306134_10151281075181269_242788665_n1. فتنة المحرم 1373 هـ 1953م.

بدأت مراسم احياء ذكرى استشهاد الإمام الحسين عليه السلام الذي يحييها ابناء البحرين كعادتهم في كل عام، تبدأ المراسم من أول محرم حتى تبلغ ذروتها في عاشوراء .. يوم المعركة ويوم الشهادة. الا أن الأمر كان مختلفا في عام 1373هـ/ 20/9/1953م. فبينما كانت المواكب الحسينية تسير على عادتها، بادرت مجموعة من السنة إلى القاء بعض الحجارة والقوارير على الموكب، لتنشب معركةٌ كبيرة بين الطرفين.

استخدم المتعاركون العصي والقناني الزجاجية وبعض الأدوات الحادة والحجارة، وأصيب في المعركة عدد كبير من الطرفين، وما زاد الطين بلة تدخل اaلشرطة في الموضوع وقدوم مجموعات جديدة للدفاع عن زملائهم من خارج المنامة. قام الشرطة بضرب المعزيين الشيعة، كان تصرفهم طائفياً بامتياز، وفي مواقع أخرى كان الشرطة يتفرجون على المتعاركين دون تدخل.

من جانب ٍ آخر اشتعلت المواجهات في المحرق بعد وصول الأخبار حيث قامت مجموعة من السنة بالهجوم على قرية عراد الشيعية، لتشتعل الفتنة الطائفية في البلاد.

2. من هو المسؤول عن الفتنة الطائفية؟

كان هذا الهجوم خارجاً عن المألوف، مما أثار العديد من التساؤلات حول أسبابه وحول المستفيدين منه، وان كان المناضل الوطني عبدالرحمن الباكر يتهم بلجريف بتدبير الموضوع مع دعيج بن حمد آل خليفة ( أخو الحاكم سلمان) بتدبير الموضوع، الا أن هذه الرواية لم ترد من مصادر اخرى، الا أن ذلك لا يكفي لإعلان براءة الحكومة، فتصرفات الشرطة من ضرب الشيعة دون السنة، وبقائها متفرجة ً في مواقع أخرى، وكذلك تهديدها بضرب الاجتماعات التي تعقد لوأد الفتنة بين الطائفتين بالرصاص، واعتبار كل جهد يبذل في هذا الباب جهد مضاد للحكومة، ومنع الأقلام الصحفية من الكتابة ضد الفتنة كل ذلك يثبت مسؤولية الحكومة حول هذا الأمر، ويؤيد ما ذهب له الباكر رحمه الله. وكان من ضمن ذلك، الأحكام القضائية المتفاوتة بين المتهمين، وهذه الأخيرة هي بوابتنا للتعرف على اسباب مجزرة القلعة 1954م.

181163_10150880337816269_1984292203_n

شهداء المجزرة

3. ابراهيم .. الأصول والنشأة.

عائلة آل سيف من العوائل النعيمية المعروفة، وقد انتقل عدد منها إلى العيش في شرق القرية فيما يعرف اليوم بفريق بن سلوم ـ الذي يعتبر ملتقى الطوائف والأعراق ـ ، وبعضهم انتقل إلى مدينة القطيف بشرق الجزيرة العربية، كانت أسرة الشهيد ابراهيم عبدالرسول آل سيف تعيش على مهنة الطواشة، إلا أن تدهور تجارة اللؤلؤ مع ظهور اللؤلؤ المربى صناعياً في اليابان أثر على الوضع الاقتصادي للعائلة.

ابراهيم الفتى المراهق، ـ وهو أكبر أخوته ـ بدأ يستشعر صعوبة الوضع الاقتصادي الذي تعيشه العائلة، فبدأ يبحث عن عمل يعين به أباه، فدأ يبيع الحب والفول السوداني والسجائر أمام السينما، ويساعد عائلته من خلال ما يكسبه من مبالغ، حتى اذا بلغ مبلغ الشباب اتجه للعمل في شركة بابكو التي كانت بمثابة البوابة التي ستحقق كل أحلامه، إلا أن أحلامه كلها تبخرت فجأة …

4. حادثة سترة .. محاكم طائفية

كانت الصراعات قد خمدت، وبدأ القادة الوطنيون العمل من اجل رأب الصدع بين الطائفتين حتى تفجرت الفتنة مرة ً أخرى. في يونيو 1954م، حدث شجار في سترة بسبب قيام ولدين من الشيعة بافراغ الهواء من دراجتين لولدين من السنة، الا أن الأمر تطور بعد اشتباك الأولاد ثم أولياء الأمور وبعض من حضروا لمناصرة الطرفين مما أدى إلى مقتل شخص واحد. اعتبر هذا الحادث بمثابة حادث فردي، وتمت احالة القضية للقضاء، الا أن الحكومة لم تفوت الفرصة لإشعال فتيل الفتنة مرةً أخري فحكمت المحكمة بتاريخ 30/6/1954م على الشيعة بالسجن ل3 و4 سنوات، فيما حكمت على السنة بالسجن شهراً واحداً !!! كان هذا التفاوت الكبير في الأحكام مثار سخط الجماهير، وتمت الدعوة الى تجمع ٍ إحتجاجي في مسجد مؤمن بالمنامة بتاريخ 1/7/1954م.

5. المجزرة

في الصباح كان ابراهيم من ضمن المحتجين في مسجد مؤمن على هذا التمييز الطائفي الواضح في الأحكام، وكان المحتجون يتوافدون من كافة أنحاء البلاد، كانت الأمور طبيعية الى أن وصل خبرٌ مفاده أن الشرطة اوقفت باصاً يقل عدد من من أتوا للمشاركة في الاحتجاج وقادت الباص بمن فيه إلى القلعة، فانفجر الوضع، وسارت الجموع إلى القلعة مطالبين بالافراج عن المعتقلين الجدد، والمعقتلين القدامى.

كان ابراهيم في مقدمة المسيرة، وما ان وصلوا الى مشارف القلعة حتى بادرت الشرطة باطلاق النار، كانت الشرطة تحت امرة خليفة بن محمد بن علي آل خليفة، حاول ابراهيم الامساك ببندقية احد الشرطة الذي صوبها نحوه، إلا أن الرصاص عاجله، ويشير رفاقه الى انه اصيب بعدة رصاصات، وسقط عند جدار القلعة، وقد قام الشرطي بطعنه بالحربة المثبتة في البندقية حتى أجهز عليه، وفشلت محاولات انقاذه حتى مضى مع ثلاثة آخرين شهداء ضد الظلم والتمييز. حملت النعوش وتم التوجه بها الى دار الاعتماد، لتقديم الاحتجاج لدى البريطانيين ضد ما قام به خليفة بن محمد آل خليفة وأعوانه، تم تكسير السياج واقتحمت الدار اقتحاماً، حتى وصل السيد علي كمال الدين الذي خطب في الجماهير مذكراً اياهم بأن آل خليفة والبريطانيين وجهان لعملة واحدة، ودعا الجماهير لتجهيز الشهداء ودفنهم.

في المغتسل، لم يتوقف النزيف حتى بدل الكفن عدة مرات، واضطر المغسل الى استخدام النورة لايقاف النزف، بعدها شيع الشهيد من مأتم بن سلوم إلى مقبرة النعيم، دفن الشهيد جنوب المقبرة، وقبره اليوم عند قبر العلامة السيد هاشم الطويل (قده).

306134_10151281075181269_242788665_n

مرقد الشهيد ابراهيم بمقبرة النعيم

6. تداعيات المجزرة

بعد هذه الحادثة اعلن الشيعة الاضراب واغلق السوق تسعة أيام، في الأيام الأخيرة شارك السنة في الاضراب وبدأت الأمور تسير شيئاً فشيئاً نحو الوحدة بعد انكشاف الدور المفضوح لآل خليفة والبريطانيين في اشعال الفتنة ليتحد الشعب تحت لواء هيئة الاتحاد الوطني في 13/10/1954م.

بقلم الاستاذ: علي إبراهيم السلاطنة