الجريشيصادف هذا اليوم ذكرى فاجعة طبعة البلاد بتاريخ 6/5/1949م وللذكرى ننقل لكم قصيدة الملا عطية الجمري التي وثقت «طبعة البلاد القديم، فلقد وصف لنا الملا عطية بن علي الجمري هيئة الجالبوت المكتظ والمشحون بالركاب، وأوضح لنا في صورة فنية تشكيلية من كان على الجالبوت، من بعدها أخبرنا الشاعر في القصيدة أن كارثة «طبعة البلاد القديم» في العام 1949 وقعت خلال دقائق معدودة، ويحترق قلبه أسى على الذين رأوا النساء يصارعن الموت وهم لا يقدرون على انقاذهم، ولعله يقصد في هذا المكان السيد علي السيد شرف والسيد سعيد سيد علي السيد شرف، اللذين كانا شاهدين حيين على الواقعة وقت وقوعها، وهما جالسين على شواطئ البلاد القديم كما أوردنا، كما وقد يقصد الشاعر

فيه أصحاب القوارب الذين كانوا شهودا على غرق جالبوت مخيمر ولكنهم ترددوا في التوجه لانقاذ ضحايا الطبعة وولوا مدبرين.

كما بين لنا الشاعر عدم مقدرة تلك النسوة على السباحة لانقاذ أنفسهن من الغرق، وتلك الأوصاف ذكرها الملا عطية في الأبيات الثلاثة الاتية:

على امصاب البلاد القلب شب نيران

شحنة جالبوت الحرم والرضعان

بس اتوسطت بالخور مر طوفان

عاجلها ابدقايق وانجلى اغباره

وبعدها ذكرنا لنا الملا عطية في بيتين من القصيدة مؤكداً للقارئ العدد الإجمالي لضحايا الحادثة والذي بلغ عددهم في روايته واحداً وأربعين، فيقول:

واحد وأربعين ابضبط محسوبة

النبي صالح اصابه ولادرك جاره

وقال ايضا في موضع آخر:

قلت معذور لكن يا رياح اشلون

واحد واربعين ابفعلج يغرقون

بكى الشاعر حرقة على الأطفال الشهداء الذين تصارعهم الأمواج وأهلهم، وبخاصة أمهاتهم اللاتي كن يسعين للإمساك بهم خشية غرقهم، كما ونعى أولئك الذين سعوا لإنقاذ أهلهم وذويهم، ويقصد في هذا المنزل السيدخلف مكي شبر عبدالله وأخته فاطمة، والذي قام بعد إنقاذه بالرجوع إلى البحر للبحث عن شقيقته كما أوردنا، ولكنه غرق وإياها. ثم يصرخ على لسان فاطمة السيدعبدالله مطالبة أخاها بالنجدة، وينتقل بعدها الشاعر ليستعرض لنا مآسي الأمهات اللاتي كن وقت الطبعة إما في حوزتهن طفل رضيع، بل إن بعض النساء كن في الشهور الأخيرة من الحمل أو على وشك الولادة، فإحدى الناجيات قد وضعت طفلاً بعد أسبوعين من الحادث في حين لم تكتب النجاة لطيبة التي كانت حاملا في اشهرها الأخيرة، فيقول الشاعر عن تلك الأحداث الأبيات الآتية:

تتلوى ابطفلها بين ملكى الموج

ذب روحه وراها وراحت أخباره

هذي تصيح خويه ما تنجيني

وهاي تقول وين الياخذ جنيني

يقوم الشاعر بعدها بالدعاء على البحر الذي أغرق الجالبوت، ويبتهل في دعائه أن ينسد البحر بالصحراء والكنكري كعقاب له، ولعل الله قد استجاب لدعائه، فاليوم قد ردم ساحل البلاد القديم (خليج توبلي)، ونفقت الآلاف من الأسماك على سواحل النبيه صالح بسبب عملية التوسع العمراني المستمرة، فذهبت أغلب ملامح البحر الجميلة. وفي هذا الصدد قال الشاعر:

يا بحر الكدر والغم عساك تغور

خليت القلوب دموع كلها اتفور

تنسد بالصخر والكنكري يا خور

يدهيك العلي بقوته الجباره

ينتقل بعدها الملا عطية ليخبر القارئ عن الحادثة بشعره على لسان أمواج البحر، والتي تبرئ نفسها من الكارثة، وتلقي اللوم على جهات أخرى، ففي احد البيوت الشعرية يلوم الشاعر على لسان البحر الحمل الثقيل على الجالبوت الذي أدى إلى غرقه، وكان السبب في انقلاب الجالبوت، وهو الامر الذي يثبت صغر حجم الجالبوت وحمولته الزائدة، فقال:

انا شبيدي يملا والحجي واجد

سفينتهم صغيرة والحمل زايد

ثم ينتقل بعدها الشاعر ليبرز سبب الوزن الزائد على الجالبوت، في محاولة منه للوم الركاب على إصرارهم على نقلهم دفعة واحدة غير مبالين بسلامتهم، بالرغم من إلحاح النوخذة في بادئ الأمر على نقلهم في دفعتين، فقد كان الركاب يصرون على نقلهم دفعة واحدة حتى يتسنى للجميع الاستمتاع بتلاوة الجلوات وغنائها، فقال الشاعر على لسان البحر الذي شهد الواقعة:

قال النوخذة نسوي الدرب دربين

أودي شطر منكم وارد للباجين

قالوا شلون ناس تروح متونسين

وناس اعلى لسياف تقاسي احصاره

يسترسل بعدها الملا عطية ويذكر لنا المسافة القريبة التي كانت بينهم وبين شاطئ جريزة النبيه صالح، وكم كانوا قريبين للوصول عندما هبت رياح هوجاء قلبت الجالبوت، فكان بينهم وبين شواطئ جزيرة النبيه صالح ما يقارب المئة قدم، فقال:

بعد طفره ويوصلون الجرف لكن

نصيب الكل دهانا ابريح قهارة

في نهاية البيوت التي جاءت على لسان أمواج البحر، يذكر الملا عطية تيقن البحر من أن أهالي الضحايا يسبونه ويشتمونه ويلعنونه، ولكنه وفي المقابل يصيح قائلا إن الحمل كان زائداً، ومساحة الجالبوت كانت صغيرة، فيقول الشاعر:

انا ادري كل اهاليهم يسبوني

وانا مملوك مالي بالأمر جاره

بعد دفاع الملا عطية عن النوخذة في قصيدته، يحمله في موضع آخر مسئولية غرق ركاب الجالبوت، حيث اتهمه على لسان الرياح بعدم مبالاته لأعداد الركاب التي حملها على جالبوته، وذكر الشاعر ان الجالبوت الذي خصص من قبل النوخذة لنقل الركاب هو جالبوت بسيط لا يصلح الا لنقل الرطب أو 10 إلى 20 راكباً بالتحديد، وليس كما جرى، كما وقد حدد في الأبيات التالية العدد الإجمالي للركاب والذي بلغ خمسة وثمانين راكباً، فيقول:

اشمالك ما لمت هالنوخذا البطران

اللي ايحمل ولا ايبالي بكل ما كان

يا هو يقول عبره ما لها نيران

يحملها مركب وطياره

عبره رطب تحمل عشرة لو عشرين

يحملها زياده خمسة وثمانين

بعيد تلك الابيات التي عاتب فيها الشاعر نوخذة الجالبوت، ذكره بالاسم في احدى الابيات ما يؤكد الروايات حول اسم النوخذة، والذي استطعنا من خلال بحثنا التأكد منه، فيقول:

عدت للنوخذا بالعتب واكله

يبن احمد علي اشسويت من خله

ثم تطرق الشاعر ليذكر للقارئ عدد إجمالي آخر للركاب وهو ثمانين راكباً، على خلاف ما قد أورده في أبيات سابقة وهو خمسة وثمانين راكباً، قال:

ثمانين ابوسط محمل تصفدها

وتاخذ جوش للكصار واتردها

ينتقل الشاعر بعدها للتحدث عن الفاجعة على لسان النوخذة، ولا ندري إذا ما كان الملا عطية تناقش في مرحلة من المراحل مع النوخذة شخصيا حول مسألة غرق الجالبوت، فأورد بعضا من حديثه في هذه القصيدة، ام كان الحديث الذي أورده الشاعر من نسج خياله، فيورد على لسان النوخذة أنه تفاجأ بتلك الرياح المكارة التي قلبت الجالبوت رأسا على عقب، ففوجئ بكل ركاب الجالبوت يصارعون للبقاء. فقال الشاعر:

جوش اوزين واحان بأنس واطمئنان

مندري آمنين جتنا الريح مكاره

ما امدى أكمل كلمتي هريه

ولنها بالبحر عيرتنا منجفية

يواصل الشاعر الملا عطية قصيدته على لسان النوخذة فيبرر النوخذة أنه لو كان سبب الحمولة هو الوزن الزائد لغرقت السفينة لحظة إبحارها، كما تقطع قلبه أسى وحرقة على الذين حشروا تحت شراع الجالبوت وقت غرقه، فقد منع الشراع المنقلب الضحايا المحشورين أسفله من الارتفاع فوق سطح البحر، فيقول:

لو كان الحمل زايد على العاده

مثل ما تقول دون المحمل ابلاده

لكن انقلب واللي الامر زاده

تحت لشراع كل جمع السنا اتواره

يستعجب بعدها النوخذة لخروج الملا الكفيف عبدالله محمد أبوطاهر سالماً وعاريا من هذه الطبعة كما أورد الشاعر في البيت الآتي:

والملا طلع سالم وماله اعيون

وصل للجرف عاري من اطماره

ويختم الملا عطية الجمري قصيدته برثاء ومدح شهداء الحادث، وقد أورد في هذا السياق أسماء بعض الذين ذهبوا ضحية طبعة البلاد القديم، مثل السيدمكي شبر عبدالله الذي لم يتمكن من إنقاذ حياة ابنه وابنته وهما السيدخلف والسيدة فاطمة، واللذين مع والدهما ذهبا ضحية لحادثة طبعة البلاد القديم، والذي قال عنه الشاعر:

سيدمكي اليشعب وصف حاله

اوليده اقبال وجهه ولا قدر شاله

كما وصف الشاعر طريقة غرق السيدمكي، الذي كانت يداه عاجزتان عن انقاذ ابنه وابنته، فقال:

كم حرمة وطفلها اللازمة اذياله

لا يمناه مطلوقة ولا ايساره

إضافة إلى ذكره للحاج المرحوم عبدالله بن يوسف بن عبود زوج صاحبه النذر السيدة برية أحمد، والذي ذهب هو ضحية لهذه الطبعة مع ابنته التي كان النذر مخصصا لها، حيث قال:

عبدالله ولد يوسف صابه امصاب

يشجي اليسمعه وكل قلب لجله ذاب

كما أورد أيضا اسم الحاج المرحوم صالح بن رجب وهو من أهل المنامة، والذي وصفه بالحوت وسط البحر، حيث كان يصول ويجول في البحر وقت الطبعة محاولا انقاذ من يستطيع انقاذه، ولكن الأقدار شاءت أن يتوفى في الطبعة أيضا، فقال عنه:

صالح بن رجب عنه وصل معلوم

مثل الحوت وسط البحر ظل يحوم

أورد ايضا الملا الجمري في المقطع الذي خصص للشهداء عن فزع أهل جزيرة النبيه صالح عندما انتشر الخبر بينهم، ولعله يقصد في هذا المقام الحاج ابراهيم بن حريز الذي كان جالسا في المجلس مع أصدقائه وأقربائه فأخبر عن طريق الحاج عبدالله بن حبل عن الكارثة، فهبوا جميعا لانقاذ الضحايا، وأنزوا عبرة الوقف من على شاطئ جزيرة النبيه صالح حتى يتمكنوا من الابحار لانقاذ الغرقى، ومن أبرز الذين ساهموا في عمليات الانقاذ: الحاج منصور بن عيسى الجفيري، الحاج يوسف محمد مدن، الحاج ابراهيم بن علي بن عيسى، الحاج منصور بن علي بن عيسى، الحاج عبدالله بن يوسف مرهون، الحاج جعفر بن أحمد، الحاج عبدالله محمد المؤمن. فيقول الشاعر عن مساعيهم لإنقاذ الضحايا:

حالا طب المحشم للجزيرة

وسمعت بالقضية وفزعت الديره

ورسم لنا الشاعر الملا عطية المشاهد التي رآها لمن حاول أن ينقذ ضحايا من نساء وأطفال يصارعون للبقاء على قيد الحياة، وكيف عمل المنقذون على رمي الحبال بحراً، ومد الخطرات (المجاديف) لتتمكن النسوة والأطفال من الإمساك بها ليجروا إلى قارب الإنقاذ، فقال:

وصلوا والبحر مملي حرم واطفال

بالخطرات قاموا بلقطوا واحبال

شي ماتو وشي حيين باخر حال

واطفال التخلي الدمع يتجارى

ثم يصف لنا الشاعر كيفية نقل جثث الموتى على العربات التي تجرها الحمير، وكيف صدم أهالي البلاد القديم لخبر ومشهد تلك الفاجعة المؤلمة، ووصف لنا بشكل غير مباشر كيف فرغت شوارع الأسواق من الناس والسيارات، ويقصد بها سوق المنامة، التي أغلقت حداداً على أرواح الضحايا، كما أغلقت المآتم التي هب روادها لمواساة أهالي الضحايا في هذه الفاجعة، وهو دليل على تلاحم وترابط أهل البحرين بكافة أطيافهم وانتماءاتهم وقت الشدائد والمحن، فيقول:

وسط الخور طبوا حملوا الحيين

وردوا للاسياف وشالو الميتين

وراحوا للبلاد وفزعت الصوبين

وابكل النواحي غدت كبارة

والبلدان عجت لجلهم عجة

وما ظلت بعد بالسوق سياره

لقلوب البشر موته اطفال اصغار

شالوها ابمراحل حمل حماره

بفقد زوجته شيخة عبدالوهاب الشعباني، وابنيه عبدالكريم حسن الشعباني وعبدالعزيز حسن الشعباني، فقال:

الله ايساعد اقليبك حسن شعبان

الزوجة والاولاد اغصون نبعه بان

وامتدح الملا عطية الجمري الحاج عبدالمهدي حسن عبدالله البصري، والذي ساعد في حمل الجثث وقت وصولها إلى شاطئ كرزاجي وحتى نقلها إلى داخل البلاد القديم، وامتدح ايضا الحاج حسن عبدالله البصري والحاج حسين بن محمد المدحوب، واللذان تبرعا من أموالهما الخاصة لشراء الأكفان لتكفين الموتى، فقال:

بس ما وصلت الاموات للديره

تلكاها البصري صاحب الغيره

الشهم حاج حسن هوى السبق غيره

تبرع بالاكفان الطيبة افكاره

ثلت انعام بيه من أول وتالي

اهو صاحب الجود وصيته العالي

لكن يا خليلي هم تراولي

اسباع اوياه بالديره وانغاره

لا تنساه طيب الفعل حجي احسين

اهو وياه ابفعل الخير متواخين

كما وامتدح الشاعر في قصيدته موقف الحاج عبدالله العويناتي ذي الشهامة والنبل الذي ألغى حفل زفافه الذي كان من المقرر ان يقام في نفس ليلة الحادث، ويذكر أنه وبالرغم عن امتداح الشاعر للحاج عبدالله العويناني إلا أننا لا يمكننا ان نستنبط سبب المدح حيث قال:

والعويناتي بالشدة كفو ونعمين

كلها ارجال بيهم زود واشطاره

خص الشاعر بالذكر في قصيدته ايضا ابناء عائلة عبدالعال، وهما الحاج سلمان بن عبدالعال والحاج عبدالحسين بن عبدالعال، اللذين قاما بعيد الحادثة ببحث دؤوب عن جثث الغرقى، فوجدا ثلاث جثث في اليوم الثالث بعد وقوع الكارثة، وبالطبع لم يذكر لنا الشاعر تفاصيل سبب المدح تحديداً حين قال:

ولا تنسى الشفايا اولاد عبدالعال

قضوا ايام بالاسياف دواره

ختاما يذكر لنا الشاعر الملا عطية الجمري اليوم والتاريخ الكامل الذي وقعت فيه الواقعة بحسب التقويم الهجري، لتخليد ذكرى الحادثة، فيقول:

سابع رجب بالجمعة ابيوم الشوم

سنة اثمانية وستين صح معلوم

بعد الثلاث ميه والف ذاك اليوم

ناره بالضمير اشلون تتواره

وكما أوردنا فبعد إلمام بكافة تفاصيل حادث طبعة البلاد القديم، استطعنا حينها استيعاب قصيدة الملا عطية الجمري، وبانت لنا ملامحها، كما برزت الشخصيات التي ذكرها باسمائها في القصيدة، لذا يستوجب على المرء التعمق في تفاصيل الحادث قبل قراءة القصيدة ليفهمها على الصورة التي أوردها الشاعر.

عبدالعزيز حمزة  صحيفة الوسط البحرينية – العدد 3065 – الخميس 27 يناير 2011م الموافق 22 صفر 1432هـ