pic14مقدمة : شهدت ضفتا الخليج بين البحرين و شرق الجزيرة العربية و بالخصوص الأحساء هجرات و انتقالات متبادلة واسعة عبر التاريخ , وهذا الأمر غير مستغرب فالمنطقتان تعتبران ضمن إقليم جغرافي واحد و يسكنها شعب يتحد في الأصول و الطباع و التقاليد .

وقد شهد مطلع العشرينيات في القرن العشرين انتعاشا اقتصاديا ملموسا في البحرين بعد أن بدأت تتشكل معالم الدولة الحديثة فيها , فقد ازدادت أهميتها التجارية كمركز للتجارة الإقليمية في الخليج , و بذلك اجتذبت كثيرا من أهالي المناطق المجاورة للبحرين إليها و منها الأحساء .

  • أعمال الأحسائيين في البحرين :

عمل الأحسائيون في مهن عديدة أهمها التجارة و خياطة البشوت و الزراعة و البناء و النجارة ,قد كان قسم منهم يعمل في الغوص قبل اضمحلال تلك المهنة بعد انتشار اللؤلؤ الصناعي في عشرينيات القرن العشرين , خاصة من أبناء قرى الأحساء الشرقية كالمنيزلة والطرف و الجشة و الجفر ,وأعداد أقل من أهالي الفريق القبلي الشرقي في الهفوف

  • لماذا البحرين ؟

كما ذكرت سلفا هناك عدة أسباب لقصد البحرين من أهمها :1329901351j

1- قرب البحرين الجغرافي : فالأحسائي سواء كان تاجرا أو خياطا أو فلاحا فإنه يمكنه الوصول لها بسهولة – نسبيا – مقارنة بالانتقال إلى البصرة أو الكويت أو الكاظمية أو دمشق أو غيرها من الأماكن التي قصدها الأحسائيون تلك الفترة لذا كان يمكنه الوصول إلى الأحساء عدة مرات في السنة بسهولة أو كما كانت تسمى حينها ( التحدير )فالأحسائي في البحرين حينها كان يقول عند رغبته في الرجوع إلى موطنه ( أنا بأحدّر ) أي سأنزل و أذهب إلى الأحساء .

2- الانتعاش الاقتصادي:

ففي البحرين منذ تلك الفترة توجد مكاتب و ممثليات للكثير من الشركات التجارية الأجنبية سيّما الانجليزية كما يوجد بها ميناء نشط تحط فيه بضائع من أنحاء العالم .

و كذلك نشطت التجارات و الصناعة و كان من أهمها خياطة البشوت التي عمل فيها القطاع الأوسع من الأحسائيين في البحرين حينها .

  • 3- توفر الوسائل الحديثة الأساسية :

على الرغم من تشابه البيئتين بشكل كبير إلا أن الهيمنة البريطانية على البحرين في تلك الفترة أثّرت في إدخال الكهرباء في تاريخ مبكّر ,, كذلك توافر السلع و الخدمات الأخرى .

  • 4- توفر الخدمات الصحية :

افتتح في المنامة مركز للإرسالية الأمريكية أواخر القرن التاسع عشر بسعة عشرين سرير ,و ضمّت قسمين قسم علوي سمّي ب( البنقلوا) و يقدم الخدمات الطبية بمقابل للمقتديرن الذين كانوا عادة من الأوروبيين و الأمريكان و بعض تجار البحرين و كان بعض التجار الأحسائيون يقصدونه للعلاج , كما أن هناك قسما يسمى ( البرستيه ) يقدم الخدمات الطبية مجانا للفقراء و كان يقصده من لا يستطيع دفع المال نظير الخدمات الطبية .

و كان لأطباء الإرسالية جولات تصل بعض الأحيان إلى الأحساء و قد نال هؤلاء الأطباء شهرة كبيرة كالطبيب ؟ بول هاريسون و ستورن .و الطبيب الهندي كاندي .

و كانت رحلات العلاج للأحسائيين إلى البحرين كثيرة , ربما اضطرت بعض مرافقيهم للمكث و العمل في البحرين أثناء فترات العلاج لمرضاهم .

  • 5- تفضيل الفلاح الأحسائي :

كان الفلاح الأحسائي يلقى فرصا جيدة للعمل في البحرين وقتها بسبب مهارته العالية خاصة في شؤون النخلة من جهة ومن جهة أخرى , بسبب عدم وقوعه في خلافات كالتي كانت تحدث بين الفلاحين و أرباب الأراضي الزراعية في ذلك الوقت .

و كان الفلاحون منهم يعملون إما باليومية أو بالقطوعة ( الإنجاز ) أو بتقبيل النخيل ( إيجار النخيل ) أما بتقديم حصة من الثمرة أو بالنقد .

  • تواجد الأحسائيين في البحرين :

تختلف وجهات الأحسائيين حسب الأعمال التي كانوا يمارسونها , فأرباب الخياطة و المخايطة الذين جاؤوا في أوقات مبكرة قصدوا المحرّق بسبب كونها العاصمة القديمة للبحرين و تواجد أغلب شيوخ الأسرة الحاكمة ( آل خليفة ) فيها , أمّا الذين جاءوا منهم في فترات تالية أو الذين قصدوا التجارة العامة فقد استقرّوا في حي المخارقة في سوق المنامة

أما الفلاحين منهم فقد انتشروا في قرى البحرين و المناطق الزراعية لقربها من أعمالهم .

كما قصدها مجموعة من البنائين الأحسائيين سكن بعضهم المحرق و سكن بعضهم المنامة و منهم من أهالي القارة و بعضهم من الهفوف خاصة إبان الحرب العالمية الثانية و النجارين أمثال الحاج طاهر العمران و الحاج عبد الله العمران اللذان كانا يمارسان النجارة في ورش خاصة في حي المخارقة قرب حسينية الحساوية وأعداد أقل في الصياغة كالحاج محمد الباذر ( بو محمد ) الذي كان يمارس الصياغة بيده في محله في فريج نعيم و كذلك بعض أرباب المهن الأخرى .

  • منطلق الأحسائيين :

يصعب تحديد منطلق الأحسائيين , فمن قصد البحرين كان من مختلف مناطق الأحساء و مدنها ففي الهفوف لم يقتصر انطلاقهم من حي معين رغم أن أكثر المخايطة كانوا من حي الرفاعة من الهفوف , و رغم تزايد المخايطة الآخرين في الفترة

  • في المحرّق :

و نظرا لأن خياطي البشوت (المخايطة ) يشكلون القطاع الأكبر بين الأحسائيين حينها , فكما أسلفت نظرا لتمركز عدد كبير من مستهلكي البشوت الرئيسيين و هم أفراد الأسرة الحاكمة فقد , تواجد عدد من معازيب و محال بيع البشوت منهم :

1-محمد السليمان البقشي : و هو من أقدم مشغلي خياطي البشوت و اختص بمجموعة من أمهر الخياطين كالحاج محمد المسلم و الحاج عبدالله الموسى الحمراني و الحاج عبدالله الزاير و آخرون كانوا يلقبون بالجنرالات , لمهارتهم الكبيرة في الصنعة و كان يستقبل طلبات مجموعة من شيوخ الأسرة الحاكمة كالشيخ حمد بن عيسى و الشيخ عبدالله بن عيسى بن علي و الشيخ محمد بن علي ( أعمام الحاكم وقتها )

.

2-الحاج علي السعيد القطان :

3-الحاج موسى الكويتي .

4-الحاج حسين بن محمد البقشي : يمتلك محلا في السوق .

5-الحاج محمد بن عبدالله الحرز :يمتلك محلا صغيرا لبيع العبي النسائية ( كانت العبي النسائية تحتوي على تطريز من الزري )و يستقبل بعض التوصيات .

سوق المنامة :

تواجد في أسواق المنامة عدد كبير من الأحسائيين من المخايطة و المحال التجارية التي اختصّت في بيع البشوت و العبي النسائية و امتدت في عدد من الأسواق :

شارع التجار :

1-السيد عبدالله اليوسف .

2-الحاج علي بوكنان ( يستقبل طلبات عدد من شيوخ الأسرة الحاكمة )

أما المحال في شارع أبي العلاء الحضرمي :

توجد فيه عدة محلات لكل من :

1-الوجيه الحاج طاهر التحو* ثم أبنه جاسم .

2-الحاج إبراهيم بن علي بن ناصر بوحليقة .

3-الحاج حسين محمد بوحمود , ( يمتلك بيتا مجاورا لمنزله لسكنى الخياطين ) كما عمل باستيراد أقمشة البشوت اللندني و الونشين و الحرير الخاص العباءات النسائية .

4-الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جعفر ( من الصالحية في الأحساء ).

ثم تلاهم :

5 – الحاج يوسف الحواج و إخوانه و قد استقرّوا في البحرين .

ثم افتتحت محلات في شارع الشيخ عبدالله منها :

1-الحاج عبدالله بن طاهر الزرقي آل بن سليمان .

2-الحاج علي بن موسى البوعلي و الذي كان لهم الريادة في خياطة البشوت لبعض شيوخ الأسرة الحاكمة كالشيخ علي بن عيسى و الشيخ حمد بن عيسى و كان لهم ديوان للخياطة و محل بشارع التجار إلا أن تجارتهم انحسرت و تقلصّت , بعدها و اقتصرت على هذا المحلّ.

3-الحاج علي بن محمد الحوّاج : ( عم يوسف سالف الذكر )

4-الحاج أحمد آل الشيخ علي الرمضان ( بو جاسم ).

5-موسى بن عيسى البو حليقة ( بو محمد ) و الذي انتقل إلى قطر بعدها .

6-أحمد و سلمان ابنا محمد حسين الخواجه .

7-حسن بن علي البن صالح ( أنتقل بعدها إلى قطر ) .

8-حسن البراهيم ( الشريجي ) .

9-عبد الله السعيد القطان .

التجار الأحسائيين في البحرين :

كما أسلفنا في بداية الموضوع حول الأهمية الاقتصادية للبحرين و تواجد الوكالات الأقليمية للشركات الأجنبية فيها فقد فتح بعض التجار الأحسائيين محالا تجارية أو مكاتب لمراسلة فروعهم في الأحساء و مراكز الاستيراد الخارجية و تلك المكاتب الموجودة في البحرين .

و كان المقيم منهم في البحرين يسمى ( القعدي ) من القعود لأنه يقعد في البحرين .

و قد كان من أقدمهم الحاج عباس الشواف الذي كان مندوبا عن أغلب التجار الأحسائيين في البحرين , أرسل أغلب هؤلاء التجار مندوبين لهم وفي الغالب كانوا من أبنائهم منهم .

منهم الحاج عبدالله بن أحمد الرمضان ثم أرسل أبنه الحاج ياسين .

الحاج علي بن سلمان بن أحمد الهاجري عن والده .

و الحاج فارس البن الشيخ و أخيه عبد الوهاب .

و الحاج عيسى البن الشيخ , و الحاج محمد بن سلمان الوصيبعي .

و الحاج علي بن حسين بن ناصر التحو ( انتقل من الكويت إلى البحرين )

و كانت مجمل هؤلاء يعملون في تجارة المواد الغذائية و التجارة العامة .

ومن أشهر البيوت التجارية الأحسائية المقيمة في البحرين بيت القصيبي ( عبد الرحمن,…..) حيث تنوعت تجارتهم بين الطواشة ( تجارة الؤلؤ ) و التجارة العامة في المواد الغذائية و غيرها .

و كذلك ( العجاجي , حسن و أبناؤه …) الذين عملوا استيراد مضخات المياه , تطورت تجارتهم و استقرّ,ا في البحرين .

و أسرة الناصر ( عبد اللطيف الناصر ) الذين عملوا في المجال العقاري ) .

كما عمل مجموعة من معازيب الخياطة في استيراد أقمشة البشوت , العباءات النسائية , و الزري , مثل الحاج حسين بو حمود , .

آثار الإقامة في البحرين على الأحسائيين :

1- التوطنّ :

حصل شريحة من الأحسائيين الذين قطنوا البحرين على الجنسية البحرينية و صاروا جزء مهما من نسيج المجتمع البحراني , و لمعت خلال ذلك أسماء بيوت تجارية معروفة أحسائية في مختلف الأنشطة كالقصيبي , والعجاجي و التحو و الحواج و بوكنان و غيرهم .

كما اتقلّد بعضهم وظائف جيدة بعد التدرّج التعليمي و الوظيفي .

2- التجمّعات :

من المعتاد على أي مجتمع مهاجر أن يكوّن تجمّعات من خلال السكن في أماكن محددة , لحاجة بعضهم للبعض الآخر , ومن مظاهر هذه التجمّعات في البحرين , تركزهم في حي الحاكة في المحرق , قديما ثم تركزهم في حي المخارقة في المنامة .

ومن هذا الحي انتشر بقية الأحسائيين الذين استوطنوا و حصلوا على الجنسية , لاحقا في المدن الجديدة كمدينة عيسى و مدينة حمد و من أهم نتاجات هذه التجمعات .

و في تلك الفترة كان الأحسائيين العزاب سيما المخايطة منهم يأوون إما في منازل معدّة لذلك الأمر كبيت حمد الطيّب , أو بيت يديره الحاج حسين بو حمود أو بيوت أخرى تعود لأسر بحرانية كبيت خير الله و يشتركون في ما يسمى ب0( الخابّة ) و هو اشتراك مالي يقدم نظيرة خدمة الإطعام .

كما أن قد يسكن الأحسائي في خانات , هي غرف مجهزة بحمامات مشتركة و مطبخ مشترك , مثل فندق الرمضان و الحميدي في فريج المخارقة و يعود لعلي الرمضان و ناصر الحميدي و هما أحسائيان , و فندق اليماني فندق الديوانية في سوق واقف و فندق الكويت في سوق الحلوى .

كما بنى الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جعفر السالف الذكر عددا من الغرف للتأجر كان بعض الأحسائيين من أرباب العوائل يسكنون فيها .

حسينية الحساوية :

انشاء مأتم الحساوية في حي المخارقة .التي تأسست عام 1346هـ و تولى رعايتها الوجيه الأحسائي الحاج طاهر التحو , و آخرون .

و كانت هذا المأتم مكانا لاجتماع الأحسائيين في البحرين و يأوي إليها من لا يتمكن من دفع قيمة الإيجار في الفنادق و الخانات , و فيه يتمكن من أراد إرسال شيء لعائلته في الأحساء إيجاد من ينقلها إليهم كما كان ينزل فيها القادمون من الأحساء لملاقاة من يريدون .

و منها ينطلق موكب الأحسائيين , في المسيرات التي تجوب المنامة على العادة المتبعة في البحرين .

و قد جدد بناؤها مؤخرا عام 1995م . و تولى رعايتها الوجيه الحاج ميرزا بن الحاج طاهر التحو .

آثار اقتصادية :

كما أشرنا أن العامل الاقتصادي كان هو المحفّز الأول لانتقال الكثير من الأحسائيين إلى البحرين تلك الفترة , و قد وجد أغلبهم تلك الضالة فقد كانت تحويلاتهم النقدية لعائلاتهم , تسهم في إنعاش أهاليهم .

و كما أشرنا سابقا إلى فقد برزت أماء تجارية مهمة في تجارة المواد الغذائية و صناعة البشوت و العباءات و قد نوّع بعضهم أنشطته إلى الصرافة و الذهب .

و من الأدوار التي كان يقدمها التجار الأحسائيون , تأمين مدخرات العاملين الأحسائيين سيما الفلاحين الذين كانت طبيعة عملهم تفرض التنقل من قرية لقرية و كذلك نقل بعض أموالهم إلى ذويهم في الأحساء .

و قد كوّنت الخبرات المتراكة لدى تجار التجار الأحسائيين في البحرين الثقة فيهم مما دفع الحكومة السعودية إبان اهتمامها بتطوير مدينتى الدمام و الخبر بدعوة الكثير منهم لتملّك الأراضي مجانا في الخبر و نقل مراكزهم إليها , قد استجاب لهذا العرض عدد منهم حققوا بعده تطورا كبيرا في مكانتهم التجارية .

آثار تعليمية و ثقافية :

إن انتعاش الأعمال التجارية و الحكومية في البحرين مبكرا , أوجد حاجة لطبقة من المتعلمين تعليما نظاميا ,و رغم ذلك فقد كان من أعمال الإرسالية الأمريكية افتتاح مدارس لتعليم الأبناء إلا أنها لم تلق استحسانا من الأهالي الذين كانوا يتوجسون من تأثيرات تولّي المبشرين أمر تعليم أبنائهم , فبعضهم أقتصر على التعليم التقليدي لدى المطوّع , و حدثت بعض الجهود المبكرة لسد هذا الخلل من قبل بعض المثقفين لإنشاء مدارس و افتتاح مراكز ثقافية , من أهم تلك الجهود أثمرت إنشاء مدارس كالهداية الخليفية بالمحرق1338هـ 1919م ) و قد ألتحق بها قليل من أبناء القصيبي في فترات مختلفة .

ثم افتتحت المدرسة الجعفرية عام 1929م, و التحق بها مجاميع من الطلاب .

و مدرسة عبد الرسول التاجر التي كانت تعرف ب(المدرسة الأهلية )و قد كانت تمثل حالة متقدمة حيث كان هذا الأستاذ يقدم دروسا في اللغة الإنجليزية و الرياضيات و الكتابة على الآلة الكاتبة الإنجليزية , و قد التحق بها عدد من المخايطة الأحسائيين كالشيخ جواد الرمضان المؤرخ الأحسائي في الفترة المسائية إبان عمله بالخياطة في المنامة .

كما تدرّب بعض الأحسائيين على مهن جديدة كالخياطة الرجالية المقيّفة و الدقيقة أمثال السيدإبراهيم الهاشم أخيه السيد هاشم و الحاج محمد بن محمد البقشي , و تدرّب بعضهم على مهنة التصوير لدى مصوّرين إيرانيين كالحاج جمعة بن حسن الخليفة , تدرب عدد منهم على أعمال التمريض و زرق الإبر كالممرضين الشهيرين إبن بطيح و بن شناط .و صارا يمارسان عملهما في الأحساء .بعدها .

بالإضافة لوجود المدارس كان للمكتبات المنتشرة في البحرين كمكتب التاجر و الدور في إمارة المهتمين من الأحسائيين بالثقافة و برز من الشباب الأحسائيين في البحرين في الأربعينيات و الخمسينيات الميلادية من يقتني الكتب و المجلات كالأستاذ محمد بن حسين آل الشيخ علي الرمضان و أخوه الشيخ جواد و الحاج معتوق البوحليقة و الحاج أحمد الحسن البراهيم و عدد من أبناء أسرة آل بن الشيخ , شكّل هؤلاء جذوة طيبة في وعي مجتمعهم و لتحفيز التحاق أقرانهم و أبنائهم في الأحساء , بل كان لبعضهم دور مهم في نقد الوضع المتواضع للمنبر الحسيني في الأحساء لذا كان لهم مسعى لتطويره بتكوين جماعة واعية تنقد الخطباء و تهيّء حالة من الوعي تجاه مسؤوليات الخطيب .

كما أورثت سخونة الأجواء السياسية في البحرين إبان الاحتلال البريطاني الحماسة الوطنية و الاهتمام بهذه الشؤون و متابعتها خاصة خاصة مع استيقاظ الحسّ العروبي و تصاعد الاهتمام بضرورة تحرر البلدان العربي حينها من الاستعمار . وكانت تذكي كتابات الوطنيين البحرانيين الحماسة في نفوس متابعيهم .

و قد كانت سنّي الحرب العالمية الثانية قاسية على الجميع فقد عاشها الأحسائيون هناك كما عاشها أهل البلد و عاصروا ما عانوه من التقشّف , و استعمال البطاقة التموينية , بل أن بعض من عانى من شظف العيش في الأحساء لجأ للبحرين فوجد أنه كالمستجير من الرمضاء بالنار حيث الأوضاع كانت أقسى و عموما كانت الحكومة البريطانية التي وجّهت إذاعة عربية عمل في تحريرها إذاعتها بعض العرب كسالم العريض و الشاعر إبراهيم العريض و ال, أشاعت قدرا من الاهتمام بالشأن العام , و إن كانت محط نقد من بعض الوطنيين لتبنيها أولويات البريطانيين و تسويقها لهم .

آثار اجتماعية :

يمكن اعتبار الاستيطان الذي أشرت إليه سابقا من أهم الآثار الاجتماعية للإقامة في البحرين .

مضافا المصاهرات و هي التي عادة تركز بقاء المهاجرين و تشدهم بمجتمعهم الجديد , فقد تمازج الأحسائيون بالمصاهرة مع كثير من أبناء المجتمع البحراني بالمصاهرة سواء مع الأسر ذات الأصول البحرانية القديمة أو من ذوي الأصول الفارسية الذين يعرفون بالعجم .

و بما أن عددا كبيرا من الأحسائيين يعمل في إنتاج و تصنيع و تسويق البشت الحساوي , الذي يعد لباسا عاما للناس حينها , لكن من أهم الزبائن في تلك الفترة . حكام البلد الذين يعدون مستهلكين رئيسيين لهذه السلعة , مضاف إلى كبار رجال الأعمال و التجار و أعيان البلد , و بذلك توطّدت علاقات حسنة و وطيدة مع هذه الأطراف .

و نشأت من طبقة التجار و معازيب البشوت الأحسائيين طبقة من الوجهاء كان لهم أثر حسن, حيث يلجأ لهم الأحسائيون عندما تواجههم مشكلات نظامية أو يتصدون في حالة وفاة أحد الأشخاص فيرتبون أمر تجهيزه أو التكفلّ بإيصال عائلته إلى الأحساء و كان للوجيه الحاج طاهر التحو أياد بيضاء في هذا المجال .كما كان يتشفّع في بعض من يتسلل من الأحسائيين بطريقة غير نظامية ( دون جواز سفر ) فيستصدر له ورقة مرور تخوّل له الرجوع للأحساء .

ومن كرام الأحسائيين الحاج ملا الجزيري وهو من أهالي التيمية و كان يعمل في تقبيل النخيل , وكان يقيم قراءة حسينية في أغلب المناسبات و يقدّم المعروض في أغلبها و كان منزله في السلمانية التي كان أغلبها بساتين حينها مأوى للكثير من الأحسائيين الواردين إلى البحرين للزيارة أو العلاج أو البحث عن عمل .

و نظرا لأن البحرين كان مستعمرا من قبل البريطانيين ( بتفوقهم العلمي ) كانت المخترعات و مظاهر الحضارة الحديثة تصل إلى البحرين أولا فاكتشاف البنسلين مثلا و الأدويةالأخرى على الصعيد الطبي , المذياع و بعض المكتشفات , بل و بعض مظاهر الحياة كالجلوس في القهوة , و الذي كان غير محبب في الأحساء , يعد حينها شكلا من أشكال الترفيه الذي يحظى به الأحسائي المهاجر خاصة إذا علمت أن عددا من هؤلاء يخرج من الأحساء في سن صغيرة , ربما كانت في حدود الثانية عشر .

و جرّاء ذلك جرت على الألسن مقولة ( ما خلوا شيء أهل البحرين ) !!

و قد شكّل الوصول للبحرين فرصة ربما كانت صدمة حضارية , فبعضهم ربما كان يرى غير المسلمين لأول مرة في حياته , أو ربما لأول مرة في حياته ينظر إلى امرأة أوروبيةو سافرة !! حيث أن أغلبهم أعتادوا على أن يرى النساء يلبسن العباءات السويعيات و لا يظهر منهن قلامة أظفر!!! كما ذكر لي بعض المعاصرين ,أما في البحرين فقد يصعق من اعتاد على هذا المنظر أن يرى النساء الأوروبيات بكامل زينتهن يتجهن للكنيسة كل أحد !!!و أما وجود الكنيسة فهذا منظر صادم آخر !!

حيث كان الكثير منهم و من باب الفضول يتسلل لمشاهدة ما يحدث فيها !و طبعا كان ذلك مرحب به جدا من رعاية الكنيسة .

و كما أن الخروج المبكّر و في سن صغيرة من الوطن , يشكل مغامرة .و ربما تورث الكثير من الثقة بالنفس و تدّرب الشاب على مواجة الحياة إلا أن بعض من خرج ربما تعرض للانزلاق غير محمود في مجتمع آخر أكثر انفتاحا و هذا ما حدث لشريحة قليلة جدا إلا أن الوضع السائد لدى الجالية الأحسائية هو الالتزام العام .

الترفيه:

يحتاج المغترب إلى التسلية , خاصة إذا كانت المهنة التي يعمل فيها مجهدة , متعبة , لذا شأن المهن التي أمتهنها الأحسائيون كالخياطة و الفلاحة و النجارة و البناء.

أما الخياطين , خاصة في مجالس الخياطة كانوا يقطعون ما يصيبهم من ملل , إما بالدعابات و بعض القصص , التي كانوا ربما نسجوها من خيالات بعضهم حتى صار من المألوف لمن يسمع أمرا يصعب تصديقه يقول للناقل ( سامعه في مجلس مخايطة!!!) ؟

و كذلك بعمل المقالب و إطلاق النكات التي تحتاج إلى حس ساخر و خيال خصب !و منهم المرحوم الحاج هلال العبد العزيز بو جباره , الحاج عبدالله الحسين بو جباره رحمهما الله ,و كانا يمتازان بخفة الظل و حبكة آسرة في الحديث, حتى أني أظن أن المرء لو أحصى ما نقله هذان الظريفان و أضرابها لخرجنا بمجلدات من النكات .

كما يمكن لأي أحدهم بعد أن يقصد المقاهي الموجودة في المنامة و التي تتحول في الغالب إلى مطاعم وقت الوجبات كمقهى مندلي , و مطعم أبل و مطعم حسين كازرون ببراحة الجامع و مجمّع سينما الحمراء و اللؤلؤة و مطعم خورشيد للباجة .

كما يرتاد بعضهم دور السينما التي كانت منتشرة في البحرين كسينما الزياني في البديّع , و سينما القصيبي قرب باب البحرين و سينما أوال و سينما البحرين ..

كما يمكنهم ارتياد حديقة (الباخشة) و أصل الكلمة فارسي ( باغي شاه ) و صحّفت إلى الباخشه, هي حديقة تقع في المنامة و كان لها بابان شمالي يفتح على فريج كانو و الفاضل و جنوبي يفتح على فريج الحمام و المخارقة و كانت تضم أصنافا من الحيوانات كالأسود و النمور و حمار الوحش و طيور كالكاسكو غيرها .و بها نباتات كالمانجوو الكنار و غيرها و كانت فرقة موسيقية تابعة للشرطة تقدم معزوفات كل عصر أثنين و خميس فيجتمع زوار الحديقة للاستماع لهذه المعزوفات و قد أزيلت من الحديقة عام 1952م و في هذه الحديقة كان يعمل مجموعة من الفلاحين الأحسائيين كالحاج محمد بن حسن البقشي من قرية الجبيل .

أو ربما قصدوا البساتين القريبة من المنامة للتنزه و السباحة في عيونها .

نهاية العصر الذهبي :

تعتبر الفترة ما بين الخمسينيات إلى أواسط السبعينيات ذروة وجود الأحسائيين الذين كانوا يقيمون في البحرين , حيث أن أعدادهم بدأت تتقلص , بسبب تحسن الوضع المعيشي في المملكة التي دخلت مرحلة الطفرة الاقتصادية ففضل الكثير من المهاجرين الأحسائيين الرجوع إلى الوطن , خاصة أنه كان في فترة نهوض و توفرت فيه الفرصة للأرباح السريعة ,

كما وجدت تسهيلات للرجوع خاصة مع تنامي مدن جديدة كالدمام و الخبرفي الخمسينات و الجبيل أواخر السبعينيات و بداية الثمانينيات الميلادية .

و قلل ارتفاع مستوى الخدمات الصحية في المملكة الحاجة للعلاج في البحرين ..

كما استوعبت قطاع صناعة النفط و إنتاجه في المملكة و أعدادا كبيرة من أصحاب المهن التي كان من المعتاد لمثلهم الهجرة إلى البحرين , كذلك الحال في الصناعات التحويلية و غيرها كما أنخرط عدد منهم في الوظائف الحكومية في المملكة .

كل ذلك و أسباب أخرى أدت إلى ضعف الهجرة حتى جاءت أواسط التسعينيات حيث شكّل تزايد استقدام العمالة الآسيوية و دخولها صناعة البشوت ضربة قوية لصناع البشوت المحليين مما جعلهم أعداد قليلة جدا في البحرين .

كما حوّل بعض المشغلين الرئيسين لمخيطي البشوت نشاطاتهم إلى العبي النسائية بشكلأ أكبر أو لتجارة الذهب أو العطورأو الصرافة أثر في ضعف اجتذاب الأحسائيين أيضا .

و طبعا هذا لا ينفي وجود عدد لا بأس به من الأحسائيين الآن في البحرين حتى ممن يحمل الجنسية السعودية إلى الآن .

استفدت من مادة الموضوع بمستويات مختلفة و في فترات متباعدة من كل من :

1- المؤرخ الكبير الشيخ جواد بن حسين الرمضان .

2- المرحوم الحاج أحمد الحسن البراهيم .

3- المرحوم الحاج معتوق بو حليقة .

4- المرحوم الحاج موسى ال بن موسى .

5- الوالدة الحاجة فاطمة بنت أحمد البقشي .

6- الحاج علي بن عبدالله الجعفر .الفداغم .

7- الحاج محمد بن علي البقشي ( بو نبيل ) .

8- الأستاذ المهندس مهدي بن ياسين الرمضان .

9- الأستاذ صادق بن ياسين الرمضان .

10 – الأستاذ أحمد بن عبدالله العبد النبي.

11- الأستاذ عبد الوهاب بن طاهر الحمد .

12- الأستاذ محمد بن عبدالله الغزال .

13- الأخ زكي بن حمد بن صالح الحمد .

14- الحاج محمد بن محمد البقشي .

15- الحاج علي بن أحمد السلمان العلي .

16 -المرحوم الحاج هلال العبد العزيز بو جبارة .

17 – الحاج عبدالله الحسين بو جبارة .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بقلم: أحمد بن حسن بن علي البقشي
الأحساء الهفوف – المملكة العربية السعودية