996 في ليلة مقمرة والبحر هادئ كأنه لوح زجاج, من مساء الجمعة الثالث عشر من ربيع الأول عام 1346 هـ الموافق 28 سبتمبر1925 م أي قبل 88 عاماً وكانت سفن الغوص التابعة لأهل البحرين قد اجتمع أكثرها في هير ( مغاص ) شتيّة بحكم موقعها المميز وكبر مساحتها وقربها من معظم المغاصات وحتى السفن التي كانت في المغاصات الواقعة حوالي هير شتية مثل الميانة و أبوعمامة وأبو لثامة وأبو حاقول وأبو الجعل وأبو الخرب كلها تقاطرت إلى هير شتية كل ذلك استعدادا ( للقفال ) وهو رحلة العودة إلى أرض الوطن و الذي لم يبق عليه إلا يومان حيث إن ( القفال ) يكون مع بداية شهر أكتوبر قبل طالع الصرفة الموافق 2 أكتوبر والتي يطلق عليها البحارة ( السابعة ) وهناك أهزوجة مشهورة بين أفراد المجتمع البحري تقول :

( السابعة والبرد كايد … تجلب الغواص من أقصى البعايد ) وعادة ما يوكل أمر إعلان موسم الغوص من قبل الحكومة إلى أحد النواخذة الكبار ويطلق عليه ( أمير الغوص ) وفي التاريخ المحدد وعند الصباح ترفع السفينة التي يقودها أمير الغوص البنديرة ( العلم ) معلنة انتهاء موسم الغوص فتبدأ السفن برفع أشرعتها البيضاء ميممة شطر الوطن وتنطلق أصوات النهامة على ظهور السفن وتعم الفرحة الجميع على أمل قريب بلقاء الأحبة وفي تلك الليلة التي لم يطلع صباحها إلا على آلاف الضحايا ومئات السفن المحطمة كان الجزوى ( جميع العاملين على ظهور السفن ) كعادتهم في كل ليلة يتناولون وجبة العشاء قبل أذان المغرب وهي عبارة عيش محمر وسمك ثم يؤدون الصلاة ليأوي كل واحد إلى فراشه المتواضع في جو تعبق فيه رائحة المحار المكوم على سطح السفينة وبعد يوم طويل من العمل المتواصل الذي يبدأ بعد صلاة الفجر ويمتد حتى غروب الشمس.
إلا أن هذه الليلة كانت مميزة حيث كان القمر بدراً و البحرُ ساكناً و القفّال على الأبواب فيطيب السمر و يحلو الحديث كل واحدٍ مع زميله يتناجيان عن لقاء الأحبّة و عن الهدايا التي سيحملونها للأهل , فغالباً ما تكون السمك المملح ( لحلى ) و بعض القواقع البحرية للأطفال و من بين البحارة من ينوي الزواج و خاصة بأن الشهر هو الربيع الأول و فيه تكثر الزيجات, و هناك من تزوج قبل الدشّة و لم يتهن في شهر العسل و يمن النفس بلقاءٍ قريب مع العروس التي ودعته على أملٍ بلقاءٍ قريب و منهم من رُزِق بمولودٍ قبل موسم الغوص و لم يمهله الموسم ليبقى جنب وليده إلا بضعة أيام و منهم من فارق زوجته و هي حامل و قد اقترب تاريخ ولادتها , هناك الكثير الكثير من الحكايات التي كانت تدور على ظهور السفن و على البر تدور نفس الحكايات و نفس الآمال و الأشواق تعتمل في الصدور انتظاراً للحظة اللقاء حيث كانت بعض الأسر و خاصة الموسرة منها تستعد لإقامة حفل زواج لأبنائها  و يجري ذلك على قدمٍ و ساق بمعاونة الجيران , الذبائح قد اشتريت و هي مربوطة في جانب من البيت و النساء يقمن بتنقية العيش و هناك ملابس العروس يتم خياطتها من قِبَل خياطات من أهل الديرة ( و ليس كاليوم كل شيٍ مُستورَد ) و هناك الكثير الكثير من الأمور التي تجري في المجتمع انتظاراً ليوم القفَال , كل تلك الأمور مع بعضها كونت لوحة اختلط فيها الأمل بالألم و الفرحة بالحزن و تبخرت كثير من الأحلام و تحطمت الكثير من الآمال على صخرة هذا الحدث المُفجِع .
أغلب الرجال على ظهور سفن الغوص قد ذهبوا في سباتٍ عميق فالليل قد انتصف و ينتظرهم يوم عمل طويل و فجأة وقعت الواقعة , أظلمت السماء و هبّت ريح صرصر عاتية على شكل إعصار مع أمطارٍ غزيرة و أخذت السُفن يضرب بعضها بعضا , فتتحطم و تتطاير أجزاؤها ليتناثر الرجال الذين عليها و تعلو الأصوات بالتضرع و التوسل إلى الله سبحانه و تعالى و الالتجاء إلى رحمته و مع الظلام و شدة الرياح و هول الكارثة تعلو أصوات الاستغاثة في كل الاتجاهات و كثير من الضحايا ذهبوا بسبب ارتطام أجزاء من السفن بأجسامهم و خاصة في منطقة الرأس .لقد وقعت هذه الكارثة في طالعٍ يُسمى (الزبرة) و يُطلق عليه بحارة الدير ( الساتّة ) باستبدال الدال بحرف التاء مع حذف السينو يبدأ هذا الطالع ( الضربة ) كما يقول البحارة في 19 سبتمبر و يستمر حتى الأول من أكتوبر ( و عادةً يكثر فيه هبوب الرياح الشمالية و يكون الطقس بارداً في الليل و حاراً في النهار و أحياناً يسقط فيه المطر إذا أذن الله بذلك، ويكثر فيه صرام النخيل، وهو أوان إنتقال الناس إلى بيوت الشتاء في ما مضى من زمان )
و من الحكايات التي سمعتها من والدي المرحوم الحاج حسن بن إبراهيم بن صالح أنه في سنة الطبعة كان عمره في حدود الأربع سنوات و قد ذهب مع والدته إلى السيف مع جموع من النساء و الأطفال و كبار السن لأن جدي المرحوم إبراهيم بن صالح كان في الغوص على سفينة المرحوم الجد الحاج حمّاد بن أحمد و كانت من نوع ( الجالبوت ) و من حسن الحظ أن سفينتهم نجت من هذا الإعصار لأنهم كانوا طارحين ( متوقفين ) سوافل ( هير شتيّة ) بعيداً عن تجمع السفن.والمرحوم النوخذة الحاج حماد من أشهر نواخذة الغوص في منطقة الدير وهو الحاج حماد بن أحمد بن حماد بن علي بن حماد بن سلطان، وهو من أسرة أمتهنت الغوص وصيد الأسماك ومن عائلة تعتبر من أشهر وأعرق العوائل في الدير، توفي رحمه الله في حدود ١٩٥٨ عن عمر ناهز السبعين عام وبذلك يكون رحمه الله من مواليد ١٨٨٨ تقريبا وقد خلف أربعة من الأولاد وهم المرحوم الحاج أحمد والمرحوم الحاج علي والمرحوم الحاج عبدعلي والمرحوم الحاج عبداللطيف وأربع من البنات، ولا زال بعض أفراد هذه العائلة يمتهنون مهنة الصيد حتى اليوم.
و لما أصبح الصباح و طلعت الشمس أخذوا ينظرون في كل الاتجاهات فلم يروا أيّة سفينة في المغاص و قال النوخذة المرحوم الحاج حمّاد : ربما الخشب ( السفن ) قد نتروا إلى الشغب ( فشت الجارم ) و كلمة نتروا تعني ( انطلقوا بشدة و اندفاع ) , و فشت الجارم هو مكان تأوي إليه السفن التي تغوص في المناطق الشمالية و الشمالية الشرقية و الشمالية الغربية إذا اشتدت الريح لأنه محصن من جهة الشمال و الغرب و الشرق بالشعب المرجانية و به خُورَه ( منطقة عميقة الماء ) يطلق عليها المُحصنة بتشديد الصاد وفتحها لأنها مهما اشتدت الرياح يكون البحر فيها هادئاً , و يقع فشت الجارم شمال جزيرة المحرق و جنوب غرب هير شتيّة .
أمر المرحوم النوخذة الحاج حمّاد بن أحمد بالتوجه لفشت الجارم , فرفعوا الشراع ميممين شطر فشت الجارم على أمل اللقاء ببقية السفن , عندما وصلوا إلى هناك كانت المفاجأة , لم يجدوا أية
سفينة فتيقنوا أن الكارثة قد وقعت و أن شتيّة قد ابتلعت معظم السفن المحتشدة فيها , و من بطن هذه المأساة ظهر هذا المثل الدارج الذي يردده الناس في هذا المجتمع ( طمَّت شتيَّة علمّا فيها ) أي على ما فيها من سفن , و طمّت كلمة عربية فصيحة تعني غطّت و منها طما الماء ( الماية طمو ) .
هذا الإعصار الذي لم يستمر إلا في حدود نصف ساعة إلا أنه خلّف خسائر فادحة.هذه الكارثة التي روى تفاصيلها بعض من كتبت لهم النجاة عن طريق بعض السفن التي سلمت من هذه الطامة أو بعض من تعلق بألواح السفن حتى وصل إلى أو من أنتشلتهم بعض السفن التي خرجت من البحرين في اليوم الثاني للقيام بعمليات الإنقاذ.من نتائج الطبعة :
* غرق ما يقارب من 80% من السفن الموجودة في البحر
* قيل إن عدد من مات في هذه الكارثة يقارب الخمسة آلاف شخص
* فُقِدت أموال كثيرة متمثلة في حصيلة اللؤلؤ التي ابتلعها البحر مع أصحابها و بعض ما يحمله جماعة من البحارة من مال خوفاً عليه من السرقة.
* كانت هذه الكارثة بمثابة المؤشر على أفول شمس الغوص و زوال دولته و التي جاء اكتشاف النفط في الثلاثينات ليكتب شهادة وفاة لمهنة الغوص التي دامت آلاف السنين و التي امتهنها سكان هذه الجزر و كذلك انتشار اللؤلؤ الياباني المزروع.

إنها سنّة الحياة , سقوط دولة و قيام أخرى , و تلك الأيام نداولها بين الناس و سبحان من يُغَيِّر و لا يتغير , إنها عبرة لمن يعتبر.وتبقى الطبعة الحدث الذي لا ينسى ؛فلقد حفر في ذاكرة هذا الشعب وشعوب المنطقة ، تتناقله الأجيال وتؤرخ به المناسبات والأحداث .


المراجع:١. سيف مرزوق الشملان: تاريخ الغوص علو اللؤلؤ في الكويت والخليج العربي ( الجزء الأول: الطبعة الأولى ١٩٧٥م والثاني: الطبعة الثانية ١٩٨٩م )
ذات السلاسل للطباعة والنشر والتوزيع
٢. عبدالله خليفة الشملان: بناء السفن الخشبية في دولة البحرين ١٩٩٠م
مركز البحرين للدراسات والبحوث
٣. التوقيت البحريني
إعداد: أبناء المرحوم " محمد عبدالله عاشير "٤. التقويم القطري
وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية
إعداد: مركز البحوث والدراسات

بقلم: إبراهيم حسن إبراهيم

996

 

2013-09-29_01.09.37