pppopترتبط مسميات قرى البحرين بعدد من الاعتبارات، فقد تنتسب إلى المكان قبل وجود القرية مثل الجبيلات وسند؛ أو تنتسب إلى بعض معالم المكان قبل وجود القرية مثل مهزة (وهي عين مائية)، اسم إحدى قرى جزيرة سترة، وهرتي إحدى قرى الماحوز والتي سميت باسم العين الموجودة بها أيضاً؛ أو تنتسب إلى المكان قبل وجود القرية مثل جدحفص أو جد الحاج؛ أو تنتسب إلى أول من سكنها أو أسسها مثل أبوبهام أو أبوصيبع؛ أو تنسب القرية بأثر أحدثه أول من سكنها مثل منامة. إلا أن الجدل محتدم حول اعتبارات تسمية قرية عراد بهذا الاسم، إلا أن الراجح أنه قديم، إذ يقول المؤرخ ناصر الخيري عن هذه القرية: «مدينة (أرد) وموقعها بجزيرة البحرين الثانية (المحرق) وهي من المدن القديمة لورود ذكرها في كتب اليونان بهذا الاسم، ولايزال اسمها يأتي بتحريف قليل حيث يقال «عراد».

 

ويرجع أصل تسمية عراد بهذا الاسم إلى (أرادوس) وجرى تحريفه كما يذكر محمد علي التاجر، وقد عدّ الشيخ النبهاني عراد إحدى قرى مدينة الحدّ، وقال إن «بها نخيلاً وآباراً وعيوناً كثيرة». ويقول الشيخ التاجر: «عراد وهي شبه جزيرة بارزة في البحر، حائط بها من ثلاث جهات… وهي ذات بساتين باسقة وعيون كثيرة ذات مياه صافية غزيرة». ويضيف أنها كانت في العصور القديمة «مدينة عظيمة سكنها الفينيقيون قبل أن يذهبوا إلى فينيقية بقرون… وتعرف عند الفينيقيين باسم (أرادوس)».

وفي اللغة عرّد عنه إذا انحرف وبعُد، يقول الزمخشري: «وسمعت في طريق مكة صبياً من العرب وقد انتحى عليه عبيره: شربته فعرّد عني. وعرّد النجم: غار. قال حاتم:

وعاذلةٍ هبّت بليل تلومني… وقد غاب عيّوق السماء وعرّدا

وعرّد الماءُ قَلص. قال رؤبة: ومنهلٍ معرّد الجِمام (الزمخشري: أساس البلاغة)، فهل كان أهالي البحرين القاطنون القرى والمدن البعيدة عن القرية كانوا يطلقونه عليها لأنها بعيدة نسبياً؟ ربما.

تقع قرية عراد إلى الشرق من مدينة المحرق وغربي الحد. (هناك مدينة تُسمى «عراد» في النقب بفلسطين المحتلة) وتوجد في هذه القرية القلعة التي بناها سعيد بن أحمد لما كان والياً عليها في عام 1215 هـ، فقد احتل العمانيون القرية في بداية القرن التاسع بعد معارك طاحنة بينهم وبين أهل القرية. ويقدر عدد سكانها حتى نهاية 1991 بنحو 11,040 نسمة.

ويظهر أن قرية عراد كانت أشبه بمنتجع سياحي أو محطة ترانزيت لأهالي جزيرة المحرق والحد نظراً لوفرة عيونها وبساتينها ونخيلها، وهذا ما يظهر من عبارة النبهاني «… وبينهما (يقصد بين الحد وعراد وبين الأخيرة والمحرق) جَون من البحر، يمكن للدواب خوضه في وقت الجزر للاستقاء من عيون عراد». كما يذكر التاجر أن «شرب» أهالي حالة النعيم وحالة الخليفات وحالة السلطة كان من «عيون عراد».

ولقد كانت هذه القرية المكتظة بالنخيل – كالكثير من قرى البحرين حتى منتصف القرن الماضي – غابة خضراء وبستاناً كبيراً تحفّه الأشجار من كل جهة، فقد كانت غنية بالثروة المائية – المنبع الأساسي لازدهار الزراعة – وكان أهلها يعتمدون في معاشهم على تربية المواشي وعائدات المحاصيل الزراعية. كما كان الكثير من الأهالي يتخذ من البحر مجالاً للتكسّب مما في جوفه. فقد كان «أكثر أهلها يحترفون الفلاحة والغوص وصيد الحوت». كما يذكر محمد علي التاجر.

ومما ساهم في مضاعفة أهمية عراد أن جزيرة المحرق نفسها ظلت حتى نهاية الثلاثينيات من القرن الماضي مركز السلطة السياسية والازدهار الاقتصادي في البحرين، فقد سكنتها العائلة الحاكمة والقبائل التي ارتبطت معها بتحالفات ذات عمق تاريخي، وكانت فيما مضى مدينةً مسوّرةً مقسمةً إلى خمسة عشر حياً سميت بأسماء القبائل العربية أو بعض أفخاذها، إلا أن عوامل مجتمعية تظافرت وقلّلت من أهميتها من النواحي السياسية والاقتصادية والسكانية، خصوصاً بعد اضمحلال صناعة اللؤلؤ في الثلاثينات ونقل إقامة الحكم إلى مدينة المنامة والصخير وأخيراً الرفاع.

ويذكر النبهاني أنه في العام 1800/ 1215هـ، هجم حاكم مسقط سلطان بن أحمد بأسطوله الشراعي بشكل مباغت على البحرين واستولى عليها، وأرسل حاكم مسقط أخاه سعيد حاكماً على البحرين ونزل فور وصوله بقرية عراد، وبني على ساحلها الغربي الشمالي (قلعة) منيعة تحصنوا فيها، تنسف رواية النبهاني فيما يخص بناء العمانيين للقلعة، إذ دلّت تنقيبات أثرية حديثة أن «هذه القلعة لم تكن في الأصل قلعة عمانية كما كان الاعتقاد سائداً من قبل، ولكن المرحلة الأخيرة بنيت داخل جدران قلعة برتغالية كما توضح الخرائط البرتغالية القديمة للبحرين كتلك الموجودة في المكتبة الوطنية في باريس».

وفي بعض الفترات التاريخية التي استشرت فيها مظاهر الأمن الاجتماعي حدثت إثر ذلك هجرات واسعة النطاق، لكثير من العائلات التي حاولت النفاذ بجلدها والابتعاد عن خطوط المواجهات الدامية، وهاجر عدد من العائلات من قرية عراد إلى المنامة وقرية السنابس وبقية القرى، ومازالت هذه العائلات تلقب بـ «العرادي»، وهكذا الحال مع عائلات مثل عائلة الوداعي المنتشرة في قرى باربار وكرانة ورأس رمان. بل لقد اضطرت هذه الأحداث المؤسفة إلى نزوح البحرينيين إلى خارج البلاد كهجرة بعض أهالي السنابس إلى السعودية بالقرب من الأحساء وأنشأوا قريةً خاصةً بهم أسموها «السنابس» أيضاً!

ويشير الباحث الهولندي ب. ج. سلوت في كتابه «عرب الجزيرة» إلى أنه: «كانت للقطيف روابط اقتصادية وثيقة مع البحرين، وفي مطلع القرن السابع عشر قامت هجرة كبيرة من البحرين إلى القطيف»، كما يؤكد حدوث هجرات موسمية متبادلة بين المكانين. والنماذج على هجرة العائلات البحرينية إلى الداخل والخارج أكثر من أن تحصى.

وسام السبع صحيفة الوسط البحرينية – العدد 3657 – الثلثاء 11 سبتمبر 2012م