IMG-20140107-WA0074صورة فوتوغرافية قيَمة لا يعرف مصدرها،  متداولة في الكثير من مواقع التواصل الاجتماعي  تجسد  واقع الكفاح والتضحية لأمهاتنا في أربعينيات القرن الماضي وما قبله بكثير ،  في ذلك الوقت  الذي كانت فيه المياه الحلوة  شحيحة ولا تتواجد إلا في العيون الطبيعية  الموجودة في المزارع أو في "الچواچب البحرية “ ، وكل  من عاصر تلك الفترة الزمنية  أو سمع عنها يذكر أن  النساء دون الرجال هن المتكفلات بجلب المياه للمنازل سواء من العيون

أومن الكواكب  ،  أما بعض الأسر ربما  للاقتدار المادي أو لعدم وجود نساء قادرات على ذلك أو لأسباب  اخرى  يتفقون مع  بعض الرجال لنقل المياه لمنازلهم  بواسطة "الكندر “ وهو عبارة عن صفيحتين من المعدن يحملان  على الكتف بواسطة عمود  من الخشب يربط بينهم ،  وبالطبع هذه الخدمة ليست تطوعية وإنما بأجر مادي زهيد لا يتعدى المائة فلس للصفيحتين  .
ومن الرجال الذين عاصرناهم في منطقة الدير  في أواخر تلك الفترة  والذين يقومون بمهمة نقل المياه للمنازل من العين الأساسية في شرق الدير والتي يسميها  الأهالي ( عين الحمبوة ) والبعض يطلق عليها  ( مكينة العودة ) هما الحاج عبد الوهاب عيسى رمضان والحاج حسن بن يوسف القلاف رحمهما الله  والاثنين فاقدين لحاسة البصر .
كما حدثني احد الأشخاص الذين عاصرو تلك الفترة  أن عقد زواجه كان في عام 1956م ومن ضمن شروط عقد القران  والموثقة لديه  أن لا يدع زوجته تنزل للبحر أو أي مكان لجلب الماء للمنزل ، وقد كلف الحاج يوسف القلاف بهذه المهمه.
كما يذكر بعض  كبار السن أن الكثير من النساء ينتظرن فترة  جزر المياه لينزلن  إلى البحر متحملات  مشقة السير الطويل وثقل قرب الماء المتعددة الإحجام والمحمولة على الأكتاف وفي الأيدي
ومن المعروف أن جزر الماء يحدث في أوقات مختلفة من الليل والنهار ،ومن طريف ما سمعت انه إذا حصل الجزر في الليل واحتاجت  إحدى النساء  إلي الماء ولم تجد صديقة مؤنسة تصاحبها في الطريق إلي البحر  تذهب لوحدها مسرعة ، وفور وصولها تنادي بأعلى  صوتها ( الجوجب ماعليه احد تعالوا له )  وعادة يكون صوتها مسموع في ذلك الهدوء والسكينة المهيمنة على المنطقة في ذلك الزمان  ، وعلى اثر ذلك  تتداعى إليها الكثير من النساء بعد أن يتركن  فراشهن وينزلن إلى البحر لمرافقتها والتزود السريع من المياه ،
ومن الكواكب الموجودة في منطقنا والتي أعطاها الأهالي أسماء محلية هي ( كوكب الراجع  ، واخصيفة ، والهيور وكوكب الحياك في سماهيج )
،ومن الجدير ذكره أن هذه ألصوره المرفقة هي لامرأتين من منطقة الدير  في ثلاثينيات القرن الماضي  تبدوان  محملات  بقرب الماء العذب وهما تخوضان عباب الماء .وقد وجدت  من تعرف على إحداهما  وسماها بالاسم ، ! رغم أن البعض قد شكك قي ذلك  .
وقد شهدنا ونحن صغار في الستينيات بعض هذه المناظر بالقرب من البحر أو من العيون البرية.
وأحب أن اذكر أيضا أن العيون البحرية أو البرية ونتيجة لحسن التكافل الاجتماعي عادة ما يتطوع  البعض لتنظيفها بين فترة  وأخري ، – وقد قال لي الأستاذ عبدا لله التاجر أن جده  لوالده كان من الذين يتعهدون بعض هذه الكواكب بالرعاية ، وقد سمعت مؤخرا  أن "عين النسوان " في الجهة الغربية من الدير وتقع إلى الشمال من المسجد الغربي الحالي   ونتيجة لكثرة روادها للسباحة ولغسل الملابس  كثيراً ما تملأها الأتربة ، وفي هذه الحالة تنبري مجموعة من  النسوة في تنظيف هذه  العين وهن يرددن هذه العبارات  ( تعالوا يا حبايبها  كنيسوه ويش صايبها “)  والمقصود بكنيسوه  هي العين المذكورة  ولا ندري لماذا أطلق  عليها اسم كنيسوه !
ونرجع للكواكب البحرية  فهي لمن لا يعرفها عبارة عن فتحات صغيرة قرب السواحل أو داخل المياه  العميقة نسبياً  تتدفق  منها المياه العذبة،  ومصدرها ومنبعها حسب رؤيتي واطلاعي الشخصي من المرتفعات الغربية من شبه الجزيرة العربية، التي يكثر فيها نزول الأمطار التي  تتسرب إلى باطن الأرض ، وبحسب انحدار المنطقة والتركيبة الجيولوجية للصخور تندفع هذه المياه تحت سطح الأرض  حتى تصل إلينا في جزر البحرين ونطلق على المنابع البحرية منها  "كواكب   “ وان صح تعبيرنا وتخيلنا بأننا لو قمنا بعملية  (قسطرة ) في احد هذه الكواكب  وتتبعنا مصدر تدفق الماء فسوف تصل بنا إلي تلك المرتفعات الغربية من المملكة العربية السعودية
أنها صورة من صور التضحية  والأصالة ومحطة من محطاتنا التراثية تحكي واقع لا تكلف فيه ولا غموض وبعيدة كل البعد عن العقد المزمنة  اللاهثة في البحث عن الهوية والارتباط الموهوم بهذه الأرض الطيبة .

بقلم أ / حسن الوردي