهم لنفسه مجاهداً ، وأعظمهم في الخير نصيباً ، فلا حرمنا الله من أجرك ، ولا أذلنا بعدك ، فوالله لقد كانت حياتك مفاتح للخير ومغالق للشر ، وإن يومك هذا مفتاح كل شرٍّ ومغلاق كل خير، ولو أن الناس قبلوا منك لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ، ولكنهم آثروا الدنيا على الآخرة (قصة الكوفة: علي منفرد: 492) ثم أنشد:

ألا من لي باُنسك يا اُخيَّا****من لي أن أبثك ما لديا

طوتك خطوب دهر قد تولت****كذاك خطوبه نشراً وطيا

فلو نشرك قواك الى المنايا****شكوت إليك ما صنعت إليا

بكيتك يا علي لدر عيني****فلم يُغن البكاء عليك شيا

كفى حزناً بدفنك ثم إني****نفضت تراب قبرك من يديا

وكانت في حياتك لي عظات****وأنت اليوم أوعظ منك حيا

فيا أسفا عليك وطول شوقي****إليك لو أن ذلك ردَّ شيا

(مناقب آل أبي طالب: 3 : 97)

وجمع صعصعة قومه في الكوفة عندما بلغه أن بعضهم يؤوي الخوارج ، وذلك بعد مقتل أمير المؤمنين (ع) ثم خطبهم فقال: «يا معشر عباد الله ! إن الله لما قسَّم الفضل بين المسلمين خصَّكم بأحسن القسم ، فأجبتم الى دين الله الذي ارتضاه لنفسه وارتضاه لملائكته ورسله ، فأقمتم عليه حتى قبض الله رسوله (ص) ، ثم اختلف الناس من بعد: فثبتت طائفة ، وارتدَّت طائفة ، وأدهنت طائفة ، وتربَّصت طائفة ، فلزمتم دين الله إيمانا به وبرسوله ، وقاتلتم المرتدين حتى قام الدين ، وأهلك الله الظالمين ، فلم يزل الله يزيدكم بذلك خيرا في كل شئ وعلى كل حال حتى اختلفت الاُمة بينها فقالت طائفة: نريد طلحة والزبير وعائشة وقالت طائفة نريد أهل المغرب(1) وقالت طائفة: نريد عبدالله بن وهب الراسبي (2) وأنتم قلتم: لا نريد إلا الذين ابتدأنا الله بالكرامة من قبلهم (3) ، تسديداً من الله لكم وتوفيقاً ، فلم تزالوا على الحق لازمين له آخذين به ، حتى أهلك الله بكم الناكثين يوم الجمل(4) ، ولا قوم أعدى لكم ولأهل بيت نبيكم ولجماعة المسلمين من هذه المارقة الخاطئة ، الذين فارقوا إمامنا ، واستحلوا دماءنا وشهدوا علينا بالكفر ! فإياكم أن تؤوهم في دوركم أو تكتموا عليهم ، فإنه ليس ينبغي لحيٍّ من أحياء العرب أن يكون أعدى منكم لهذه المارقة ، وقد ذكر لي: أن بعضهم في جانب من حيِّكم وأنا باحث وسائل عن ذلك ، فإن كان ما حكيَ لي حقاً تقرَّبت الى الله بدمائهم ، فإن دماءهم حلال »! (موسوعة التاريخ الإسلامي: 5 : 517)

____________________

1 ـ يقصد معاوية، ولم يتمكن من التصريح باسمه تقية

2 ـ زعيم الخوارج في عهد معاوية

3 ـ وهم أهل البيت ( ع ) ، لم يصرح بهم للتقية أيضا

4 ـ ولم يتطرَّق لوقعة صفين تقية أيضا

ووصف صعصعة أمير المؤمنين (ع) لمعاوية يوماً فقال:« كان فينا كأحدنا ، لين جانب ، وشدة تواضع ، وسهولة قياد ، وكنا نهابه مهابة الأسير المربوط للسياف الواقف على رأسه » ! (شرح نهج البلاغة: 1 : 25)

وأقام المغيرة بن شعبة عامل معاوية على الكوفة الخطباء ليلعنوا علياً (ع) فقام صعصعة بن صوحان فتكلم فقال المغيرة: أخرجوه وأقيموه على المصطبة فليلعن علياً ، فقال: لعن الله من لعن الله ولعن علي بن أبي طالب ، فأخبروا المغيرة بذلك ، فقال: أقسم بالله لتقيدنَّه ؟ فخرج صعصعة فقال: إن هذا يأبى إلا علي بن أبي طالب فالعنوه لعنه الله! فقال المغيرة:أخرجوه أخرج الله نفسه! :(مواقف الشيعة:الميانجي: 2 : 441)

وكتب معاوية الى زياد بن أبيه عامله على الكوفة: أن ابعث لي خطباء أهل العراق ، وابعث لي صعصعة بن صوحان ، ففعل ، فلما قدِموا على معاوية خطبهم فقال: مرحباً بكم يا أهل العراق قدِمتم على إمامكم ، وهوجُنَّة لكم يعطيكم مسألتكم ، ولا يعظم في عينه كبيراً ، ولا يحقر لكم صغيراً ، وقدمتم على أرض المحشر والمنشر ، والأرض المقدسة وأرض هجرة الأنبياء ، ثم قال في خطبته: ولو أن أبا سفيان ولد الناس كلهم لكانوا أكياساً (عقلاء حلماء ! ) . فلما فرغ من خطبته قال: قم فاخطب يا صعصعة ، فقام صعصعة: فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي (ص) ثم قال: إن معاوية ذكر إنا قدِمنا على إمامنا وهو جُنَّة لنا ، فما يكون حالنا إذا انخرقت الجُنَّة ؟ وذكر أنا قدِمنا الى أرض المحشر والمنشر والأرض المقدسة وأرض هجرة الأنبياء! فالمحشر والمنشر لايضر بعدهما مؤمناً ولا ينفع قربهما كافراً ، والأرض لا تقدِّس أحداً وإنما يقدِّس العباد أعمالهم ، ولقد وطأها من الفراعنة أكثر مما وطأها من الأنبياء ! وذكر أن أبا سفيان لو ولد الناس كلهم لكانوا أكياساً فقد ولدهم من هو خير من أبي سفيان ، آدم صلوات الله عليه ، فولد الكيِّس والأحمق والعالم والجاهل! فغضب معاوية وقال: أسكت لا أمَّ لك ، ولا أب ، ولا أرض ! فقال صعصعة: الأب والأم ولداني ، ومن الأرض خرجت ، وإليها أعود !

وأخيراً ، كتب معاوية الى عامله زياد أن أقمه للناس وأمره أن يلعن علياً فإن لم يفعل فاقتله ! فأخبره زياد بما أمره به فيه وأقامه للناس ، فصعد صعصعة المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم صلى على النبي (ص) ثم قال: أيها الناس إن معاوية أمرني أن ألعن علياً فالعنوه لعنه الله . فقال زياد: لا أراك إلا لعنت أمير المؤمنين معاوية . فقال صعصعة: إني تركتها مبهمة وإلا بينتها . فقال زياد: لتلعننَّ علياً وإلا نفذت فيك أمر أمير المؤمنين ، فصعد صعصعة المنبر ، فقال: أيها الناس إنهم أبوا عليَّ إلا أن أسبَّ علياً، وقد قال رسول الله (ص) : من سبَّ عليا فقد سبَّني ومن سبَّني فقد سبَّ الله! وما كنت بالذي يسبُّ الله ورسوله ، فكتب زياد بذلك الى معاوية ، فأمر بقطع عطائه وهدم داره ، ففعل زياد به ذلك ، لكن إخوانه من الموالين لآل البيت (عليهم السلام) مشى بعضهم الى بعض ، فجمعوا له سبعين ألفاً. (شرح الأخبار: القاضي نعمان:1 :171) فأبعده الى جزيرة أوال أي البحرين ، فمات فيها سنة ستين للهجرة (رحمه الله) ، وقبره مزار .

4- جويرية بن مسهِّر العبدي

من عيون شيعة أمير المؤمنين (ع) وثقاته ، وكان مؤذنه (مناقب آل أبي طالب: 3 : 90) وكان أمير المؤمنين (ع) يحبه حباً جماً.

قال ابن أبي الحديد في شرح المهج:2/290: كان جويرية بن مسهر العبدي صالحاً صديقاً لعلي بن أبي طالب (ع) ، وكان عليٌّ يحبه . نظر يوماً إليه وهو يسير فناداه ياجويرية إلحق بي فإني إذا رأيتك هويتك ! وروى أيضاً عن حبَّة العرني قال: سرنا مع عليٍّ (ع) يوماً فالتفت فإذا جويرية خلفه بعيداً ، فناداه: يا جويرية إلحق بي لا أباً لك ، ألا تعلم أني أهواك وأحبك ؟ قال: فركض نحوه ، فقال له: إني محدثك بأمور فاحفظها ثم اشتركا في الحديث سراً فقال جويرية: يا أمير المؤمنين إني رجل نَسَّاء ، فقال: إني أعيد عليك الحديث لتحفظه ، ثم قال له في آخر ما حدثه إياه: يا جويرية ، أحبب حبيبنا ما أحبنا فإذا أبغضنا فابغضه ، وابغض بغيضنا ما أبغضنا فإذا أحبنا فأحبه . وكان ناس في الكوفة يقولون: أتراه جعل جويرية وصيه كما يدعي هو من وصية رسول الله (ص) له ؟ وما ذلك إلا لشدة اختصاصه له

وقال ص291: دخل جويرية يوماً على الإمام (ع) وهو مضطجع وعنده قوم من أصحابه فناداه: أيها النائم استيقظ ، فلتضربن على رأسك ضربة تخضب منها لحيتك . فتبسم أمير المؤمنين (ع) ثم قال: يا جويرية ، أتريد أن أحدثك بأمرك ؟ أما والذي نفسي بيده لتُعْتَلَنَّ للعُتُلِّ الزنيم فليقطعنَّ يدك ورجلك ، وليصلبنَّك تحت جذع كافر . قال الراوي: فوالله ما مضت الأيام حتى أخذ زياد جويرية ، فقطع يده ورجله وصلبه الى جانب جذع ابن مكعبر وكان جذعاً طويلاً ، فصلبه على جذع قصير الى جانبه!

روى حديث رد الشمس لأمير المؤمنين (ع) ، قال: أقبلنا مع أمير المؤمنين من قتل الخوارج ، حتى إذا قطعنا في أرض بابل ، وحضرت صلاة العصر ، فنزل أمير المؤمنين (ع) ونزل الناس فقال: أيها الناس إن هذه أرض ملعونة ، قد عذبت في الدهر ثلاث مرات ، وفي خبر آخر مرتين وهي تتوقع الثالثة ، وهي إحدى المؤتفكات ، وهي أول أرض عبد فيها وثن ، وأنه لا يحل لنبي ولا لوصي نبي أن يصلي فيها ، فمن أراد أن يصلي فليصل (وسائل الشيعة: 5 : 180)

، قال: فتفرق الناس يصلون يمنة ويسرة ، وقلت أنا لأقلدنَّ هذا الرجل ديني، ولا أصلي حتى يصلي . قال: فسرنا وجعلت الشمس تستقل وجعل يدخلني في ذلك أمر عظيم ، حتى وجبت الشمس وقطعت الأرض ، فقال (ع) : يا جويرية أذَّن ، فقلت: تقول لي أذن وقد غابت الشمس؟ قال: فأذنت ثم قال: أقم فأقمت ، فلما قلت: قد قامت الصلاة رأيت شفتيه تتحركان ، وسمعت كلاماً كأنه كلام العبرانية ، قال: فرجعت الشمس حتى صارت مثل وقتها في العصر ، فصلى ! فلما انصرف هوت الى مكانها واشتبكت النجوم »! (خصائص الأئمة:الشريف الرضي : 56)

5- حُكيم بن جبلة العبدي

وهو حكيم بن جبلة بن الحصين بن أسود بن كعب بن عامر بن الحارث بن الديل بن عمرو بن غنم بن وديعة بن لكيز بن أفصى بن عبد القيس ، أدرك النبي (ص) ولم يره (أسد الغابة: 2 : 40) ، وكان حكيم رجلاً صالحاً شجاعاً مطاعاً في قومه ، كما أنه من خيار صحابة أمير المؤمنين (ع) مشهور بولائه والنصح له ، وفيه يقول (ع) :

دعا حكيم دعوة سميعهْ نال بها المنزلة الرفيعهْ (أنساب الأشراف:1 : 234)

ويكفيه فخراً أن أمير المؤمنين (ع) وصفه بالعبد الصالح. (موسوعة التاريخ الإسلامي: 4 : 554)

وهو بطل معركة الجمل الأصغر ، فقد دفعته غيرته على الإسلام للثأر من جيش طلحة والزبير لما قتلوا حراس بيت المال ونهبوه ، فدعا قومه لرد الظالمين ، فقتل هو وثلاث مئة من المؤمنين ، قبل وصول أمير المؤمنين (ع) الى البصرة .

وكان في الفتوحات قائداً ، فقد فتح مكران وهي بلوشستان إيران أيام عثمان بن عفان (معجم البلدان: 5 : 179) ، وجعله عثمان حاكماً على السند فرجع عنها كارهاً لولايتها (الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة: 391)

6- سيحان بن صوحان

أخو زيد وصعصعة ، وهو مثلهما في التقوى والزهد ، والشجاعة والإخلاص ، والولاء لأمير المؤمنين (ع) ، قال الإمام الصادق (ع) : « ما كان مع أمير المؤمنين من أصحابه من يعرف حقه إلا صعصعة وأصحابه » (معجم رجال الحديث: 9 : 378)

وقد استشهد سيحان مع أخيه زيد في معركة الجمل ، وذكر المؤرخون أن الذين خطبوا في الكوفة يحثون الناس على نصرة أمير المؤمنين (ع) في حرب الجمل هم: الإمام الحسن (ع) وعمار بن ياسر ، والأشتر وزيد بن صوحان ، وأخوه سيحان .

وحضر المعركة مع أخويه ، ولما دعا أمير المؤمنين (ع) أصحابه ليحملوا على الجمل ويعقروه ويخلصوا الناس من شره ، كان بنو صوحان في مقدمة من استجاب ، فحمل زيد وقاتل حتى استشهد ، فأخذ الراية أخوه سيحان ، وتقدم نحو الجمل فاستشهد (رحمه الله) .

7- الشاعر سفيان بن مصعب العبدي

أبو محمد شاعر مشهور من شعراء أهل البيت (عليهم السلام) ، المقبولين عندهم ، وقد ضمَّن شعره مناقب أمير المؤمنين (ع) والأئمة الطاهرين ، وتفجع على مصائبهم ورثاهم (الغدير: 2 : 294)

وكان الإمام الصادق (ع) يستنشده ، فقال ذات يوم: قولوا لأم فروه إحدى بناته تجئ فتسمع ما صنع بجدها، فجاءت فقعدت خلف الستر ، فأنشد العبدي: فَرْوُ جودي بدمعك المسكوب! فصاحت وصحن النساء! (الكافي: 8 : 215) .

وأمره الإمام (ع) بقول الشعر في الحسين (ع) : قل شعراً تنوح به النساء . وقال (ع) لشيعته: يا معشر الشيعة: علموا أولادكم شعر العبدي فإنه على دين الله »(شرح أصول الكافي: 12 : 287). ومن شعره:

إنا روينا في الحديث خبرا****يعرفه ساير من كان روى

إن ابن خطاب أتاه رجل**** فقال: كم عدة تطليق الإما

فقال: يا حيدر كم تطليقة**** للأمَة اذكره ، فأومى المرتضى

بإصبعيه فثنى الوجه الى****سائله قال: اثنتان واثنتا

قال له: تعرف هذا ؟ قال: لا****قال له: هذا علي ذو العلا

وقد روى عكرمة في خبر**** ما شك فيه أحد ولا امترى

مر ابن عباس على قوم وقد****سبُّوا علياً فاستراع وبكى

وقال مغتاظاً لهم أيُّكم****سبَّ إله الخلق جلَّ وعلا

قالوا معاذا الله ، قال أيكم****سبَّ رسول الله ظلماً واجترى

قالوا معاذ الله ، قال أيكم ****سبَّ علياً خير من وطى الحصى

قالوا نعم قد كان ذا ، فقال قد****سمعت والله النبي المجتبى

يقول من سبَّ علياً سبني****وسبني سبَّ الإله واكتفى

محمد وصنوه وابنته وابنيه****خير من تحفى واحتذى

صلى عليهم ربنا باري الورى****ومنشئ الخلق على وجه الثرى

صفاهم الله تعالى وارتضى****واختارهم من الأنام واجتبى

لولاهم الله ما رفع السما ولا****دحى الأرض ولا أنشى الورى

لا يقبل الله لعبد عملاً****حتى يواليهم بإخلاص الولا

ولا تتم لامرئ صلاته****إلا بذكرهم ، ولا يزكو الدعا

لو لم يكونوا خير من وطا الحصا****ما قال جبريل من تحت العبا

هل أنا منكم شرفاً ثم علا****يفاخر الأملاك إذ قالوا بلى

لو أن عبداً لقي الله بأعما****ل جميع الخلق براً واتقى

ولم يكن والى علياً حبطت****أعماله وكبَّ في نار لظى

وإن جبريل الأمين قال لي****عن ملكيه الكاتبين مذ دنا

إنهما ما كتبوا قط على****الطهــر عــليٍّ زلـــة ً ولا خنا

(الغدير: 2 : 298)

وله (رحمه الله) :

آل النبي محمد أهل****الفضايل والمناقب

المرشدون من العمى****والمنقذون من اللوازب

الصادقون الناطقون****السابقون الى الرغائب

فولاهم فرض من الرح****مان في القرآن واجب

وهم الصراط ، فمستقيم****فوقه ناج وناكب

صديقة خلقت لصديق****شريف في المناسب

اختاره واختارها طهرين****من دنس المعايب

إسماهما قرنا على سطر****بظل العرش راتب

كان الإله وليها****وأمينه جبريل خاطب

والمهر خمس الأرض****موهبة تعالت في المواهب

وتهابها من حمل طوبى****طيبت تلك المناهب

(المصدر السابق:2 :305)

وله (رحمه الله) :

يا سادتى يا بني علي****يا آل طه وآل صاد

من ذا يوازيكم وأنتم****خلايف الله في البلاد

أنتم نجوم الهدى اللواتي****يهدي بها الله كل هاد

لولا هداكم إذا ضللنا****والتبس الغيُّ بالرشاد

لا زلت في حبكم اُوالي****عمري وفي بغضكم اُعادي

وذاك ذخري الذي عليه****في عرصة لحشر اعتمادي

(المصدر السابق:2 :317 )

8- الجارود بن المنذر العبدي

هو الجارود بن بشر بن المعلى بن العلاء ، وقيل بن عمرو بن العلاء ، وهو من بني جذيمة بن عوف بن أنمار بن عمرو بن وديعة (الاستيعاب: 1 : 78) ، قيل كان نصرانياً وكان حسن المعرفة بتفسير الكتب وتأويلها ، عالماً بِسِير الفرس وأقاويلها ، بصيراً بالفلسفة والطب، ظاهر الدهاء والأدب، كامل الجمال ذا ثروة ومال(السيرة النبوية: ابن كثير: 1 : 144)

ورووا في قصة إسلامه ووفوده على النبي (ص) أنه قال: والذي بعثك بالحق لقد وجدت صفتك في الإنجيل ، ولقد بشَّر بك ابن البتول عيسى بن مريم ، فأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك محمد رسول الله ، ثم آمن الجارود وآمن معه من قومه كل سيد ، فسرَّ النبي بذلك (عيون الأثر: 1 : 97)

، وأنشد بين يدي رسول الله (ص) :

شهدت بأن الله حق وسامحت****بنات فؤادي بالشهادة والنهض

فابلغ رسول الله عني رسالة****بأني حنيف حيث كنت من الأرض

وقال ابن عياش الجوهري في مقتضب الأثر/31: « ومن أتقن الأخبار المأثورة وغريبها وعجيبها ، ومن المصون المكنون في أعداد الأئمة (عليهم السلام) وأسمائهم من طريق العامة مرفوعاً ، وهو خبر الجارود بن المنذر وإخباره عن قس بن ساعدة: ما حدثنا به أبو جعفر محمد بن لاحق…حدثني الجارود بن المنذر العبدي وكان نصرانياً فأسلم عام الحديبية وحسن إسلامه ، وكان قارياً للكتب ، عالماً بتأويلها على وجه الدهر وسالف العصر ، بصيراً بالفلسفة والطب ، ذا رأي أصيل ووجه جميل ، أنشأ يحدثنا في أمارة عمر بن الخطاب ، قال: وفدت على رسول الله (ص) في رجال من عبد القيس ، ذوي أحلام وأسنان وفصاحة وبيان وحجة وبرهان ، فلما بصروا به (ص) راعهم منظره ومحضره ، وأفحموا عن بيانهم ، واعتراهم العرواء في أبدانهم ! فقال زعيم القوم لي: دونك من أقمت بنا أممه ، فما نستطيع أن نكلمه ! فاستقدمت دونهم إليه فوقفت بين يديه (ص) وقلت: السلام عليك يا نبي الله ، بأبى أنت وأمي ، ثم أنشأت أقول:

يا نبي الهدى أتتك رجالٌ****قطعت قرددا وآلاً فآلا

جابت البيد والمهامهَ حتى****غالها من طوى السرى ما غالا

قطعت دونك الصحاصح تهوي****لا تعد الكلال فيك كلالا

كل دهناء تقصر الطرف عنها****أرقلتها قلاصنا إرقالا

خصك الله يا ابن آمنة الخير****إذا ما تلت سجال سجالا

أنبأ الأولون باسمك فينا****وبأسماء بعده تتلالا

قال: فأقبل على رسول الله (ص) بصفحة وجهه المبارك وشِمْتُ منه ضياء لامعاً ساطعاً كوميض البرق فقال: يا جارود لقد تأخر بك وبقومك الموعد ، وقد كنت وعدته قبل عامي ذلك أن أفد إليه بقومي فلم آته وأتيته في عام الحديبية، فقلت: يا رسول الله بنفسي أنت ، ما كان إبطائي عنك إلا أن جلة قومي أبطأوا عن إجابتي ، حتى ساقها الله إليك لما أراد لها من الخير لديك.. وقد كنت على دين النصرانية قبل أتيتي إليك الأولى فها أنا تاركه بين يديك إذ ذلك مما يعظم الأجر ، ويمحو المآثم والحوب ، ويرضى الرب عن المربوب.

فقال رسول الله (ص) : أنا ضامن لك يا جارود ! قلت: أعلم يا رسول الله أنك بذلك ضمين قمين . قال: فَدِنْ الآن بالوحدانية ودع عنك النصرانية ، قلت: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأنك عبده ورسوله ، ولقد أسلمت على علم بك وبناء فيك ، علمته من قبل ! فتبسم (ص) كأنه علم ما أردته من الإنباء فيه فأقبل عليَّ وعلى قومي فقال: أفيكم من يعرف قس بن ساعدة الأيادي؟ قلت: يا رسول الله كلنا نعرفه غير أني من بينهم عارف بخبره ، واقف على أثره: كان قس بن ساعدة يا رسول الله سبطاً من أسباط العرب ، عمَّر خمس مائة عام ، تقفَّر منها في البراري خمسة أعمار ، يضج بالتسبيح على منهاج المسيح ، لا يقره قرار ولا يكنه جدار ، ولا يستمتع منه جار ، لا يفتر من الرهبانية ، ويدين الله بالوحدانية ، يلبس المسموح ، ويتحسى في سياحته بيض النعام ، بالنور والظلام ، يبصر فيعتبر ، ويتفكر فيختبر ، تضرب بحكمته الأمثال ، أدرك رأس الحواريين شمعون ، وأدرك لوقا ويوحنا وأمثالهم ، ففقه كلامهم ونقل منهم ، تحوَّبَ الدهر وجانَبَ الكفر ، وهو القائل بسوق عكاظ وذي المجاز:

شرقٌ وغرب ، ويابسٌ ورطب ، وأجاجٌ وعذب ، وحبٌّ ونبات ، وجمعٌ وأشتات ، وذهابٌ وممات ، وآباءٌ وأمهات ، وسرورُ مولود ، ورزء مفقود . تباً لأرباب الغفلة ، ليصلحن العامل عمله قبل أن يفقد أجله ! كلا بل هو الله الواحد ليس بمولود ولا والد ، أمات وأحيا ، وخلق الذكر والأنثى ، وهو رب الآخرة والأولى.. ثم صاح: يا معاشر أياد: أين ثمود ، وأين عاد ، وأين الآباء والأجداد ، وأين العليل والعواد ، وأين الطالبون والرواد ، وكل له معاد . قلت: يا رسول الله لقد شهدت قساً خرج من ناد من أندية أياد ، إلى صحصح ذي قتاد وصمرة وعتاد ! وهو مشتمل بنجاد ، فوقف في أضحيان ليل كالشمس، رافعاً إلى السماء وجهه وإصبعه ، فدنوت منه وسمعته يقول:

اللهم رب هذه السبعة الأرقعة والأرضين الممرعة ، وبمحمد والثلاثة المحامدة معه ، والعليين الأربعة ، وسبطيه النبعة ، والأرفعة الفرعة ، والسري اللمعة ، وسمي الكليم الضرعة ، والحسن ذي الرفعة ، أولئك النقباء الشفعة ، والطريق المهيعة ، درسة الإنجيل ، وحفظة التنزيل ، على عدد النقباء من بني إسرائيل ، محاة الأضاليل ونفاة الأباطيل ، الصادقوا القيل ، عليهم تقوم الساعة ، وبهم تنال الشفاعة ولهم من الله تعالى فرض الطاعة .

اللهم ليتني مدر كهم ولو بعد لأي من عمري ومحياي. ثم آب يكفكف دمعه ويرن رنين البكرة وقد بريت ببراة وهو يقول:

أقسمَ قِسٌّ قسما****ليس به مكتتما

لو عاش ألفي عمر****لم يلق منها سأما

حتى يلاقى أحمداً****والنقباء الحكما

هم أوصياء أحمدٍ****أكرم من تحت السما

يعمى العباد عنهم ****وهم جلاء للعمى

لست بناس ذكرهم**** حتى أحُلَّ الرجما

ثم قلت: يا رسول الله أنبئني أنبأك الله بخبر عن هذه الأسماء التي لم نشهدها وأشهدنا قس ذكرها ؟

فقال رسول الله (ص) : يا جارود ليلة أسرى بي إلى السماء أوحى الله عز وجل إلى أن سل من أرسلنا من قبلك من رسلنا على ما بعثوا ؟فقلت: على ما بعثتم؟ فقالوا: على نبوتك وولاية علي بن أبي طالب والأئمة منكما .

ثم أوحي إلي أن التفت عن يمين العرش ، فالتفت فإذا على والحسن، والحسين، وعلي بن الحسين، ومحمد بن علي ، وجعفر بن محمد ، وموسى بن جعفر ، وعلي بن موسى ، ومحمد بن علي ، وعلي بن محمد ، والحسن بن علي ، والمهدي في ضحضاح من نور يصلون ، فقال لي الرب تعالى: هؤلاء الحجج لأوليائي، وهذا المنتقم من أعدائي ! قال الجارود: فانصرفت بقومي وقلت في وجهتي إلى قومي:

أتيتك يا ابن آمنة الرسولا **** لكي بك أهتدى النهج السبيلا

فقلت وكان قولك قول حق****وصدقٌ ما بدا لك أن تقولا

وبصرت العمى من عبد قيس ****وكل كان من عمه ضليلا

وأنبأناك عن قس الأيادي****مقالاً فيك ظلت به جديلا

وأسماء عمت عنا فآلت **** إلى علم وكنت به جهولا ».

ورواه أبو الفتح في الإستنصار/34 ، وكنز الفوائد/256 ، والمناقب: 1/245 .

وبعد وفاة النبي (ص) ثبت الجارود وقومه على الإسلام ، فقد روى ابن منظور في مختصر تاريخ دمشق: «لما توفي رسول الله ارتدت العرب وارتد أهل هجر عن الإسلام، فقال أبان بن سعيد بن العاص والي النبي على هجر لعبد القيس: أبلغوني مأمني! قالوا: بل أقم فلنجاهد معك في سبيل الله ، فالله معز دينه ومظهره على ما سواه وعبد القيس لم ترجع عن الإسلام ، قال: بل أبلغوني مأمني فأشهد أمر أصحاب رسول الله (ص) فليس مثلي يغيب عنهم ، فأحيا بحياتهم وأموت بموتهم… ومشى إليه الجارود العبدي فقال: أنشدك الله أن لا تخرج من بين أظهرنا فإن دارنا منيعة ونحن سامعون مطيعون ، ولو كنت في المدينة اليوم لوجهك أبو بكر إلينا ، فلا تفعل فإنك إن قدمت على أبي بكر لامك ، وقال: تخرج من قوم أهل سمع وطاعة ثم رجعك إلينا . فقال: لا أعمل لأحد بعد رسول الله وإن معي مالاً قد اجتمع ، قالوا: إحمله فحمل مئة ألف درهم وخرج معه ثلاث مئة خفراً حتى قدم المدينة» (مختصر تاريخ دمشق:ابن منظور: 1 : 432)

وروى ابن سعد أن الجارود العبدي شهد على قدامة بن مظعون والي البحرين من قبل عمر بن الخطاب بشرب الخمر ، وشهد عليه علقمة بن عبدالله التميمي وقيل أبو هريرة بقئ الخمر ، وأن عمر دافع عنه وتهرَّب من إقامة الحدِّ عليه، لأنه أخ زوجته ، فاعترض عليه الجارود !

قال ابن سعد في الطبقات:6/560: « إن عمر بن الخطاب ولى قدامة بن مظعون البحرين ، فقدم الجارود سيد عبد القيس على عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين إن قدامة قد شرب ، وإني رأيت حدَّاً من حدود الله كان حقاً عليَّ أن أرفعه إليك ، فقال عمر: من يشهد على ما تقول ؟ فقال: أبو هريرة يشهد ، فكتب عمر الى قدامة بالقدوم عليه فقدم ، فأقبل الجارود يكلم عمر ويقول: أقم على هذا كتاب الله ! فقال عمر: أشاهد أنت أم خصم؟ فقال الجارود: بل أنا شاهد! فقال عمر: قد كنت أديت شهادتك ، فسكت الجارود . ثم غدا عليه من الغد فقال: أقم الحد على هذا ، فقال عمر: ما أراك إلا خصماً ، وما يشهد عليه إلا رجل واحد ، والله لتملكنَّ لسانك أو لأسوءنَّك ! فقال الجارود: أما والله ما ذاك بالحق ، يشرب إبن عمك الخمر وتسوءني ، فوزعه عمر ! أي طرده! وكان لقيه عبدالله بن عمر لما جاء ليشهد على قدامة بن مظعون فأخذ يهدده: والله ليجلدنك أمير المؤمنين! فقال الجارود: يجلد والله خالك أو يأثم أبوك بربه ، إياي تكسر بهذا يا عبدالله بن عمر ، ثم جاء فدخل على عمر فقال: أقم الكتاب على هذا ، فانتهره عمر وقال: والله لولا الله لفعلت بك وفعلت! فقال الجارود: والله لولا الله لما هممت بذلك! فقال عمر: صدقت إنك لمنتحي الدار كثير العشيرة. وهنا اضطر عمر لإقامة الحد على صاحبه قدامة بن مظعون ، وعزله عن ولاية البحرين ، وبعث أبو بكرة وقيل أبا هريرة والياً بدلاً عنه! (الكامل في التاريخ: 1 : 453 ، وأنظر : المنتظم : 2 : 34)

وسكن الجارود البصرة ، ومات سنة إحدى وعشرون للهجرة في عقبة الطين من بلاد فارس ودفن هناك. (الاستيعاب: 1 : 78)

الفصل السابع

فهرس باهم اعلام عبدالقيس

1: ذريح بن عباد العبدي: كان قائداً في معركة الجمل الأصغر مقابل الزبير ، وكان حكيم مقابل طلحة (أعيان الشيعة: 6 : 430)

2: الزعل والأشرف ابنا جبلة: روىا عن أمير المؤمنين (ع) وهما أخوا حكيم (رجال الطوسي : 57) استشهدا في معركة الجمل الأصغر(تاريخ خليفة : 137)

3: عبدالله بن رقبة بن المغيرة العبدي: حمل لواء ربيعة في معركة الجمل الأصغر وقاتل حتى استشهد (رحمه الله) .

4: هرم بن حيان: أحد الزهاد الثمانية، من أصحاب الإمام أمير المؤمنين (ع) وعدَّ في الصحابة (أسد الغابة : 5 : 57)

وهو من أصحاب أويس القرني ، وذكروا له كرامات (الطبقات الكبرى : 7 : 133)

5: بشر بن منقذ (الأعور الشني): من بني شن من عبد القيس، من فحول شعراء العرب ، وبعض أبياته أمثال كقوله:

لسان الفتى نصف ونصف فؤاده****فهل بعد إلا صورة اللحم والدم

وكائن ترى من ساكت لك معجب****زيادته أو نقصه في التكلم

وفضله الشعبي على حسان (كتاب الصمت وآداب اللسان:ابن أبي دنيا : 55)

وله ديوان مطبوع ، منه:

أبا حسن أنت شمس النهار ****وهذان في الحادثات القمر

وأنت وهذان حتى الممات****بمنزلة السمع بعد البصر

وأنتم أناس لكم سورة**** تقصر عنها أكفُّ البشر

يخبرنا الناس عن فضلكم****وفضلكم اليوم فوق الخبر

عقدت لقوم أولي نجدة****من أهل الحياء وأهل الخطر

مساميح بالموت عند اللقاء****منّا وإخواننا من مضر

ومن حيِّ ذي يمن جلة****يقيمون في النائبات الصعر

فكلٌّ يسرُّك في قومه****ومن قال لا ، فبفيه الحجر

ونحن الفوارس يوم الزبير****وطلحة إذ قيل أودى غدر

ضربناهم قبل نصف النهار****الى الليل حتى قضينا الوطر

ولم يأخذ الضرب إلا الرؤوس****ولم يأخذ الطعن إلا الثغر

فنحن اُولئك في أمسنا**** ونحن كذلك فيما غبر

(شرح نهج البلاغة : 8 : 68)

وله قصائد يذم فيها معاوية وأبا موسى الأشعري .

6: قثم بن خبيئة (الصلتان العبدي): شاعر ، شهد مع صفين أمير المؤمنين (ع) ، وله هجاء لعبيدالله بن عمر (شرح نهج البلاغة:8 :537) وقد حكم بنو تميم الصلتان بين جرير والفرزدق فحكم ففضَّل جريرا في الشاعرية والفرزدق في شرف النسب ، فلم يرضيا وهواه وهجاهما (خزانة الأدب: 2 : 156)

7: عمرو بن مرجوم العصري: كان هو وأبوه سيدين وكان في وفد قيس على رسول الله (ص) (الطبقات الكبرى : 5 : 563)

وشهد الجمل وصفين مع أمير المؤمنين (ع) ، وكان قائداً في ألوف من قومه (الغارات : 2 : 784)

8: اُذينة بن سلمة: وهو والد عبدالرحمن قاضي البصرة زمن الحجاج ، وكان رأس عبد القيس بالبصرة بعد موت الجارود العبدي وقبل أن يتولى إبنه المنذر بن الجارود الرئاسة (الإصابة: 1 : 10)

9: عوف بن بشر الشني: روى عن أمير المؤمنين (ع) (رجال الطوسي : 76)، وشهد معه صفين وناظر ذا الكلاع الحميري بعد مقتل عمار وأفحمه بقول النبي (ص) : عمار تقتله الفئة الباغية (وقعة صفين: 336)

10: حويرثة بن سميِّ العبدي: شهد صفين مع أمير المؤمنين (المصدر السابق:384)

11: الحارث بن مرة العبدي: أحد الأبطال القادة ، استشهد مع أمير المؤمنين (ع) في صفين وكان قائد رجالة الميسرة (المصدر السابق:136).

12: المنذر بن مالك النضري: من أصحاب أمير المؤمنين (ع) (رجال الطوسي: 82)

13: قدامة بن مسروق العبدي: من أصحاب أمير المؤمنين (ع) ، حضر معه صفين (مستدركات علم رجال الحديث: 6 : 267)

14: جابر العبدي: روى أحمد أنه وفد معهم على النبي (ص) (مسند أحمد: 5 : 446)

15: عبد الله بن حكيم بن جبلة: روى عن أمير المؤمنين (ع) (رجال الطوسي : 75)

16: صوحان بن صعصعة بن صوحان: كان مقعداً ، واستقبل الإمام زين العابدين في رجوعه بعد استشهاد أبيه(عليهما السلام) فشكره (مثير الأحزان: 91)

17: المثنى بن مخرمة العبدي: شهد مع أمير المؤمنين (ع) الجمل وهو شاب ، وكان من الأبطال مع جارية بن قدامة (رحمه الله) (الغارات: 2 : 387)، وقصد مع جماعة من قومه التوابين فلم يدركهم فرجعوا (تاريخ الطبري: 4 : 466)

18: أبو جويرية العبدي:حضر مع سليمان بن صرد في معركة التوابين ، وتركه رفاعة بن شداد في سبعين رجل من أصحابهم بعد رجوعهم من المعركة ، ليعينوا الضعفاء من أصحابهم (أعيان الشيعة: 2 : 318).

ومن أصحاب الإمام الباقر (ع) من العبديين الذين ذكرتهم كتب الرجال كالشيخ الطوسي في رجاله والنجاشي في فهرسته والسيد الخوئي في المعجم: زيد بن رواحة العبدي، وقد روى بعض مناقب أمير المؤمنين (ع) ، ورفيد بن مصقلة العبدي، و نجم بن الحطيم ، ويونس بن أبي يعفور، وروى عنه مسلم في باب وجوب الإنكار على الأمراء ، وقال ابن حجر في تهذيب التهذيب2 /351: إنه صدوق ، ونقل عن الساجي: وكان ممن يفرط في التشيع.

ومن بني عبد القيس عدد كبير من أصحاب الإمام الصادق (ع) : نهلوا منه العلم ونشروه في البلاد ، منهم: إبراهيم بن خالد بن العطار: المعروف بإبن أبي مليقة. وإبراهيم بن نعيم العبدي، الذي قال له الإمام الصادق (ع) : أنت ميزان لا عين فيه (رجال ابن داود:29)! ويعرف بأبي الصباح الكناني لأنه نزل في كنانة فنسب إليهم ، وروى عن الإمام الكاظم (ع) .وبشر بن الصلت العبدي الكوفي وبكر بن محمد العبدي العابد ، و جفير بن الحكم ، والحسن بن السري ، وله كتاب يرويه عن الحسن بن محبوب والحسين بن الرماس، وحفص بن سليم ، وحميد بن السري العبدي الكوفي ، وخالد بن السري ، وخلاد بن عامر المسلمي العبدي ، وخليل العبدي، وله كتاب يرويه عنه عبيس بن هشام، وخيثمة بن خديج ، وربعي بن عبدالله بن الجارود ، وسكين بن عبد العزيز ، وهو سكين بن أبي فرات، وسفيان بن سعيد ، وسليمان بن عبد الرحمن، وشريس أبو عمارة ، والعباس بن عوف ، وعبد الأعلى بن زيد ، وعبد الجبار بن مسلم العبدي ، وعبد الرحمن بن المنذر ، وعبدالله بن أبي يعفور، وكان يقرئ القرآن في مسجد الكوفة ، وعبد الملك بن سنان، وعبد الواحد بن سلمة ، وعلي بن الحسين العبدي ، وعلي بن السري ، وعمرو بن جميع ، وعمير بن سويد، وعيسى بن إبراهيم ، وقيس العبدي ، وليث بن كيسان وكنيته أبو يحيى ، ومحمد بن بهلول بن مسلم ، ومحمد بن حميد ، ومحمد بن حنظلة أبو سلمة، ومحمد بن شهاب بن علاق ، ومحمد بن طالب بن عمير، ومحمد بن عبدالله بن شهاب، ومحمد بن مسلم العبدي، ومحمد بن همام ، ومسعدة بن زياد العبدي،ومسعدة بن صدقة ، وله كتاب في خطب أمير المؤمنين ، ومسلمة بن سعيد ، ومعاذ بن الأسود بن قيس ، ومنذر بن جفير ، وله كتاب ، ونصر بن عبد الرحمن ، وأبو عثمان العبدي الى عشرات الرواة غيرهم. ومن العبديين من أصحاب باقي الأئمة (عليهم السلام) ، عمر بن محمد بن عبد الرحمن بن أُذينة ، المعروف بعمر بن أُذينة ، وله كتاب الفرائض ، وذريح بن محمد المحاربي، وعبد الله بن أحمد بن حرب بن مهزم، وهو أبو هفان العبدي من بني مهزم وهو بيت كبير في البصرة ، وهو أستاذ إبن دريد صاحب جمهرة اللغة (الذريعة الى تصانيف الشيعة: 14 : 19 )، وله كتب منها: أشعار عبدالقيس وأخبارها، وشعر أبي طالب بن عبدالمطلب وأخباره جمعه وشرحه ، وله كتاب طبقات الشعراء (رجال النجاشي: 218)

وداود بن علي العبدي ، وهو من أصحاب الإمام الرضا (ع) ، ومحمد بن إبراهيم الحضيني الأهوازي من أصحاب الإمام الجواد (ع) والمختار بن زياد من ثقات الإمام الجواد (ع) ، وحجاج بن سفيان العبدي ، من أصحاب الإمام الحسن العسكري (ع)

ونكتفي بنموذج من فقهائهم من تلاميذ الإمام الصادق (ع) فقد حدث بقصته وهو غلام مع كبير قضاة الأمويين ، كيف أثبت له بطلان منهج الظن والرجم بالغيب الذي بنوا عليه دينهم وفقههم!

قال كما في دعائم الإسلام: 1/92: « دخلت يوماً على عبد الرحمن بن أبي ليلى بالكوفة وهو قاض، فقلت: أردت أصلحك الله أن أسألك عن مسائل ، وكنت حديث السن ، فقال: سل يا بن أخي عما شئت ، قلت: أخبرني عنكم معاشر القضاة ، ترد عليكم القضية في المال والفرج والدم ، فتقضي أنت فيها برأيك ثم ترد تلك القضية بعينها على قاضى مكة ، فيقضى فيها بخلاف قضيتك ، ثم ترد على قاضى البصرة وقاضي اليمن ، وقاضي المدينة ، فيقضون فيها بخلاف ذلك ، ثم تجتمعون عند خليفتكم الذي استقصاكم فتخبرونه باختلاف قضاياكم ، فيصوب رأى كل واحد منكم ، وإلهكم واحد ونبيكم واحد ودينكم واحد ، أفأمركم الله عز وجل بالاختلاف فأطعتموه ، أم نهاكم عنه فعصيتموه ، أم كنتم شركاء الله في حكمه فلكم أن تقولوا وعليه أن يرضى ، أم أنزل الله ديناً ناقصاً فاستعان بكم في إتمامه ، أم أنزل الله تاماً فقصر رسول الله (ص) عن أدائه ، أم ماذا تقولون ؟!

فقال: من أين أنت يا فتى؟ قلت: من أهل البصرة ، قال: من أيها ؟ قلت: من عبد القيس ، قال: من أيهم قلت: من بني أذينة ، قال: ما قرابتك من عبد الرحمن بن أذينة ؟ قلت: هو جدي ، فرحب بي وقربني وقال: أي فتى ، لقد سألت فغلظت وانهمكت فتعوصت وسأخبرك إن شاء الله . أما قولك في اختلاف القضايا فإنه ما ورد علينا من أمر القضايا ، مما له في كتاب الله أصل أو في سنة نبيه (ص)فليس لنا أن نعدو الكتاب والسنة ، وأما ما ورد علينا مما ليس في كتاب الله ولا في سنة نبيه فإنا نأخذ فيه برأينا.

قلت: ما صنعت شيئاً لأن الله عز وجل يقول: ما فرطنا في الكتاب من شئ ، وقال فيه: تبيانا لكل شئ ، أرأيت لو أن رجلاً عمل بما أمر الله به وانتهى عما نهى الله عنه ، أبقى لله شئ يعذبه عليه إن لم يفعله أو يثيبه عليه إن فعله ؟ قال: وكيف يثيبه على ما لم يأمره به أو يعاقبه على ما لم ينهه عنه؟ قلت: وكيف يرد عليك من الأحكام ما ليس له في كتاب الله أثر ولا في سنة نبيه خبر؟ قال: أخبرك يا بن أخي حديثاً حدثناه بعض أصحابنا ، يرفع الحديث إلى عمر بن الخطاب أنه قضى قضية بين رجلين فقال له أدنى القوم إليه مجلساً: أصبت يا أمير المؤمنين فعلاه عمر بالدرة وقال: ثكلتك أمك ، والله ما يدرى عمر أصاب أم أخطأ ، إنما هو رأى اجتهدته فلا تزكونا في وجوهنا .

قلت: أفلا أحدثك حديثاً ؟ قال: وما هو ؟ قلت: أخبرني أبي عن أبي القاسم العبدي عن أبان عن علي بن أبي طالب (ع) أنه قال: القضاة ثلاثة ، هالكان وناج ، فأما الهالكان فجائر جار متعمداً ومجتهد أخطأ ، والناجي من عمل بما أمر الله به ، فهذا نقض حديثك يا عم ! قال: أجل والله يا ابن أخي ، فتقول أنت إن كل شئ في كتاب الله عز وجل؟ قلت: الله قال ذلك ، وما من حلال ولا حرام ولا أمر ولا نهى إلا وهو في كتاب الله عز وجل ، عرف ذلك من عرفه وجهله من جهله ، ولقد أخبرنا الله فيه بما لا نحتاج إليه فكيف بما نحتاج إليه !

قال: كيف قلت؟ قلت: قوله: فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها قال: فعند من يوجد علم ذلك؟ قلت: عند من عرفت ، قال: وددت لو أني عرفته فأغسل قدميه وآخذ عنه وأتعلم منه ! قلت: أناشدك الله هل تعلم رجلاً كان إذا سأل رسول الله (ص) شيئاً أعطاه ، وإذا سكت عنه ابتدأه ؟ قال: نعم ، ذلك علي بن أبي طالب . قلت: فهل علمت أن علياً سأل أحداً بعد رسول الله (ص) عن حلال أو حرام ؟ قال: لا ، قلت: هل علمت أنهم كانوا يحتاجون إليه ويأخذون عنه؟ قال: نعم ، قلت: فذلك عنده ! قال: فقد مضى ، فأين لنا به ؟ قلت: تسأل في ولده ، فإن ذلك العلم عندهم .

قال: وكيف لي بهم ؟ (أي والسلطة لا تسمح لي بالأخذ منهم).

قلت ، أرأيت قوماً كانوا بمفازة من الأرض ومعهم أدلاء فوثبوا عليهم فقتلوا بعضهم وجافوا (طعنوه طعنة جائفة) بعضهم فهرب واستتر من بقي لخوفهم ، فلم يجدوا من يدلهم ، فتاهوا في تلك المفازة حتى هلكوا ، ما تقول فيهم ؟ قال: إلى النار واصفرَّ وجهه وكانت في يده سفرجلة ، فضرب بها الأرض فتهشمت ، وضرب بين يديه وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون »!

كما نبغ من عبد القيس علماء وأدباء عديدون منهم:

حرب بن الحكم بن المنذر بن الجارود العبدي البصري ، شاعر مجيد ، أورد له الحسكاني في شواهد التنزيل قوله:

رأيت الرضا بالعيش داعية الغنى****وغير الرضا بالعيش داعية الفقر

ومن لا يكن فيه التكرم شيمة****فليس بذي وفر ، وإن كان ذا وفر

ومن طمحت عيناه في رزق غيره****يمت كمدا في دأبه غير ذي شكر

فحسبي من الدنيا كفاف يكفني****وأثواب كتان أزور بها قبر

وحبي ذوي قربى النبي محمد **** وما سُئلنا إلا المودة من الأجر

(شواهد التنزيل: 2 : 211)

ومحمد بن جعفر بن إسماعيل ، روى عنه ابن قولويه في كامل الزيارات في فضل زيارة الحسين (ع) يوم عرفة عن الإمام أبي عبدالله الصادق (ع) .

وهارون بن منصور العبدي ، من مشايخ الحسن بن محبوب روى عنه الكليني في روضة الكافي عن الإمام الباقر (ع) دعاءً علمه رسول الله (ص) لفاطمة (عليها السلام)

وهانئ بن محمد العبدي، من مشايخ الصدوق ، وترضى عليه الشيخ المفيد في الاختصاص ص197

وعلي بن المقرب العيوني ، أحد شعراء الأحساء المشهورين، ولد سنة 572، وتوفي 629. وله في رثاء الحسين (ع) (أعيان الشيعة: 8 : 347)

من أعلام النساء من عبد القيس

1: أم ذريح العبدية: شهدت معركة الجمل مع أمير المؤمنين (ع) ولها شعر في عائشة ، وهي أم الفتى الذي حمل القرآن بين الصفين فقتله أصحاب طلحة والزبير، قالت (شرح النهج:9/111):

يا رب إن مسلماً أتاهم****بمصحف أرسله مولاهم

للعدل والإيمان قد دعاهم****فخضبوا من دمه ضباهم

وأمهم واقفةٌ تراهم****تأمرهم بالغيِّ لا تنهاهم

2: أم أوفى العبدية: وهي التي دخلت على عائشة فسألتها: يا أم َّ المؤمنين، ماتقولين في امرأة قتلت إبناً لها صغيراً ؟ فقالت: وجبت لها النار! فقالت: فما تقولين في إمرأة قتلت من أولادها الأكابر عشرين ألفاً في صعيد واحد؟! فصاحت:خذوا بيد عدوَّة الله»! (عيون الأخبار/86 ،والعقد الفريد:2/109، وربيع الأبرار :1/105).

3: مارية بنت منقذ أو سعيد العبدية: إحدى نساء عبد القيس المجاهدات ، كان بيتها مألفاً للشيعة في البصرة يجتمعون فيه ، ويتذاكرون فضل آل محمد (ص) ، ولما أتت كتب الحسين (ع) أهل البصرة يدعوهم فيها لنصرته ، اجتمع عندها وجوه الناس وكان من بينهم يزيد بن نبيط الذي وصل الى كربلاء. (قاموس الرجال: التستري:12 :343)

4: أم شرف العبدية: روت عن نضرة الأزدية بعض الآيات بعد مقتل الحسين (ع) قالت: « لما قتل الحسين (ع) مطرت السماء دماً ، فأصبح جرارنا وكل شئ لنا ملأى دماً »! (الثقات:ابن حبان:5 :487)

5: «وخرجت امرأة من عبد القيس تطوف في القتلى ، فوجدت ابنين لها قد قتلا ، وقد كان قُتِلَ زوجها وأخوان لها فيمن قتل قبل مجئ علي (ع) الى البصرة ، فأنشأت تقول:

شهدت الحروب فشيبنني****فلم أر يوما ًكيوم الجمل

أضر على مؤمن فتنةً****وأقتله لشجاع بطل

فليت الظعينة في بيتها****وليتك عسكر لم ترتحل

(مروج الذهب:1/321، والعقد الفريد:2/106).

ولعل أمير الشعراء أحمد شوقي أخذ منها في قوله:

يا جبلاً تأبى الجبال ما حمل****ماذا رمت عليك ربة الجمل

أثأر عثمان الذي شجاها****أم غصة لم ينتزع شجاها

قضية من دمه تبنيها****هبت لها واستنفرت بنيها

ذلك فتق لم يكن بالبال**** كيد النساء موهن الجبال !

(شيخ المضيرة أبو هريرة الدوسي/171).

………………………………

المصدر: الموقع الرسمي لقبيلة العبوده/ عبدالقيس في العراق