9e04e681a2a011aeb5e87420d4c9bb14_jpegلم يخطر بخلد تلك القبيلة العربية الأصيلة القاطنة في شرق شبه الجزيرة العربية أنها بمجرد أن ينتقل الرسول الأعظم محمد بن عبدالله (ص) إلى جوار ربه تعالى، سوف تحل بها المصائب لأنها آمنت بدعوة رسول الله كما لم تؤمن به بعض القبائل الأخرى. وحكايتها تبدأ من موقع الصمود الذي لاذت به عند اشتداد الفتنة في دولة الرسول بعد وفاته، ألا وهو حصن جُواثى.

وجُواثى هو اسم حصن أو قرية بالبحرين معروفة، أو هي مدينة أو حصن لعبد القيس بالبحرين، وأياً كان وصفها، فهي عاصمة الصمود الأسطوري التي سجلت اسمها في صفحات التاريخ الخليجي. هذا ما بدا واضحاً فيما وصلني مؤخراً من قبل الصديق الباحث عبدالخالق الجنبي في كتابه الذي أصدره أواخر العام 2012 ذاكراً في أهم فصوله قصة ذاك الصمود.

يقول الباحث في»جواثى… تاريخ الصمود»، أن جواثى تقع إلى الشمال

من جبل القارة بالإحساء، وتقع على هضبة مرتفعة بعض الشئ عما حولها، وفي هذه الهضبة عينُ ماءٍ قديمة محفورة فيها هي عين جُواثى. وفيها قالت شاعرة عربية تدعي سلمى بنت كعب:

فيشلة ذات جهار وخبر…قد شربت ماء جُواثى وهجر

وتُعد جواثى من المواضع القديمة جداً في إقليم البحرين القديم، وما زاد المنطقة شهرة هو وجود قبيلة عبدالقيس الشهيرة فيها. وأهم ما يؤكده الباحث في إصداره الأخير أن دخول قبيلة عبدالقيس في الساحل الشرقي من شبه الجزيرة العربية في الإسلام بعد أن كان معظم أفرادها يدينون بالمسيحية؛ كان أعظم نصرٍ للإسلام خصوصاً أنهم أسلموا على يد الرسول الكريم (ص) بواسطة زعيمي القبيلة آنذاك وهما (الجارود بن عمرو بن بشر الجذميّ العبدي، والمنذر بن عائذ العصريّ العبدي). وتميّز إسلام عبدالقيس عن بقية القبائل بأنهم تشرّبوا الدين المحمدي في عروقهم ووشجت عليه أصولهم، كما يذكر الباحث، ولهذا السبب سرعان ما قاموا بتحويل كنائسهم وأديرتهم إلى مساجد تصدح فيها شهادة أن لا إله إلا الله محمد رسول الله ليل ونهار. ومن تلك المساجد مسجد جواثى المشهور في الإسلام وثالث أهم مساجد شبه الجزيرة العربية والعالم الإسلامي قاطبة، وثاني مسجد تُقام فيه الجمعة بعد مسجد الرسول بالمدينة المنورة.

وقبيلة عبدالقيس هذه هي التي قال الرسول (ص) عن وفدها الذي نزل عليه يوم فتح مكة «ليأتين ركبٌ من قبل المشرق لم يُكرَهوا على الإسلام». فعبدالقيس لم تُكره على الإسلام حتى تُكره على غيره، بل دخل أهلها الدين الحنيف طائعين مقتنعين، وليس مثل آخرين كانوا مجبرين تحت وهج انتشار الدين المحمدي. وقد بقيت جواثى لبني الخارجية (يُنظر علاقتها بخارجية جزيرة سترة) من بني عامر إلى أيام الدولة القرمطية في العقد التاسع من القرن الثالث الهجري.

ومما يلفت نظر الباحثين في تاريخ قبيلة عبدالقيس في إقليم البحرين هو صمودها الأسطوري ضد المرتدين عن الإسلام في العام الحادي عشر للهجرة إثر وفاة الرسول (ص)، حتى قيل أنه لم يكن يُسجد لله في الأرض حينها إلا في ثلاثة مساجد فقط هي: المسجد الحرام بمكة، المسجد النبوي بالمدينة، ومسجد عبدالقيس بجواثى البحرين. وبقيت القطيف -وهي الخطّ- وبها جملة عبدالقيس بقيادة الجارود بن عمرو صامدة في وجه قوم من المرتدين العرب عن الإسلام يساندهم ملك الفرس يزدجرد الثالث. ويوم لجأت جماعة الصمود من عبدالقيس ضد المرتدين وأعوانهم في هجر إلى حصنهم المنيع في جواثى أعلى الجبل قام بنو بكر بن وائل وأعوان لهم بضرب حصار شديد ومنعوهم من الطعام وضيقوا عليهم. فأُرسل القائد العلاء بن الحضرمي إلى البحرين وهو معتمد على قوة عبدالقيس، إلا أن كثرة المرتدين وقوتهم جعلت الحضرمي يلوذ مع عبدالقيس بحصنهم المنيع في جواثى وهو ينتظر الفرج من ذاك الحصار. وكأن بالمنادي ينادي بهؤلاء القوم المحاصرين من قبل المرتدين قائلاً: «صبراً يا آل عبدالقيس». وفعلاً كانت نتيجة الصبر والصمود والتحدي هي لحظات النصر الإلهي لأولئك الصابرين من أهل البحرين بأن نصرهم الله في ليلة من ليالي القدر على المرتدين وأعوانهم، وانكسر الحصار. فصار فخر حرب الردة في البحرين هو لعبدالقيس بسبب صمودهم في تلك الحرب الملحمية التي امتدت زمناً ليس بالقليل حتى أعطوا الدروس لباقي القبائل في كيفية الصمود في وجه المرتدين بفضل الإيمان الحقيقي بنبوة محمد (ص) مما عرضهم لنكبات على يد الخوارج فيما بعد.

فحري بأحفاد عبدالقيس اليوم أن يفخروا بتاريخ تلك القبيلة وبتلك الملحمة من الصمود الأسطوري الذي أبدته في وجه من أراد بالإسلام وبها السوء.

بقلم: محمد حميد السلمان، الوسط البحرينية – العدد 3888 – الثلثاء 30 أبريل 2013م

9e04e681a2a011aeb5e87420d4c9bb14_jpeg