thumb21لايزال الجزء الأكبر من تراث علماء البحرين العلمي رهين الإهمال والتجاهل، إهمالاً يتخذ أكثر من شكل ويطال أكثر من مستوى. سيقول البعض إنها ليست أولوية مرحلة، وسأقول بأن التراث العلمي لأية أمة وشعب لا يمكن أن يخضع لمزاجيات الأحداث المرحلية وتقلبات الحدث السياسي، إلا إذا اعتبرناه على الهامش، شأناً وضيعاً لا يستدعي منا التفاتةً إلى حين يصفو مزاجنا ونتخلص من جميع مشاكلنا. السيد هاشم البحراني (ت 1109هـ / 1697م) واحدٌ من مفاخر البحرين الكبار، ومن علماء الفترة من منتصف القرن الحادي عشر حتى أوائل القرن الثاني عشر الهجري/ السابع عشر الميلادي. وُلد في أسرةٍ باذخةٍ في المجد، كريمة المحتد، هي عائلة السادة القارونية، من أشرف الأسر البحرينية وأكثرها وجاهةً، وفيهم يقول شاعر البحرين الكبير أبو البحر الخطّي (ت 1028هـ / 1619):

آل قارون لا كبا بكم الدهر …. ولا زلتم رؤوس الرؤوس

ترك السيد هاشم تراثاً علمياً ضخماً، وحسبما يشير الميرزا عبد الله الأفندي (ت 1130 هـ / 1718م) فإن له من المؤلفات خمسة وسبعين مؤلفاً ما بين كبير ووسيط، وأكثرها في العلوم الدينية». وبعض هذه الكتب والمصنفات كان يؤلفها السيد هاشم لشخصيات من خارج البلاد، ولا يكتب لأهل البلد أن ينتفعوا بها، وفي ظل بدائية وسائل النشر العلمي، لم يكن يكتب لهذه المصنفات أن تُعرف في البحرين إلا بعد عقود طويلة. لكن الأفندي يحدّثنا أنه قد رأى أغلب مؤلفاته عند ولده السيد محسن في أصبهان.

شخصية علمية بارزة كالشيخ يوسف العصفور (ت 1186هـ/ 1772م) يعتبر السيد هاشم محدّثاً جامعاً متتبعاً للأخبار لم يسبقه سوى العلامة المجلسي (ت 1111 هـ/ 1699م). بل أن السيد هاشم البحراني يظهر في بعض كتبه ككتاب «معالم الزلفى في معارف النشأة الأولى والأخرى»، «ينقل فيه عن كتب غريبة ليست مذكورة في البحار». لم يكن السيد هاشم منتجاً نشطاً للمصنفات ومنشغلاً بالبحث العلمي، بل كان زعيماً دينياً واجتماعياً يُشار إليه بالبنان، وقد انتهت إليه الزعامة الدينية في البلاد بعد الشيخ محمد بن ماجد وتسنّم بعده منصب القضاء الأعلى.

أنجبت أسرة القاروني عدداً كبيراً من العلماء الأفذاذ، فمن هذه الأسرة خرج الشيخ عبدالله بن سليمان القاروني المعاصر للسيد ماجد العريضي الجدحفصي الذي كان يسكن قرية كرانة، بينما كان أخواه يقطنان في توبلي معقل الأسرة القارونية في البحرين.

وقد تفرعت من الأسرة القارونية أسر؛ منها أسرة (آل عبدالجبار) ومن فروعهم آل الساري وهم من سادات سار، كما سكنت عوائل منهم قرية السنابس وغيرها من القرى. وقد اتسع نطاق حراكهم البشري ليتاخم حدود العراق وإيران، فقطن بعضهم مناطق شط العرب في عبادان وغيرها.

من تفرعات هذه الأسرة (آل التوبلي) البحراني، التي نزح عميدهم السيد عبدالقاهر من بلاد البحرين وسكن بلدة لنجة، وما زالت بقايا هذه الأسرة العلوية الموسوية تقطن فيها، وقد تفرّق بعضهم في دول الخليج كالإمارات العربية وغيرها. ومن أبرز علماء هذه الأسرة السيد عبدالقاهر بن السيد كاظم التوبلي (ت 1304 هـ/ 1886م)، والسيد شبر بن السيد علي بن السيد كاظم التوبلي (ت 1337 هـ/ 1918م).

ومن هذه الأسرة العلمية (آل العدناني) الموسوي التي برز منها السيد عدنان بن علوي الموسوي (ت 1347 هـ/ 1928) الذي تسلّم القضاء، وترأس ونظّم الأوقاف الجعفرية وأموال القاصرين في البحرين.

ومن فروع الاأرة (آل التكتكاني) التوبلي التي هي عائلة العلامة السيد هاشم نفسه، إخوته وأولاده وأبناء عمومته، وقد دفن أخوته وقد كانوا من أهل العلم إلى جواره قرب مسجده في توبلي، وهم السيد كاظم والسيد جعفر والسيد أحمد.

أما أبناؤه، فقد هاجروا بعد وفاة والدهم إلى بلاد فارس، وأقاموا في بهبهان وغيرها، واشتغلوا بنشر العلوم الدينية، وعرفوا هناك بـ «البرهاني» نسبةً إلى تفسيره الذائع الصيت «البرهان في تفسير القرآن»، وهم السيد محسن المتوطّن أصفهان وكان يحتفظ بأكثر مؤلفات والده، والسيد عيسى والسيد علي الذي هاجر من أصفهان إلى بلدة خنج على الساحل الفارسي، والسيد محمد جواد، والسيد إبراهيم.

وقد تخرّج على يديه جمعٌ كبيرٌ من العلماء أبرزهم الشيخ سليمان الماحوزي (ت 1121هـ/ 1709م). وقد طاف تراثه العلمي المخطوط أشهر المكتبات الخطية في العالم الإسلامي، وتناهبته عواصم المعرفة ومدن العلم، ولفت نظري مثلاً أن مخطوطات مصنفاته حوتها المكتبات التالية: المكتبات الخطية في مكتبة المرعشي النجفي في مدينة قم، ومكتبة البرهان في سبزوار، والمكتبة الرضوية في مشهد، ومكتبة ميرزا عبد الرزاق المحدث الحائري في همدان، ومكتبات خاصة في أصفهان. وخزانة السيد هبة الدين الشهرستاني (ت 1967) بالكاظمية، وخزانة سبهسالار في طهران، ومكتبة آل عصفور في بوشهر، ومكتبة محمد الطهراني في سامراء، ومكتبة السيد عباس الكاشاني وخزانة بزرك الطهراني في كربلاء، ومكتبة الشيخ عبد الحسين الطهراني الخاصة، ومكتبة الحسن صدر الدين بالكاظمية.

أما في النجف فقد حوت مكتباتها مصنفات السيد هاشم، ومن أبرز هذه المكتبات خزانة الشيخ علي كاشف الغطاء وخزانة الحاج مولى علي محمد النجف آبادي والمكتبة الحسينية، إضافةً إلى مكتبة المدرسة الفيضية بقم، وورثة العلامة المجلسي.

هذا الرجل الذي كان يكتب بخط يده، حتى إذا طوّقه المرض وفتكت به أوجاع المرض؛ صار يملي كتبه على كاتب كما حدث في آخر كتبه «تفضيل الإمام علي» الذي فرغ منه سنة 1107 هـ/ 1696م.

هنا دعوةٌ لإعادة الاعتبار لهذا الرجل الفذ، إعادة النظر في تراثه العلمي العظيم، تدارسه، نشره، إجراء الدراسات حوله، ومحاولة الكشف عن الجوانب المجهولة من تاريخه وظروف عصره. جمع تراثه المخطوط من مكتبات العالم، وإتاحته للباحثين والمهتمين لتكون هذه الذخائر مصدراً من مصادر المعرفة عن هذا التراث العربي والإسلامي الغائب والمغيّب.

بقلم: وسام السبع صحيفة الوسط البحرينية – العدد 3944 – الثلثاء 25 يونيو 2013م الموافق 16 شعبان 1434هـ