lja-thumb وثيقتنا هذه المرة عمرها يزيد على 181 سنة، وهي ليست رسالة أخوية بين صديقين، أو عقد بيع بين تاجرين كما تعودنا، أو وصية بميراث معين، أو غيره، بل هي بعض السطور التاريخية من وثائق بريطانية كتبت في نوفمبر/ تشرين الثاني من العام 1828، وموضوعها قلعة سترة التاريخية التي كانت معلماً مهماً ومؤثراً في الأحداث التاريخية في جزيرة سترة وفي جزر البحرين بشكل عام في القرن التاسع عشر للميلاد. وقد تعرضت هذه القلعة لتأثيرات حروب عديدة في فترة الصراع على البحرين وخصوصاً بين عامي 1827 – 1828م.

ما ورد عن هذه القلعة التاريخية كان ضمن رسالة من المدعو (Assoo) وهو الوكيل البريطاني في البحرين، بعث بها إلى المقيم

السياسي البريطاني في الخليج بتاريخ 16 نوفمبر 1828، يقول فيها: «أود إعلامك أنّني أرسلتُ هذه الرسائل عبر القطيف إلى جنابك، ومن ضمنها رسالة مرفقة من مسقط عبر ذلك الطريق أيضًا. من شأن هذه الرسائل أن تطلعكم على التفاصيل الكاملة لكل ما حصل». ثم يبدأ بذكر تفاصيل ما حدث في البحرين بين مدينة المنامة، وجزيرة سترة، والبرهامة، وخور القليعة، وغيرها من المناطق في حدود صفحتين ونصف بخط اليد.

وضمن ما ذكره وردت هذه العبارات والمعلومات المتفرقة، وهي بيت القصيد: «وفي اليوم 31 من الشهر (يقصد أكتوبر 1828)، دخل أسطول (الأعداء) بكامله إلى البحرين ورسا قبالة جزيرة سترة خارج خور القليعة،… وفي اليوم نفسه غادر غُرابين مع عدد من سُفن البُغلة والمراكب الصغيرة الموقع قرب القليعة واتخذت موقعاً لها مقابل قلعة سترة… وفي الرابع من الشهر الجاري (نوفمبر) أنزل (زعيم الأعداء) قسماً من جنوده واستولى على قلعة سترة في المساء… وقد رافقت سفينة البغلة التابعة لبوشهر سفينتي الغراب، ومن ثمّ بدأت بإطلاق النيران على مدينة المنامة من (مهزة)، ولأن المنامة كانت خارج مجال إطلاق النار، اقتربت – البغلة – أكثر وأطلقت قذيفة واحدة لكنّها لم تؤذِ أحداً، وبعد ذلك توقفت عن القصف المدفعي، واعتُبر هذا اليوم هو بداية القتال ونهايته. وبعد الساعة الثانية عشر بدأ عدد من المراكب بإنزال الجنود من السفن القريبة قرب الجُفير وقزقز». وفي نهاية تقريره الذي بعثه يذكر هذه العبارات: «… وبعد تقهقر (العدو)، تم إرسال عدد من الرجال لتدمير قلعة سترة التي تضررت كثيراً على يد جنود (الأعداء)، كما قاموا بتقطيع الكثير من نخيل التمر (في سترة). ولقد سمعت أنّه تم استعادة 1000 قطعة سلاح من البحر…».

وتعليقاً على هذه الوثيقة، نشير بداية إلى أن الوكيل البريطاني المقيم في البحرين في تلك الفترة، كان من الطائفة الهندية الوثنية، ويدعى(Asu – آسو) بهذه الحروف وليس كما كُتب في بداية الرسالة، وكان من المعتمدين البريطانيين الأوائل في البحرين. أصله من السند (ولاية الكجرات)، التي كانت ذات أغلبية مسلمة قبل الغزو البرتغالي لسواحل الهند الغربية في القرن السادس عشر للميلاد. تولى منصب المعتمد البريطاني في البحرين بين عامي 1827 – 1828.

كما نشير إلى قلعة سترة، وهي مقصد الحديث، التي ذكرتها المصادر القديمة والمراجع الحديثة، وهي تقع على الساحل الغربي للجزيرة في منطقة «الحمرية». ونظراً لأهمية جزيرة سترة منذ القدم كخط الدفاع الأول للبحرين من الجهة الشرقية المقابلة لمياه الخليج فقد تم بناء هذه القلعة بها، كما لا يُعلم كم برجاً كان بها حول السور، إلا أنه لا يُعرف لها حتى اليوم تاريخ محدد للبناء، وهل للقلعة علاقة بالدولة العيونية وفترة وجودها في جزر البحرين أم لا؟

ويخطئ الباحثون في البحرين للأسف عندما يذكرون أن الحادثة الوحيدة التي ذكرت فيها قلعة سترة هي وقعة «المقطع» العام 1815، بينما الوثيقة التي نوردها هنا للمرة الأولي تذكر الحادثة الثانية والأهم التي تُذكر فيها قلعة سترة التاريخية ضمن ما أُطلق عليه في تاريخ البحرين بوقعة «قزقز». وهي تثبت تعرض البحرين للغزو البحري واحتلال قلعة سترة، بل واتخاذها من قبل الغزاة مقراً لقيادة العمليات الحربية براً وبحراً، بين شهري أكتوبر ونوفمبر من العام 1828، وتحت سمع وبصر وتدوين الوكيل البريطاني في البحرين آنذاك، ولذا وجب تصحيح المعلومات القديمة المتداولة.

ورغم أنه بعد أحداث العام 1828 تم تدمير القلعة في منتصف شهر نوفمبر تحديداً من ذاك العام حتى لا تستخدم من قبل أي غزو خارجي ضد البلاد؛ إلا أنها يبدو لم تدمر كلياً أو يتم إزالتها تماماً في تلك الفترة، والدليل، كما يذكر موقع الجريش، أنه في مطلع الخمسينيات، تقريباً من القرن العشرين، تم هدمها ومسحها بالأرض بواسطة الجرافات، ولم تصلنا أي صورة أو رسم عنها للأسف، وأضحى موقعها اليوم ضمن الأملاك الخاصة.

بقلم: محمد حميد السلمان  صحيفة الوسط البحرينية – العدد 4256 – السبت 03 مايو 2014م الموافق 04 رجب 1435هـ

lja-thumb

موقع قلعة سترة التاريخية