image005-thumb1تتلاقى الحضارات في جزيرة زنجبار القديمة عبر الوجوه والملامح والحرائر والمسك والبخور والتمور، وتكاد وأنت تعبر الأزقة الضيقة ودكاكين الصفارين وبسطات البهارات، تظن أنك في أسواق بغداد الرشيد منزوعة من صفحات ألف ليلة وليلة. أزقة لا نهاية لتعرجاتها التي تعبق بشذى الماضي البعيد.

لقد اندفع عرب الشمال والجنوب نحو القارة السوداء عندما ذهب العمانيون إلى شرق افريقيا وبنوا زنجبار سلطنةً لهم، وظل إرثهم هناك حتى الستينيات من القرن الماضي عندما دمجت زنجبار فيما هو اليوم تنزانيا.

وحيث ان عرب زنجبار ينقسمون إلى «عرب حضارمة» وفدوا من

السواحل الجنوبية للجزيرة العربية، و «عرب جزر القمر» وهم قليل، و «عرب الساحل» وهم نازحون من سواحل الخليج والجزيرة العربية قبل تأسيس سلطنة زنجبار الحديثة، و «عرب عمان» وهم العرب الذين وفدوا مع السيد سعيد عند انتقاله إلى زنجبار، وكانت تتألف منهم الطبقة الرئيسية الحاكمة وكبار التجار وملاك الأراضي الزراعية؛ فإن الوجود البحريني في زنجبار تشكّل على الأرجح من هذه الفئة تحديداً، قادماً إليها من عمان عبر بندر لنجة. وإلى اليوم فإن «البهارنة» في زنجبار لازال لفظاً شائعاً بين الأفارقة التنزانيين للإشارة إلى هذه الجالية التي عُرفت في المجتمع الزنجباري كأعرق الجاليات العربية وأكثرها تسامحاً.

وعلاوةً على الاباضية في زنجبار والتي كانت الأسرة الحاكمة تنتمي لها، فإن فيها عدداً غير قليل من الشيعة، وهم في أصولهم من مهاجري الهند وإيران والبحرين والعراق وعمان، ولهم مسجدان كبيران وأربع حسينيات كبيرة، ونحو عشرين حسينية صغيرة وعدة مدارس.

وقد كشف لي رئيس تحرير مجلة «الموسم» التراثية محمد سعيد الطريحي أن تواجداً مهماً للبحارنة في زنجبار، فقد نجحت سياسة مؤسس الحكم العربي في زنجبار السيد سعيد التي تتسم بكثيرٍ من التسامح، في جعلها مجتمعاً كوزموبوليتانياً متعدّد الأديان والأعراق. وأكد أن الجالية البحرانية «تساهم بشكل كبير في تجارة البلد وصناعته، وهم ينعمون بالاستقرار ومندمجون بشكل كامل في المجتمع الزنجباري، ناهيك عن تمتعهم بالحريات الدينية الواسعة كغيرهم من الأقليات الدينية والمذهبية الأخرى».

وقبل بضع سنوات أشار أحد الصحافيين إلى قصة فتاة زنجبارية من أصول بحرينية تدعى «روكي» تدرس «علوم سياسية واقتصاد» في إحدى الجامعات في الدنمارك. و «روكي» هذه ذات الوجه الدائري والهيئة التي تدل على منبتها العربي، وحتى ألوان ملابسها والحلي التي كانت تتزين بها في المناسبات… لقد كانت حريصةً على ارتداء ملابس عربية، وحلي منقوش عليها بعض التعابير السلطانية العمانية.

روكي التي تمثل الجيل الرابع لعائلة بحرينية نزحت من البحرين واستقرت بها عصا الترحال في عمق جزيرة القرنفل، حيث ولدت لأسرة بحرينية حرصت على التشبث بجذورها، «في افريقيا احتفظنا بكل شيء… أنشأنا مدينتنا الخاصة بنا، حافظنا على تقاليدنا وعاداتنا وتراثنا، ومارسنا كل ما كان يمارسه أهلنا في البحرين من مراسم، ما جعل اللهجة البحرينية حيةً تلهج بها ألسنتنا جيلاً بعد جيل».

و «روكي» (واسمها العربي رقية) هي ابنة الملا خليل بن حسن البحراني، أحد خطباء المنبر الحسيني في المجتمع الزنجباري، وهو ينحدر من عائلة كانت تسكن في قرية «توبلي» على مقربة من مقام السيدهاشم التوبلاني.

قال لي والدي – تقول روكي – نقلاً عن آبائه وأجداده انهم «حين غادروا البحرين منذ عشرات السنين كانت البحرين تتعرض لإحدى الغزوات القاسية، ما دفعهم إلى الهجرة أولاً إلى بندر عباس في إيران، ثم من هناك هاجروا مرةً أخرى إلى عمان حيث تنقلوا بين مطرح وصور، ومن هناك هاجروا إلى افريقيا، لكن جدي كان قد تزوّج من إحدى النساء الرومانيات في عمان وعندما وصل افريقيا مع غيره من العائلات البحرينية المهاجرة طلباً للأمن والاستقرار، أنشأوا مجتمعهم الخاص».

وبالطبع لا يمكن الحديث عن الجالية البحرانية في زنجبار دون الإشارة إلى شخصية الحاج أحمد بن النعمان الكعبي البحراني (ت 1867)، المبعوث الخاص للسيد سعيد بن سلطان (ت 1856) سلطان مسقط وزنجبار وتوابعهما، الذي انتدب كأول سفير عربي في أميركا في بعثةٍ «للتجارة وحسن النوايا».

شغل بن النعمان منصب السكرتير الخاص للسيد سعيد بن سلطان، الذي قلّده أمور التجارة وجعله مندوبه الخاص. وقد ظلّ أحمد بن نعمان بعد وفاة السلطان سعيد سكرتيراً خاصاً لخلفه السيد ماجد بن سعيد (ت 1870)، وكان لعدد من السنين كاتم أسراره.

عاش أحمد بن النعمان في ماليندى كيوبندا، وفي 1861 بنى البيت الذي عرف باسم مأتم الشيعة، وهو بيت الشيخ أحمد بن النعمان نفسه، حيث كان زعيماً لقبائل الشيعة في شرق افريقيا قبل أن يتزعم «خان علي» صاحب المنطقة المعروفة باسم منطقة الخان (كواخاني).

وهناك صورة فوتوغرافية متداولة لوقفية مأتم حسيني في زنجبار نحتت في العام 1925 وفيها: «أوقفه الزعيم المكرم المرحوم القبطان الحاج أحمد بن النعمان الكعبي البحراني كاتب الدولة البوسعيدية ومعتمدها…». وكان هذا المأتم يقع في الطابق السفلي لمنزله الذي لايزال بنيانه موجوداً حتى اليوم، وكانت عائلة الكعبي تقيم في الطابق العلوي من المنزل، ومع الأسف بعد وفاة أسرته لم يعد لهم وجود بسبب رجوع معظم العمانيين إلى عمان عقب ثورة يناير/ كانون الثاني 1964 ضد السلطان جمشيد بن عبدالله، وقيام الحكم الجمهوري.

ويعود تاريخ إقامة المآتم الحسينية في زنجبار إلى العام 1850 في عهد السلطان برغش، حيث كان عنده قائم عسكري إيراني أدّى له ولبلاده الكثير من الخدمات، ما حمل السلطان على أن يبدأ بإقامة المآتم في زنجبار، وأقيم أول مأتم في قصر السلطان نفسه!

 

بقلم : وسام السبع صحيفة الوسط البحرينية – العدد 3930 – الثلثاء 11 يونيو 2013م