الديرلاشك أن لذكريات الماضي حنينا خاصاً، قد لا نستطيع وصف هذا الحنين وتلك المشاعر الجميلة ، ببضع كلمات او خربشة سطور.

فالنستعد لإدارة عقارب الساعة للوراء ، و السير بعكس ساعة الزمن لنعيش تلك الذكريات عبر كتابة الاستاذ حسن عيسى الوردي التربوية الممتعة حيث نرى فيها فصولاً من تاريخ قرية الدير انعكس من خلال هذه المقالة.

حيث يقف الاستاذ على ضفاف تلك الذكريات التي بدت وكأنها موج كبيرٌ متلاطمٌ ، ليأخذنا في رحلة لتلك الأيام الجميلة لماضينا العريق، وذلك بالإبحار معه في سفينة الذكريات (على ضفاف الصّبا)

وهو الإسم الذي اختاره لنكون معه فيه.

علماً بأن هذه الذكريات (على ضفاف الصّبا) هي هدية خاصة لجميع أهالي قرية الدير والمهتمين بها يقدمها حصريا عبر منتدى الدير. وحرياٌ بنا ان نتقدم بالشكر للاستاذ حسن عيسى الوردي على جهده المبذول في كتابة تلك الذكريات وتوثيقها لتصل كتحفة فنية من الجيل السابق للجيل اللاحق.

على ضفاف الصّبا

للاستاذ حسن عيسى الوردي

الجزء 2

ثانياً فصل الخريف :

في شهر سبتمبر يبدأ فصل الخريف الذي لا نعرف له وجود في البحرين لكن في هذا الفصل عادة تنخفض درجة الحرارة و ترتفع نسبة الرطوبة ، وقد اعتبر أحد الرحالة القدماء الذي زار البحرين في هذا الوقت بأنها مكان غير صالح للسكن ( إذا تناصف من أوال قيظها … ودنا الشتاء بها فبئس المسكنُ ُ) وبالفعل يصبح من المزعج النوم في العراء أو على سطوح المنازل .

في هذا الفصل نودع الصيف وما فيه من سباحة ولهو بري ونستعد بنوع من الضيق في استقبال العام الدراسي الذي يبدأ في أكتوبر بعدعطلة طويلة حافلة بالنشاط والحركة . وفور افتتاح المدارس تتغير الكثير من عاداتنا التي درجنا عليها في أشهر الصيف ، فالسباحة في البحر ليست بذات متعة مثل الأشهر الحارة كما أن موسم الرطب في سبيله الى الانتهاء ، لكن ما يسلّينا في هذا الفصل أنّ كثيراً من الطيور المهاجرة تفد الي البحرين في موجات متتالية ، حيث نستمتع بمطاردتها وصيدها . كما تصل الى البحرين في بعض السنوات أسراباً ضخمة من الجراد الصحراوي في موسم هجرتة من شرق إفريقيا الى وسط وشرق شبة الجزيرة العربية ، ورغم أن الجراد من الحشرات التي تؤدي الى تلف الكثير من النباتات لشراهته الشديدة في أكل كل شي أخضر ، لأن من المعروف أن الجرادة الواحدة تأكل ما يقارب وزنها من النبات يوميا ! فلك أن تتصور ما تحدثه الأسراب المليونية من الجراد إذا نزلت في البحرين ، ولكننا نحن الصغار نتخد من هذا الموسم فرصة لصيدة وأكله بعد سلقه طبعاً في تلك الفترة التي لا تستخدم فيها المبيدات الحشرية لقتل الجراد ، أما في هذا الوقت فيندر أن تجد هذه الأسراب من الجراد ، وإن وجدت فأعدادها قليلة وغير صالحة للأكل لتلوث أجسامها بالمبيدات الحشرية ، ومن ذكريات الجراد أنه وفي إحدى السنوات سمعنا أنّ أحد المنازل يوزع على الأطفال في ( الناصفة ) في منتصف شهر شعبان كميات من الجراد المسلوق والمملح بدلاً من المكسرات والحلاوة ، فتكدس الكثير من الصبية وأنا منهم في ذلك المنزل لأخد نصيبه من ذلك الجراد اللذيد!! ومن الأمور التي نسمعها ولا ندري مدى صحتها أن وجود الجراد الصحراوي في وقت مبكر في الخريف مؤشر على كثرة تساقط الأمطار في هذه السنة !

عادة ما ينتهي هذا الفصل بسرعة بين الواجبات المدرسية وامتحانات الفترة الاولى والثانية .

ثالثاً فصل الشتاء :

لأنّ هذا الفصل واضح المظاهر بالنسبة لنا ، عادة ما يتميز بذكرياته عن بقية الفصول ، ونستقبلة نحن الاطفال

بمزيد من الفرح واللعب في الساحات و في مستنقعات الأمطار ، كما نلبس عند تساقط الامطار قماش من الخيش بطريقة تحمينا من البلل ، ونتيجة لانتشار بعض الأمراض الموسمية مثل نزلات البرد والتهابات الصدر والسعال الديكي والحصبة بالإضافة الى قسوة البرد يجهز لنا الأهل أكثر من ثوب ، ومن الأمور المألوفة أن ترى بعض الصبية يضعون على اجسامهم اعداداً من الثياب بعضها فوق بعض وغير متجانسة ! وربما ترى الثوب القصير هو الذي يعلو الأطول منه !

يبدأ الأولاد في هذا الفصل لعب بعض الألعاب الشعبية مثل ( الدوامة والتيلة والقيس ) وغيرها من الالعاب ، و يستمر هذا الفصل عادة من ديسمبر حتى فبراير ، ، ومن الذكريات التي مرت علينا في هذا الفصل ولا زالت محفورة في الذاكرة موجة البرد الشديدة التي ضربت البحرين حيث انخفضت درجة الحرارة بشكل لم نألفه وقد سجل مطار البحرين الدولي في 20 يناير 1964م المصادف الخامس من شهر رمضان المبارك عام 1383 هجرية أدنى درجة حرارة شهدتها البحرين فقد انخفضت الى 2،7مئوية وكنا في ذلك الوقت في الصف الخامس الابتدائي وأغلب الطلاب كانوا صائمين ، ولنتصور ما يرافق الصيام في هذه السن من إرهاق وتعب شديدين ، ونتيجة لامتلاء ساحات المدرسه بالمياه ، ووصولها الى مطار البحرين الدولي ، لم نستطع الحضور للمدرسة في الحادي والعشرين والثاني والعشرين من ذلك الشهر بسب البرد القارس حسب تعبير مدير مدرسة سماهيج الأستاذ مبارك المالود – مسجل في دفتر الاحوال اليومية – و لازلنا نحتفظ بالنسخة الأصلية من الكتاب –

ومن ذكريات ذلك اليوم أنّ الكثير من أولياء الأمور حضروا الي المدرسة لأخد أولادهم خوفاً عليهم من ماء البحر واشتداد البرودة ، وكانت رحلة العودة للمنازل شاقة جداً ونحن نعبر المستنقعات الباردة ، وفي الطريق الى منازلنا شاهدنا كميات كبيرة من الأسماك تطفو فوق سطح الماء بعضها تبدو ميتة وبعضها لازالت حية لكنها مشلولة الحركة!

وشاهدنا الكثير من الرجال من الدير وسماهيج يجمعون الأسماك الحية ويملحونها لتخزّن بعد أن توضع في الشمس لتجف .

وفي محاولاتنا استدعاء ذكرياتنا في هذا الفصل البارد يأبى الشهر الفضيل شهر رمضان المبارك إلا أن يأخد نصيبه الوافر منها ، وقد أحببت أن أضع هذه الفقرات مما بقي في قاع الذاكرة في هذا الفصل لان فيه كانت التجربة الاولى لنا في الصيام وكنت حينها في الصف الرابع الابتدائي في مدرسة سماهيج التي تبعد عنا اكثر من كيلومترين نقطعها مشياً على الأقدام وتحت رحمة الظروف المناخية المتقلبة ، ورغم أن النهار في هذا الفصل قصير نسبياً ، الا أن حركتنا الزائدة تستهلك الكمية القليلة من السكريات الموجودة في أجسامنا ، ويصيبنا جراء ذلك الكثير من الارهاق ، نظراً لحاجتنا الى الدفء ، وقد صادف كما سبق أن ذكرنا معاصرتنا لموجة البرد التي اجتاحت البحرين في شهر رمضان عام 1964م حيث انخفضت درجة الحرارة الى حوالي 2،7 م وكنت حينها في الصف الخامس الابتدائي .

فكيف يا ترى يمضي بنا نهار الصيام وليله في ذلك الوقت ؟ ،

تبدأ اُولى معاناتنا عند محاولة إيقاضنا من النوم العميق لتناول وجبة السحور ، حيث تبذل الوالدة رحمها الله الجهد الكبير في ذلك و تهيئ لنا الماء والشاي بالحليب و الخبز أوالبغصم و بعض مما يتبقى من وجبة الفطور ، وكم يصاب الاطفال جراء هذه الوجبة من حموضة في المعدة لا يتخلص منها البعض الا قبيل الافطار في اليوم التالي ! أمّا وجبه الافطار فلم يطرأ على بعض الاصناف الرئيسية منها أي تغييرسواء في أنواعها أو طريقة إعدادها خاصة الهريس والبلاليط ، والساقو واللقيمات مع الدبس "وعصائد النشا والقمح وخبيص العيش" أي الارز ، وقد قل عمل عصيدة النشا وعصيد العيش في هذا الزمن – أمّا في طريقة إعداد الصالونة وهو الطبق المفضل لعمل " الثريد " وهو تقطيع الخبز ووضع اللحم والخضار عليه فقد طرأ عليه بعض التغيير نتيجة إضافة بعض الأصناف من الخضروات كانت غير موجودة في ذلك الوقت أو لعدم تعود الاهالي على إضافتها مثل الكوسة والقرنبيط وبعض الدرنيات الاخرى ، أمّا ما نشاهده في هذه الايام من أصناف الوجبات المالحة منها والحلوة فليس لها وجود في ذلك الزمان ، ومن الطرائف التي لا تنسى نتذكر ما نقوم به من خلط الكسترد ببعض الماء والرمل لعمل عجينة نلهو بها في عمل بعض الاشكال ! وهذا الكسترد يجلبه زوج خالتي من بيوت الاجانب التي يعمل بها في شركة بابكو، حيث إعتادوا أن يعطونه بعض الأطعمة بمناسبة شهر رمضان المبارك ! و الكثير من الناس في ذلك الوقت لا يعرفون هذا الصنف من الطعام !

أمّا في ليالي الشهر الفضيل فنقضي جزء منه في ممارسة بعض الألعاب الطفولية الصبيانية مثل " الصعقير " وعرسّت " ولعبة " هدو المسلسل هدوه "إلا أن يحين موعد المحاضرة الليلية في الماتم الشمالي حيث نترك اللعب ونتوجه الى هناك للاستماع الى محاضرات المرحوم الشيخ محمد علي الناصري ، وهو يتناول سيرة بعض الرجال المجاهدين مع الامام علي ( ع ) والذين خاضوا معه الحروب المفروضه عليه في صفين وغيرها مثل عمار بن ياسر ومالك الاشتر ، وحجر بن عدّي وميثم التمار وهاشم المرقال ومحمد بن ابي بكر وغيرهم ، وقد شكلت تلك المحاضرات لنا ونحن صغار اللبنة الاولي في صرح المعرفة والتحرر من التغفيل التاريخي وذلك بادراكنا ونحن في تلك السن المبكرة ثورة الامام الحسين " ع " ودوافعها ، وأهدافها ، ولا زالت تلك الخبرات التي تلقيناها في ذلك الوقت تشكل القاعدة الأساسية الصلبة لثوابتنا التاريخية والعقائدية ، التي شكلت لنا مناعة لا تزعزعها الأراجيف والاقلام المشبوهة .

وبعد تلك المحاضرة نرجع الى البيت متعبين وننام مبكراً لنصحو قبل ساعة أوأكثر عن موعد آذان الصبح لتناول وجبة السحور ، وهنا عند هذه النقطة وأقصد بها الاستلقاء على ذلك الفراش القطني ، الذي يكاد يلتصق بالارض ، وفي ذلك البرد القارس ، حيث تصطك الاسنان ببعضها البعض ، نرمي بأجسامنا الهزيلة المنهكة بدون أن نغسل أقدامنا ونزيل ما علق بها من تراب خشية برودة الماء ! في هذه المحطة لم أستطيع أن أكتب فيها بسهولة حيث خنقتني العبرات الى حد البكاء و برز لي بوضوح صوت و صورة الوالد والوالدة وهما يتناوبان في تغطيتي بمختلف " الاقنعة " ولا يبتعدان إلا بعد ان يتأكدا من شعوري بالدفء " – ما أروع أن تحصل على العطف والحنان خاصة من الوالدين والأروع من ذلك أن تهب أنت هذا الحنان لاولادك وزوجتك وللناس جميعاً – ، (اللهم اغفر لي ولوالدي وارحمهما كما ربياني صغيرا واجزهما بالإحسان إحساناً وبالسيئات غفراناً) وما هي دقائق حتى نذهب في نوم عميق جداً لا ينهيه الا صوت الوالدة تحثني بحنان للجلوس الى وجبة السحور ، وبعد هذه الصحوة الثقيلة والوجبة الاثقل علينا أن ننتظر وقت الامساك والصلاة ثم نخلد قليلاً الى النوم وفي هذه الفترة عادة يصبح النوم عميقاً و لذيداً جداً ، ولكن يقطعه علينا الالحاح المتكرر لإقاضنا مرة اخرى للذهاب للمدرسة . وفي الطريق الى المنزل نتخد لنا مواقع للاستراحة والصلاة عند ما نمر بمنطقة سماهيج حيث اعتدنا ان نصلي في مسجد " رشيد " وهو مسجد صغير في مزرعة " نصر " وبعد الصلاة والاستراحة نستأنف رحلتنا الشاقة الى منازلنا في الدير .

ونحب أن نقف قليلاً في محطة ممتعة نترقبها في هذا الشهر ، وهي النصف من شهر رمضان وهي مناسبة مولد الامام االحسن عليه السلام ، في هذه الليلة مناسبتان ممتعتان الاولى " الناصفة " حيث نعد العدة لتك الليلة ونترقبها بفارغ الصبر فمجرد أن نفطر بدقائق ننطلق الى البيوت المجاورة لجمع مكسرات الناصفة المقتصرة في ذلك الوقت على الفول السوداني وبعض الحلويات والتين المجفف ، ومن الامور التي لا انساها ولا زالت عالقة في الذاكرة ، ما تعرضنا له في احدى المرات من مزاح شخص ولكن في غير محله وذلك في عندما فتحنا الباب ونحن ننادي " إعطونا الناصفة " وهي الكلمة الشائعة التي يرددها الأولاد في منطقتنا ولا نقول غيرها – وبمجرد أن دخلنا البيت وفتحنا اكياسنا على عجل ليضع فيها ذلك الشخص ملء يدة من الناصفة المفترضة ، ولكن بعد فترة شممنا رائحة أرز مطبوخ تنبعث من أكياسنا ! وكم أصابنا جراء ذلك من هم نغص علينا فرحة تلك الليلة نتيجة اختلاط الارز مع المكسرات – رحم الله ذلك الشخص المؤمن وأدخله الفسيح من جناته – والمناسبة الثانية هي ختم القران الكريم وما يعقب ذلك من تقديم بعض الاطعمة فور الانتهاء من قراءة بعض السور القصيرة والتي يعقبها بعد كل سورة دعاء يختلف "رتمه " ولحنه من منطقة لاخرى ولكن كلماته ومضمونه متشابهه والدعاء المعروف في منطقتنا هو بهذه الكلمات ( سبحان الله تقال ثلاثاً ثم الحمد لله ، ايضاً ثلاث مرات ، ولا الله الا الله ، الله اكبر، الله اكبر ، ولله الحمد ، وتقال هذه العبارات الاخيرة مرة واحدة .

وفي ذلك الزمن لا يتم دعوة الجيران و الاصدقاء الي هذه الختمة مثل هذه الايام وانما يقتصر ذلك على المجموعات المتفقه فيما بينها بيتين أو ثلاثة أو أكثر ويكون الختم في ليلة واحدة حيث تنتقل نفس المجموعة من منزل لآخر ، أما ما يقدم من طعام في هذه المناسبة في الستينات فتقتصر على الفواكه وبعض الأطباق التي تقدم في الفطور مثل الهريس وغيره ، وتقدم بعض البيوت شرائح الطماطم مع الملح مع الاطباق وهذا النوع الاخير مرغوب لدينا نحن الاطفال – ربما نتيجة حاجة اجسامنا الى الكثير من الاملاح نتيجة فقدها في العابنا وحركاتنا المستمرة ، وفي نهاية هذه الوقفات السريعة ، والذكريات الرمضانية ، المثيرة للوجدان أجد لساني يردد قول الشاعرأبو العتاهية وهو ينعى شبابه :

بكيتُ على الشّبابِ بدمعِ عيني فلم يُغنِ البُكاءُ ولا النّحيبُ

فَيا أسَفاً أسِفْتُ على شَبابٍ، نَعاهُ الشّيبُ والرّأسُ الخَضِيبُ

فيَا لَيتَ الشّبابَ يَعُودُ يَوْماً، فأُخبرَهُ بمَا فَعَلَ المَشيبُ

رابعاً فصل الربيع :

في شهر مارس تبدأ بشائر فصل الربيع ، حيث يعتدل الجو و يتبع هذا الاعتدال في درجة الحرارة قدوم الكثير من الطيور الموسمية المهاجرة من مناطقها الأصلية نتيجة لقسوة المناخ هناك ، ومناسبته لعيشها المؤقت في مناطقنا ، لأنّ هذا الوقت هو نهاية البيات الشتوي وخروج الكثير من الحشرات والقوارض من مخابئها و التي تعتبر الغذاء الأساسي لبعض الطيور .

وأحب هنا أن أذكر مسميات بعض الطيور بلهجتنا متجنباً أسمائها العلمية لذوي الاختصاص ( الشرياص بأصنافه مثل العربي والحساوي ولترمبه" و الخضيري ،و الاشول بتسمياته المختلفه مثل القحافي والرماني والدمبياني والقفصي والقوتبي " و الحمامي العربي والحساوي " ،و البصوه لزيان والياش ،و المدقي، و التسسيسي ،و الفقاقة ،و السمنة بألوانها المختلفة الحمراء والزرقاء " و عصفور خضرة ،والمرعاد ) ومن الطيور البحرية التي نصطادها ( القريوي ، الغواص ، أم جواد )

ومن طرائف خيالنا وخيال من سبقونا بشأن الطيور كنا نعتقد أن الطائر ذو الألوان الزاهية الجميلة هو الأنثى مثل البصوة والترمبه وغيرهما ، ولكن الحقيقة و في الغالب هي العكس، لأن من خصائص الحيوانات والطيور أن الذكر من الطيور هو الذي يمتاز بريشه متعدد الألوان ، فالبصوه ( لزيان ) هو الذكر و( لترمبه العادية او ما يطلق عليه اترمباوي عربي هم الذكور ! أما الشرياص الحساوي ذو الريش الباهت فهي الأنثى ! وتنطبق القاعدة لحد كبير على الحيوانات فنرى الاسد الذكر بفروه الطويل اللامع اما اللبؤه فصوفها قصير وباهت ، ومما يلفت النظر أيضاً في إصطلاح التسميات المحليةلبعض الطيور والحيوانات كلمة ( عربي ) حمامي عربي وخيل عربي وخروف عربي ! ، وعادة تطلق كلمة عربي لامتيازات إيجابية في الشكل أو الطعم أو الصفات الجسمية الأخرى ، ولا ندري هل إطلاق هذه المصطلحات ردة فعل لما يعانيه الانسان العربي من هدر لكرامته واسترخاص دمه ، وهو يسقط صفاته الأصلية على الحيوانات والطيور !! ولازلنا نقول ليت الانسان العربي عزيز في دمه وكرامته كعزة وكرامة بعض ألحيوانات والطيور !! —

وبوجود هذه الأنواع من الطيور تبدأ متعة الصيد التي لا تعادلها متعة بالنسبة لنا ، حتى أن الذهاب الى المدرسة يصبح من الأمور الثقيلة جداً على النفس ، خاصة اذا شاهدنا في طريقنا الطويل من الدير الى مدرسة سماهيج هذه الأنواع المختلفة من تلك الطيور ، وكم يأسرنا ويشدّنا هذا المنظر ونقرر عدم الذهاب إلى المدرسة ، حيث نخبيء حقائبنا في مكان آمن لحين إنتهاء اليوم الدراسي ورجوع الطلاب للمنازل ، لنرجع معهم وكأن شيئاً لم يكن !! ومن الطرائف المضحكة أن بعض الطلاب اختار كومة كبيرة من القش والاعشاب الجافة وخبأ فيها حقيبة كتبه ، وتصور أنه مكان آمن ، ولكن بعد نهاية الدوام ورجوعة لأخد كتبه تفاجأ ( بكومة ) الاعشاب قد تحولت الى رماد أسود ولا أثر للكتب والاقلام ! وذلك بعد أن قام عمال المزرعة بحرق هذه الأعشاب !! وهي عادة متبعة للتخلص من الأعشاب الزائدة وطرد بعض الحشرات ثم استخدام الرماد كنوع من السماد بعد خلطة بالتربة .

وتستمر بنا المتعة واللعب في هذا الفصل ، حتى تبدأ درجة الحرارة في الارتفاع وتغادر الطيور الموسمية أجواء البحرين ، ويقترب موسم الامتحانات النهائية وعادة ما نستقبل وقت الامتحانات بهدو تام ودون إعلان حالة الطوارى في المنازل كما يحدث هذه الأيام ! وعادة ما نذاكر للامتحان في ظلال بعض البيوت القديمة خارج القرية والبعيدة عن صخب المنازل ! ، لأنّ محيط البيت يكون حاراً في هذا الوقت من السنة ، وفور الانتهاء من الامتحانات تبدأ في حياتنا دورة جديدة من عالم الطفولة البري . .

إنها أيام لا تحتسب بحلاوتها وجمال لحظاتها فحسب وانّما استعادة أحداثها في هذا العمر والمرور أحياناً علي ما تبقى من مرابع الطفولة والصبا ، يبعث في النفس نوع من الحسرة ويجعلك تنسلخ من واقعك و تسرح في عالم الماضي البعيد بكل لهوه وصخبه ، و تضع يدك على صدرك وتزفر زفرة حارة ً وأنت تشاهد هذه الأماكن قد اغتيلت أمام عينيك ! المزارع دمرّت ، وغادرتها البلابل التي طالما ثنّفت أسماعنا بتغريدها العذب الجميل ، وحلت مكانها البيوت الأسمنتية ، البحر تراجع بعيداً وأصبحت مشاهدته والاستمتاع بمياهه والسباحة فيه نوعاً من الترف الحضاري !

أين أطفالنا اليوم من هذه الذكريات ؟ ! أي تراث طفولي سوف يصفونه عندما يكبرون ، لقد سُرقت الطفولة منهم ! واستبدلوها بمشاهدة بعض الأفلام الفارغة من أي مضمون ، حتى الكارتونية التي تكرس بعض القيم والمواقف الايجابية اختفت إلى حد كبير .

لقد تم غزو عقول الأطفال بملصقات وأوراق تنهمر على البيوت انهماراً ليس لتكريس ثقافة أو الحث على بعض الورديالأعراف والقيم النبيلة ، وإنما لتكريس ثقافة حشو البطون بالترويج لأنواع من التغذية البعيدة عن الرشاقة والصحة ! وتبشرهم يومياً بفتح المزيد من محلات الوجبات السريعة ، ومواقع المطاعم المنتشرة في جميع أنحاء البحرين لإفراغهم من الصحة ، وإفراغ جيوب آبائهم من بقايا الراتب الهزيل !

إنّ وقوفنا وتذكّرنا لأحداث ذلك الزمان توجع قلوبنا وتدمع أعيننا غصباً عنا ! عندما نرى أماكن الطفولة والصبا وقد عصفت بها الأطماع الدنيوية ، فلم يبقى بحر ولا نخيل وما عدنا نسمع الا أسراب الغربان تنعق في سمائنا بصوتها المزعع والغريب على أسماعنا وأذواقنا !

أين موقعنا في هذا البلد من الآيات القرانية الكريمة من سورة يس والتي تحمّل الانسان مسؤلية إعمار الارض وإستخراج ما تجود به من خيرات ليعم الخير العميم جميع المواطنين ( وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنْ الْعُيُونِ (34) لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ (35)) فدعاؤنا الى الله وإليه المشتكى وعليه المعول لحفظنا وحفظ بلدنا من جور الزمان وجائريه . والحمد لله رب العالمين ..

بقلم الاستاذ: حسن الوردي