001مارس شهر استثنائي في تاريخنا الوطني، مع بداية هذا الشهر انتشر منشور الكتروني في الهواتف يعدد مافي شهر مارس من مناسبات وأحداث هامة، الا أن هذا المنشور لا يغوص في التاريخ الى أكثر من مرحلة التسعينات. لا تزال التسعينات حاضرة في الذاكرة، الا أننا يجب أن لا ننسى موقع مارس في تاريخ النضال الوطني الممتد لأكثر من 90 عام. وقد تحدثت زاوية التاريخ والتراث عن انتفاضة مارس 1965م في الاسبوع الفائت، واليوم سيتناول هذا المقال حادثين يوضحان الأوضاع العامة في مارس 1956م.

1. الحجارة في استقبال وزير الخارجية البريطاني 2 مارس 1956م.

في طريقه من لندن الى كراتشي، زار وزير خارجية بريطانيا سلوين لويد البحرين. وصلت الطائرة لمطار البحرين في المحرق حيث كان حاكم البلاد سلمان آل خليفة في مقدمة المستقبلين بمعية المستشار تشارلز بلكريف والمقيم البريطاني برنارد باروز، ثم توجه موكب الوزير الى مقر المقيمية البريطانية بالجفير، وفي هذه الأثناء صادف أن مر الموكب بجوار ملعب لكرة القدم، حيث عدد كبير من الجمهور يشاهد المبارة، وما ان لمحت الجماهير الموكب حتى استعدوا لاستقباله بالحجارة، وقد كان هذا الحادث العفوي معبراً ً عن مشاعر الغضب الشعبية اتجاه الاستعمار البريطاني وعن تطلع جماهير شعب البحرين إلى الاستقلال.

jmaheeeeeeeeeeeer

من التجمعات الشعبية أيام هيئة الاتحاد الوطني

يقول رودريك أوين، وهو شاهد بريطاني على الأحداث:-

(( … أخذت السيارات الواحدة تلو الأخرى تحط أمام الجمهور وكأنها عصفور يرتمي في عشه، وأصبحت مهاجمتها ضرباً من ضروب العبادة الراقصة. تقدمت سيارة الحاكم الروزرايس مضاءة في داخلها، وهو جالس في مقعدها الخلفي لا يلتفت اليمنة ولا اليسرة، متطلعاً امامه يرقب الناس.

للوهلة الأولى أُخذ الجمهور بهذا المشهد، توقف قليلاً، ثم اندفع بعضهم الى سيارة الحاكم وهاجموها بسرعة البرق وقفزوا الى الوراء متسترين بالجماهير. وهكذا أخذت تطل علينا السيارات بعضها محطم الزجاج، والبعض الآخر يقل سكرتيرات سلوين لويد، فما كاد الجمهور يرى الاناث داخل السيارة حتى تراجع الى الوراء تاركا إياها تسير على هداها…))

2. مجزرة البلدية 11 مارس 1956م.

في سوق الخضار، اعتاد الباعة الفقراء عرض بضاعتهم على الارصفة، وهو الأمر معتاد رغم كونه مخالفاً لقوانين البلدية، ومع مرور مفتش البلدية صادف احدهم يفترش الرصيف، فذهب اليه ليجبره على نقل بضاعته، الا أن الأسلوب الفظ للمفتش أدى الى وقوع مشادة كلامية بين الاثنين، حيث رفض البائع اوامر المفتش فما كان من المفتش الا أن استعان بأحد الشرطة الذي تدخل في الموضوع واعتدى على البائع بالضرب، وهنا ثارت ثائرة الباعة، فهرب الشرطي والمفتش الى مقر البلدية فلاحقهم الباعة، وتجمعوا أمام البلدية مطالبين بتسليم الشرطي الذي اعتدى على البائع.

كانت الاجواء متوترة جداً والغضب يلوح على وجوه الباعة المعتصمين أمام البلدية، وهناك وقفت مجموعة من الشرطة تحاول تأمين مقر البلدية، استمرت الاحداث منذ الصباح حتى الثالثة عصراً، وأمام اصرار الباعة على معاقبة الشرطي المعتدي لم يجد مرتزقة الاستعمار الا اطلاق النار على الجماهير فاستشهد يومها سبعة وجرح 15 فكان يوماً ً حزيناً في تاريخ البحرين.

كانت من تداعيات هذه المجزرة أن تفجر الغضب وتصاعد الحراك فأضرب العمال وأغلقت الأسواق، وتصاعدت المطالب باقالة بلجريف ومحاكمته كونه قائد الشرطة والمسؤول المباشر عن قتل الشهداء، وأصبح الوضع خطيراً ً جداً مما استدعى استقدام تعزيزات عسكرية بريطانية من الخارج.

001

الجمهور في مواجهة الشرطة أمام البلدية ..

يقول الاستاذ عبدالرحمن الباكر واصفاً ً الأوضاع بعد المجزرة:-

(( … ذهب ضحية هذا العمل الإجرامي 7 من المواطنين وجرح 10 مما أثار حقد الشعب على الوضع الراهن وعلى هذه الأعمال التعسفية، فأعلن الإضراب الشامل 9 أيام وكان إضراباً لا مثيل له أستعملت فيه وسائل العنف ضد الشركات الأجنبية وضد الحكومة وضد الأجانب الغربيين حتى بلغ الأمر أن استدعت الحكومة البريطانية قوات كبير من قواتها في العراق وقبرص والشارقة.))

وهنا يصف الباكر صمود الشعب وتشييع الشهداء :-

(( … إن الشعلة المقدسة، شعلة الحرية التي أضاءت نفس كل عربي في البحرين منذ ثلاث سنوات، يوم أعلن الشعب عرفه على الكفاح من أجل كرامته المهدورة، واسترجاع حقوقه المغتصبة، لا تزداد على مر الأيام الا إلتهاباً وتأججا والشعب مصمم على بلوغ أهدافه مهما كلفه ذلك من ضحايا ودماء.

إن الشعب العربي في البحرين مفتون بحريته كأي شعب ناهض، ولا بد للحرية من ثمن، والشعب على أهبة الإستعداد لدفع هذا الثمن مهما كان غاليا وهو باسم الثغر عميق الرضا، ولذلك فقد شيع ضحايا العدوان الأخير بموكب هازج وكأنهم يزفون إلى أزواجهم.))

—————-

ملاحظات ختامية

1. اعتمدنا بدرجة كبيرة على نص محاضرة الباكر التي عنوانها " الأوضاع السياسية في البحرين والأحداث الأخيرة فيها" والتي ألقيت في مصر عام 1956 بعد احداث مارس وقبل ضرب الهيئة.

2. اعتمدنا على ترجمة الدكتور فؤاد اسحق الخوري عن كتاب رودريك أوين The Golden bubble وقد صدر في 1957 ولم يترجم مع الأسف رغم أهميته التاريخية.

3. لا تذكر المصادر أسماء شهداء البلدية، ولم نعرف منهم الا الشهيد ميرزا عبدالحسين من رأس رمان، وهنا ندعوا كل من لديه معلومة في هذا المجال أن يفيدنا.

4. تختلف المصادر في عدد الشهداء بين سبعة وتسعة، والراجح عندي هو سبعة.

وفي النهاية لم يتبقى الا أن ندعوكم لمشاهدة هذا التقرير عن الوضع في البحرين بعد مارس 1956م.

http://www.youtube.com/watch?v=UNS7liygK2U


بقلم الاستاذ: علي إبراهيم السلاطنة