main_mon-1قال صاحب مدوَّنة «سنوات الجريش»، جاسم حسين آل عباس، إنه أطلق هذا الاسم على الموقع لأكثر من سبب، في مقدمها أن تاريخ البحرين يعاني من قحطٍ في المصادر والمراجع والمعلومات، بسبب المنع والرقابة، لذا أصبح شبيهاً بسنوات الجريش، وهي فترة عصيبة من تاريخ البحرين.

وأضاف «مازلت مصراً على أن المتبقي من تاريخ البحرين في الكتب المتاحة محلياً أقل من عشرة في المئة، والشواهد على ذلك كثيرة». ودعا جميع البحرينيين إلى أن يسعوا إلى توثيق آثار مناطقهم والمناطق القريبة، وقال: «ما نراه اليوم من آثار لن يبقى أغلبه، فهناك مدٌّ عمراني واستيلاء على أراضٍ تحوي آثاراً ثمينة جداً. لذلك، أرجو أن يلتفت الناس للتوثيق بالصورة والكتابة. فالكثير من الآثار اختفت خلال العقود الأخيرة، وبعضها تحوَّل إلى أملاك خاصة، وبعضها تم جرفه كبعض القرى المندثرة، وتلال عالي الأثرية خير شاهد على ما نقول».

اشتهر بصاحب مدونة سنوات الجريش، وهو المهتم بالتاريخ والتراث الباحث جاسم حسين آل عباس من منطقة المعامير. في هذا الحوار نحاول التعرّف عليه عن قرب، نستعرض جهده المنطلق من الاهتمام بالتاريخ والتراث بدءاً من استكشاف قريته المعامير وما حولها من قرى، وتتبع أصول أهلها ومرابعهم عبر التدوين وجمع كل ما يروق له من مواد تاريخية عن البحرين وأصالة شعبها، وصولاً لموضوع القرى المندثرة في البحرين الذي يعكف عليه حالياً.

كيف ومتى بدأت قصة موقعك سنوات الجريش؟

– بداية لا أضع نفسي في صف الباحثين والمؤرخين فأنا مجرد محب وباحث صغير يسعى بفضول لمعرفة ونشر تاريخ هذا الوطن الذي مازال أغلب تاريخه مهمل رغم أهميته ودوره العظيم على مر الحضارات المضمحلة. أما مشروع الجريش كفكرة فكانت موجودة في ذهني منذ أواخر التسعينات لكنها كانت مختلفة ولا تتجاوز جمع الصور ونشرها في مجلة أو كتاب. وبعد انتشار شبكة الإنترنت في نهاية 2001 في أغلب القرى وخصوصاً مع بداية انتشار الشبكات الجماعية في الأحياء، بدأت الفكرة تتبلور أكثر لاسيما مع انطلاق المنتديات القروية التي كانت فعالة وتتداول كل جديد. حينها كنت أنشر بعض المواضيع التراثية البسيطة مع الصور القديمة وكانت تنتشر في أغلب المنتديات، ما شجعني للتفكير في تأسيس موقع متخصص في هذا المجال.

وماذا وراء هذا الاسم؟

– مسمى سنوات الجريش يعود لفترة عصيبة من تاريخ البحرين وتعتبر من أبرز المراحل المهمة التي عاشتها البحرين في تاريخها الحديث وهي السنوات السبع العجاف التي انتشر فيها الجوع والقحط بسبب الحرب العالمية الثانية إذ توقفت خلالها خطوط التجارة العالمية والنقل البحري فكل شيء يتحرك في الجو أو البحر أو البر كان يقصف. لذا تعطّلت التجارة العالمية وحلّ القحط في أغلب بلدان العالم وبينها الخليج وخصوصاً البحرين التي تعتبر جزيرة معزولة. فعانت الأمرّين خلال تلك الحرب القاسية، ومات حينها الكثيرون، بسبب الجوع، حتى قامت الحكومة بفرض نظام بطاقة التموين التي يتم عبرها توزيع الطحين والتمر والجريش على الناس بنسب معينة. فكان الغني يملك ثروة هائلة من المال لكنه لا يستطيع شراء شيء، وكان يحصل على طعام الفقير نفسه وأمواله مكدسة في بيته دون فائدة. القحط استمر سبع سنوات، والسنتان الأخيرتان كانتا الأشد قسوة فكان الناس يعتمدون على أكل الجريش فقط وهو عبارة عن وجبة تشبه الهريس تقريباً. كان الناس يأكلونه ليبقوا على قيد الحياة بانتظار الفرج، واستمروا في ذلك حتى أطلق على تلك الأعوام الصعبة مسمى سنوات الجريش. أطلقت هذا الاسم على الموقع لأكثر من سبب وفي مقدمها أن تاريخ البحرين يعاني من قحطٍ في المصادر والمراجع والمعلومات بسبب المنع والرقابة لذا أصبح شبيه بسنوات الجريش. ومازلت مصرّاً على أن المتبقي من تاريخ البحرين في الكتب المتاحة محلياً أقل من عشرة في المئة فالشواهد على ذلك كثيرة. كما أود الإشارة إلى أن الطائرات الإيطالية قصفت مصفاة النفط بابكو خلال تلك الحرب بأكثر من تسعين قنبلة لكنها سقطت شرق المصفاة دون أن تصيب هدفها وبهذا دخل عنصر الخوف والهلع في نفوس الناس إلى جانب القحط والجوع ما جعل الناس يعيشون حالة صعبة جداً يصعب وصفها.

ما سر ولعك بالتراث والتاريخ؟ هل هناك حكاية ما؟

– منذ طفولتي ترعرعت في قرية ريفية، وتعلّقت بها وبكل جزء منها وعشقت تفاصيل التفاصيل فيها. عشقت أهلها وساحلها الجميل وترابها الذي تنفسّت فيه عبق الماضي ورائحة الأجداد. كنت أشعر أن شاطئها ورمالها وبيوتها المتواضعة كلها تخبئ حكايات أجهلها، قصصاً دفنت مع الأجداد ولم يتبقَّ إلا بعضها مما يرويه الآباء. ومع مرور الزمن كنت أسمع أن هذه القرية الوديعة ليست موطننا ولكن الأجداد نزحوا إليها وعمروها فسميت بالمعامير. ولكن من أين جاؤوا؟ ولماذا نزحوا؟ سمعت بعض الحكايات والقصص التي بقت في ذاكرتي لأكثر من عقد. وفي منتصف التسعينات كان السجن يمنحني من الفراغ متسعاً من الوقت لاستذكار الماضي والتأمل فيه فتلك القصص والحكايات المبتورة كانت جمراً تحت رماد الذاكرة تلهب فضولي لمعرفة التفاصيل والبحث عن بقايا الحكاية. أربعة أعوام تنقّلت بين جدران الزنازن، كان أقساها بعدي عن قريتي واستحالة سبر أغوار الأسئلة التي كنت أبحث لها عن جواب. حتى فتحت لنا مكتبة السجن فكانت تصلنا بعض الكتب القديمة أغلبها ذات أوراق صفراء بالية وعثرت في بعضها على مقتطفات من تاريخ البحرين زادت من فضولي لمعرفة المزيد. بعد السجن في أواخر عام 1999 خرجت من السجن لسجن الحياة وانشغلت بالعديد من الأنشطة الاجتماعية والثقافية حتى عام 2002 الذي بدأت فيه فعلياً بجمع المعلومات والكتب المتخصصة بتاريخ البحرين بهدف تأليف كتاب يحوي ما تبقى من معلومات حول اللغز – المعامير – لعلها تشفي الغليل وتضع النقاط على الحروف فأكون بذلك حققت إنجازاً تاريخياً وطنياً يكشف الغموض عن قرية من قرى الوطن. وما إن شرعت في الكتابة حتى شعرت أنه من المستحيل أن أبدأ بقريتي دون أن أتحدّث عن أصل موطننا القديم قرية عسكر ثم قرية الفارسية التي ينتمي لها ثلث أهل المعامير تقريباً. من هنا بدأت الحكاية التي فتحت أمامي باباً واسعاً من الفضول الذي دفعني للاهتمام بتاريخ البحرين وسكانها والقرى الريفية وخصوصاً القرى المندثرة. ولعل اهتمامي بالقرى المندثرة بوجه خاص يأتي لكوني منحدراً من سكان قرية مندثرة وأشعر بحجم الحنين الذي يكتنف أبناء القرى المندثرة لقراهم القديمة فنفس الإنسان مجبولة على الحنين للوطن المهجور سواء كانت دولة أو قرية أو بيت.

كيف تجد تعاطي الناس معك في المتابعة والقراءة، وما رؤيتك لتطوير ما تقدمه؟

– أعتقد أن هناك فئة كبيرة من الناس تتفاعل مع ما أقدمه من جهد متواضع وذلك يتضح من خلال مئات الرسائل الإلكترونية أو الشفوية التي تصلني من تشجيع أو نقد أو دعم أو غيره. ما يهمني في كل هذا هو أن أرى هذا الجيل أو الجيل القادم متمسك بهويته ويعرف تاريخه كحاضره، لأنه لا يمكن بناء الحاضر أو المستقبل دون أسس أو قواعد ولذا يجب على هذا الجيل أن يتعرف على تاريخه فكما يقال (اللي ما له أول ما له ثاني).

أما تطوير ما أقوم به فيحتاج لجهد مضاعف ومادة وهذا غير متاح حالياً لكني على ثقة بأن الوضع سيختلف لاحقاً. أعتقد أن نشاطي لا يذكر إذا قيس بجهد بعض الإخوة الباحثين من أصحاب التجارب والإنجازات. فهناك مجموعة يعود لها الفضل في نشر الكثير من الكتب والمخطوطات المهددة بالضياع كالمحقق الشيخ المكباس والباحث محمد رضا المعراج والدكتور النويدري والشيخ العويناتي، والدكتور محمد السلمان، والأستاذ حسين الجمري، والشيخ بشار العالي والباحث مهدي عبدالله، وغيرهم العشرات ممن لا يسع المجال لذكرهم وتربطني بأغلبهم علاقة ومودة، كما لا ننسى دور جمعية تراث وتاريخ البحرين التي مازالت تتحفنا بإصداراتها المميزة.

لذا أعتقد أن الجيل القادم سيكون متمسكاً بتاريخه وهويته. ولابد من ذكر الدور البارز والمميز لصحيفة «الوسط» التي ساهمت بشكل مباشر في نشر الكثير من المادة التاريخية. فهذه الصحيفة وطاقمها يعود لها الفضل في إدارة الحملة الإعلامية التي بفضلها تم إدراج أول موقع أثري في البحرين على قائمة التراث العالمي في منظمة اليونسكو وهذا يعتبر إنجازاً تاريخياً سيحسب لها.

ما المنهج الذي تعتمده في رصدك وبحثك في المواقع التي تحاول استكشافها؟

– في الواقع بعض الأكاديميين والباحثين يصفون كتاباتي المتواضعة بأنها تمزج بين الكتب أو الأدلة النقلية والبحث الميداني التتبعي الذي يرصد الأثر المادي للمعلومة ميدانياً ويربط بين المعلومة النقلية والأثر المادي إن صح التعبير. وأعتقد أن هذا توصيف صحيح فمنذ بدايتي كنت عندما أقف أمام أي معلومة تاريخية فإن فضولي يدفعني للتساؤل «هل يوجد أثر مادي يدل على صحة تلك المعلومة» فكنت أسعى بعدها لزيارة موقع المعلومة وربطها بالأثر الميداني.

ما أهم المصادر التي تعتمد عليها في إثبات ما توصلت إليه؟

– الكتب بالدرجة الأولى التي أجمع منها المعلومات ثم أشرع في الزيارات الميدانية التي تعطي البحث مصداقية من خلال الأثر والوصف المباشر أو الصورة التي يقدمها كشاهد العيان. ومن هذه الكتب «دليل الخليج»، «التحفة النبهانية»، «عقد اللآل في تاريخ أوال»، «قلائد النحرين في تاريخ البحرين»، «ماضي البحرين وحاضرها»، والقائمة طويلة فهناك عشرات الكتب والتراجم للبحراني والبلادي والماحوزي وغيرهم.

ما الصعوبات التي تواجهك أثناء جولاتك الميدانية ومحاولتك توثيق ما وجدته؟

– هناك الكثير من الصعوبات يواجهها الباحثون خصوصاً المبتدئين، فعلى مستوى الكتاب هناك قيود مفروضة على العديد من الكتب التاريخية التي لا تتوافق مع الرؤية الرسمية للتاريخ البحريني أو البحراني.

ثانياً، أستطيع الجزم بأن أغلب تاريخ البحرين لم يُكتب، لذا فإن الباحث يجد نفسه مضطراً للبحث المضاعف ويجد نفسه أمام تاريخ متناقض ومليء بالألغام ولابد له من السير بحذر لمعرفة الغث من السمين.

ثالثاً، هناك ملف كبير ومهم جداً كان سبباً لضياع أغلب تاريخ البحرين يتمثل في شتات وهجرة أهل البحرين خلال مراحل متعددة من التاريخ وعلى سبيل المثال بين 1710 و1730م اختلت البحرين من السكان، وهذه الهجرة ذكرها لوريمر في دليل الخليج والشيخ يوسف البحراني والبلادي وغيرهم. فعهد خراب البحرين الذي أحرقت فيه البحرين ثلاث مرات كما يذكر الشيخ يوسف البحراني أحرقت فيه النخيل والبيوت والسفن والمكاتب وغيرها. هذه المرحلة القاسية أضاعت الكثير من الوثائق والكتب والمخطوطات الثمينة ونقل بعضها إلى عمان والقطيف والعراق وإيران وعدة بلدان.

إذن نحن أمام وطن ضاع أغلب تاريخه بسبب الحروب والأهوال. نعم حالياً هناك جهود جيدة لكتابة التاريخ والتوثيق لكنها تحتاج لتنسيق ودعم مادي ومعنوي. وهناك صعاب منها المساحة المحدودة التي يتحرك فيها الباحث فالكثير من المناطق يمنع الوصول إليها لأسباب أمنية أو تحولها لأملاك خاصة، وعدم المقدرة للوصول للكثير من الوثائق والمعلومات الرسمية بسبب عدم الشفافية وكأن الباحث يسعى للحصول على معلومات أو أسرار عسكرية وليست تاريخية. ومازلت أذكر بأني عانيت للحصول على أربع صور جوية لإحدى القرى بعد نحو عام من المراجعة المستمرة وفي الأخير حصلت عليها بمبلغ يفوق سعرها عشرات المرات من إحدى المؤسسات الرسمية، وكنت أكرر لهم بأني مجرد باحث يسعى لخدمة وطنه. هناك صعوبة أخرى تتمثل في عدم التفرّغ.

ما أثمن اللقى الأثرية التي عثرت عليها في جولاتك الميدانية، وكيف تنوي المحافظة عليها؟

– خلال جولاتي الكثيرة عثرت على الكثير من اللقى الأثرية فبعضها لا يقتنى كشواهد القبور أو الصخور المنقوشة أو الأعمدة ولكني أقتني بعض القطع الفخارية أو العملات النقدية التي لا أشعر أن المتحف الوطني بحاجة إليها. على سبيل المثال قبل أعوام عثرت على أعمدة أثرية كانت ملقية بالقرب من أنقاض وأحراش وكان عمرها يفوق ستة قرون، فأخبرت صحيفة «الوسط» التي أثارت الموضوع فتحركت بعض الجهات الرسمية ومنها إدارة المتحف والأوقاف الجعفرية وتم نقلها لمسجد النبي صالح وحينها تم تكريمي من قبل إدارة المتحف. وفي عام 2004 عثرت على ساجة أثرية منقوشة وكانت مدفونة أسفل الأرض في إحدى المقابر وكان عمرها يقارب ثمانية قرون. وخلال رحلتي استطعت استكشاف الكثير من المواقع الأثرية كالقرى والمقابر والمساجد الأثرية وغيرها. أما المقتنيات فهي مازالت بحوزتي وهي عبارة عن قطع فخارية غير مكتملة اقتنيتها للذكرى فقط. أما في حال حصولي على أي لقى أثرية ثمينة سأرسلها لإدارة المتحف الوطني طبعاً.

 

ما الموضوعات التي تشتغل عليها هذه الأيام؟ وإلى أين وصلت فيها؟

– حالياً أعمل على إتمام بعض الكتب التي توقفت عنها وهي في حدود 7 كتب كلها تتعلق بجانب التاريخ والتراث وبعضها شبه مكتمل وأنتظر الوقت المناسب لطباعتها ونشرها، وبعضها قطعت فيها أكثر من النصف. الجانب الآخر الذي يأخذ الكثير من وقتي يتمثل في الزيارات أو الجولات الميدانية التي أبحث خلالها وألتقط الصور لكل أثر تاريخي مهدد بالزوال وهناك أنشطة ثانية مازلت أمارسها كالنشر الإلكتروني وإلقاء المحاضرات وغيرها.

أتمنى من الجميع في كل المناطق أن يسعوا لتوثيق آثار مناطقهم والمناطق القريبة، فما نراه اليوم من آثآر لن يبقى أغلبه فهناك مد عمراني واستيلاء على أراضٍ تحوي آثار ثمينة جداً. لذا أرجو أن يلتفت الناس للتوثيق بالصورة والكتابة. فالكثير من الآثار اختفت خلال العقود الأخيرة وبعضها تحول إلى أملاك خاصة وبعضها تم جرفه كبعض القرى المندثرة وتلال عالي الأثرية خير شاهد على ما نقول. من يصدق أن أكثر من 170 ألف تل أثري تعود للعهد البرونزي وبعضها يعود إلى (3500- 2500) قبل الميلاد بناها الفينيقيون عندما استعمروا البحرين قديماً وتعتبر أكبر مقبرة تاريخية في العالم، هذه التلال تم جرفها والاستيلاء عليها ولم يتبقَّ منها إلا خمسة الآف تل فقط. أتمنى من الناس الالتفات والتوثيق فقط.

صحيفة الوسط – حبيب حيدر  – العدد 3871 – السبت 13 أبريل 2013م الموافق 02 جمادى الآخرة 1434هـ