__2_1_~1 بحث بقلم عبد الخالق بن عبد الجليل الجنبي، هذا البحث هو فصل من كتاب للباحث عن (عبد القيس)، وهو قيد التأليف.

ربيعة السامعة المطيعة

هذا العنوان مقتبس من شعرٍ للإمام علي[1] – عليه السلام – قاله في قبائل ربيعة عندما رأى استبسالهم في نصرته وقتال أعداءه، ورأى كثرة من استشهد منهم معه في حروب الجمل وصفّين، وقد كان إقليم البحرين القديم – الممتد على الساحل الشرقي لشبه الجزيرة العربية من العراق شمالاً، وحتى حدود عمان القديمة جنوباً – كان موطناً لقبائل ربيعة منذ أنْ رحلت إليه قبيلة عبد القيس وبطون من بكر بن وائل وأختها تغلب ابنة وائل، فقد ذكر البكري[2] الذي ينقل عن هشام

بن محمد الكلبي أنّ قبيلة عبد القيس عندما رحلت من تهامة إلى البحرين استطاعت أنْ تزيح قبيلة إياد التي كانت تسيطر على البحرين، وأجبرتها على الرحيل نحو العراق، واقتسمت بطونها كامل هذا الإقليم ومراعيه الخصبة وأقطاره العامرة، ولاسيما واحتي الأحساء والقطيف وما يتبعهما من مدن وقرى وواحات وبراري، وصار هذا الإقليم كله يُعرف منذ ذلك الحين بديار عبد القيس حتى القرن السابع الهجري حيث استطاعت أحلاف قبائل وبطون من عُقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة من إنهاء سيطرة عبد القيس على البحرين بعد إسقاطهم لدولة العُيونيين آخر دولة عبدية حكمت كامل المنطقة.[3]

وعلى الرغم من إنهاء هذه القبائل العُقيلية لسيطرة عبد القيس على البحرين إلا أنّ ذلك لم يؤثر بتاتاً على التشيع في المنطقة لأنّ هذا الحِلف العُقيلي كان يتكون من قبائل متشيعة هي الأخرى، وظلت محافظة على تشيعها حتى لقد وصف ابن حجر أسرة حاكمة منهم تتكون من جدٍّ وابنه وحفيده بأنهم من كبار الروافض.[4]

وقد غلب التشيّع على ربيعة من قديم الزمان، ولاسيما عبد القيس وبكر بن وائل، وهما رحيا ربيعة من أرحاء العرب الستّة،[5] وقد ذكر الشيخ المفيد أنّ ربيعة خرجت كلها لنصرة الإمام علي – عليه السلام – في وقعة الجمل إلا مالك بن مسمع منها،[6] في حين ذكر ابن عساكر أنّ ربيعة كانوا ثلث أهل الكوفة، وكانوا مع عليّ – عليه السلام – يوم الجمل، وذكر أنهم كانوا يوم الواقعة في هذا اليوم نصف الناس معه،[7] مما يدلُّ على إخلاصهم له وأنهم كانوا أشد الناس في محاربة أعداءه، ويذكر المسعودي أنّ الإمام علي – عليه السلام – حزن حزناً شديداً على مَن قُتِل من ربيعة قبل وروده البصرة ممن قتلهم الزبير وطلحة من عبد القيس وربيعة، ثم جدد حزنه قتل زيد بن صوحان العبدي في وقعة يوم الجمل، ويضيف المسعودي أنّ الإمام كان دائماً ما يكثر من قوله:

يا لهف نفسي على ربيعة           ربيعة السامعة المطيعة[8]

وقال في موضع آخر: “ولعليٍّ في ربيعة كلامٌ كثير يمدحهم فيه، ويرثيهم شعراً ومنثوراً، وقد كانوا أنصاره وأعوانه، والركن المنيع من أركانه، فمن بعض ذلك قوله يوم صفين:

لمن رايةٌ سوداء يخفق ظلها          إذا قيل قدّمها حُضَينُ [9] تقدما

فيوردها في الصفّ حتى يعلها       حياض المنايا تقطر الموت والدِّما

جزى الله قوماً قاتلوا في لقائه         لدى الموت قُدماً ما أعزّ وأكرما

وأطيب أخباراً، وأكرم شيمةً          إذا كان أصوات الرِّجال تغمغما

ربيعة أعني إنّهم أهل نجدةٍ           وبأسٍ إذا لاقوا خميساً[10] عرمرما” [11]

وقد فتَّش معاوية قبل ذلك جيشه في حرب صفّين فلم يجد فيه من ربيعة أحداً لأنهم جميعهم كانوا مع أمير المؤمنين علي،[12] ولما تفرَّق عن الإمام أصحابه في ليلة الهرير الشهيرة من حرب صفّين، ولم يجد أحداً يحيط به انحاز إلى ربيعة من دون القبائل التي تنصره، فنزل بينهم فحاموا عنه برماحهم لئلا يصل إليه أحد، وفي تلك الليلة قال قولته المشهورة لهم: “أنتم درعي ورمحي“، فكانت ربيعة تفخر بهذا الكلام من أمير المؤمنين على بقية قبائل العرب،[13] وفي ذلك الوقت وقف سيد بكر بن وائل شقيق بن ثور السدوسي خاطباً في ربيعة، وهو يقول: يا معشر ربيعة.. لا عذر لكم إنْ قُتل عليٌّ ومنكم رجلٌ حيٌّ،[14] فكان ذلك مما حمَّسهم في الحرب، فقاتلوا مع الإمام قتالاً لم يُسمع بمثله، وانتدب له منهم ما بين عشرة آلاف إلى أكثر من ذلك قد جادوا بأنفسهم لله عزّ وجلّ، وحملوا معه حملة رجل واحد، فلم يبق لأهل الشام صفٌّ إلا انتقض، وأهْمدوا كل ما أتوا عليه على حدِّ وصف المسعودي.[15]

ويؤكد الجاحظ في رسالة الحكمين أنّ ربيعة كانوا في طاعة عليّ مجتهدين، وعلى معاوية مطيعين؛ حتّى هجروا فيه – يعني عليّاً – الإخوان والجيران، وفارقوا من أجله الأوطان كصنيع عِجْلٍ[16] بالبصرة وانتقالهم بعد نصرته يوم الجمل إلى الكوفة حتى نُزِلت ديارهم، وصارت في ربوعهم الأزد،[17] وهذا الكلام يأتي من رجلٍ بصري خبير بالعراق وأهله، ولا سيما ما يتعلق ببلده البصرة.

وقد كان لبكر بن وائل وبطونها شأنٌ عظيم في معركة الجمل، ومن بطونها التي كان لها ذكرٌ وشأنٌ في ذلك اليوم بنو ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل،فقد روى الطبري في تاريخه أن راية بكر من أهل الكوفة كانت فيهم، وفي تلك المعركة تقدم زعيمهم الحارث بن حسان بن خوط الذهلي مناشداً بكراً، وهو يقول: يا معشر بكر بن وائل إنه لم يكن أحدٌ له من رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- مثل منزلة صاحبكم، فانصروه،[18] وذكر أيضاً أنه قُتل من بني ذهل ذلك اليوم خمسةٌ وثلاثون رجلاً، وعندها التفت رجلٌ منهم لأخيه قائلاً له: يا أخي ما أحسن قتالنا إن كنا على حق!!، فأجابه أخوه بكل إيمان وعزم قائلاً له: فإنّا على الحق؛ إنّ الناس أخذوا يميناً وشمالاً، وتمسكنا بأهل بيت نبينا، فقاتلا حتى قتلا، وعندما بعث الإمام علي زياد بن خصفة التيمي أحد بكر بن وائل[19] إلى قتال الخريت بن راشد الناجي خطب زياد في قومه بكر بن وائل قائلاً: “يا معشر بكر بن وائل إنّ أمير المؤمنين ندَبَني لأمر من أموره مهمٌّ له، وأمرني بالانكماش فيه بالعشيرة حتى يأتي أمره، وأنتم شيعته وأنصارُه، وأوثق حيٍّ من أحياء العرب في نفسه“،[20] وقد كرر زياد بن أبيه هذا القول الأخير الذي قاله زياد بن خصفة، وذلك لمّا نزل عبد الله بن عامر الحضرمي في البصرة داعياً إلى بيعة معاوية بعد التحكيم، وكان زياد بن أبيه واليها من قبل الإمام علي، والذي جمع أشراف بكر بن وائل، فقال لهم: أنتم يا بني بكر بن وائل من أنصار أمير المؤمنين وثقاته، ثم طلب منهم أن يمنعوه من عبد الله بن عامر الحضرمي،[21] وقد ذكر ابن أبي الحديد في شرح النهج أنّ معاوية لمّا أرسل ابن الحضرمي إلى البصرة يدعو أهلها إلى مبايعته والخروج على أمير المؤمنين علي – عليه السلام – أمره أنْ ينزل في مضر البصرة، وأنْ يحذر النزول في ربيعة لما يعلم من تشيعهم للإمام علي عليه السلام.[22]

أما بقيّة قبائل ربيعة، فقد ذكر الرواة أنّه عندما سار الإمام علي لمحاربة معاوية في صفين، فبلغ الجزيرة من العراق لقيه بطون تغلب والنمر بن قاسط،[23] فسار معه منهم خلقٌ عظيم كما يذكر ذلك اليعقوبي،[24] أما ابن عساكر فذكر في تاريخه أنّه كان في جيش الإمام علي – عليه السلام – أربعة آلاف من قبيلة عنزة بن ربيعة يوم صفّين.[25]

وقد ذكر أبو عبيدة أنّه لما قُتل الإمام علي – عليه السلام – أراد معاوية الناس على بيعة ابنه يزيد، فتثاقلت ربيعة ولحقت بعبد القيس بالبحرين؛[26] كما يذكر الطبري في تاريخه أنّ عبد الله بن عامر والي البصرة لمعاوية أمر شريك بن الأعور الحارثي، وهو من شيعة علي أنْ يخرج لمحاربة بعض الخوارج الذين كانوا بقيادة المستورد بن علفة التيمي، وأمره أنْ يخرج معه في قتاله لهم من يستحلّ قتالهم من أهل البصرة، فعرف شريك أنه يريد بذلك الشيعة، فدعاهم شريك، وكان أعظمهم فرسان ربيعة الذين نصّ الراوي على أنهم كانوا شيعةً لعلي، وأنه قد أجاب شريكاً منهم فرسانهم وزعمائهم.[27]

ثم لما كانت وقعة كربلاء عام 61 للهجرة كانت ربيعة من أكثر أنصار الإمام الحسين – عليه السلام – فيها على قلة أنصاره، وقد ذكر الرواة ستة عشر رجلاً من ربيعة كانوا من ضمن أنصاره الذين لم يتجاوز عددهم بضعة وسبعين نفراً، وهم جميعهم من بني بكر وتغلب والنمر وعبد القيس؛[28] مع الأخذ بالاعتبار أنّه يوجد في أنصاره من لم ينسبهم المؤرخون إلى قبيلة معينة، ولو فعلوا لربما فاق عدد الربعيين من أنصار الحسين في كربلاء العشرين رجلاً أي أكثر من ربع العدد الحقيقي لأنصار الحسين.

وعندما مات يزيد بن معاوية – لعنه الله – انتفض أهل الكوفة على الحكم الأموي، وأرادوا أنْ يولّوا عليهم أميراً من بلدهم، فاقترح بعضهم عمرو بن سعد، ولما سمعت نساء ربيعة وهمدان والنخع ذلك خرجن إلى المسجد ناشرات لشعورهن، وهنّ يندبن الحسين قائلات أما رضي عمرو بن سعد بقتل الحسين – عليه السلام – حتى تجعلوه يتولى أمرنا، فبكى كلُّ من في المسجد، وصرفوا النظر عن توليته.[29]

ثم لما انتفض التوابون للأخذ بثأر الإمام الحسين – عليه السلام – كان لربيعة أيضاً حضورهم القويّ والفعّال، وكان أحد زعماء التوابين هو عبد الله بن وال التيمي تيم بكر بن وائل الربعية، وقد قتل في المعركة وهو مُقْدمٌ على خصومه.[30]

ثم أخذ التشيع يتغلغل في ربيعة، فلم يظهر ثائرٌ من آل أبي طالب على الأمويين أو العباسيين بعدهم إلا وكان معه من ربيعة من ينصره، ويكون من خلّص أصحابه مثل: يزيد بن عمرو التيمي تيم بكر بن وائل، والحريش بن عبد الرحمن الشيباني شيبان بكر أيضاً، وأبو العجارم الحنفي منهم أيضاً، وهم من أنصار يحيى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب،[31] ويونس بن أرقم العنزي، وهو من أصحاب إبراهيم بن عبد الله بن الحسن العلوي الثائر على أبي جعفر المنصور،[32] وأبي السرايا الشيباني مدبر أمر محمد بن طباطبا العلوي الثائر على المأمون العباسي،[33] والهيصم بن العلاء العجلي ثم البكري الذي جاء مع أهل بيته لنصرة الثائر العلوي يحيى بن عمر بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب مرثي ابن الرومي.[34]

ثم تطوّر التشيّع في ربيعة أكثر فأكثر حتى إننا لنرى بعد ذلك بيوتات مشهورة منها في عصر الدولة العباسية تتشيع مثل معن بن زائدة الشيباني البكري وأهل بيته[35] وأبي دُلف العِجلي البكري وأهل بيته،[36] وهما أسرتان من بكر بن وائل، ومثل آل حمدان من تغلب.[37]

وعندما بدأ دعاة الشيعة الإسماعيلية تحرّكهم في أواسط القرن الثالث كان التشيّع قد تفشَّى في ربيعة وقبائلها وبطونها، فكان هؤلاء الدعاة أوّل من يدعونهم قبائل ربيعة لعلمهم بإخلاصهم في تشيّعهم، وفي هذا الصدد يتحدث المقريزي عن أكبر دعاة الإسماعيلية، وهو حمدان قرمط الذي خرج بسواد الكوفة، فقال عنه إنّه كان لا يظهر غير التشيّع والعلم، ويدعو إلى الإمام من آل رسول الله محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، ثم عدد من بطون القبائل التي دخلت في دعوته وآمنت بها: بني رفاعة، وبني ضبيعة، وبني عابس، وبني ذهل، وعنزة، وتيم الله، وبني ثُعَل، وغيرهم من بني شيبان،[38] وهذه القبائل والبطون جميعها من ربيعة بن نزار مما يؤكد ما قلناه من انتشار التشيع في جماهيرها وقبائلها، وكذلك يذكر المقدسي في أحسن التقاسيم مشاهدته لبعض المشاحنات في البصرة بين الرّبعيين الذين وصفهم بأنهم شيعة وبين من سماهم بالسعديين وقال إنهم سنة، وهذا كله يدل على اختصاص ربيعة بالتشيع إلا من شذّ عنها في ذلك.

عبد القيس خير ربيعة

أما عبد القيس فقد كان لها نصيب الأسد من بين قبائل ربيعة في التشيع إلى الحدِّ الذي صيَّرهم أكثر أصحاب الإمام علي – عليه السلام – إخلاصاً له في الحروب، وأشدّ أعوانه بصيرةً فيها وأعظمهم حُباً له ولأهل بيته من بعده؛ حتى لقد اشتهر عنه أنّه كان إذا أقسم قسماً قال: “لا والذي جعل عبد القيس خير ربيعة“،[39] كما يذكر الؤرخون أنّه عندما أنشد أبو أسماء العبدي شعراً مدح فيه الإمام علي قال له الإمام: “رحمك الله يا أبا أسماء وأسمعك خيرا إني وإن أكن كذلك فإنك من قوم نجباء أهل حب ووفاء“،[40] وواضح من قول الإمام عن عبد القيس أنهم أهل حبٍّ ووفاء أنه كان يرى فيهم تشيعاً صريحاً له ولأهل بيته لأنّه إذا كان الحبُّ قد يطرأ على الناس في أي وقت وفي كل حين، فإنّ خصلة الوفاء لا يوصف بها إلا مَنْ تعرَّض لامتحان عسير ومرير في جديته وثباته على معتقده مهما واجه من ظروف صعبة للغاية.

كما يُروى عن الإمام جعفر بن محمد الصادق – عليه السلام – أنّه كان يقول لشيعته: “يا معشر الشيعة علِّموا أولادكم شعر العبدي[41] فإنّه على دين الله“،[42] وقول الإمام: إنّ شعر العبدي على دين الله إنما أراد به أنّه على الفطرة التي جُبلت عليها قبيلته، وذلك لما عُرف عن هذه القبيلة من تشيع فطري تأصّل فيهم وتشبعت به نفوسهم، ومن هنا فإنه لا يُستغرب ما ذكره المؤرخون أنه عندما لجأ عبيد الله بن زياد – لعنه الله – في هربه من جيش ابن الزبير إلى قيس بن مسعود الأزدي ليستجير به من أهل البصرة، وصادف أنه كان لقيس هذا امرأتان إحداهما من قومه الأزد والأخرى من عبد القيس، فكانت الأزدية تحضُّ زوجها على حماية عبيد الله بن زياد في حين أنّ العبدية كانت تقول: أخرجوا العبد.[43]

وقد ساعدت عدَّةُ أمور على تهيئة أفراد هذه القبيلة لاعتناق مذهب التشيّع لآل البيت – عليهم السلام – منذ قديم الزمان، ومن أهمها كون الكثير من أفراد هذه القبيلة قد اعتنقوا المسيحية قبل مجيء الإسلام، فقد رأينا عند الحديث عن ديانات عبد القيس أنّ أشهر راهبين مسيحيين في جزيرة العرب كانا من هذه القبيلة، وهما بحيرى الراهب ورئاب بن البراء الشني،[44] وقد رأينا أيضاً أنّ قسّ بن ساعدة الإيادي، وهو راهب مسيحي لا يقلُّ شأناً عن هذين الراهبين كان يعيش في البحرين، ويجاور عبد القيس، والذين كانوا يستمعون إليه ويأخذون عنه كما ورد في أخبار وفادتيهم على النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وسؤاله لهم عنه، وكان منْ جرّاء ذلك أن اعتنق المسيحية أيضاً زعيمُ عبد القيس الأكبر وسيدها الجارود بن عمرو الذي نصَّ أكثر من ترجم له على أنّه كان نصرانيَّاً،[45]، وهو أمرٌ كفيلٌ بأنْ يعتنق الغالبية العظمى من هذه القبيلة المسيحية لأنّه اشتهر في أعراف القبائل العربية أنّ الغالبية العظمى من أفرادها تتبع زعمائها في دياناتهم ومعتقداتهم.

ولأنّه كان معروفاً لدى مسيحيي العرب يُعرف بمصطلح الوصيّ الذي هو الخليفة الشرعي للنبي عيسى – عليه السلام -، والذي ذكر أكثر من مفسر وكاتب أنّ شمعون المعروف عند المؤرخين الإسلاميين بشمعون الصّفا كان وصيّاً لعيسى بموجب ذلك،[46] كما روى أكثر من مؤرخ أنّ الصحابي سلمان الفارسي كان من المعمّرين، وأنه أدرك وصي عيسى بن مريم،[47] وسوف نذكر لاحقاً الأثر البالغ لسلمان في نفوس بعض زعماء عبد القيس وتشيعهم لآل البيت، ويبدو أنه حتى قبل التقاء هؤلاء الزعماء بسلمان، فإنّ مسيحيي عبد القيس قد تشبعوا بهذه الفكرة، وصار بديهياً أنهم بعد إسلامهم لم يجدوا أيَّ حرج في القبول بفكرة وجود وصيٍّ للنبي محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- مُنصَّبٌ من قبل الله لخلافته بعد وفاته، بل ربما يكونون قد سألوا النبي في إحدى وفادتيهم عليه عن وصيّه الذي يخلفه بعد موته مثلما سأله أولئك القوم الذين أشار إليهم شاعر آل البيت المعروف بالسيد الحميري في قصيدته العينية الشهيرة، والذين سألوا النبي عن وصيّه الذي يفزعون إليه بعده، وهو ما يُستشف من قوله في هذه القصيدة:[48]

عجبتُ من قومٍ أتَوْا أحمداً        بخُطّةٍ ليس لها مَدْفَعُ

قالوا له لو شِئتَ أخبرتَنا        إلى مَن الغايةُ والمَفْزَعُ

إذا تولّيتَ وفارَقْتَنا            وفيهمُ في الملكِ من يَطمعُ

وبالفعل فقد روى مؤرخو الشيعة وكتابهم خبراً عن الجارود سيد عبد القيس عندما وفد على النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- ليُسْلم على يديه، وفيه أنَّ الجارود أخبر النبي أنّه سمع الراهب المشهور قسّ بن ساعدة يذكر اسم النبيّ محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- وأسماء اثني عشر شخصاً معه كان يتوسَّل بهم، وطلب الجارود من الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- أن يعلمه بهم فأخبره أنهم الإئمة بعده من ذرية علي – عليه السلام – [49]

وقد ورد في هذا الخبر نفسه أنّ الجارود زعيم عبد القيس سأل الصحابة الحافين بالرسول – صلى الله عليه وآله وسلم – إن كانوا قد آمنوا به على علم به قبل مبعثه كما آمن هو به، فدلوه على سلمان الفارسي قائلين للجارود إنه آمن به كذلك، وقد ورد في الخبر نفسه مديح للجارود في سلمان يدل على أنّ الجارود قد آنس بسلمان، ومالت نفسه إليه، وهو أمرٌ – كما سبق وقلت – له أهمية كبرى لأنّ سلمان سيكون بعد ذلك أحد الأركان الأربعة الذين سيتأسس على يدهم التشيع للإمام علي – عليه السلام -، وسيكون لسلمان نصيب الأسد من ذلك، فإذا كان الجارود قد آنس بسلمان منذ أول إسلامه وأول رؤية له، فإنّنا نستطيع القول أنّ ذلك اليوم الذي التقى فيه سلمان والجارود العبدي كان قد شهد أول علاقة صحبة بينهما؛ كما لا شك أنّ سلمان قد أخبر الجارود خلال صحبته له بالفضائل التي سمعها من رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – في ابن عمه علي.

والواقع إنّ الإخبار عن اثني عشر إماماً أو خليفة يأتون بعد الرسول أخبر به حتّى الرسول نفسه -صلى الله عليه وآله وسلم- في حديث رواه غير واحد من المحدثين شيعةً وسنّة، ومفاده أنَّ أمر الأمة لا ينقضي حتّى يقوم فيها اثنا عشر إماماً، أو خليفة،[50] كما ذكر ابن كثير في البداية والنهاية ترجمةً عربيّةً لنصٍّ نقله عن السّفر الأوّل من التوراة جاء فيه: “إن الله أوحى إلى إبراهيم عليه السلام، بعدما سلمه من نار النمروذ: أن قم فاسلك الارض مشارقها ومغاربها لولدك، فلما قص ذلك على سارة طمعت أن يكون ذلك لولدها منه، وحرصت على إبعاد هاجر وولدها، حتى ذهب بهما الخليل إلى برية الحجاز وجبال فاران، وظن إبراهيم عليه السلام أن هذه البشارة تكون لولده إسحاق؛ حتى أوحى الله إليه ما مضمونه: أما ولدك فإنه يرزق ذرية عظيمة، وأما ولدك إسماعيل فإني باركته وعظمته، وكثرت ذريته، وجعلت من ذريته (ماذ ماذ)؛ يعني محمدا صلى الله عليه وسلم وجعلت في ذريته اثني عشر إماما،[51] وتكون له أمة عظيمة.”[52]

وهذا الخبر الذي رواه ابن كثير هو عين ما رواه أحد علماء الشيعة، وهو الفضل بن الحسن الطبرسي؛ حيث قال عند ذكره البشارات التي بشر بها الأنبياء عن ظهور الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم-: ومن ذلك: بشارة موسى بن عمران عليه السلام به في التوراة، فلقد حدثني من أثق به قال: مكتوب في خروج النبي من ولد إسماعيل، وصفته هذه الالفاظ: “لا شموعيل شمعشخوا هني بيراختما اوثو هربيث، أتو هربتي واتو (بماد ماد) شينم آسور نسيئم وأنا تيتو الكوى كادل“، وتفسيره: إسماعيل قُبلت صلاته، وباركت فيه، وأنميته، وكثرت عدده بولد له اسمه محمد، يكون اثنين وتسعين في الحساب، سأخرج اثني عشر إماما ملكا من نسله، وأعطيه قوما كثير العدد”.[53]

كما إنّ التبشير بالرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- ومبعثه في الجزيرة العربية قد جاء في التوراة والإنجيل بنصّ القرآن،[54] وقد تناقله الرهبان النصارى لاحقٌ عن سابق، ومنهم عالم عبد القيس الشهير بحيرا الراهب الذي هاجر عن ديار قومه، وقصد بصرى الشام متنسكاً، وقد بقي إلى أنْ مرَّ به الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- وهو غلامٌ مع عمّه أبي طالب، فاكتشف بحيرا صفات النبيّ المرتقب في هذا الغلام الطاهر، وهي قصّةٌ مشهورة ذكرها كلُّ رواة السيرة المحمديّة، كما إنّ من الرهبان النصارى الذين أخبروا بمبعث النبيّ -صلى الله عليه وآله وسلم- قسُّ بن ساعدة الإيادي الذي أخبر سيّد عبد القيس الجارود بقرب مبعث النبيّ كما مرّ بنا، ويضيف كُتَّاب الشيعة أنّه أخبره أيضاً بأسماء اثني عشر شخصاً مباركين معه، كما مرّ بنا أنّ الصحابي الكبير سلمان الفارسي قد التقى هو أيضاً براهبٍ، وقيل بآخر أوصياء عيسى – عليه السلام -،[55] والذي أخبره بقرب ظهور النبيّ في جزيرة العرب، فكان أنْ هاجر من بلاد فارس إليها ليلتقي بعد رحلةٍ مضنية بالرسول الأكرم -صلى الله عليه وآله وسلم- فأسلم على يديه ليكون سابق الفرس في الإسلام، كما أودُّ أنْ ألفت نظر القارىء إلى أنّ تشابه حالي الجارود سيد عبد القيس وسلمان الفارسي في كون أنّ كلاً منهما قد سمع بظهور النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- من رهبان النصارى قبل إسلامهما كان له دورٌ – ولا شكّ – في حصول تقاربٍ روحي بين الجارود وسلمان، وهو ما سيؤيده المزيد من البحث فيما يلي.

يوم الغدير ( يومُ التَّشَيُّعِ لعَليّ )

لقد اشتهر بين المسلمين يومُ الغدير غدير خُم،[56] وهو اليوم الذي وقف فيه الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- في أصحابه بعد رجوعه من حجة الوداع، وخطب فيهم خطبته عند هذا الغدير،[57] وقال فيها قولته المشهورة: “من كنتُ مولاه، فعَليٌّ مولاه”، وهي الجملة التي فهم منها قسمٌ من الصحابة أنها تعني نصَّاً سَماويّاً على ولايةِ الإمام علي للمسلمين بعد الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وهو القسم الذي عُرف فيما بعد بشيعة علي من الصحابة، ثم تطور بمرور الزمن ليطلق على فرق الشيعة الإسلامية.

ويرى الشيعة أن الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- قد مهّد قبل هذا اليوم لابن عمّه علي بكثرة ما ذكر من فضائله ومناقبه ويقين إيمانه في أحاديث جمّةٍ رواها مؤرخو الدولة الإسلامية ومحدثوها حتى وصلت إلى حدٍّ كبير من التواتر والشهرة والكثرة، وفي هذا الصدد يقول الإمام أحمد بن حنبل – وهو أحد أكبر شيوخ المحدثين وإمام المذهب الحنبلي -: “ما جاء لأحدٍ من أصحاب رسول الله من الفضائل ما جاء لعلي بن أبي طالب“،[58] فكانت هذه الفضائل والمناقب التي قالها الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- في الإمام علي – عليه السلام – بمثابة التمهيد لتنصيبه خليفةً وإماماً على المسلمين من بعده، كما ساعدت سيرة الإمام الباهرة وجهاده وشجاعته المنقطعة النظير في المعارك التي كان يخوضها بين يدي الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- إلى جعل الكثير من الناس ينظرون له نظرة إعجاب وإجلال، وبالتالي فعندما خطب الرسول خطبته في غدير خمٍّ فَهِمَ أكثرُ من حضرها أنّها تعني تنصيب عليٍّ وليّاً وخليفةً على الأمة، وهو ما وضح لدى الخليفة عمر بن الخطاب عندما توجّه نحو الإمام علي قائلاً له: بخٍ بخٍ لك يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مسلم، ولفضل ذلك اليوم وأهميته، فقد رويت روايات في استحباب صومه، حيث روى الخطيب البغدادي عن أبي هريرة قال: “من صام يوم ثمان عشرة من ذي الحجة كتب له صيام ستين شهرا وهو يوم غدير خم لما أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بيد علي بن أبي طالب فقال ألست ولي المؤمنين قالوا بلى يا رسول الله قال من كنت مولاه فعلي مولاه فقال عمر بن الخطاب بخ بخ لك يا بن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مسلم، فأنزل الله (اليوم أكملت لكم دينكم)“.[59]

وممَّن فهمها كما قلنا أحدُ مفكري السنّة الكبار، وهو أبو حامد الغزالي صاحب التصانيف المشهورة، فقد قال في كتابه سر العالمين في باب ترتيب الخلافة والمملكة: “وأجمع الجماهير على متن الحديث من خطبته – صلى الله عليه و آله وسلم – في يوم غدير خم باتفاق الجميع وهو يقول: “من كنت مولاه فعلي مولاه”، فقال عمر: بخٍ بخٍ يا أبا الحسن لقد اصبحت مولاي، ومولى كل مؤمن، ثم عقَّب الغزالي قائلاً: فهذا تسليم، ورضاً وتحكيم، وبعد ذلك غلب الهوى، وحب الرئاسة، وعقود البنود، وازدحام الجنود، فحملهم على الخلاف، فنبذوه وراء ظهورهم، واشتروا به ثمنا قليلا، فبئس ما يشترون“.[60]

ويرى الشيعة أيضاً أنّ هذه الخطبة قالها الرسول في موضع يفترق فيه الحجاج ليرجع كلاً منهم إلى موطنه، ويبلغوا قومهم قوله، ولا شكّ أنّه كان من ضمن الحجاج أفراد من قبيلة عبد القيس، والذين قاموا ولا شك بتبليغ قومهم بما قاله الرسول الأكرم -صلى الله عليه وآله وسلم- في حق ابن عمّه علي، وهو أمرٌ طلبه الرسول نفسه من كل من استمع إلى خطبته تلك أن يبلغ الشاهدُ منهم الغائب،[61] وقد ورد في السيرة الحلبية ما يفيد ذلك حيث جاء فيها أنّ قول الرسول – صلى الله عليه وآله وسلم – “من كنت مولاه فعلي مولاه” قد شاع في سائر الأمصار وطار في جميع الأقطار[62]، فكان ذلك – ولا شكّ – أقوى ما لفت انتباه بني عبد القيس إلى وصاية الإمام علي وخلافته للرسول الأكرم -صلى الله عليه وآله وسلم- وإلا فكيف نفسّر هذا الولاء العظيم منهم له، ونصرتهم إيّاه في حروبه ببصيرة نافذة، فإنَّ ذلك ليس لمجرّد أنّه صار خليفة المسلمين لأننا سوف نرى بعد قليل كيف أنَّه كان للعبقسيين دورٌ واضح في الثورة على الخليفة عثمان، ومبايعة الإمام علي – عليه السلام – مما يؤكد هذا الذي ذهبنا إليه من أنَّ عبد القيس قد عرفت للإمام علي حقَّه وقامت بموالاته ونصرته حتّى قبل أن يلي الخلافة، وأنّ ذلك كان تنفيذاً منهم لأمر الرسول المتقدم في غدير خم،[63] والذي كان –- حسب رأيي – أوَّل بذرة للتشيُّع بُذرت في نفوس عبد القيس، ولكن بعد أنْ مهِّدت نفوسهم لتقبل هذه البذرة بأحاديث وفضائل كانوا قد سمعوها عن بعض أصحاب الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- في الإمام علي كما سوف نرى فيما يلي، ومن ضمن هؤلاء الأصحاب أبان بن سعيد بن العاص الأموي الذي عيَّنه الرسول في السنة التاسعة للهجرة والياً للبحرين ديار عبد القيس، وأمره أنْ يستوصي بعبد القيس خيراً،[64] وما دمنا قد ذكرنا أباناً هنا، فلا بد لنا من الإشارة إلى ما ذكره بعض الباحثين منْ أنّ السبب في تشيّع إقليم البحرين – الذي هو ديار عبد القيس التي اشتهرت بهم – يعود إلى الصحابي أبان بن سعيد هذا، والذي كان من المشهورين بمحبتهم للإمام علي عليه السلام.[65]

وهذا الكلام لا يناقض الرأي الذي قلتُ به من أنّ أوّل بذرة تشيّع بُذرت في نفوس عبد القيس كانت في يوم الغدير على الرغم من أنَّ تولية أبان للبحرين كانت سابقة بعامٍ أو أقلّ ليوم الغدير الذي نصَّ فيه الرسول على موالاة الإمام علي ونصره، وحتّى وإنْ كان أبان يعده مؤرخو الشيعة من شيعة الإمام علي[66] إلا أنّ قول الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- في غدير خم هو أقوى حجّةً وأبلغ في نفوس العبقسيين من أيّ قول آخر، ولا يمنع أنْ يكون أبان بن سعيد كان قد سمع الكثير من فضائل الإمام علي التي قالها النبي في حقّه قبل يوم غدير خم، وليس بمستبعد أيضاً أنْ يكون قد روى للعبقسيين عندما تولى ديارهم البحرين هذه الفضائل التي حبى الله ورسوله بها الإمام علي – عليه السلام -، ولكنْ لا يصحُّ لنا أنْ نقول أنَّ أبان هو غارس بذرة التشيع في نفوس العبقسيين.

نعم يصحُّ أنْ نقول إنّ أباناً كان من المهيئين لنفوس العبقسيين لكي يتقبلوا غرس بذرة التشيع في نفوسهم فيما بعد، وذلك بما أخْبَرَ العبقسيّين – ولا شك – بما للإمام علي من فضائل قالها الرسول فيه، وأبان بن سعيد في ذلك مثله مثل زعيم عبد القيس الجارود بن عمرو تماماً، والذي سبق وأشرنا إلى أنّ الشيعة يروون خبراً عنه يذكرون فيه أنّه كان سمع من خطيب العرب قسّ بن ساعدة توسلاً بالنبي وباثني عشر اسماً معه، ولاشك – إنْ صحَّ هذا الخبر – أنّ الجارود كان يروي هذا الخبر لقومه، بل لعلَّ منهم من سمعه من قسٍّ نفسه إنْ كان قاله لأنّ بلاد قسّ بن ساعدة هي البحرين التي هي بلاد عبد القيس،[67] وبالتالي فإنّ ما ذكره الجارود و أبان بن سعيد بن العاص من فضائل آل البيت والإمام علي كان بمثابة تهيئة وتخصيب لتربة التشيّع في نفوس العبديين لكي تتقبل غرس بذرته فيهم، أمّا غارس هذه البذرة الحقيقي، فهو نفسه صاحب الشريعة محمد بن عبد الله – صلى الله عليه وآله وسلم – وذلك بما قاله في الإمام علي من فضائل كثيرة، ثمّ بما قاله في يوم غدير خم كما قدّمنا، وكما سوف نزيده توضيحاً فيما يلي.

الشيعة الأوائل

قال محمد كرد علي في كتابه خطط الشام:

“عُرف جماعة من كبار الصحابة بموالاة علي في عصر رسول الله صلى الله عليه وآله، مثل: سلمان الفارسي القائل: ” بايعنا رسول الله على النصح للمسلمين، والائتمام بعلي بن أبي طالب والموالاة له”، ومثل: أبي سعيد الخدري الذي يقول: “امر الناس بخمس، فعملوا بأربع وتركوا واحدة، ولما سئل عن الاربع قال: الصلاة والزكاة وصوم شهر رمضان والحج، قيل له: فما الواحدة التي تركوها؟ قال: ولاية علي بن أبي طالب، قيل له: وإنها لمفروضة معهن؟ قال: نعم هي مفروضة معهن”، ومثل: أبي ذر الغفاري، وعمار بن ياسر، وحذيفة بن ثابت،[68] وأبي أيوب الانصاري، وخالد بن سعيد بن العاص،[69] وقيس بن سعد بن عبادة، وكثيرٌ أمثالهم عُرف هؤلاء باسم شيعة علي، ثم غُلِّبَ فأطلق، فقيل لهم شيعة، ذكر أبو حاتم الرازي في كتاب الزينة في الألفاظ المتداولة بين أرباب العلوم على ما نقل في كتاب الروضات أنّ أول اسمٍ ظهر في الإسلام على عهد رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- (الشيعة)، وكان لقب أربعة من الصحابة، وهم أبو ذرّ وسلمان وعمّار والمقداد إلى أنْ آن أوان صفّيْن، فاشتهر بين موالي علي عليه السلام “.[70]

وقد اشتهر بين مؤرخي الشيعة وكتَّابهم مصطلح (الأركان الأربعة)، ويعنون بهم أربعةً من الصحابة يعدونهم أئمة الطبقة الأولى من الشيعة، وهم سلمان الفارسي والمقداد بن عمرو (الأسود) وأبو ذرّ الغفاري وعمَّار بن ياسر،[71] واللذين كانوا أعظم الناس موالاةً للإمام علي وحبّاً له، ويرى مؤرخو الشيعة أنّ التشيّع انتشر عن هؤلاء الأربعة وبعض الصحابة الآخرين معهم إلى سائر أقطار الجزيرة العربية وما حولها كبلاد فارس والعراق والشام ومصر، ويرى الشيخ الحرُّ العاملي في كتابه أمل الآمل أنّ التشيع في الشام عامّة وفي جبل عامل (الجنوب اللبناني) يعود الفضل فيه إلى أبي ذرّ الغفاري، وذلك عندما أخرجه الخليفة عثمان إلى الشام، فتشيع بعض أهلها مما أثار مخاوف واليه عليها معاوية بن أبي سفيان، فنفاه إلى القرى، فوقع إلى جبل عامل فتشيعوا من ذلك اليوم،[72] وأبو ذرّ الغفاري هو الذي كان يقف على باب مسجد الرسول في المدينة، ويؤلب الناس على عثمان، ويدعوهم إلى موالاة الإمام علي وآل البيت جهراً، وبمسمع من الخليفة عثمان نفسه،[73] وقد روى الشيخ الصدوق في أماليه حديثاً عن مهلهل العبدي ، قال : “حدثنا كديرة بن صالح الهجري، عن أبي ذر جندب بن جنادة رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وآله – يقول لعلي – عليه السلام – كلمات ثلاث، لئِن تكون لي واحدة منهن أحب إلي من الدنيا وما فيها، سمعته يقول: اللهم أعنه واستعن به، اللهم انصره وانتصر به، فإنه عبدك وأخو رسولك، ثم قال أبو ذر – رحمه الله -: أشهد لعلي بالولاء والإخاء والوصية“.

وقال كديرة بن صالح: وكان يشهد له بمثل ذلك سلمان الفارسي، والمقداد وعمار، وجابر بن عبد الله الانصاري، وأبو الهيثم بن التيهان، وخزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، وأبو أيوب صاحب منزل رسول الله – صلى الله عليه وآله – وهاشم بن عتبة المرقال، كلهم من أفاضل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله.[74]

وقد ذكر جزءاً من هذا الحديث الذهبي بالإسناد نفسه في ميزان الاعتدال،[75] وفيه أنّ أبا ذرّ أسند ظهره إلى الكعبة، ثم قال: “أيها الناس هلموا أحدثكم ما سمعت من نبيكم؛ سمعت رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- يقول لعلي كلمات: اللهم أعنه واستعن به، اللهم انصره وانتصر به، فإنه عبدك وأخو رسولك“.

وأغلب الظن أنّ كديرة بن صالح الهجري من عبد القيس أيضاً كما هو مهلهل العبدي الذي يروي عنه، وهو يثبت أنّ أفراد هذه القبيلة قد التفّوا حول هذه الفئة من الصحابة المتشيعين لعلي – عليه السلام – والذين ذكرهم كديرة بعد روايته لحديث أبي ذرّ الغفاري، وهو دليل تشيع كديرة الذي عقب بقوله عن هذه الفئة من الصحابة أنهم من أفاضل أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-.

وقد ذكر ياقوت الحموي في رسم المدائن من معجم البلدان أنّ الغالب على أهلها التشيع، ويرجع الفضل في ذلك إلى حذيفة بن اليمان، وهو من الشيعة الأوائل أيضاً،[76] ثمّ إلى سلمان الفارسي اللذين ولاهما الخليفة عمر عليها في عهده، كما يرجع إلى سلمان الفضل في تشيع الكثيرين من أهل فارس على اعتبار أنه منهم، ولذلك نرى أنّ أكثر من كان يحيط بالإمام علي أثناء إلقاءه لخطبه ومحاضراته ودروسه في مسجد الكوفة هم من أهل فارس الذين كانوا أحرص الناس على أخذ العلم عنه وأكثرهم اهتماماً بما يقول مما جعل الأشعث بن قيس الكندي يتذمر من ذلك لأنه كان يقصد المسجد متأخراً فلا يجد له مكاناً من كثرة الفُرسِ الملتفّين حول الإمام، فكان أنْ قال مخاطباً له: يا أمير المؤمنين غلبتنا هذه الحمراء على قربك، وعندها قال الإمام قولته الاستشرافية المأثورة: “ليضربنكم على الإسلام عوداً كما ضربتموهم عليه بدءاً“.[77]

وفي الواقع فإنَّ تشيّع سلمان الفارسي للإمام علي وآل البيت كان عميقاً جداً، ولا شكّ أنّ ذلك كان من تأثير الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- فيه، فقد اشتهر عنه قوله: “سلمان منّا أهل البيت“،[78] وعندما أمر الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- الإمام علي – عليه السلام – أن يكتب كتابَ مفاداة سلمان من مالكه اليهودي جاء في تضاعيف ذلك الكتاب قول الرسول عن ولاء سلمان بعد عتقه: “وولاؤه لمحمد بن عبد الله رسول الله وأهل بيته“[79] وقد سأل رجلٌ سلمان – رضي الله عنه – متعجّباً، فقال له: ما أشدّ حبّك لعليّ، فردّ عليه سلمان قائلاً: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- يقول: “من أحبّ عليّاً فقد أحبّني، ومن أبغض عليّاً فقد أبغضَني“،[80] وسلمان هو الذي قال عندما اجتمع بعض الصحابة في سقيفة بني ساعدة، وبويع لأبي بكر، فبلغ ذلك سلمان، فقال: “كرديد ونكرديد” أي: “أصبتم و أخطأتم”، وقد ذكر ابن أبي الحديد ذلك في شرح النهج، وذكر قبله رواية عن الجوهري جاء فيها: “عن المغيرة أن سلمان والزبير وبعض الانصار كان هواهم أن يبايعوا عليا بعد النبي صلى الله عليه وآله، فلما بويع أبو بكر، قال سلمان للصحابة: أصبتم الخير، ولكن أخطاتم المعدن؛ قال: وفى رواية أخرى: أصبتم ذا السن منكم، ولكنكم أخطأتم أهل بيت نبيكم؛ أما لو جعلتموها فيهم ما اختلف منكم اثنان ولأكلتموها رغدا“،[81] وهو الذي يروي له أبو نعيم الأصفهاني قوله في آل البيت: “أنزلوا آل محمد بمنزلة الرأس من الجسد وبمنزلة العين من الرأس فإن الجسد لا يهتدي إلا بالرأس وإن الرأس لا يهتدي إلا بالعينين“،[82] كما رُوي عنه أيضاً أنه قال: “أول هذه الأمة وروداً على نبيها -صلى الله عليه وآله وسلم- أولها إسلاماً: علي بن أبي طالب“.[83]

وأخبار سلمان ومحبته للإمام علي وآل البيت وقوله بحقهم في الخلافة واحتجاجه لهم بذلك هو مما أكثر فيه رواة الشيعة ومؤرخوهم حتّى عدّوه الركن الأول من أركان الشيعة بلا منازع، وقد كان له أثرٌ كبير في نشر فضائل آل البيت ودعوة الناس إلى الالتفاف حولهم والتشيع لهم، وهو ما بدا واضحاً لنا في تشيّع المدائن التي وليها سلمان أيام الخليفة عمر بن الخطاب، فنشر في أهلها التشيّع لآل البيت وحبّ الإمام علي حتّى غلب عليهم ذلك، فصاروا من خُلَّص شيعة آل البيت، ثم كان لأهلها بعد ذلك دورٌ كبير وواضح في ثورة المرتدين الذين قاموا للأخذ بثأر الإمام الحسين – عليه السلام – عام 65 للهجرة.[84]

وقد مرَّ بنا أيضاً قبل قليل أنّ الكثيرين من الفرس الذين دخلوا في الإسلام قد التفّوا حول أمير المؤمنين علي – عليه السلام – في الكوفة، وأخذوا ينهلون من علمه ويوالونه، وقلنا إنه لا شكّ أنَّ لسلمان الفارسي دورٌ كبير في تشيّع الكثيرين من هؤلاء الفرس لأنهم قومه، وقد روى المؤرخون أنّ سلمان قاد بعض الجيوش الإسلامية في فتح بعض مدن فارس،[85] وأنه كان قبل أنْ يحارب أهل هذه المدن كان يدعوهم إلى الإسلام بالتي هي أحسن، ولا شكّ أنّ من أسلم منهم فإنه سوف يأخذ تعاليم الدين الجديد عن سلمان لعدّة أسباب منها أنه هو قائد الجيش، ومنها أنّه الوحيد الذي كان يعرف لغتهم، وبالفعل فقد روى هؤلاء المؤرخون أنّ سلمان كان يخاطب أهل المدينة التي يفتتحها باللغة الفارسية[86] ليسلموا قبل أن ينْهَدَ إليهم بالحرب، فمن الطبيعي – وفق ما ذكرنا آنفاً من شدة محبة سلمان للإمام علي وآل البيت – أنّه قد ذكر لهؤلاء الفرس الداخلين في الإسلام فضل الإمام ومكانته من نبي الإسلام -صلى الله عليه وآله وسلم-، بل لا شكّ أنّ سلمان كان داعية قومه الأول للتشيع لآل البيت كما كان أبو ذر داعية التشيع الأول في بلاد الشام.

وهذا الدور الذي قام به كلاً من سلمان وأبو ذر في نشر التشيّع في البلاد التي سكناها، والعباد الذين لقوهما كان له أدوار مشابهة قام بها نخبة من الصحابة الذين عُرفوا بولاءهم وتشيّعهم للإمام علي مثل المقداد بن عمرو، وعمّار بن ياسر، وصاحب سرِّ الرسول حذيفة بن اليمان، الذي رُوي عنه أنه كان عند احتضاره يوصي الناس بتقوى الله والطاعة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب – عليه السلام -،[87] وقد روى المسعودي أنّ حذيفة كان عليلاً بالكوفة سنة ست وثلاثين، فبلغه قتل عثمان وبيعة الناس لعلي، فقال: “أخرجوني، وادعوا الصلاة جامعة، فوضع على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي وعلى آله، ثم قال: “أيها الناس إن الناس قد بايعوا عليّاً فعليكم بتقوى الله، وانصروا علياً ووازروه، فوالله إنه لعلى الحقّ أولاً وآخراً، وإنه لخير من مضى بعد نبيكم ومن بقى إلى يوم القيامة، ثم أطبق يمينه على يساره، ثم قال: اللهم اشهد؛ إني قد بايعت علياً، وقال الحمد الله الذي أبقاني إلى هذا اليوم”، وقال لابنيه صفوان وسعد: احملاني وكونا معه، فستكون له حروب كثيرة فيهلك فيها خلق من الناس، فاجتهدا أن تستشهدا معه، فإنه والله على الحق، ومن خالفه على الباطل،[88] كما كان يوصي من يسأله عن الفتن الحاصلة في عهده بقوله لهم: “دوروا مع كتاب الله حيث ما دار وانظروا الفئة التى فيها ابن سمية فاتبعوها فانه يدور مع كتاب الله حيث ما دار قال فقلنا له: ومن ابن سمية قال: عمار سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول له: لن تموت حتى تقتلك الفئة الباغية تشرب شربة ضياح تكون آخر رزقك من الدنيا“،[89] بل لقد روى ابن أبي الحديد حديثاً عن حذيفة في فضل الإمام علي لو لم يكن حذيفة من الصحابة لما تورّع رجال الحديث عن عده من غلاة الشيعة، ففي شرح نهج البلاغة: عن أبى هارون العبدي، عن ربيعة بن مالك السعدي، قال: أتيت حذيفة بن اليمان فقلت: يا أبا عبد الله، إن الناس يتحدثون عن علي بن أبى طالب ومناقبه، فيقول لهم أهل البصيرة: إنكم لتفرطون في تقريظ هذا الرجل، فهل أنت محدثي بحديث عنه أذكره للناس؟ فقال يا ربيعة، وما الذي تسألني عن علي، وما الذي أحدثك عنه! والذي نفس حذيفة بيده لو وضع جميع أعمال أمة محمد صلى الله عليه وآله في كفه الميزان منذ بعث الله تعالى محمدا إلى يوم الناس هذا، ووضع عمل واحد من أعمال علي في الكفة الأخرى لرجح على أعمالهم كلها، فقال ربيعة: هذا المدح الذي لا يُقام له ولا يُقعد ولا يحمل، إني لأظنه إسرافا يا أبا عبد الله!، فقال حذيفة: يا لكع، وكيف لا يحمل!، وأين كان المسلمون يوم الخندق وقد عبر إليهم عمرو وأصحابه فملكهم الهلع والجزع، ودعا إلى المبارزة فأحجموا عنه حتى برز إليه علي فقتله!، والذي نفس حذيفة بيده لعمله ذلك اليوم أعظم أجراً من أعمال أمة محمد صلى الله عليه وآله إلى هذا اليوم وإلى أن تقوم القيامة.[90]

ومنهم أبو أيوب الأنصاري، وخالد بن سعيد بن العاص، وقيس بن سعد بن عبادة، وأبو سعيد الخدري الذي ذكرنا فيما مضى قوله: ” أمر الناس بخمس، فعملوا بأربع وتركوا واحدة، ولما سئل عن الواحدة التي تركوها؟ قال: ولاية علي بن أبي طالب، قيل له: وإنها لمفروضة معهن؟ قال: نعم هي مفروضة معهن “، ومثل خزيمة بن ثابت ذي الشهادتين، وأمثالهم من الصحابة الذين كانوا يوالون عليّاً – عليه السلام – حتى قبل تسلّمه للخلافة عملاً بوصية الرسول الأكرم -صلى الله عليه وآله وسلم- لهم بمحبته وموالاته ونصرته كما في أحاديث كثيرة وردت عنه تقدم بعضها فيما كتبناه قبل قليل عن سلمان وحذيفة وأبي سعيد الخدري، وأكثر من ذلك مما لا يتسع الموضع لذكره هنا، وهو مسطر في الكتب التي ألّفت في فضائل أمير المؤمنين – عليه السلام – وما أكثرها.

نعم كان لهؤلاء الشيعة الأوائل من الصحابة دورٌ كبير – كما قلنا – في لفت نظر الناس إلى فضائل الإمام علي وموالاتهم له، وقد استغلوا أوّل الأمر كونهم في المدينة المنورة التي أضحت جامعة المسلمين الأولى، ومهوى أفئدتهم من شتى أنحاء الأرض لوجود قبر صاحب الشريعة -صلى الله عليه وآله وسلم- فيها، فكان هؤلاء الناس الزائرين لقبر الرسول يهمهم أنْ يلتقوا بأصحابه وأنْ يأخذوا عنهم علوم دينهم وأحاديث نبيهم على اعتبار أنهم كانوا أقرب الناس منه، فكان هؤلاء الصحابة من شيعة علي الذين ذكرنا يلقنون الناس فيما يلقنونهم فضائل أمير المؤمنين – عليه السلام – وما حباه الله من كرامات فاق بها غيره من الصحابة، وقد جاء في كتاب سليم بن قيس ما يثبت هذا الرأي، ففيه أنّ راوي الكتاب أبان بن أبي عياش المحاربي العبدي قد قرأ كتاب سليم على مسامع الصحابيين أبي الطفيل الكناني وعمر بن أبي سلمة، فشهدا بصحّة ما فيه، وقالا: “ما فيه حديث إلا وقد سمعناه من علي صلوات الله عليه ومن سلمان ومن أبي ذر ومن المقداد“،[91] وكانت تلك الروايات التي يسمعها الناس عن هؤلاء الصحابة في الإمام تقترن في أذهانهم بالروايات والأخبار التي سمعوها عن شجاعته وكفاحه العظيم في المعارك التي خاضها الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- كما لا شك أنّ هؤلاء الناس كانوا ينظرون بعين الإعجاب والتقدير إلى ما أبداه هذا الفارس العظيم من ضروب الشجاعة في أهم معارك الإسلام الرئيسية التي أعلت كيانه مثل بدر والخندق وخيبر، وهي المعارك التي كان أهم أسباب الظفر للمسلمين فيها هو شجاعة الإمام علي وثباته حيث أنه قتل وحده نصف القتلى من المشركين يوم بدر،[92] وقتل فارس قريش الأكبر عمرو بن عبد ود يوم الخندق،[93] وشطر بسيفه فارس اليهود الأعظم مرحب في يوم خيبر، وهو اليوم نفسه الذي قلع فيه الإمام باب خيبر الذي عجز فيما بعد سبعةٌ من الرجال، وقيل أكثر من ذلك عن تحريكه بعد انتهاء المعركة، وفي رواية أخرى أنّه لم يرجعه إلى مكانه إلا أربعين رجلاً،[94] فكانت لمثل هذه الأخبار المتواترة، وما يحدِّث به هؤلاء الشيعة من الصحابة من فضائله التي قالها الرسول عنه أكبر الأثر في ميلان قلوب المسلمين الزائرين للمدينة إلى الإمام علي ومحبتهم له، واعتقاد نصرته وموالاته، وهو الأمر الذي سوف يكون له أكبر الأثر في ثورتهم الشهيرة على الخليفة عثمان ومبايعتهم للإمام علي أميراً للمؤمنين.

وقد استغلّ هؤلاء الشيعة أيضاً قربهم من مكة المكرمة التي كانت في موسم الحج تشهد جماهير المسلمين القادمين إليها من شتى بقاع العالم الإسلامي، فقاموا بتبيين فضائل الإمام علي لهم، وحضُّوهم على موالاته واتِّباعِه، ولا سيما في خلافة الخليفة عثمان بن عفّان الذي كان قريبه عبد الملك بن مروان الأموي يصفه بالخليفة المستضعف،[95] فنظراً لما بدر منه من تصرفات لم يقبلها الكثيرون من المسلمين، ولتقريبه أهل بيته حتى الذين لعنهم ونفاهم النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – مثل الحكم بن أبي العاص الأموي الذي كان يؤذي النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- فنفاه الرسول عن المدينة،[96] ولاستئثاره بفيء المسلمين في أهل بيته خاصة، فقد بدأ الناس يلتفتون إلى الإمام علي كمخلّص ومنقذٍ لهم من معاناتهم مع الخليفة عثمان وأهل بيته، وبدأ صوت هؤلاء الشيعة من الصحابة يعلو بالدعوة إلى الثورة على الخليفة وأهل بيته، ومبايعة الإمام علي بالخلافة، وبعد رجوع الحكم بن أبي العاص إلى مدينة الرسول بأمر قريبه الخليفة عثمان أثار ذلك حفيظة الصحابة والمسلمين لأنه طريد الرسول، ولأنّ رجوعه ليس مجرّد مخالفة لأمر الرسول، بل فهمه الكثيرون منهم على أنّه تحدٍّ واضح وصارخ لأوامره -صلى الله عليه وآله وسلم- من قبل الخليفة عثمان وأهل بيته، فلا عجب إذاً إذا صار الناس في المدينة يسمعون صوت أحد أركان الشيعة أبي ذرّ الغفاري مدويّاً في المدينة وهو يؤلب الناس على عثمان ويدعوهم إلى الالتفاف حول الإمام علي وأهل بيته على مسمع ومرأى من عين الخليفة عثمان نفسه،[97] كما كان الناس كثيراً ما يسمعونه وهو يقول: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- يقول: “إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلاً اتخذوا مال الله دولاً، وعباد الله خولاً، ودين الله دغلاً“،[98] وعندما أنكر عليه الأمويون وأتباعهم هذا الكلام، وأرادوا الإساءة إليه كان لا بد لإمامه علي بن أبي طالب أنْ يتدخّل، وهو ما يؤيد أنّ هؤلاء الشيعة من الصحابة إنما كانوا يتحركون بتوجيه من الإمام عليه السلام،[99] ولمّا وجد الإمام علي – عليه السلام – أنّ أبا ذرّ قد يتعرَّض للأذى من الأمويين وأنصارهم بسبب روايته لهذا الحديث الصحيح فيهم بادر الإمام إلى الدفاع عن أبي ذرّ ليس بتأييد أبي ذرّ في روايته لهذا الخبر فقط، بل إنّ الإمام أورد حديثاً آخر عن الرسول في صدق أبي ذرّ، فقال: إنّه سمع رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- يقول: “ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجةٍ أصدق من أبي ذر”، ثم عقَّب الإمام قائلاً: وأشهد أنّ رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- قاله. يعني الحديث عن آل أبي العاص.[100]

كان هذا الموقف من أبي ذرّ الغفاري ومواقف أخرى شبيهةٌ له من باقي أفراد الصحابة المتشيعين لعلي كعمار وحذيفة وأبي سعيد الخدري[101] وعبد الله بن مسعود هي التي أثارت حفيظة الخليفة عثمان عليهم بتحريض من أهل بيته مثل مروان وابن أبي السرح وأشباههما، فكان أنْ نفى أبا ذرّ إلى الشام أولاً ثم إلى الرَّبذة وحيداً،[102] وضرب عبد الله بن مسعود حتى دقّ ضلعه،[103] وألحق الأذى بعمار[104] مما أثار حفيظة المسلمين وجعلهم يقومون لاحقاً بأول ثورة شعبية عارمة في التاريخ الإسلامي ضدّه، ولن يأخذنا العجب عندما نعرف أنّ من ضمن الثائرين سادة عبد القيس ورؤساؤها؛ زيد بن صوحان العبدي وأخوه صعصعة اللذان أمر عثمان واليه على الكوفة بطردهما منها إلى الشام ثم إلى حمص لتأليبهم الناس عليه،[105] وحكيم بن جبلة العبدي[106] والمثنى بن محربة العبدي وجمع كبير من قبيلتهم عبد القيس، فكيف أصبحت عبد القيس رؤساؤها وغالبيتها العظمى ضد الخليفة عثمان، ولماذا كان لهم ولرؤسائهم دورٌ كبير وبارز في الإطاحة به، والمبايعة للإمام علي بالخلافة؟ لا شكّ أنّ ذلك لم يأتِ من فراغ، ولم يكن في ليلةٍ وضحاها، ولكنها جهود الشيعة الأوائل من الصحابة التي بدأت تعطي أكلها في تشيّع هذه القبيلة.

الرعيل الأول من شيعة عبد القيس وإقليم البحرين

لقد سبق وقلنا أنّ خطبة النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- يوم غدير خم لا بد أنْ يكون قد سمعها بعض أفراد عبد القيس ممن حجّوا ذلك العام، ولا شكّ أنهم عندما رجعوا إلى بلادهم أخبروا أبناء قبيلتهم بما سمعوه من الرسول الذي كانت قبائل العرب تتشوف كثيراً لرؤيته وسماع أقواله، ولاسيما أنّ الرسول في خطبة الوداع قد طلب من المسلمين الحاضرين أن يبلغ الشاهد منهم الغائب، وهو من الرسول أمرٌ واجب التنفيذ، ولأنّنا قد قلنا إنّ تولية الرسول لأبان بن سعيد بن العاص الذي يعده الشيعة من الموالين للإمام علي – عليه السلام – كان له دورٌ واضح أيضاً في تعريف قبيلة عبد القيس بالإمام علي وفضائله الجمة التي ذكرها له الرسول الأكرم -صلى الله عليه وآله وسلم- ثم كان ذلك الدور البارز الذي اضطلع به – لاحقاً – هؤلاء الصحابة المتشيعون لعلي في نشر فضائله بين زوّار المدينة المنورة وحجاج مكة المكرمة، والذي كان له دورٌ كبير في إذكاء روح التشيّع لدى الكثير من القبائل، ومنها قبيلة عبد القيس على اعتبار أنّ أفرادها كانوا من المخلصين لإسلامهم – كما شهدت به حروب الردّة في البحرين – وكانوا من المداومين على الحجّ والعمرة وزيارة قبر الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- في المدينة المنوَّرة، فكانوا يلتقون – ولا شكّ – بهؤلاء الصحابة ويأخذون عنهم فضائل الإمام علي، ولا سيما سلمان الفارسي الذي سبق وذكرنا خبراً عنه مفاده أنّ سيّد عبد القيس الجارود بن عمرو عندما وفد على النبي ليسلم على يديه كان قد التقى بسلمان الفارسي لأنّ الجارود قال لأصحاب النبي أنّه آمن بالنبي على علمٍ به لما قرأ عنه في الكتب، وطلب من الصحابة أنْ يدلوه على رجلٍ آخر آمن بالنبي على علمٍ به، فأشاروا إلى سلمان الفارسي الذي طلب من الجارود توضيح ما قاله من إيمانه بالرسول عن علمٍ ومعرفة، فسرد لهم قصّته في ذلك، وفي نهاية حديثه عرّفه سلمان بأنّ ما قاله مذكورٌ في التوراة والإنجيل والزبور.[107]

إنّ هذا اللقاء الأول بين سيد عبد القيس الجارود وسلمان الفارسي لا شك بأنه ترك انطباعاً جميلاً لدى الجارود عن سلمان خصوصاً وأنّ سلمان من أهل فارس، والجارود كانت لديه معرفة كبيرة بهم لأنه كان يسكن القطيف على الخليج الفارسي[108]، وهذه المدينة كان بها كثير من الفرس في ذلك الزمان، بل لقد ورد في أوصاف الجارود أنّه كان نصرانيا حسن المعرفة بتفسير الكتب وتأويلها عالما بسير الفرس وأقاويلها بصيرا بالفلسفة والطب ظاهر الدهاء والادب كامل الجمال ذا ثروة ومال[109] وقوله: “عالماً بسير الفرس وأقاويلها” كأنّ فيه إشارة إلى أنّ الجارود كان على معرفة باللغة الفارسية وآدابها وعلومها حتّى لقد اتهمه مصعب بن الزبير بأنّه كان فارسيّاً من جزيرة ابن كاوان،[110] فكان لا بد أنْ تنشأ والحال هذه بينه وبين سلمان الفارسي علاقة قويّة في تلك الأيام التي قضاها الجارود في المدينة أثناء وفادته مع وجهاء قومه من عبد القيس على الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم-، وهذه العلاقة لا شك أنّها تطوَّرت مع الأيام والسنين عندما كان الجارود يقصد المدينة فيما بعد لزيارة قبر الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- ولتجديد العهد بصحابته سواءً كان ذلك في موسم الحجّ أو غيره لأنه قد ذكر المؤرخون بعض الأخبار التي يرد فيها وجود الجارود في مدينة الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- ومنها خبرٌ رواه ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق في عهد الخليفة عمر بن الخطاب،[111] ومرّةً أخرى عندما رحل من البحرين إلى المدينة في خلافة عمر أيضاً شاهداً على قدامة بن مظعون بشربه الخمر، وفي هذه القضية كان الجارود شديداً صارماً حتى على الخليفة عمر في مطالبته له بإقامة الحدّ على قدامة، وفي الوقت نفسه لقي الجارود من عمر في هذه القضية تعنيفاً كبيراً لأنّ قدامة كان صهر الخليفة، وأخت قدامة هي أم حفصة وعبد الله ابني عمر؛ إلا أنّ الجارود لم يكترث لهذه القربى، واستمر في مطالبة عمر بإقامة حدّ شرب الخمر على قدامة حتى تم ذلك،[112] وقد التقى عبد الله بن عمر بن الخطاب والجارود العبدي ذات يوم في المدينة، فقال له عبد الله بن عمر: أنت الذي شهدت على خالي أنه شرب الخمر؟ قال: نعم، قال إذا لا تجوز شهادتك عليه، فغضب الجارود وقال: أما والله لأجلدنَّ خالَك أو لأكَفِرَنَّ أباك، فدخل على عمر فشهد أنّ قدامة قد شرب الخمر، فقال قدامة إني أنا ليس علي في الخمر حرج إنما أنا من اللذين قال الله فيهم: (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وأمنوا وأحسنوا والله يحب المحسنين)، وكان قدامة بدريا ففزع عمر مما قاله قدامة، فبعث إلى علي بن ألي طالب عليه السلام فقال له: الا تسمع إلى ما يقول قدامة فأخبره بما قرأ من القرآن، فقال علي عليه السلام: فإن الله لما حرم الخمر شكا المؤمنون إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقالوا: كيف بآبائنا وإخواننا الذين ماتوا وقتلوا وهم يشربون الخمر، وكيف بصلاتنا التي صلينا ونحن نشربها هل قبل الله منا ومنهم أم لا؟ فأنزل الله فيهم: (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا أتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين)، فكان ذلك معذرة للماضين وحجة على الباقين، يا عمر إنَّ شاربَ الخمر إذا شربها انتشى، وإذا انتشى هذى وإذا هذى افترى فأقم حدها حد فِرية، وحَدُّ الفِرية ثمانون.[113]

وقد روى ابن شبّة النميري حادثة شرب قدامة للخمر بتفصيل مثير نستطيع من خلاله التأكيد على أنّ الجارود قد اتخذ بعدها موقفاً من الخليفة عمر، فقد جاء في هذه الرواية قوله:

“فركب الجارود العبدي في نفر من أهل البحرين حتى قدموا على عمر رضي الله عنه، فذكروا له أمر قدامة، وشهدوا عليه بشرب الخمر، فسبهم وغضب عليهم غضبا شديدا، وأبى أن ينزلهم، ومنع الناس أن ينزلوهم، ومرّ الجارود بمنزل عمر رضي الله عنه وابنة له تطلع، وهي ابنة أخت قدامة، فقالت والله لارجو أن يخزيك الله، فقال: إنما يخزي الله العينين اللتين تشبهان عينيك، أو يأثم أبوك، ورجا عمر رضي الله عنه أن ينزعوا عن شهادتهم، وأعظم ما قالوا، وأرسل إلى الجاورد: لقد هممت أن أقتلك أو أحبسك بالمدينة فلا تخرج منها أبدا أو أمحوك من العطاء فلا تأخذ مع المسلمين عطاءً أبدا، فأرسل إليه الجارود: إن قتلتني فأنت أشقى بذاك، وإن حبستني بالمدينة فما بلد أحب إلي من بلد فيه قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنبره ومهاجره، وإن محوتني من العطاء ففي مالي سعة، ويكون عليك مأثم ذاك وتباعته، فلما رأى عمر رضي الله عنه أنهم لا ينزعون ولا يزدادون إلا شدة أرسل إليهم وسمع منهم“.[114]

فهذا ردُّ ولا أعنف من الجارود، وضدّ مَنْ؟!! ضدّ صاحب الدرّة الخليفة عمر الذي كان يهابه الكل هيبة لا تضاهى، وهو كلامٌ ينبىءُ عن بداية تكوُّن ثورة رفض لدى سيّد عبد القيس، فهو كلامٌ لم يخرج من صاحبه إلا بعد أنْ امتلأ قلبه بما لا يطيق معه صبراً، فقال ما قاله وهو مصرٌّ على أنْ يُقام الحدُّ على قدامة أو يموت دون ذلك، ولا شكّ أنّ ما رآه الجارود من مساوفة الخليفة عمر في أمر قدامة قد جعله يأخذ موقف المرتاب منه حتّى وإنْ كان موقفه الصُّلب هذا جعل الخليفة عمر ينظر إليه نظرة إعجاب فيما بعد لجرأته وعدم خشيته في الحق لومة لائم حتى ولو كان هذا اللائم رجلٌ بحجم الخليفة عمر بن الخطاب الذي كان الصحابة يرتعدون فرقاً منه إذا رأوه.[115]

ولا شك أنّ موقف الخليفة عمر هذا قد ترك في نفس سيّد عبد القيس ريبةً تجاهه، ولعلّ ذلك هو ما جعل الجارود يفضّل أبا بكر على عُمر كما روى ذلك ابن حزم في كتابه المحلى،[116] وفي الوقت نفسه فإنّ موقف الإمام علي ومساندته المعنوية للجارود بذكره للتأويل الصحيح للآية الكريمة التي احتج بها قدامة أمام الخليفة عمر وترجيحه لمطلب الجارود في إقامة الحد عليه؛ بل إيقاع الإمام علي للحد على قدامة بيده هو نفسه فيما بعد قد بثّ جذور الراحة في قلب الجارود؛ بل حتى إحالة الأمر من قبل الخليفة عمر إلى الإمام علي واستماعه لرأيه وأخذه به لا شكّ أنّه ترك انطباعاً طيباً لدى الجارود عن الإمام علي؛[117] خصوصاً وأنه كان يسمع عن فضائله الكثيرة التي قالها الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- في حقّه، فكان ذلك ولا شكّ مما زاد الجارود حبّاً للإمام علي، ولا شكّ بما أنه سيد عبد القيس فإنّ أفراد هذه القبيلة سيميلون لاستماع رأيه في الإمام علي والأخذ به؛ كيف لا وهو سيدهم العظيم الذي انصاعوا لرأيه أيام الردّة فلم يرتدوا، ولا شكّ بأنه عندما عاد إلى قومه فإنه روى لهم قصّته مع الخليفة عمر ووقوف الإمام عليّ إلى صفّه بطلبه من الخليفة عمر أنْ يجلد قريبه قدامة حدّ الخمر كما طالب به الجارود، فزادهم بذلك حبّاً على حبٍّ للإمام، وبدأ حبُّ الإمام علي يُنْقش في قلوبهم، وترتسم صورته الناصعة في مخيلاتهم، وتلهب شجاعته وجرأته في الحقّ مشاعرهم، ويدغدغ عدله أحاسيسهم حتى غدا حبه والتشيع له ولأهل بيته من بعده قدرهم الذي قدّره الله لهم، ومذهبهم الذي يدينون الله به.

وقد جعل موقف الجارود القوي والصادق تجاه الخليفة عمر، وثباته في الحق مكانةً له عند الإمام علي – عليه السلام -، فقد كتب بعد أن ولي الخلافة إلى ابنه المنذر بن الجارود كتاباً قال له فيه: “إنّ صلاح أبيك غرَّني منك، وظننت أنك تتبع هديه وفعله“،[118] وذكر بعض المؤرخين أنَّ الخليفة عمر عندما أراد أن يعهد بالخلافة لمن بعده تمنّى لو كان الجارود حيّاً ليقلده أمرَ الخلافة،[119] غير أنّ الجارود لم يطل عمرُه، فقد استشهد في بلاد فارس في العام 17 للهجرة،[120] ولكن بعد أنْ كان له فضلٌ كبيرٌ وواضح في حضّ قومه على الإسلام، ثم الثبات على إسلامهم حين ارتدّ كثيرٌ من العرب في عهد الخليفة أبي بكر، وقد كان قائدهم الحكيم في محاربة مرتدّي إقليم البحرين، فعصمهم عن الردّة لحبهم له وطاعتهم لأوامره حتّى كُتب للإسلام أنْ تظلَّ رايته خفاقة على تلك الرّبوع بفضل هذا السيد المطاع في قومه، والذي لا أشكُّ أنه كان له أيضاً دورٌ بارزٌ لا يقلُّ وضوحاً في انحياز قومه للالتفاف حول أهل بيت النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وموالاتهم للإمام علي – عليه السلام – ثمَّ لأولاده الأئمة من بعده، خصوصاً وأنّنا قد سبق وذكرنا ما رواه بعض علماء الشيعة منْ أنّ الجارود هو الذي روى عن قسّ بن ساعدة توسله بهؤلاء الأئمة في بداية حديثنا هذا.

ثم كان من أوائل الصحابة المتشيعين من عبد القيس ممن وفد على النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- فارسهم الفذ حكيم بن جبلة العبدي أحد بني الديل بن عمرو بن غنم بن وديعة بن لكيز بن أفصى بن عبد القيس الذي شهد له المؤرخون والحكام مثل عبد الملك بن مروان على أنّه كان من أشجع الناس وأشدهم،[121] وقد عدَّه الشيعة من كبارهم والمخلصين في تشيعهم،[122] ويكفي للتدليل على ذلك أنّه كان زعيم البصريين الذين قدموا من البصرة إلى المدينة لخلع الخليفة عثمان،[123] وزاد ابن شبة النميري أنّ حكيماً كان ممن دخل على عثمان وأصابه،[124] كما ذكر نصر في كتابه وقعة صفين أنّ معاوية سأل خفاف بن عبد الله الطائي عن قتلة عثمان، فأجابه قائلاً: حصره المكشوح، وحكم فيه حكيم، ووليه محمد وعمار، وتجرد في أمره ثلاثة نفر: عدي بن حاتم، والأشتر النخعي، وعمرو بن الحمق،[125] وهؤلاء كلهم من الشيعة الأوائل، كما ذكر البلاذري أيضاً ما يثبت أنّه كان لحكيم دورٌ كبير في المبايعة للإمام علي – عليه السلام -،[126] ثم ما هي إلا شهور قليلة، وإذا بعائشة وطلحة والزبير يقصدون البصرة خارجين على الإمام علي، ويخلعون بالقوة واليه عليها عثمان بن حنيف، فسمع بذلك حكيم بن جبلة، فما كان أسرع من أنْ سار إليهم في رجال من قومه، فقاتلهم قتالاً شديداً أظهر فيه ضروباً من الشجاعة لم يرَ الناس مثلها في جاهلية ولا إسلام كما نصّ على ذلك أبو عبيدة،[127] ولا شك أنّ شخصيّة بوزن حكيم بن جبلة سوف يكون لها أكبر الأثر في توجّه قومه نحو التشيّع.

ومن الصحابة المتشيعين من عبد القيس أيضاً أحد كبار سادة عبد القيس وزعمائهم، وأحد الوافدين على الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم-، وهو عمرو بن مرجوم العبدي أحد بني عَصَر بن عوف بن عمرو بن عوف بن جذيمة بن عوف بن بكر بن عوف بن أنمار بن عمرو بن وديعة بن لكيز بن أفصى بن عبد القيس؛ الذي ذكر المؤرخون أنّه سار في أربعة آلاف من عبد القيس فصار مع الإمام علي – عليه السلام – يوم الجمل،[128] وقد كان عمروٌ هذا سيداً مشهوراً من سادات عبد القيس ووالده مرجومٌ كان يقرن مع سيدهم الأكبر الجارود، وهما السيدان اللذان ذكرهما لبيد بن ربيعة العامري في القصيدة التي ذكر فيها منافرة رهطه للربيع بن زياد العبسي عند النعمان بن المنذر (ابن سلمى)، والتي يقول فيها:[129]

فانتضلنا وابن سلمى قاعدٌ        كعتيقِ الطَّير يُغضيْ ويُجلّ

وقبيلٌ من لكيزٍ شاهدٌ          رهطُ مرجومٍ ورهطُ ابنِ المُعلّ

فابن المعلّ أراد به ابن المعلى، وهو الجارود بن عمرو بن المعلى على ما صرّح به شارحو هذا البيت،[130] ومرجوم هو والد عمرو بن مرجوم المذكور مما يدلُّ على عظم سيادته في عبد القيس بحيث أنه يُقرن مع الجارود، ولأنّه كان ممن يفدون على النعمان بن المنذر ملك الحيرة ممثلاً لقبيلته عبد القيس مع الجارود سيدها المطلق، ومما يدلُّ على عظم سيادته في قبيلته هو مجيئه إلى الإمام علي – عليه السلام – بأربعة آلاف من عبد القيس لنصرته ومحاربة أعداءه، وإذا عرفنا أنّ هؤلاء الأعداء هُمْ عائشة زوج الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم-، والصحابيان طلحة والزبير[131] فإنه سوف يتضح لنا حينها تغلغل التشيع في هذه القبيلة، وأنّ ذلك مما لا شك فيه بفعل توجيه سادتهم الذين ذكرنا، والذين سوف نذكر فيما يلي مثل سيدهم عمرو بن مرجوم هذا الذي حفظ لنا الرواة قوله المأثور عندما جاء عبد الله بن عباس إلى البصرة مبعوثاً من قبل الإمام علي ليحضّ أهلها على نصرته في حربه المقبلة ضد معاوية، وبعد أنْ ألقى فيهم خطبته كان ممن أجابه عمرو بن مرجوم، فقال: “وفق الله أمير المؤمنين، وجمع له أمر المسلمين، ولعن المحلّين القاسطين الذين لا يقرءون القرآن، نحن والله عليهم حنقون، ولهم في الله مفارقون، فمتى أردتنا صحبك خيلنا ورجلنا“.[132]

وإذا كنا قد تحدثنا – فيما مضى – عن التقاء سيّدِ عبد القيس الجارود بسلمان الفارسي أحد أركان الشيعة الأربعة، فقد دلّت بعض الأخبار أيضاً على أنّ أفراداً من هذه القبيلة قد لقوا سلمان الفارسي وأخذوا عنه، مثل رجلٍ منهم ذكر في رواية أنّه سمعه يخاطب أهل بعض المقابر،[133] وآخر ذكر أحمدُ بن حنبل في مسنده أنه روى عن سلمان حديثاً في فك رقبته من مالكه اليهودي،[134] ومن الرواة العبديين عن سلمان أيضاً أبو مسلم العبدي أحد مواليهم،[135] غير أنّ أشهر وأخطر شخصيات عبد القيس التي صحبت سلمان واستقت مبادىء التشيع منه – بلا ريب – هو الصحابي والشيعيُّ الجَلْد زيدُ بن صوحان العبدي الذي ارتبط بسلمان كما لم يرتبط به أحدٌ غيره، فمن هو زيد بن صوحان هذا؟، وما مكانته في قبيلته عبد القيس؟، وكيف كان من الدعاة الأوائل للتشيع في قومه؟.. هذا ما سوف نسلّط الضوء عليه في ما يلي من بحثنا.

سلمان وأبو سلمان

تقول بعض الروايات أنّه بينما كان الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- ذات ليلة مع أصحابه، وإذا بهم يسمعونه وهو يردد جُمْلةً، ويكررها على مسامعهم، وكانت هذه الجملة تقول: “جُنْدبٌ وما جُندبْ، والأقْطَعُ الخير زيدٌ“، وعندما أصبحَ الرسول استفسر منه أصحابه عن هذه الجملة التي سمعوه يكررها عليهم، فقال: “رجلان من أمّتي يقال لأحدهما جندب يضرب ضربةً يفرّق بين الحقّ والباطل، والآخر يقال له زيد؛ يسبقه عضوٌ من أعضاءه إلى الجنّة، فيتبعه سائر جسده“،[136] فكانا جندبَ بن كعب الأزدي الذي قَتل السَّاحر أمام الوليد بن عقبة والي عثمان على الكوفة،[137] وزيدَ بن صوحان العبدي الذي قُطعت يده يوم جلولاء أو القادسية، ثم استشهد وهو قائدٌ لقومه عبد القيس[138] في معركة الجمل مناصراً للإمام علي – عليه السلام -، لتصدقَ بذلك نُبوءة الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- فيهما.

وعندما قال الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- هذا الكلام عن جندب وزيد لم يكن أحدٌ من أصحابه قد رآهما بعد، وفي حين إننا لا نعرف إنْ كان جندب قد رأى الرسول أمْ لا لأنّ بعض الرواة يعده وزيداً من التابعين إلاّ أنّ بعض المؤرخين قد عدُّوا زيداً من الصحابة، وأنه كان ضمن إحدى وفادتي عبد القيس على الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم-، بل ذكر ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق قصيدة لأحد شعراء عبد القيس يذكر فيها الوفد الذين وفدوا على الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- ويعدُّ من ضمنهم زيد بن صوحان كما سنذكر بعد قليل.

نعم كان لزيد بن صوحان مكانةٌ سامقةٌ في قومه، وكانوا – ولا شكّ – قد سمعوا فيه ما قاله رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- من أنّ يده تسبقه إلى الجنّة، فكان لا بدّ لهذا الحديث – الذي روي بصيغة أخرى عن الإمام علي عليه السلام مفادها أنّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال: من سرّه أن ينظر إلى رجلٍ تسبقه بعض أعضائه إلى الجنّة، فلينظر إلى زيد بن صوحان”[139] – أنْ يجعل ذلك من زيد بن صوحان بطلاً قوميّاً في قبيلته وبلده، فعدّوه أحد مفاخرهم التي يفخرون بها، ومن هنا قال شاعرهم:[140]

وكَفَى بزيدٍ حينَ يُذكرُ فعْلُهُ        طُوبَى لذلك من صَريعٍ مُكْرَمِ

ذاكَ الَّذي سَبَقتْ لطاعةِ ربِّهِ        منه اليمينُ إلى جِنانِ الأنْعُمِ

ولقد بلغ من شدة حبّ زيد بن صوحان العبدي لسلمان الفارسي وتعلّقه به أنْ اكتنى بأبي سلمان بعد أنْ كان يكنّى بأبي عائشة،[141] وقد قويت علاقة زيد بسلمان إلى الحدّ الذي كان زيدٌ معه يبيت في منزل سلمان،[142] وكان إذا ذكر سلمان يقول: حدثني خليلي سلمان.[143]

وقد بادل سلمان الفارسي زيداً حبّاً بحبّ، وتقديراً بتقدير، فكان سلمان – في الجيوش التي قادها – يأمر زيداً بأنْ يؤمّ الجيش في الصلاة لثقته به،[144] وكان يأمره بأن يقرأ القرآن لهم أيضاً، وان يخطبهم في الجمع،[145] وكان دائماً ما يقول له أيام الجمع: قم، فذكّر قومك،[146] بل كان سلمان كثيراً ما ينصح زيداً ويرشده حتى في أخص خصوصيات الرجل مع أهله.[147]

غير أنّ أخطر ما علّمه سلمان لزيد بن صوحان هو ما أصبح فيما بعد الصفة المميزة التي اشتهر بها زيد؛ ألا وهو الثبات على المبدأ، والجهر بقول الحق حتى ولو كان أمام سلطان جبار، فقد روي أنّ سلمان قال يوماً لزيد: كيف أنت يا زيد إذا اقْتَتَلَ القرآن والسلطان؟ فردّ عليه زيد قائلاً: أكون مع القرآن، وهنا بادره سلمان بقول المعلِّم الراضي: نِعْمَ الزّيد أنت إذاً.[148]

وفعلاً فإننا صرنا لا نستغرب بعد هذه المحاورة ذات العمق الفكري بين زيد وأستاذه سلمان أنْ نجد زيداً بعدها بسنوات قليلة يتزعم قومه عبد القيس، بل وأهل مصره العراق في رفض الظلم الذي وقع عليهم من قبل ولاة الخليفة عثمان،[149] بل وصلت به الجرأةُ إلى أنْ يذهب إلى المدينة، ويقف أمام الخليفة نفسه ليقول له بكل قوّة وثبات: “يا أمير المؤمنين ملت فمالت أمتك اعتدل تعتدل أمتك“،[150] ولم يجد الخليفة الذي تفاجأ بهذه الجرأة الجارودية[151] من زيد ألا أنْ ينفيه إلى الشام، فكان ذلك.

لقد ساهم زيد بن صوحان – وهو أحد شيعة علي المخلصين بنصّ الجاحظ[152] – في تشيع قومه ولا شك، بل وفي ثباتهم على تشيعهم ومناصرة الإمام علي، ولما قام أبو موسى الأشعري يخطب في أهل الكوفة ويحرضهم على القعود عن نصرة أمير المؤمنين علي – عليه السلام – ضد أصحاب الجمل انتفض زيدٌ أمامه قائماً، وخطب في الناس خطبةً بليغة قال في آخرها: “سيروا إلى أمير المؤمنين وسيد المسلمين، وانفروا إليه أجمعين تصيبوا الحق“،[153] وهو إخلاص من هذا العبدي الكبير للإمام علي خصوصاً إذا عرفنا أنّ الطرف المقابل للإمام علي هم الزبير وطلحة وعائشة وليس معاوية.

ثمّ ما هي إلا مدّة بسيطة وتقع معركة الجمل الشهيرة، فإذا بزيد بن صوحان يصدق ما قاله لمعلمه سلمان، فيتزعم قومه، وينضمُّ هو وإياهم إلى جيش القرآن جيش الإمام عليّ وأنصاره، ويحارب جيش السلطان جيش الزبير وطلحة وعائشة، ويموت زيدٌ شهيداً تحت ظِلال راية القرآن، وكان آخر طلبٍ طلبه زيدٌ من أصحابه قبل موته هو أنْ يدفنوه بثيابه ودمه لأنّه سوف يخاصم قاتليه إلى الله يوم القيامة،[154] وهو موقفٌ يقينيٌّ من زيد يدلُّ على ثبات منقطع النظير في التشيّع للإمام علي، ولذلك فقد عدّ الشيعة زيداً على أنّه من الأبدال.[155]

ثمّ بعد زيد بن صوحان استلم زعامة عبد القيس رجلٌ فذٌ لا يقل عنه إيماناً بمعتقده وثباتاً عليه وتشيّعاً له، بل هو أحد أعلام الشيعة المشهورين على مرّ العصور، وهو صعصعة بن صوحان الشقيق الأصغر لزيد، والذي كان له هو الآخر باعٌ كبير في نشر التشيع بين أفراد قبيلته وقِطره، بل كان له أيضاً مواقف بطولية أمام الخليفة عثمان بن عفان نفسه، فقد ذكر الشيخ الطوسي عن الشعبي؛ عن صعصعة بن صوحان العبدي، قال: “دخلت على عثمان بن عفان في نفر من المصريين، فقال عثمان: قدموا رجلا منكم يكلمني، فقدموني فقال عثمان: هذا، وكأنه استحدثني، فقلت له: إنّ العلم لو كان بالسن لم يكن لي ولا لك فيه سهم ولكنه بالتعلم، فقال عثمان: هات، فقلت: “بسم الله الرحمن الرحيم الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة واتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور”، فقال عثمان: فينا نزلت هذه الآية، فقلت له: فمر بالمعروف، وأنه عن المنكر، فقال عثمان: دع هذا وهات ما معك. فقلت له: “بسم الله الرحمن الرحيم الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله” إلى آخر الآية، فقال عثمان: وهذه أيضا نزلت فينا، فقلت له: فأعطنا بما أخذت من الله. فقال عثمان: يا أيها الناس، عليكم بالسمع والطاعة، فإن يد الله على الجماعة، وان الشيطان مع الفذ، فلا تستمعوا إلى قول هذا، وان هذا لا يدري من الله ولا أين الله، فقلت له: أما قولك: عليكم بالسمع والطاعة، فإنك تريد منا أن نقول غدا: “ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا”، وأما قولك: أنا لا أدري من الله، فإن الله ربنا ورب آبائنا الأولين، وأما قولك: إني لا أدري أين الله، فإن الله بالمرصاد. قال: فغضب وأمر بصرفنا وغلق الأبواب دوننا“.[156]

وذكر ابن شبّة النميري هذا الخبر مختصراً، فذكر أنّ صعصعة بن صوحان قام ذات يوم فتكلم فأكثر، فقال عثمان بن عفان: يا أيها الناس، إنّ هذا البجباج النفاج ما يدري من الله ولا أين الله، فقال صعصعة: أما قولك لا يدري من الله فإن الله ربنا ورب آبائنا الأولين، وأما قولك لا يدري أين الله، فإن الله بالمرصاد.[157]

وينبغي أن لا يفوتنا الالتفات إلى قول صعصعة في الخبر الذي رواه الطوسي في أماليه من أنّه دخل مع نفر من المصريين، فهذا يعني أنّ ذلك قد تمّ في أيام الثورة ضد عثمان في المدينة وإلا فما معنى أنْ يدخل صعصعة مع المصريين عليه، ثم يقدمونه ليتحدث عنهم أمام الخليفة بمطالبهم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وصعصعة عراقي كوفي إلاّ إذا كان كما قلنا، وقد صَرّح بذلك خليفة بن خياط في تاريخه إلا أنه اختصر الخبر اختصاراً مخلاً، وبتر منه، فقال إنّ عثمان أشرف على القوم الذين حصروه في بيته، فقال لهم أخرجوا لي رجلاً أكلّمه، فأخرجوا له صعصعة،[158] وهذا الأمر يدلُّ على أنّه كانت توجد آنذاك ثورةٌ منظمة، وكان فيها الكثير من التنسيق بين الثائرين في العراق ومصر، وهو ما يعني أنّه كان لصعصعة دورٌ كبير في ذلك التنسيق، وإلا فإنّ المصريين لن يقدموا أحداً يتكلم بلسانهم من غير بلدهم لو لم يكن هناك مثل هذا التنسيق الذي تحدثنا عنه، فإذا ترجح لدينا ذلك، وعرفنا بعدها المكانة السامقة التي احتلها صعصعة لدى الإمام علي – عليه السلام – عرفنا حينها أنّ صعصعة لم يكن يتحرّك إلا لأل المبايعة للإمام علي بالخلافة، وقد كان متفانياً في حبّه ومخلصاً له، ولإخلاصه في طاعة إمامه، فقد كان الإمام ينيبه عنه في أصعب الظروف، ومنها عندما أرسله لمحاورة الخوارج الذين خرجوا عليه قبل الإيقاع بهم في النهروان،[159] وكذلك عندما أرسله إلى معاوية في الشام ليبلغه عن الإمام بعض الأمور، فأداها على أكمل وجه على الرغم مما ناله من شتم وسب وضرب من قبل أصحاب معاوية.[160]

وقد روى المؤرخون أنّ صعصعة كان يجلس في مجالس الكوفة يعيب عثمان، ويذكر فضائل الإمام علي – عليه السلام – علانيةً حتّى أنّ والي الأمويين على الكوفة، وهو المغيرة بن شعبة كان ينهاه عن ذلك مراراً، فلا ينتهي،[161] وبالتالي فلم يجد الأمويون معه حلاً إلاّ نفيه من العراق إلى بلاده الأولى بلاد عبد القيس البحرين وعمان،[162]

ولأجل ثبات صعصعة على تشيعه للإمام علي، ومحبته له، ونشره لفضائله حتّى أمام ألدّ أعدائه الأمويين وولاتهم، فقد روي عن الإمام الصادق – عليه السلام – أنه قال: “ما كان مع أمير المؤمنين – عليه السلام – من يعرف حقّه إلا صعصعة وأصحابه”.[163]

وقد ذكر الطبري لصعصعة خطبةً جيدة فيها التصريح على تشيّع عبد القيس،[164] كما طفحت أمهات كتب التاريخ والأدب العربي بأخبار صعصعة ومواقفه الجريئة مع معاوية بن أبي سفيان حتى بعد استلام معاوية للحكم، وفي أرض الشام قلعة معاوية العتيدة،[165] فكان لصعصعة دورٌ خطير ليس في تشيع قبيلته عبد القيس فقط لأنّ ذلك من البديهيات، وإنما كان لصعصعة دورٌ في نشر التشيع في العراق، ولا سيما الكوفة، وهو الأمر الذي لاحظه الأمويون كما مرّ بنا، فقاموا بنفي صعصعة إلى جزيرة أوال بالبحرين، فكان نفيه إلى البحرين أحد أهم أسباب انتشار التشيع فيها حتّى صارت لا تُعرف إلا به كما سوف نرى فيما يلي.

وبالرغم من أنّ زيداً وصعصعة وأخاهم الثالث سيحان كانوا أعظم دعاة التشيع في قبيلتهم حيث مرَّ بنا نصٌّ صريح للجاحظ في البيان والتبيين على تشيعهم عندما قال: “وبنو صوحان من شيعة علي”؛ إلاّ أنّ هذه القبيلة العظيمة لم تعدم دعاة تشيع آخرين معاصرين لبني صوحان مثل التابعي أبي هارون العبدي تلميذ الصحابي المتشيع أبي سعيد الخدري الذي مرّ بنا قول صاحب خطط الشام عنه أنّه من شيعة علي الأوائل، وقد ذُكر عن أبي سعيد أنه كان يقول: كنا نعرف المنافقين من الأنصار ببغضهم عليّ،[166] وكان أبو سعيد الخدري هو السبب في تشيّع أبي هارون العبدي بعد أن كان خارجياً ليصبح شيعيّاً،[167] بل من غلاة الشيعة كما يقول علماء المحدثين من السنّة، ويؤيد ذلك ما رواه علماء الشيعة عن أبي هارون نفسه أنه قال: “كنت أرى رأي الخوارج، حتى جلست إلى أبي سعيد الخدري، فسمعته يقول: أمر الناس بخمس، فعملوا بأربع وتركوا واحدة، فقالوا: يا أبا سعيد ما هذه الاربع التي عملوا بها؟، فقال: الصلاة، والزكاة، والحج، وصوم شهر رمضان، فقيل: فما الواحدة التي تركوها؟ قال: ولاية علي بن ابي طالب (عليه السلام)، فقيل وإنها مفترضة معهن؟ قال: نعم، قيل: فقد كفر الناس إذاً!؟، قال: فما ذنبي؟“.[168]

وروى يحيى بن معين عن شعبة أنه رأى عند أبي هارون العبدي كتاباً فيه أشياء منكرة – حسب زعمه – في عليّ – عليه السلام -، فسأله عنه، فقال هو كتاب حقّ،[169] وكانت له صحيفة يقول للناس إنها صحيفة الوصيّ يعني الإمام علي،[170] ومن الروايات التي رواها أبو هارون عن أستاذه أبي سعيد الخدري هي ما ذكرها ابن عساكر، فقال: نظر النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- إلى عليّ، فقال: هذا وشيعته هم الفائزون يوم القيامة،[171] وقد ذكر رواة الفريقين شيعة وسنّة عدّة أحاديث في فضائل الإمام علي وآل البيت عن أبي هارون عن أبي سعيد الخدري، ومنها نصّ يوم الغدير مما يدلُُّ على تغلغل التشيع وتأصّله في أبي هارون العبدي، وهو ما نصّ عليه ابن حجر في التقريب.[172]

إنّ هذه الروايات الكثيرة التي رواها أبو هارون في فضائل الإمام علي كان لها ولا شكّ أثرٌ كبير في تشيع الكثيرين من عبد القيس، ولا سيّما الجيل الشاب من هذه القبيلة، والذي بدأ يتسلم مقاليد الزعامة فيها، فمن المعروف أنّ أفراد القبائل في تلك الفترة كانوا يفتخرون بعلماء قبائلهم، ويكون هؤلاء العلماء محط أنظار المتعطشين للعلم والمعرفة من شباب قبائلهم، وإنّ سماع هؤلاء الشباب لمثل هذه الأحاديث في فضائل الإمام علي والحض على موالاته والقول بإمامته من علماء قبيلتهم، ولا سيما الحديث الذي يقول عن عليّ وشيعته أنهم هم الفائزون يوم القيامة كان له أثرٌ واضح في غلبة التشيع على قبيلة عبد القيس حتّى صار المؤرخون يعرفون لها تلك الميزة فيما بعد، ومن هنا فإنه من غير المستغرب أن نسمع ذلك الشاعر العبدي، وهو يخاطب قومه يوم الجمل الأصغر بقيادة حكيم بن جبلة قائلاً:[173]

معاشر عبد القيس موتوا على التي       تسر عليّاً واحذروا سبة الغدر

ولا ترهبوا في الله لومة لائمٍ           وموتوا كراماً فهو أشرف للذكر

ومن المتشيعين الأوائل من قبيلة عبد القيس: جويرية بن مسهر العبدي الذي كان الإمام علي – عليه السلام – يحبه حباً كثيراً والذي ذكر ابن أبي الحديد في شرح النهج أنه كان يأتمنه على أسرار الغيب، حتى قال ناس من المشككين في الإمام علي ( ع ): أتراه جعل جويرية وصيّه كما يدعى هو من وصية رسول الله (ص)؟، وقد بلغ من معزة جويرية ومكانته من الإمام علي أنه أخبره بأنه سيموت قتلاً، وستقطع يداه ورجلاه ويُصلب فوق جذع نخلة، وقد حصل ذلك بالفعل. [174]

وجويرية هو الذي يروي عن الإمام عليه عليه السلام قوله: “أحب محبَّ آل محمد ما أحبهم، فإذا أبغضهم فابغضه، وابغض مبغض آل محمد ما أبغضهم، فإذا أحبهم فأحبه“.[175]

ومن المتشيعين الأوائل من هذه القبيلة أيضاً: التابعي أبان بن أبي عياش العبدي أحد بني شنّ بن أفصى بن عبد القيس،[176] وأبان هذا هو الراوي الوحيد للكتاب المعروف عند الشيعة باسم (كتاب سليم بن قيس)، والذي يعده البعض منهم أصلاً من أصول كتب الحديث عند الشيعة،[177] وإن كان منهم من قال بوضعه، واتهم أبان بن أبي عياش بذلك،[178] والبعض الآخر دافع عنه وصححه أو بعضاً منه،[179] وأما رجال الحديث من أهل السنّة فقد تكلموا كثيراً في أبان واتهموه بالضعف حتّى قال أحد أعلامهم، وهو شعبة إنَّ شُرْبَ بولِ حمارهِ – حتى يَرْوَى – أحبَّ إليه من أنْ يقول: حدثه أبان بن أبي عياش،[180] وأقرب الظنّ إلى اليقين أنّ رجال الحديث من أهل السنّة إنما ضَعَّفوا أبان لتشيعه، ولروايته كتاب سليم بن قيس الذي حوى رواياتٍ لا يحتملونها، وأياً كان الأمر فالذي أودّ الإشارة إليه من ذلك كلّه هو تبيين مدى أثر أفراد قبيلة عبد القيس في نشر التشيّع والدبّ عن حوزته وتدوين ما يتعلق بهذا المذهب لضمان وصوله إلى الأجيال التالية، وهو عين ما فعله أبان بن أبي عياش بالنسبة لكتاب سليم، ولا شكّ أنّه إذا كان أبان، وهو من رجال القرن الأول الهجري قد بلغ به التشيع إلى هذا الحدّ، فلا شكّ أنّ ذلك لم يأتِ من فراغ، وإنما هو بسبب انتشار التشيع بقوّة في قبيلته عبد القيس، والذي كان لتوجيه أبان وأمثاله ممَّنْ ذكرناهم قبله من القادة والسادة دورٌ واضحٌ في اعتناقها لهذا المذهب، وتصلبها فيه حتّى لقد اشتهرت بذلك.

نصوص المؤرخين على تشيع عبد القيس

صرَّح أكثر من مؤرخ بتشيع قبيلة عبد القيس، بل وعدّوهم من خُلَّص شيعة أمير المؤمنين علي عليه السلام، حيث كانوا أكثر جنده وأخلصهم له، وقد طفحت كتب التاريخ بأخبارهم في حروب الجمل وصفّين والنهروان في نصرة الإمام علي عليه السلام، ومن أروع المواقف البطولية لهم ذلك الموقف الذي سبق وذكرناه في ما عُرف في التاريخ باسم وقعة الجمل الصغرى وخروج الفارس العبدي المشهور حكيم بن جبلة العبدي في فئة من عبد القيس فحاربوا جيش الزبير وطلحة وعائشة حتى قُتلوا بأجمعهم، وفي مقدمتهم زعيمهم حكيم بعد أن ضرب أروع الأمثلة في الشجاعة،[181] وقد حزن الإمام علي – عليه السلام – على قتل حكيم ومن معه من عبد القيس حزناً شديداً كما يذكر ذلك المسعودي في كتابه مروج الذهب.[182]

وقد كانت نصرة عبد القيس للإمام علي – عليه السلام – نصرةً إيمانية وعَدَديّة أيضاً، فقد ذكر الشيخ المفيد أنّ عبد القيس جاءت بأجمعها لنصرة الإمام علي – عليه السلام – يوم الجمل، وأنه لم يتخلف منها سوى رجلٍ واحدٍ فقط،[183] في حين تقدم قولنا أنّ عمرو بن مرجوم العصري العبدي سار في أربعة آلاف من عبد القيس فصار مع الإمام علي – عليه السلام – يوم الجمل،[184] ولا شكّ أنّه كان مع الإمام مثل هذا العدد أو أكثر من عبد قيس الكوفة الذين كانوا بقيادة زيد بن صوحان كما تقدم، وإذا جمعنا معهم من انضمّ إليه من عبد قيس البحرين فإننا نستطيع القول إنّه قد نصر الإمام في معركة الجمل ما يقرب من عشرة آلاف فارس أو أكثر، وهو عدد لا نعتقد أنّ قبيلةً أخرى من القبائل التي ناصرت الإمام قد وصلت إليه في تلك المعركة.

وروى بعض المؤرخين أنّ ولداً لأمّ ذريح العبدية اسمه مسلم بن عبد الله كان مع الإمام علي – عليه السلام – في يوم الجمل، فنادى الإمام في أصحابه وقد رفع مصحفاً في يده، فقال: من يأخذ هذا المصحف، فيدعوهم إلى ما فيه، وله الجنة، فقام مسلم بن عبدا لله إليه، فحذّره الإمام بأنه سوف تقطع يده اليمنى، فيأخذه بيده اليسرى فتقطع ثم يقتل بالسيف، فقبل الغلام ذلك، وتقدم بالمصحف فقتل، فقالت أمه أم ذريح:[185]

يا ربّ إنّ مسلماً أتاهم          بمصحفٍ أرسله مولاهم

للعدل والإيمان قد دعاهم        يتلو كتاب الله لا يخشاهم

فخضَّبوا من دمه ظباهم                وأمهم قائمةٌ تراهم

تأمرهم بالغيّ لا تنهاهم

وواضح من ثبات هذا الغلام ويقينه أنّه قد رضع التشيّع من أمه العبدية هذه، وأمُّ ذريح هذه مشهورة بثباتها على التشيّع ومحبتها للإمام علي – عليه السلام – وقد ذكر لها الشيخ المفيد في كتاب الجمل أبياتاً موجهةً إلى عائشة فيها تعنيفٌ كبير.[186]

وعندما أعاد الإمام عائشة إلى المدينة جعل حولها عشرين امرأة من عبد القيس خفراً لها، وأمرهن بوضع اللثام على وجوههن[187] لثقته في هذه القبيلة وعلمه بمحبتهم له رجالاً ونساءً.

ثم بقي التشيع ينمو في قبائل عبد القيس حتى اضطهدهم بسببه حكام الأمويين، وفي تاريخ الطبري خطبة لصعصعة بن صوحان العبدي يذكر ولاء قومه لآل البيت وللإمام علي وثباتهم على التشيع له حيث ذكر الطبري أنّ المستورد بن عُلّفة التيمي البكري أحد الخارجين على الأمويين في الكوفة استجار بأحد بني سليمة من عبد القيس لمصاهرة بينهما، فسمع صعصعة بذلك فقام خطيباً في قومه، فقال:[188]

“يا معشر عباد الله .. إنّ الله – وله الحمد كثيرا – لما قسم الفضل بين المسلمين خصكم منه بأحسن القسم فأجبتم إلى دين الله الذي اختاره الله لنفسه وارتضاه لملائكته ورسله ثم أقمتم عليه حتى قبض الله رسوله – صلى الله عليه وآله وسلم – ثم اختلف الناس بعده فثبتت طائفة وارتدت طائفة وأدهنت طائفة وتربصت طائفة فلزمتم دين الله إيمانا به وبرسوله وقاتلتم المرتدين حتى قام الدين وأهلك الله الظالمين فلم يزل الله يزيدكم بذلك خيرا في كل شيء وعلى كل حال حتى اختلفت الأمة بينها، فقالت طائفة: نريد طلحة والزبير وعائشة وقالت طائفة نريد أهل المغرب وقالت طائفة نريد عبد الله بن وهب الراسبي – راسب الأزد – وقلتم أنتم لا نريد إلا أهل البيت الذين ابتدأنا الله من قبلهم بالكرامة تسديدا من الله لكم وتوفيقا فلم تزالوا على الحق لازمين له آخذين به حتى أهلك الله بكم وبمن كان على مثل هداكم ورأيكم الناكثين يوم الجمل والمارقين يوم النهر – وسكت عن ذكر أهل الشأم لان السلطان كان حينئذ سلطانهم – ولا قوم أعدى لله ولكم ولأهل بيت نبيكم ولجماعة المسلمين من هذه المارقة الخاطئة الذين فارقوا إمامنا واستحلوا دماءنا وشهدوا علينا بالكفر فإياكم أن تؤووهم في دوركم أو تكتموا عليهم فانه ليس ينبغي لحى من أحياء العرب أن يكون أعدى لهذه المارقة منكم وقد والله ذكر لي أن بعضهم في جانب من الحي وأنا باحث عن ذلك وسائل فإن كان حكي لي ذلك حقا تقربت إلى الله تعالى بدمائهم فإن دماءهم حلال، ثم قال يا معشر عبد القيس إن ولاتنا هؤلاء هم أعرف شيء بكم وبرأيكم فلا تجعلوا لهم عليكم سبيلا فإنهم أسرع شيء إليكم وإلى أمثالكم ثم تنحى فجلس فكل قومه قال لعنهم الله وقال برئ الله منهم فلا نؤويهم ولئن علمنا بمكانهم لنطلعنك عليهم“.

ومن هذا النصّ الوثائقي لهذا الخطيب البليغ يتضح لنا جليّاً أنّ عبد القيس كانت تتشيع لآل البيت عن بكرة أبيها، ولا يفوتنَّ القارئ اللبيب قول صعصعة عن آل البيت: “الذين ابتدأنا الله من قبلهم بالكرامة” فهي جملة تشير إلى بداية تكوُّن معتقدٍ له دلالات شيعيّة واضحة لدى عبد القيس لأنّ هذا الكلام مأخوذ عن كلام للإمام علي – عليه السلام – رواه المتقي الهندي في كنز العمال، وهو قوله: “بنا فكّ الله ربق الذلِّ من أعناقكم”، ففكّ ربق الذل عن الأعناق هي ما عبَّر عنه صعصعة بالكرامة التي ابتدأ الله بها محبي أهل البيت، وهو معتقد أخذ يترسخ فيما بعد لدى الشيعة ويتبلور بصورة أكثر وضوحاً، وهو أنّ آل البيت – حسب معتقد الشيعة – هم مبدأ الوجود وسبب نجاة البشرية وأنّ بهم افتتح الله وبهم يختم.[189]

كما لا يفوتنا أنه ورد في خطبة صعصعة كلماتٌ أخرى تدلّ على تغلغل حبّ آل البيت والتشيّع لهم في قلبه، وهي توصيفه لتشيع قومه لآل البيت على أنّه: “تسديداً من الله لهم وتوفيقاً” وقوله: “فلم تزالوا على الحقّ لازمين له آخذين به“، بل أعظم منها دلالةً قوله بعدها عن الخوارج: “هذه المارقة الخاطئة الذين فارقوا إمامنا“، ويعني بلفظة “إمامنا” أمير المؤمنين علياً – عليه السلام – وهي لفظةٌ لها دلالاتٌ قويّة في تشيّع قائلها، كما لم يفت صعصعة أنْ يذكّر قومه بما يعرفه الأمويون عنهم من تشيعهم للإمام علي ومحبتهم لأهل البيت واتباعهم لهم، فإنّ ذلك معروف لدى الأمويين، وهم لا يجهلونه؛ ألا تراه كيف يقول مخاطباً قومه قائلاً: “يا معشر عبد القيس إن ولاتنا هؤلاء هم أعرف شيء بكم وبرأيكم“، ويعني بذلك تشيعهم للإمام علي عليه السلام.

ولو لم يكن لدينا غير خطبة صعصعة هذه لكفى بها دلالة على تشيع عبد القيس؛ بل وتصلبهم في التشيع، ولكننا سوف نورد فيما يلي ما فيه مزيدٌ من الإثبات على اشتهار هذه القبيلة منذ العصر الأول للإسلام بتشيعها حتى إننا سوف نرى فيما بعد أنّ أيّ شخصٍ من هذه القبيلة ينحو غير منحاها في التشيّع يشتهر أمره، ويستغرب المؤرخون من مخالفته لقبيلته في تشيّعها، ويشيرون إلى ذلك بصيغة لا تخلو من التعجب كما هو الحال عند ترجمتهم لصحار بن العياش العبدي التي سنراها فيما يلي.

فمن الذين نصّوا على تشيع عبد القيس ابنُ قُتيبة المتوفى في 276هـ وذلك في كتابه المعارف، حيث قال:

“وكانت عبد القيس تتشيع.” [190]

وهي جملةٌ صريحة من مؤرخٍ سُنّيّ لا تحتمل التأويل أو التشكيك، وهي في ذاتها تأييد لما رواه الطبري من كلام صعصعة بن صوحان المتقدم عن اختيار عبد القيس لمذهب آل البيت – عليهم السلام – مذهباً لهم دون بقيّة المذاهب الأخرى.

وذكر هذه الجملة بالنصّ نفسه أيضاً محمد بن إبراهيم الثقفي المتوفى عام 283هـ في كتابه الغارات. [191]

كما جاء التصريح بتشيع قبيلة عبد القيس أيضاً في كتاب الجوهرة في نسب النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وأصحابه العشرة للبرّي التلمساني الأندلسي الذي انتهى من تأليف كتابه هذا عام 645 للهجرة.[192]

وكما سبق وقلنا فقد كان لاشتهار عبد القيس بالتشيّع أنْ صار كلُّ فردٍ منها يخالفها في هذا المذهب يشتهر أمره بذلك، ويبرز المترجمون له هذه الصفة فيه بصيغة لا تخلو من التعجب، ففي كتاب الاشتقاق لابن دريد المتوفى في 321هـ. ذكر أحد أفراد هذه القبيلة، وهوصحار بن العياش العبدي، فقال في ترجمته:

” وكان صحار عثماني الرأي مخالفاً لقومه.” [193]

أما ابن النديم في الفهرست فلم يزد على أن وافق ما قاله ابن دريد، ولكنه صاغ الجملة بأسلوب تعجبي واضح عندما قال: “وكان صحار عثمانيَّاً من عبد القيس!!“،[194] ولا يخفى ما في ذلك من استغراب من ابن النديم الشيعي لأنه بحكم تشيعه وتضلعه في المعرفة، فهو يعرف أنّ عبد القيس كانت تتشيع، ويندر أنْ يخالفها أحدٌ من أفرادها في ذلك، ومن هنا كان استغرابه من كون صحار على غير مذهب قبيلته.

وجاء في كتاب القرط على الكامل لعبد الله بن محمد البطليوسي المتوفى عام 521هـ:

” صحار بن عياش،.. وهو عندي من لكيز بن أفصى من عبد القيس وكان عثمانياً يخالف عبد القيس في التشيع “، ويتضح من كلام البطليوسي أنّ تشيّع عبد القيس متفقٌ عليه عند المؤرخين كما قلنا.

ويبدو أنَّ حَيرة المؤرخين من كون صحار مخالفاً لقومه في تشيعهم للإمام علي – عليه السلام – قد جعلهم يخلّطون في اسمه واسم أبيه، فهم تارةً يسمونه صحار بن العياش، وأخرى يدعونه صحار بن العباس، وأحياناً يقلبون هذين الاسمين الأخيرين، فيسمونه العباس بن صحار، ففي أنساب الأشراف للبلاذريّ:

“وكان عباس بن صحار العبدي مخالفاً لقومه في حبِّ عليّ”. [195]

وقد تابعه على ذلك ابن الأثير في تاريخه،[196] والشيء نفسه في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ولكن هذه المرَّة في ترجمة من أسماه بـ عباس بن ضحّاك العبدي حيث قال عنه:

“كان يرى رأي عثمان ويخالف قومه في حبهم عليّاً عليه السلام ونصرتهم إياه”.[197]

ولكنّ هذا الكلام نفسه أورده الثقفي في كتابه الغارات عن صحار بن العباس، فيبدو أنّ البلاذري وابن الأثير وابن أبي الحديد قد قلبوا اسمه إن لم يكن ذلك من خطأ النسّاخ.

وفي عهد الإمام الحسن بن علي – عليه السلام – كان رجال عبد القيس عندما يحجون إلى مكة لا يتركون فرصة المرور به والسلام عليه وأخذ علوم دينهم منه، فقد روى ابن الأثير في أسد الغابة[198] أنّ الصحابيين العبديين جابر بن عبد الله، وابنه عبد الله عندما حجّا وكانا بمنى مرّا على الإمام الحسن بن علي – عليه السلام – للسلام عليه، فرحب الإمام بجابر وأوسع له مما يدل على معرفة الإمام به، وصودف أن سُئل الإمام الحسن بحضورهما عن نبيذ الجرة، فرخص الإمام الحسن فيه، واستوضحه جابر العبدي عن هذه الرخصة مذكراً له بما قاله لهم جده الرسول – صلى الله عليه وآله وسلم – فيه، وتحريمه عليهم، فأجابه الإمام الحسن بأنه قد كانت فيه بعد وفادتهم رخصة، وهذا كله يدل على اهتمام العبديين بآل بيت الرسول – صلى الله عليه وآله وسلم – وحرصهم على أخذ علوم دينهم عنهم والمرور بهم والسلام عليهم وقت زيارتهم لمكة والمدينة في مواسم الحج والعمرة.

وقد بدأ التشيع بالتغلغل أكثر فأكثر في قلوب العبديين مع تسلّم الإمام الحسين – عليه السلام – لمهام الإمامة بعد سمّ أخيه الإمام الحسن – عليه السلام – وبالتحديد مع ابتداء رحلة الإمام الحسين إلى العراق ليسطِّر أروع ثورة قام بها إنسانٌ على وجه التاريخ ألا وهي وقعة كربلاء الدامية التي كان لها أكبر الأثر في تبلور الفكر الشيعي كفكر رافضٍ للظلم الأموي الطاغي، ثم لكل الحكام الطغاة الذين جاءوا بعدهم وحتى وقتنا الحاضر.[199]

ولا تزال كربلاء هي المعركة التي كانت ولا زالت المؤجج الأول لإذكاء روح التشيع والثورة لدى المسلمين حتّى أصبحت عقيدةً راسخة في نفوسهم،[200] وبالتالي فإننا لا نستغرب أن يبادر رجال من قبيلة عبد القيس إلى تلبية الإمام الحسين عندما استنصر أهل العراق لمحاربة الأمويين، بل لقد كان بيت إحدى سيّدات عبد القيس مألفاً للشيعة يقصدونه على استخفاء ليتداولوا فيه شؤونهم ويتشاورون فيما يهمهم أو يطرأ عليهم من أمور تمسُّ صميم مذهبهم، وعليه فإنَّه يمكننا القول إنَّ بيت هذه السيّدة العبدية هو أوّل تكوين خلوي ثوري للشيعة بعد أنْ كانوا يتداولون أمورهم في المساجد، وهو اللبنة الأولى التي شُيّد عليها صرحُ الرفض الشيعي للظلم والظالمين، والذي كان له الفضل فيما بعد في تخريج الدفعات الفدائية الأولى من الثوَّار الذين نصروا الثائرين من آل البيت في الدولتين الأموية والعباسية.

وقد ذكر الطبري في تاريخه هذا البيت عند الحديث عن خروج الإمام الحسين – عليه السلام – إلى كربلاء؛ فقال:

“اجتمع ناس من الشيعة بالبصرة في منزل امرأة من عبد القيس يقال لها مارية ابنة سعد أو منقذ أياماً، وكانت تتشيع، وكان منزلها لهم مألفا يتحدثون فيه، وقد بلغ ابنَ زياد إقبال الحسين فكتب إلى عامله بالبصرة ان يضع المناظر ويأخذ بالطريق قال فأجمع يزيد بن نبيط الخروج – وهو من عبد القيس – إلى الحسين وكان له بنون عشرة فقال أيكم يخرج معى فانتدب معه ابنان له عبد الله وعبيدالله فقال لاصحابه في بيت تلك المرأة: إنى قد أزمعت على الخروج وأنا خارج فقالوا له انا نخاف عليك أصحاب ابن زياد فقال إنى والله لو قد استوت أخفافهما بالجدد[201] لهان على طلب من طلبني، قال ثم خرج فقوي في الطريق حتى انتهى إلى حسين عليه السلام فدخل في رحله بالأبطح وبلغ الحسين مجيئه فجعل يطلبه وجاء الرجل إلى رحل الحسين فقيل له قد خرج إلى منزلك فأقبل في أثره ولما لم يجده الحسين جلس في رحله ينتظره وجاء البصري فوجده في رحله جالسا فقال: (بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا)؛[202] قال فسلم عليه وجلس إليه فخبره الذي جاء له فدعا له بخير ثم أقبل معه فقاتل، فقتل معه هو وابناه“.[203]

وليلاحظ القارئ كيف كان اهتمام الإمام الحسين بهذا العبدي وحبه لرؤيته حتى قصده في بيته، وليلاحظ أيضاً شدّة فرح هذا العبدي عندما رجع إلى رحله، وشاهد الإمام الحسين جالساً فيه ينتظره، وكيف أنّه تلا هذه الآية جاعلاً مجيء الإمام وانتظاره له في رحله فضلاً من الله ورحمةً منه، وفخراً له يستوجب السرور، وهو يدلُّ على عقيدة شيعيّة بحتة بدأت تتبلور أكثر فأكثر فيما بعد لدى العبديين تجاه آل البيت الذين كانوا يرون أنّ محبتهم والولاء لهم فرضٌ من الله في القرآن أنزله.[204]

وقد ذكر ابن الشجري في أماليه أسماء سبعة من عبد قيس البصرة فقط قال إنهم قُتلوا مع الإمام الحسين – عليه السلام – في كربلاء، وهم:

1.يزيد بن نبيط العبدي.

2.عبد الله بن يزيد بن نبيط العبدي.

3.عبيد الله بن يزيد نبيط العبدي.

4.عامر بن مسلم العبدي.

5.سالم مولى عامر بن مسلم العبدي.

6.سيف بن مالك العبدي.

7.الأدهم بن أمية العبدي.

ولا شك أنّه قد نصره من عبد قيس الكوفة مثل هذا العدد أيضاً أو أكثر، وإذا عرفنا أنّ أنصار الحسين في كربلاء لم يتجاوز عددهم بضعة وسبعين نفراً على أشهر الروايات، فإننا سوف نعرف حينها مدى ما شكَّله هؤلاء الأبطال العبديون في ذلك الجيش الصغير بعدده الكبير بإيمانه وإخلاصه لمعتقده.

ويتضح لنا من هذا الخبر والذي قبله تصلُّبٌ شديدٌ في التشيّع لدى هذه السيدة العبقسية – التي ربما كانت إحدى النساء العشرين الذين أرسلهم الإمام علي عليه السلام ليخفروا عائشة إلى المدينة بعد انتهاء وقعة الجمل – وكذلك لدى ابن قبيلتها عبد الله بن نبيط وأولاده، وهذا التصلُّب في التشيّع لم يأتِ عن فراغ، فهو امتداد لمواقف هذه القبيلة المشهورة بها في نصرتهم للإمام علي في حروب الجمل وصفين والنهروان، ثم هاهي هذه المواقف تزداد وضوحاً وتألقاً في وقعة كربلاء، وسوف نرى أنَّ هذا التألّق سيزداد توهجاً ووضوحاً أكثر في ثورتين تاليتين سوف تُعرفان في التاريخ الإسلامي باسم ثورة التوابين بقيادة الثائر الشيعي سليمان بن صُرد الخزاعي، وثورة أخذ ثأر الإمام الحسين بقيادة المختار بن أبي عبيد الثقفي، وذلك عندما أحسَّ الكثيرون من الشيعة بالنَّدم لتخلفهم عن نصرة الإمام الحسين – عليه السلام – في كربلاء، فأرادوا أن يكفروا عن ذلك بقيامهم للأخذ بثأره وثأر أهل بيته.

ففي عام 65 للهجرة بدأ أحد أصحاب الإمام علي – عليه السلام -، وهو سليمان بن صرد الخزاعي ثورته المعروفة في التاريخ الإسلامي بثورة التوابين، وقام مع جمع من الشيعة، فتوجه بهم إلى كربلاء حيث قبر الحسين، فباتوا عنده، ثم أصبحوا فتقدم هو ورؤساء القوم إلى القبر معاهدين لله على الأخذ بثأر صاحبه، وكان من رؤساء هذا الجيش المعروفين المثنى بن محربة العبدي من بني شنِّ بن أفصى بن عبد القيس، وقد سجَّل له الطبري في تاريخه في أحداث ذلك العام كلمةً قالها عند قبر الإمام الحسين، وهي قوله: “إن الله جعل هؤلاء الذين ذكرتم – يعني الحسين وأصحابه – بمكانهم من نبيهم صلى الله عليه وسلم أفضل ممن هو دون نبيهم وقد قتلهم قوم نحن لهم أعداء ومنهم برآء وقد خرجنا من الديار والأهلين والأموال إرادة استئصال من قتلهم فوالله لو أن القتال فيهم بمغرب الشمس أو بمنقطع التراب لحق علينا طلبه حتى نناله فإن ذلك هو الغنم وهى الشهادة التي ثوابها الجنة“.[205]

والمثنى بن محربة العبدي هذا هو صاحب الكلمة القويّة التي رواها له إبراهيم بن محمد الثقفي في كتابه الغارات، وذلك عندما جاء ابن الحضرمي مبعوث معاوية إلى البصرة ليدعوهم لمبايعته بعد التحكيم، فكان أنْ خطب في أهل البصرة ودعاهم لذلك، فقام إليه المثنى بن محربة، فقال له: “لا، والذي لا إله إلا هو لئن لم ترجع إلى مكانك الذي أقبلت منه لنأخذنك بأسيافنا وأيدينا ونبالنا وأسنة رماحنا، أنحن ندع ابن عم نبينا وسيد المسلمين وندخل في طاعة حزب من الأحزاب طاغ؟! والله لا يكون ذلك أبدا حتى نُسَيِّر كتيبةً إلى كتيبة ونفلق الهام بالسيوف“.[206]

وقد كان من رؤساء التوابين أيضاً أبو الجويريّة العبدي أحد بني الخارجية من عبد القيس، وهو من شعرائهم المشهورين، وقد كان أحد القصّاص الثلاثة في ذلك الجيش، وقد جرح في المعركة جرحاً بليغاً أقعده عن القتال، فنجا من القتل، وعندما قُتل رؤساء التوابين الأربعة صار أبو الجويرية العبدي رغم جراحه في ظهر بقيتهم يحميهم من عسكر الشام، وينقذ الجرحى منهم ويحوط أموالهم.[207]

ومن الصور الواضحة على تغلغل التشيع في قلوب عبد القيس أنهم كانوا من أشدّ أنصار المختار عندما قام بالثأر لدم الحسين – عليه السلام – وأهل بيته، ولمّا أمر المختار بهدم دار أسماء بن خارجة الذي أعان ابن زياد على قتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة المرادي لم يقدم على ذلك أحدٌ من مضر لعزّة أسماء فيهم، فهدمتها عبد القيس دون تردد، ولذلك قال عبد الله بن الزبير الأسدي:[208]

أتاني وعرض الشام بيني وبينها          أحاديث والأنباء يُنمى بعيدُها

بأنَّ أبا حسَّان تَهْدِمُ دارَه                    لُكيْزٌ سعت فُسَّاقُها وعَبيْدُها

ولكيز هم بنو لكيز بن أفصى بن عبد القيس، وكثيراً ما كان الشعراء إذا اضطرهم الوزن يستبدلون عبد القيس بلكيز لأنّ البيت والعدد فيهم.

وبعد ذلك بمدة عندما قصد الإمام جعفر الصادق – عليه السلام – الكوفة أثناء رحيله إلى العراق لم يتخذ مسكناً إلا في بني عبد القيس[209] لعلمه بقوة تشيعهم وتمسكهم به وتصلبهم فيه، وقد مرّ بنا أمره لشيعته أن يعلموا أبنائهم شعر العبدي لأنه كان على الفطرة حسب قوله عليه السلام.

ثم إننا صرنا لا نرى ثورةً للشيعة يقوم بها أحد الثائرين من آل البيت – عليهم السلام – أو من شيعتهم ضدّ الأمويين والعباسيين إلاّ ووجدنا أفراد هذه القبيلة ومواليهم يتسابقون إلى نصرة هؤلاء الثائرين، فقد كان منهم مَنْ نصر زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب – عليهم السلام – عندما أظهر ثورته في العراق[210] ومنهم من نصر ابنه يحيى بن زيد،[211] ونصروا أيضاً ابنه الآخر عيسى بن زيد،[212] كما لجأ إليهم عبد النور كاتب إبراهيم بن عبد الله بن الحسن – رضي الله عنهم – بعد قتله، فاستخفى فيهم، وأحسنوا جيرتهم له كما يبدو من ثناءه عليهم،[213] كما إننا صرنا نرى في البصرة نفسها بيتاً أدبياً كبيراً من عبد القيس يعدون من خلَّص الشيعة، وهم بنو مهزم بن خالد بن مهزم بن الفزر بن مهزم بن جُوَيْن بن مجاسر بن الصِّيْق بن مالك بن مُرّة بن عامر بن الحارث بن أنمار بن عمرو بن وديعة بن لكيز بن أفصى بن عبد القيس؛[214] الذين ينحدر منهم الأديب الكبير أبو هفّان المهزمي العبدي الذي ذكر النجاشي أنّ بيته بني مهزم بيتٌ كبير في البصرة كلهم من الشيعة.[215]

التشيع في البحرين بلاد عبد القيس

إذا كان لعبد القيس فضلٌ كبير في نشر التشيع في العراق – كوفة وبصرة – فإنّ التشيع فيهما لا يعود الفضل فيه لعبد القيس وحدها على الرغم من مساهمة أفراد هذه القبيلة على نشره بقوة هناك كما بيّنا فيما مضى، وكما رأينا الدور البارز الذي لعبه أبناء صوحان وأبو هارون وغيرهم من العبديين في نشر التشيع في ذلك القطر، إلا أنّنا نستطيع القول بكل يقين أنّ التشيّع في إقليم البحرين – الذي اشتهر بتشيعه منذ العصر الإسلامي الأول – يعود الفضل فيه إلى أفراد قبيلة عبد القيس بالمرتبة الأولى لأنهم هم سكانه المشهور بهم منذ رحيلهم إليه واتخاذهم له مسكناً حتّى قالت العرب مثلها المأثور فيهم: عرف النخلُ أهلَه،[216] وكانت قبيلة عبد القيس هم أهل ذلك النخل.

ولقد ساهم علماءُ عبد القيس وسادتها في نشر التشيع في هذا الإقليم ليس بين عناصر القبيلة فقط، وإنما تجاوز ذلك إلى بعض البطون التي قطنته من القبائل الأخرى كبكر، وتغلب، والأزد، وتميم حتّى صار إقليمُ البحرين لا يُعرف إلا بالتشيّع كما نصَّ على ذلك جماعة من المؤرخين مثل المقدسي، وياقوت الحموي، وابن المجاور الشيباني، وابن الأثير، وابن خلدون، وابن بطوطة، وغيرهم ممن ذكر ذلك نصّاً أو تلميحاً.[217]

وقد سبق وبيّنت فيما مضى دور كلاً من أبان بن سعيد بن العاص الذي ولاه الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- على البحرين، وأوصاه بالعناية بعبد القيس، وكذلك دور سيد عبد القيس الجارود في تعريف هذه القبيلة وغيرها من قبائل البحرين بفضائل الإمام علي – عليه السلام – وقلتُ إنّهما هيَّئا نفوس السكان لتقبل زرع بذرة التشيّع فيها، ولكن مما لا شك فيه أنّ هذه البذرة لا يمكن لها أنْ تنمو من دون أنْ تلقى المزيد من الرعاية والاهتمام والعناية بها حتّى تورق وتنتشر، وتؤتي أكلها طيباً، وعليه فإنه لا بدّ أنّه كان هناك من رعى هذه البذرة واعتنى بها حتى نبتت نبتاً قويّاً في إقليم البحرين، ومدَّت ظلّها عليه بأكمله، حتّى أصبح هذا الإقليم كأنما خُلقَ مهيأً للتشيّع.

ولقد كان الفضل في ذلك – ولا شكّ – للمتشيعين الأوائل من قبيلة عبد القيس ممن تقدم الكلام على أنهم كانوا سادة قومهم ومحط أنظار الإعجاب من أفراد قبيلتهم؛ مثل بني صوحان: سيحان وزيد وصعصعة، ومثل حكيم بن جبلة، وعمرو بن مرجوم، وجويرية بن مسهر، وأبي هارون العبدي، والمثنى بن محربة، وكثيرٌ غيرهم ممن هاجروا إلى العراق والتقوا بأقطاب الشيعة الأوائل من أصحاب الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- اللذين سبق وذكرناهم مثل: سلمان الفارسي، وحذيفة بن اليمان، وأبي سعيد الخدري، فسمعوا عنهم فضائل الإمام علي – عليه السلام – والحضّ على ولايته، ثم قاموا هم بدورهم بروايتها لقومهم من عبد القيس في العراق، ولمن بقي منهم في البحرين سواءً أكانوا ممن يفدون على العراق تباعاً للهجرة أو لزيارة أقاربهم في العراق أو للتجارة، أم أولئك الذين بقوا في ديارهم البحرين لأنّه بدأت تظهر للعيان منذ ذلك الحين ظاهرةٌ طبيعية تتمثل في هذا الارتباط الواضح في المعتقد الفكري بين شيعة العراق وشيعة البحرين، وكانت الرابطة في ذلك هي أواصر القربى بين بطون قبيلة عبد القيس التي انقسمت إلى قسمين كبيرين قسمٌ بقي في البحرين بلادهم القديمة، والقسم الآخر هاجر إلى العراق مع بداية الفتوح الإسلامية فيه، ثم استقر بهم المقام فيه فأقاموا، ولكن وعلى الرغم من البعد المكاني بين القسمين إلا أنّ الترابط القومي والقبلي ظلّ قويّاً، ولم تنقطع بين هذين القسمين أواصر التواصل، فكان بعض عبد قيس العراق يزورون أقاربهم من عبد قيس البحرين، والكثير من عبد قيس البحرين يزورون أقاربهم من عبد قيس العراق، وكان بعض البحرانيين هؤلاء يفضّلون البقاء في العراق مع أقاربهم من قبيلتهم، ومن رجع منهم إلى البحرين، فإنه كان غالباً ما يحمل إلى قومه فيها أخبار بطون قبيلته في العراق، وأخبار سادتها، وما سمع منهم من آخر الأخبار، ومنها الأخبار التي تتعلق بالمذهب وغيره، ومن هنا بدأت الظاهرة التي ذكرناها قبل قليل، وهي تأثر الكثيرين من عبد قيس البحرين بما كان يأتي لهم به أقاربهم من عبد قيس العراق، أو أقاربهم العائدون للوطن من عبد قيس البحرين الذين يسافرون إلى العراق، والذي كان ذلك أولاً لغرض زيارة أقاربهم فيه، ثم بعد ذلك لغرض زيارة العتبات المقدسة لأئمة آل البيت، والتي بدأت تظهر كأضرحة بسيطة في أول الأمر كضريح الإمام علي – عليه السلام – الذي كان أوّل أضرحة الشيعة المقدسة ظهوراً في العراق، ثم ظهر بعد ذلك بمدّة ضريح الإمام الحسين وأضرحة أهل بيته الذين استشهدوا معه في كربلاء، فكان الشيعة يقصدونها للزياة من شتى الأقطار المتواجدين فيها لما رواه أئمة آل البيت من فضائل كثيرة لمن زارهم، ومن هؤلاء الشيعة أفراد قبيلة عبد القيس بالطبع خصوصاً وأنهم أقرب الشيعة القاطنين خارج العراق إليه، فكانت هذه الزيارات مما ساهم في نشر المذهب الشيعي الإمامي في ربوع البحرين بعد أنْ كان التشيع فيها هو مجرّد الولاء لآل البيت والبراءة من أعدائهم.

ثم ينبغي أنْ لا ننسى أبداً ما مرّ بنا من نفي بني أمية لخطيب عبد القيس وعالمها الكبير صعصعة بن صوحان من العراق إلى البحرين، ومن البديهي أنْ يكون لذلك أثرٌ كبير وعميق في المساهمة في نشر التشيّع في ربوع هذا الإقليم نظراً للمكانة السامقة والعظيمة التي يحتلها صعصعة في قومه عبد القيس، وللقدرات الفكرية الهائلة التي يتمتع بها مع بلاغة عجيبة، وفصاحة ظاهرة، وذهنٍ وقَّاد، وحجةٍ قويّة ضجّ منها كلُّ من أوقعه حظّه السيّء في مواجهة هذا الشيعي الفذّ الذي لم يناظره أحدٌ إلاّ حُصر بما فيهم سلاطين زمانه كالخليفة عثمان الذي سبق وذكرنا مناظرة صعصعة له هنا، ومعاوية بن أبي سفيان الذي طفحت كتب التاريخ والأدب الإسلاميين بتدوين مناظراته معه وإفحام صعصعة له حتى وهو في عقر داره وقصر إمارته، وحتى شهد له بالفصاحة والبلاغة سيّد الفصحاء والبلغاء أمير المؤمنين علي – عليه السلام -،[218] وصار يضرب بفصاحة صعصعة وقوة حجته المثل، فقد روى الجاحظ أنّ رجلاً قال لعبيد الله بن ظبيان التيمي قاتل مصعب بن الزبير: بماذا تحتج عند الله – عزّ وجلّ – غداً وقد قتلت مصعباً؟، فقال: إن تركت أحتجّ كنتُ أخطب من صعصعة بن صوحان،[219] فما بالك برجلٍ هذه صفاته ومنزلته وشهرته، ثم يُنْفى من العراق إلى البحرين كما ذكر ابن حجر في ترجمته من الإصابة، فلا شكّ أنّ أفراد قبيلته من عبد القيس سوف يحفون به ويلازمونه ويأخذون عنه آراءه ومعتقده المذهبي، بل ويتصلبون فيه كما تصلّب هو فيه، ومن هنا فقد كان نفي صعصعة بن صوحان إلى البحرين بمثابة الركيزة العظمى التي شُدَّت بها أوتاد التشيع في هذا الإقليم لأنّ بني عبد القيس التفّوا حول سيدهم صعصعة وأعطوه ما يستحقه من التبجيل والتقدير، وهو ما يدلُّ عليه محافظتهم على قبره وتعهدهم له حتّى يومنا هذا حيث هو الآن مزارٌ في إحدى قرى جزيرة أوال المعروفة بعسكر الشهداء؛[220] يقصده شيعة إقليم البحرين من أوال والأحساء والقطيف.

وبعد موت صعصعة قام تلاميذه الذين زرع فيهم رأيه وفكره وقوّة حجته بمواصلة السير على النهج الذي رسمه لهم صعصعة، فساهموا بدورهم في مدِّ ظلِّ راية التشيع في سائر مدن إقليم البحرين وقراه حتّى صار معروفاً عن هذا الإقليم تشيعه الخالص لآل البيت بحيث لا يوجد فيه إنسانٌ غير شيعي إلا أنْ يكون غريباً على حدِّ قول ياقوت الحموي الذي سوف نذكره بعد قليل.

وقد عرف كل من يحيط بهذا الإقليم تشيعه، ومحبته لآل البيت، ولا سيما أهل العراق الذين ارتبطوا كما قلنا بهذا الإقليم ارتباطاً قومياً وفكريّاً ومذهبياً،[221] ولأجل ذلك قصد البحرين الثائر المعروف بصاحب الزنج الذي حلّ على الإقليم، وانتسب على أنه علويٌّ في حين أنه كان من عبد القيس – كما يقول المؤرخون – لعلمه أنّه بذلك سوف تكون له عندهم مكانةٌ سامقة أكبر حتّى مما لو قال إنه من عبد القيس، كما إنّ من الأدلّة على صحّة ذلك هو أنّ هذا الإقليم صار مطمعاً لدعاة الشيعة الإسماعيلية الذين عرفوا عن تشيع سكانه، فأوفدوا إليه بعض دعاتهم ليدعوا أهله إلى الانضمام إلى دعوتهم، وفي هذا الصدد يقول المؤرخون: وكان ابتداء القرامطة بناحية البحرين أن رجلاً يعرف بيحيى بن المهدي قصد القطيف فنزل على رجل يعرف بعلي بن المعلى بن حمدان، مولى الزياديين، وكان مغالياً في التشيع، فاظهر له يحيى أنه رسول المهدي، وكان ذلك سنة إحدى وثمانين ومائتين، وذكر أنه خرج إلى شيعته في البلاد يدعوهم إلى أمره، وأن ظهوره قد قرب؛ فوجه علي بن المعلى إلى الشيعة من أهل القطيف فجمعهم، وأقرأهم الكتاب الذي مع يحيى بن المهدي إليهم من المهدي، فأجابوه، وأنهم خارجون معه إذا اظهر أمره، ووجه إلى سائر قرى البحرين بمثل ذلك فأجابوه،[222] وفي تاريخ ابن خلدون زيادة على ذلك: وشاع[223] الخبر في سائر قرى البحرين فأجابوا كلهم.[224]

ويتضح جليّاً من ذلك أنّ أهالي إقليم البحرين كانوا شيعةً عن بكرة أبيهم بدليل قول المؤرخين أنّ سائر قرى البحرين أجابوا هذا الداعي كلّهم، وإنّ إجابتهم لهذا الداعي إنما كان لأنه ضرب على وتر حسّاسٍ لديهم، بادعاءه أنه رسول المهديّ الذي كانت الروايات عن قرب ظهوره وملئه للأرض عدلاً بعد أنْ مُلئت ظلماً وجوراً تتردد على مسامعهم، ولم يدر بخلدهم في بداية الأمر أنّ هؤلاء الدعاة كانوا يدعون لعبد الله المهدي الذي أسس الدولة الفاطمية فيما بعد، وأنّ قصدهم من ذلك هو إقامة دولةٍ دنيوية لهم في هذا الإقليم، وبالتالي فإنّ شيعة البحرين عندما عرفوا هذه الحقيقة فيما بعد فإنهم تراجعوا عن نصر دعاة الإسماعيلية الذين استطاعوا أنْ يؤسسوا في إقليمهم تلك الدولة التي بلغت الغاية من القوّة والإحكام في عهد أبي سعيد الجنابي وأولاده لصلبه، وقد كان لرفض معظم شيعة الإقليم الذين هم من عبد القيس بطبيعة الحال أثرٌ مجحفٌ بحقّ هذه القبيلة بحيث قُتّلوا وحُرّقوا وشُرّدوا من بلادهم كما هو مبيّنٌ بالتفصيل في الباب الذي تحدثنا فيه عن علاقة عبد القيس والقرامطة.

وعندما ذكر المقدسي (توفي نحو 380 للهجرة) أقسام الجزيرة العربية ومدنها في كتابه (أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم) تطرَّق بعد ذلك إلى ذكر مذاهب أهلها، فنراه يقول حول ذلك: ومذاهبهم بمكة وتهامة وصنعاء وقُرْح[225] سُنَّة، وسواد صنعاء ونواحيها مع سواد عمان شُراةٌ غالبة،[226] وبقية الحجاز وأهل الرأي بعُمان وهَجَر وصعدة شيعة. [227]

وما يهمّنا هنا هو قوله عن سكان هجر أنّهم شيعة، والمقدسي لا يقصد بهجر المدينة أو الواحة فقط، وإنما يقصد جميع الإقليم الذي يُطلق عليه اسم هجر، وهو ذاته إقليم البحرين نفسه، وهذا الترادف بين المسميين لهذا الإقليم قديمٌ أقدم من المقدسي نفسه.

ثم يأتي بعد المقدسي بقرنين ونصف تقريباً ياقوتُ الحموي من رجال النصف الأول من القرن السابع الهجري (توفي عام 626 للهجرة)، فيقدم لنا نصّاً صريحاً على تشيّع إقليم البحرين حيث قال في رسم (عمان) من معجمه البلداني: “وأكثر أهلها في أيامنا خوارج إباضية ليس بها من غير هذا المذهب إلا طارىءٌ غريب وهم لا يخفون ذلك، وأهل البحرين بالقرب منهم بضدهم كلهم روافض سبائيون لا يكتمونه ولا يتحاشون وليس عندهم من يخالف هذا المذهب إلا أن يكون غريباً “.

فياقوت هنا لا يكتفي بالقول إنّ جميع سكان إقليم البحرين من الشيعة أو الروافض السبأيين – حسب تعبيره – بل هو ينفي أنْ يكون فيه غير الشيعة من أهله إلا أنْ يكون غريباً عنهم، وهي شهادة من رجلٍ عُرف عنه التعصّبٍ ضدّ الإمام علي – عليه السلام – وشيعته كما هو المعروف عنه،[228] ثم هو رجلٌ تاجر يسافر كثيراً إلى تلك النواحي حيث ذكر ابن خلكان عنه أنّه كان يتاجر في جزيرة كيش (قيس)،[229] وهي جزيرة قريبة جداً من إقليم البحرين، ومرتبطة معه بعلاقات تجارية وسكانية منذ قديم الأزمان، ولو عرف ياقوت أنّ في إقليم البحرين قوماً غير شيعة لبادر إلى ذكرهم إلا أنّه لم يجد غير الشيعة فيه.

وكلام ياقوت الصّريح في كون سكان البحرين كلهم من الشيعة أو الروافض السبأيين – كما قال -[230] يؤيده نصٌّ آخر لعالمٍ سُنّي أيضاً، وهو ابن المجاور الشيباني المتوفى في (690 للهجرة)، والذي زار جزيرة أوال التي بدأ يُطلق عليها في تلك الفترة مسمى البحرين في أواسط القرن السابع الهجري،[231] ونصَّ في كتابه صفة بلاد اليمن على أنَّه كان يوجد في هذه الجزيرة 360 قرية[232] كلُّها إمامية إلا واحدة منها،[233] ولم يذكر لنا ابن المجاور هنا اسم هذه القرية التي كانت قرية للخوارج وليس للسنة كما قد يتبادر إلى الذهن، فقد أشار إليها في موضع آخر من كتابه هذا عند ذكره لبلاد الخوارج وقراهم في الجزيرة العربية وخارجها، فقال: “و من بغداد باب البصرة، والحربية، ودار القزّ، و السرمة، وباب الأزج, والحلبة، والبصلية، والحريم، رجال شتى، و بعضُ أهل واسط القصب، وقرية بأعمال البحرين شذ على الراوي اسمها.“،[234] فواضح أنها هي القرية التي استثناها في النصّ الأول.

وتكمن أهمية نصّ ابن المجاور في أنه سجَّله عن معاينة شخصية في رحلته إلى البحرين في النصف الأول من القرن السابع الهجري كما سبق وأشرنا، وبالتالي فإن قوله عن جزيرة أوال البحرانية أنّ كلّ قراها من الإمامية لهو نصٌّ ليس فقط في تشيعها، وإنما هو دليل إثبات على أن مذهبها كان المذهب الإمامي وقت زيارته لها،[235] ويقصد به – بطبيعة الحال – المذهب الجعفري الاثني عشري، وليس الإسماعيلي الذي يبدو واضحاً أنّه اندثر تماماً من الإقليم بسقوط دولة القرامطة فيه بعد ثوراتٍ عديدة قام بها أكثر من زعيم من زعماء عبد القيس، وذكرناها في الفصل الذي خصص باسم عبد القيس والقرامطة.

وأودُّ أنْ أوضح هنا أنّ من يقرأ نصّ ابن المجاور بأكمله يتضح له من ظاهره أنّه كان يقصد بالبحرين جزيرة أوال، وسبق وأشرت في إحدى الحواشي الماضية إلى أنّ ما قاله عن عدد قرى الجزيرة، وهو 360 قرية في ذلك الحين يتفق مع ما ذكره ابن ماجد الربان الخليجي المعروف في كتابه (الفوائد في أصول البحر والقواعد)، والذي جاء بعد ابن المجاور بقرنين ونيّف، ولكن قبل ابن المجاور بأكثر من قرن ونصف تقريباً ذكر غرس النعمة محمد بن هلال الصابئ (توفي عام 480 للهجرة) في تاريخه الذي ذيَّل به على تواريخ آبائه أن من أسماه أبا حفصٍ الريحاني[236] أحد المتفقهة قد حدَّثه أنّ جزيرة أوال ثلاثة عشر فرسخاً ضياعاً ومزارعاً ونخيلاً وأشجاراً، وأنّ عدد قُراها في ذلك الحين كان مائة وثلاثين قرية فقط؛[237] أي أقل من نصف العدد الذي ذكره ابن المجاور في القرن السابع الهجري وابن ماجد في القرن التاسع الهجري، ولعل ما يفسر وجود هذا الفارق الكبير جداً في عدد قرى الجزيرة خلال قرنين من الزمان هو ما رواه بعض المؤرخين عن فرار جمهور غفير من سكان هجر والقطيف إلى هذه الجزيرة وقت استيلاء أبي سعيد الجنابي مؤسس دولة القرامطة على إقليمي البحرين واليمامة ومدنهما وقراهما،[238] فهل كان هؤلاء النازحين إلى هذه الجزيرة من الكثرة بحيث أنهم أنشئوا 230 قرية جديدة ليصبح عدد قرى الجزيرة 360 قرية كما قال ابن المجاور؟!.

ثم إنّ المحيّر بالفعل هو أنّ هذه الجزيرة لا تحتمل أن يكون بها 360 قرية، فهي أصغر من أن تحتوي على مثل هذا العدد الكبير من القرى، لا سيما أنّ المساحة المأهولة بالسكان من هذه الجزيرة هو نصفها الشمالي الذي تكثر فيه العيون، والواقع بين الساحل الشمالي للجزيرة إلى حدود الخط الأفقي الواصل بين قُرى عسكر الشهداء، وصدد، وشهركان، ودار كليب في الجنوب، وهو في الواقع أقل من نصف مساحة الجزيرة، ومجموع القرى اليوم في هذا الجزء لا يبلغ أكثر من 70 قرية متراصّة بما في ذلك قرى جزيرتي سترة والمحرق، وهو أقل بكثير حتى من العدد الذي ذكره غرس النعمة لها فضلاً عما ذكره ابن المجاور، وأما النصف الأكبر الجنوبي فهو حتى الآن صحراء جرداء لا ماء بها ولا آثار استيطان بشري.

نعم قد يكون عدد القرى الذي ذكره ابن المجاور – وهو 360 قرية – صحيحاً لو أريد به قرى إقليم البحرين الشامل لجزيرة أوال وواحتي الأحساء والقطيف، وهي القصبات الثلاث التي يشملها اسم إقليم البحرين القديم، لأنّ ابن الفقيه الهمذاني عدّ في كتابه البلدان (22) قرية من قرى البحرين لبني محارب بن عمرو بن وديعة بن لكيز بن أفصى بن عبد القيس سكان هجر وما حولها، ثم عقَّب بعد ذكر أسمائها بقوله: ” فهذه قرى بني محارب بن عمرو بن وديعة، وقرى بني عامر بن الحارث بن أنمار بن عمرو بن وديعة أضعاف هذه.”[239] فلو افترضنا أنّ قرى بني عامر بن الحارث تساوي ثلاثة أضعاف القرى التي ذكرها لبني محارب، فإنّ عددها على هذا الافتراض قد يصل إلى (66) قرية، وبإضافتها إلى قرى بني محارب يكون المجموع (88) قرية، وإذا أضفنا إليها بعض القرى التي ذكرها ابن الفقيه في الكتاب السابق نفسه دون أنْ ينسبها لأحد أو نعرف موضعها، وهي (7) قرى، فيكون مجموع قرى هجر (95) قرية، وبإضافتها إلى عدد قرى جزيرة أوال الذي ذكره أبو حفص الريحاني أو البحراني يكون المجموع (225) قرية في أوال والأحساء، وأما عدد قرى القطيف فقد بلغت – حسب إحصائية ترقى إلى العام 959 للهجرة وضعها كُتَّاب الدولة العثمانية إبان احتلالهم لها – إلى (56) قرية،[240] فيكون مجموع قرى هذه القصبات الثلاث وفق ما ذكرت هو (281) قرية، وحتى هذا العدد فإنه يقلُّ عن العدد الذي أعطاه كلاً من ابن المجاور وابن ماجد، ولكن إذا أخذنا بالاعتبار اندثار الكثير من القرى، ولا سيما في واحتي الأحساء والقطيف بسبب زحف الرمال عليهما، ووجود بعض القرى التي شذّ على المؤرخين تدوين أسمائها، فإنّ الرقم (360) قرية يكاد يكون قريباً، ولكن لعدد قرى البحرين الإقليم بقصباته الثلاث المذكورة، وليس لجزيرة أوال وحدها، فإذا اعتقدنا ذلك، فإنّه يمكننا القول بكل ثقة أنّ نصّ ابن المجاور يثبت أنّ سكان إقليم البحرين كله كانوا يتمذهبون بالمذهب الشيعي الإمامي الاثني عشري باستثناء قريةٍ ذكر ابن المجاور في موضع آخر كما قدمنا أنها من قرى الخوارج،[241] ولكنه قال إنّها بأعمال البحرين، ولم يقل جزيرة البحرين، وذكر أن اسمها شذّ عن الراوي.

والجدير بالذكر أنّ ما ذكره كلاً من ياقوت وابن المجاور عن تشيع البحرين كان في وقت قيام الدولة العُيونية التي ينتسب ملوكها وأمراؤها إلى عبد القيس، وهم رهط الشاعر الشهير علي بن المقرَّب العُيوني الذي يقول في إحدى قصائده مادحاً قبيلته هذه:

وهم نصروا بعد النبي وصيّه        ولا يستوي نصرٌ لديه وخذلان

وغني عن القول أنه قصد بوصي النبي الإمام علي عليه السلام، وعلى العموم فإنّ تشيّع العُيونيين قد حُسم مؤخراً بدليل ماديٍّ لا يرقى إليه الشك، فقد حفظت لنا الأيام بعض النقود التي سُكّت في عهد هذه الدولة في كلاً من مدينة القطيف وجزيرة أوال، وقد كُتب على أحد وجهي هذه العملات الشهادات الثلاث التي اعتاد الحكام والأمراء الشيعة كتابتها على النقود التي يسكّونها، وهي (لا إله الا الله، محمد رسول الله، عليٌّ ولي الله)، وقد أصدر أحدُ الباحثين مؤخراً بحثاً مطبوعاً عنونه بـ: ( نقود الدولة العُيونية في بلاد البحرين ) تناول فيه بالدراسة 50 قطعة نقدية من هذه النقود. [242]

ويدعم قول ياقوت وابن المجاور في تشيع إقليم البحرين ومدنه روايةُ ابن بطوطة عن مدينة القطيف، وهي إحدى مدن البحرين الرئيسة الثلاث، فقد زارها هذا الرحالة المغربي عام 731 هـ، وقال مسجلاً ما شاهده كما يلي: “ثم سافرنا إلى مدينة القطيف، كأنه تصغير قطف، وهي مدينة كبيرة حسنة ذات نخل كثير، يسكنها طوائف العرب، وهم رافضية غُلاة يظهرون الرَّفض جهاراً لا يبقون؟ [243] أحداً، ويقول مؤذنهم في أذانه بعد الشهادتين: أشهد أنَّ علياً ولي الله، ويزيد بعد الحيعلتين: حيّ على خير العمل، ويزيد بعد التكبير الأخير: محمدٌ وعليٌّ خير البشر من خالفهما فقد كفر“.[244]

ولغلبة التشيع على إقليم البحرين، فقد بدأ يظهر في حدود الألف الهجري وما بعده أحدُ المصطلحات المتداولة حتّى الآن في الجزيرة العربية، وهو مصطلح (البحراني)، وهو لفظٌ إذا أطلقه سكان الجزيرة العربية من السُّنّة، فإنما يريدون به الشيعي، وكذلك الحال بالنسبة لمصطلح (البحارنة) الذي هو نبز للشيعة عامّة عندهم،[245] وهذا النبز لم يأتِ من فراغ، وإنما أطلق لمعرفة سكان الجزيرة العربية من أهل السنّة أنّ جميع سكان إقليم البحرين قديماً هم من الشيعة، وذكر لوريمر في دليل الخليج[246] لفظ (البحارنة)، فقال عنه إنه اسمُ الجنس أو الطبقة التي ينتمي إليها تقريباً جميع الشيعة في جزر البحرين وواحات الحسا والقطيف وقطر؛ كما ذكر أنّ اصطلاح (بحراني) كان يُستخدم في وقته على طول الساحل الغربي للخليج كمرادف للمسلم الشيعي الذي تكون لغته الأصلية هي العربية، وقرر أنّ جميع البحارنة شيعيون؛ كما ذكر عن تاريخ وجودهم في المنطقة أنه يعود إلى حوالي 300 سنة قبل وقته، وذكر أنّ سبب ذلك – حسب ما روي له – هو تحوّل قبائل عربية معينة بما فيهم قبيلة تدعى ربيع[247] إلى التشيع منذ حوالي 300 سنة؛ كما ذكر عن بعض الكتاب الأوربيين أنهم يميلون لاعتبار (البحارنة) مواطنين قدماء في سواحل الخليج غزاهم العرب.

وأمّا المدُّ السُّكانيُّ السُّنّي فإنما جاء مع بدء ظهور دولة بني جبر في المنطقة في أواسط القرن التاسع الهجري، وحتّى عندما حكم هذه المنطقة الشيعية ثاني حاكم سُنّي من بني جبر هؤلاء، وهو أجود بن زامل الجبري الذي كان مالكي المذهب بنصّ السخاوي، فقد اضطر في أول الأمر إلى الاستعانة بقضاة الشيعة في الأحساء والقطيف والبحرين (أوال)[248] لأنه لم يكن فيها من السنّة أحد يذكر إلى أنْ بدأ هذا الحاكم في جلب بعض علماء السنّة من أتباع المذهب المالكي كما يذكر ذلك السخاوي في الضوء اللامع.[249]

 

imagesCAMYBUCH

 

بقلم الباحث: عبد الخالق بن عبد الجليل الجنبي

الهوامش والمصادر

——————————————————————————–

[1] سيأتي هذا الشعر بعد قليل.

[2] عبد الله بن عبد العزيز = البكري: معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع؛ تحقيق مصطفى السقا (بيروت: عالم الكتب 1983م) ج1: 81 وما بعدها.

[3] للوقوف على الصراع المرير الذي دار بين العيونيين وهذه القبائل والبطون العُقيلية يرى: شارح مجهول: شرح ديوان ابن المقرَّب بتحقيق الكاتب وآخرين (بيروت: المركز الثقافي للنشر والتوزيع 2003م).

[4] أحمد بن حجر = ابن حجر: الدرر الكامنة ج1: 75، وهذه الأسرة هي أسرة الزعيم جروان المالكي العُقيلي الذي كان موجوداً في عام 705 للهجرة حيث انتزع ملك القطيف من سليمان بن رميثة العُقيلي بحسب المصدر نفسه، وقد بلغ حكم هذه الأسرة حتى العقد الثاني من القرن التاسع الهجري حيث أسقطها الجبريون الذين حكموا المنطقة منذ ذلك الحين، وأحب أن أنوّه أنّ جروان وبنوه هؤلاء الذين حكموا القطيف في مطلع القرن الثامن الهجري هم غير بني جروان الأحسائيين الذين ذكرهم ابن المقرَّب في شعره، فأولئك كانوا من عبد القيس، وزمنهم متقدم جداً يعود للقرن الخامس الهجري، ويكفي أنّ ابن المقرَّب قد ذكر أفراداً منهم في القرن السابع الهجري، وجد بني جروان القطيف كان موجوداً في مطلع القرن الثامن الهجري كما رأينا هنا.

[5] انظر شرح ديوان ابن المقرَّب بتحقيق الكاتب وصاحبيه ج2: 958، والأرحاء هي القبائل التي استقلت بذاتها واستغنت عن غيرها. انظر الصحاح للجوهري.

[6] محمد بن محمد بن النعمان = الشيخ المفيد: الجمل (قم – إيران: مكتبة الداوري دت) الصفحة 158.

[7] الشيخ عبد القادر بدران: تهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر (بيروت: دار المسيرة 1979م) ج6: 16.

[8] علي بن الحسين المسعودي: مروج الذهب ومعادن الجوهر تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد (بيروت: دار المعرفة 1983م) ج2: 378.

[9] حضين هذا هو حضين بن المنذر الرقاشي البكري أحد سادات بكر بن وائل.

[10] الخميس هو الجيش الكثيف.

[11] المسعودي: مروج الذهب ج3: 57.

[12] عز الدين بن هبة الله بن عبد الله = ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة؛ تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم (القاهرة: مطبعة عيسى البابي الحلبي 1959م) ج5: 184.

[13] ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة؛ ج8: 57.

[14] أحمد بن يحيى بن جابر = البلاذري: أنساب الأشراف؛ تحقيق محمد باقر المحمودي (بيروت: دار الأعلمي 1974م) الصفحة 307.

[15] المسعودي: مروج الذهب؛ ج2: 396.

[16] هم بنو عجل بن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل.

[17] عمرو بن بحر = الجاحظ: رسائل الجاحظ / قسم الرسائل السياسية (بيروت: دار مكتبة الهلال 1987م) رسالة الحكمين الصفحة 348.

[18] محمد بن جرير الطبري: تاريخ الأمم والملوك (بيروت: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات 1983م) ج3: 530.

[19] تُعدُّ بكر بن وائل إحدى كبريات قبائل ربيعة وأبعدها ذكراً في التاريخ، ولو قال قائل أنّ بكراً وعبد القيس أشهر قبيلتين في ربيعة وأبعدهما ذكراً لما جانب الصواب في ذلك.

[20] الطبري: تاريخ الأمم والملوك؛ أحداث العام 38 للهجرة.

[21] الطبري: تاريخ الأمم والملوك أحداث العام 38 للهجرة.

[22] ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة؛ ج4: 35.

[23] تغلب والنمر من قبائل ربيعة المشهورة.

[24] انظر تاريخ اليعقوبي ج2: 187.

[25] بدران: تهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر؛ ج5: 92.

[26] علي بن الحسن بن هبة الله = ابن عساكر: تاريخ مدينة دمشق؛ تحقيق علي شيري (بيروت: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع 1415هـ) ج16: 208.

[27] الطبري: تاريخ الأمم والملوك؛ ج4: 148.

[28] وأسماؤهم كما يلي:

الأدهم بن أمية العبدي: ذكره ابن الشجري في أماليه، وعده من عبد قيس البصرة.

جبلة بن علي الشيباني: ذكر في زيارة الناحية.

جوين بن مالك الضبعي: ذكر في زيارة الناحية.

حنظلة بن عمرو الشيباني: ذكره ابن شهر آشوب في مناقب آل أبي طالب.

سالم مولى عامر بن مسلم العبدي: ذكر في زيارة الناحية، وذكره ابن الشجري في أماليه من عبد قيس البصرة.

سعيد بن عبد الله الحنفي: ذكر في زيارة الناحية.

سيف بن مالك العبدي: ذكره الطبري فيمن كان يجتمع في بيت مارية، وابن الشجري في أماليه.

عامر بن مسلم العبدي: ورد في زيارة الناحية، والأمالي الشجرية.

عبد الله بن يزيد بن نبيط العبدي: ذكره الطبري وابن الشجري وابن شهر آشوب.

عبيد الله بن يزيد بن نبيط العبدي: أخو عبد الله المتقدم.

عمرو بن ضبيعة أو مشيعة الضبعي: ورد ذكره في زيارة الناحية ومناقب ابن شهر آشوب.

قاسط بن زهير التغلبي: كسابقه.

قعنب بن عمرو النمري: كسابقه

كردوس بن زهير التغلبي: كسابقه.

كنانة بن عتيق التغلبي: كسابقه.

يزيد بن نبيط العبدي: ذكره الطبري مع ابنيه عبد الله وعبيد الله، وذكرهم ابن الشجري في أماليه.

[29] المسعودي: مروج الذهب؛ ج3: 93.

[30] الطبري: تاريخ الأمم والملوك؛ ج4: 467.

[31] علي بن الحسين الأموي = أبو الفرج الأصفهاني: مقاتل الطالبيين؛ تحقيق السيد أحمد صقر (بيروت: دار المعرفة بدون تاريخ) الصفحات: 153 – 157.

[32] أبو الفرج الأصفهاني: مقاتل الطالبيين؛ الصفحة 378، والعنزي نسبة إلى قبيلة عنزة بن ربيعة إحدى كبريات قبائل ربيعة وأقدمها.

[33] أبو الفرج الأصفهاني: مقاتل الطالبيين؛ الصفحة 513.

[34] أبو الفرج الأصفهاني: مقاتل الطالبيين؛ الصفحة 642.

[35] ذكر المعافى بن زكريا النهرواني في كتاب الجليس والأنيس (ج1: 454 – 455) أنّ الإمام جعفر بن محمد الصادق – عليه السلام – أرسل إلى معن بن زائدة وهو والٍ للمنصور العباسي على اليمن كتاباً يأمره فيه بالإحسان إلى أحد العلويين، وذكر أنّ معناً قام بتقبيل الكتاب ونفذ ما فيه بعد أن أظهر التقية في أول الأمر لخوفه من عيون المنصور العباسي.

[36] نصّ على تشيعه ابن كثير في البداية والنهاية في حوادث سنة 226هـ.

[37] تشيع آل حمدان مشهور نصَّ عليه أكثر من مؤرخ.

[38] أحمد بن علي المقريزي: اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا؛ تحقيق جمال الدين الشيّال (القاهرة: لجنة إحياء التراث الإسلامي التابعة للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية 1967م.) ج1: 156.

وليلتفت القارىء إلى أنّ قوله وغيرهم من بني شيبان لا يعني أنّ كلّ القبائل والبطون التي ذكرها من شيبان كما هو ظاهر كلامه، وإنما أراد أنه قد تبع هذه القبائل والبطون الربعية غيرهم من بني شيبان من بكر؛ لأنّ عنزة قبيلة كبيرة من ربيعة أقدم من شيبان، وهم بنو عنزة بن ربيعة بن نزار، كما إنّ ضبيعة المذكورين ليسو من بني شيبان، بل هم إحدى الضبيعات الثلاث من ربيعة، والذين ذكرهم ابن حبيب في المحبر (الصفحة 235) وحصرهم كلهم في ربيعة، وهم ضبيعة بن قيس بن ثعلبة، أشرفهن، وضبيعة أضجم بن ربيعة بن نزار، وضبيعة بن عجل بن لجيم، وهي كما نرى جميعها ليست من شيبان، كما إنّ بني ذهل هم أحد ذهلي بكر، فإنْ أراد ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل، فهم ليسو من بني شيبان كما نرى من سلسلة النسب، أما إذا أراد بني ذهل بن شيبان فهم منهم بالفعل، وأما بنو تيم الله، فهم بنو تيم اللات بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل، وهم أيضاً ليسو من بني شيبان، وأما بنو عابس، فهو تصحيف، وإنما هم بنو عايش بن مالك بن تيم الله بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل، وهذا التصحيف في هذا الاسم قديم، وقد وقع فيه أكثر النسابين مثل السمعاني في كتابه الأنساب، وصححه له ابن الأثير في اللباب، وهو موافق لما ذكره الكلبي في جمهرة النسب الصفحة 521، وأما بنو ثعل فلم أجد فيما لدي من مصادر أنهم من بين شيبان أو حتى من ربيعة، ولعلهم بنو ثعل بن عمرو من قبيلة طيّ.

[39] انظر:

أحمد بن محمد بن خالد البرقي: المحاسن؛ تحقيق جلال الدين الحسيني (طهران: دار الكتب الإسلامية بدون تاريخ) ج1: 147.

ابن عبد البر: الإنباه على قبائل الرواة؛ تحقيق إبراهيم الأبياري (بيروت: دار الكتاب العربي 1985م) الصفحة 110.

وفي تاريخ الطبري ورد أنّ الإمام علي “ع” قال عندما سمع بخروج عبد القيس لاستقباله على الطريق أثناء توجهه للبصرة: عبد القيس خير ربيعة، وفي كلّ ربيعة خير (تاريخ الأمم والملوك؛ ج3: 496).

[40] محمد بن سليمان الكوفي: مناقب أمير المؤمنين (ع)؛ تحقيق محمد باقر المحمودي (قم: مجمع إحياء الثقافة الإسلامية 1412هـ) ج 2: 85.

[41] هو سيف أو سفيان بن مصعب العبدي أحد شعراء عبد القيس المكثرين في مدح آل البيت عليهم السلام، وانظر في ترجمته معجم رجال الحديث للسيد الخوئي.

[42] محمد بن الحسن الطوسي: اختيار معرفة الرجال؛ تحقيق السيد مهدي الرجائي (قم: مؤسسة أهل البيت “ع” 1404هـ) ج2: 704.

[43] ابن قتيبة: الإمامة والسياسة؛ تحقيق طه محمد الزيني ( القاهرة: مؤسسة الحلبي وشركاه 1967م) ج2: 17.

[44] المسعودي: مروج الذهب؛ ج2: 126.

[45] إسماعيل بن كثير الدمشقي: البداية والنهاية؛ تحقي علي شيري (بيروت: دار إحياء التراث العربي 1988م) ج2: 291.

[46] انظر

■مقاتل بن سليمان الكوفي: تفسير مقاتل بن سليمان؛ تحقيق أحمد فريد (بيروت: دار الكتب العلمية 2003م) ج3: 83.

■ محمد بن منصور بن أحمد بن إدريس الحلي: السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي؛ تحقيق لجنة تحقيق (قم: مؤسسة النشر الإسلامي 1410هـ) ج1: 418.

■ابن الجوزي: زاد المسير في علم التفسير؛ تحقيق محمد عبد الرحمن عبد الله (بيروت: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع 1987م) ج6: 266.

[47] أبو بكر أحمد بن علي = الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد؛ تحقيق مصطفى عبد القادر عطا (بيروت: دار الكتب العلمية 1997م) ج1: 176.

[48] الطوسي: اختيار معرفة الرجال ج2: 570.

[49] أحمد بن عبيد الله بن عياش الجوهري: مقتضب الأثر في النص على الأئمة الاثني عشر (قم: المطبعة العلمية دت) الصفحة 36.

وهو يرويه عن هشام بن محمد الكلبي عن أبيه عن الشرقي بن القطامي عن تميم بن وعلة المري عن الجارود، وعنه رواه صاحب كنز الفوائد أبو الفتح الكراجكي المتوفى عام 449هـ / الصفحة 256، وعن هذا الأخير رواه صاحب مناقب آل أبي طالب ابن شهر آشوب المازندراني ج1: 246، وذكره علي بن يوسف الحلي في كتابه العدد القوية الصفحة 87، والخبر ذكره ابن كثير في البداية والنهاية في باب وفد عبد القيس باستثناء ذكر الأئمة الإثني عشر والتوسل بهم، وكذلك هو في كتاب عيون الأثر لابن سيد الناس ج1: 96.

[50] روى ذلك أحمد بن حنبل في مسنده بعدة طرق، ومسلم في صحيحه، وأبو داؤد في سننه، والحاكم في مستدركه على الصحيحين.

[51] كذا وردت اثنا عشر، وحقها أن تكون اثني عشر.

[52] ابن كثير: البداية والنهاية ج6: 178 وما بعدها (بيروت: دار الفكر) وج6: 28 و 199 (بيروت: دار إحياء التراث).

[53] الفضل بن الحسن الطبرسي: إعلام الورى بأعلام الهُدى (قم: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث 1417هـ) ج1: 58.

[54] وذلك في قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ) (الصف:6).

وقوله تعالى: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (لأعراف:157).

[55] انظر قصة سلمان مع هذا الراهب في كتاب سير أعلام النبلاء للذهبي ج1: 528، وقد ذكر ابن حجر في تهذيب التهذيب ج4: 121 أنّ سلمان التقى بوصيّ عيسى عليه السلام.

[56] كان اليوم الثامن عشر من ذي الحجة من السنة العاشرة للهجرة، ونحيل القارىء للوقوف على كل ما يتعلق بهذا اليوم إلى كتاب الغدير للشيخ عبد الحسين الأميني، فهو أفضل مصدر كتب عنه على الإطلاق.

[57] يقع غدير خم إلى الشرق من ذي الجحفة بـ 8 كيلومترات بين خطي الطول 20ََ 14َ 39ْ و 30ََ 17َ 39ْ شرقاً ودائرتي العرض 00ََ 44َ 22ْ و 00ََ 45َ 22ْ شمالاً0 انظر رسمه في معجم معالم الحجاز لعاتق بن غيث البلادي الحربي.

[58] انظر

■الحاكم النيسابوري: المستدرك على الصحيحين (بيروت: دار المعرفة دت) ج3: 107.

■ابن عساكر: تاريخ مدينة دمشق ج42: 418.

[59] الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد ج8: 284، ورواه أيضاً ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق ج42: 233.

[60] را. عبد الرحمن أحمد البكري: من حياة الخليفة عمر بن الخطاب الصفحة 193، ورواه سبط ابن الجوزي في الباب الثالث من كتاب خواص الأئمة نقلاً عن كتاب سر العالمين للغزالي، وفي سير أعلام النبلاء للذهبي ج91: 328 جاء فيه قول مؤلفه في ترجمة الغزالي: ولابي المظفر يوسف سبط ابن الجوزي في كتاب ” رياض الافهام ” في مناقب أهل البيت قال: ذكر أبو حامد في كتابه “سر العالمين وكشف ما في الدارين ” فقال في حديث: “من كنت مولاه، فعلي مولاه”إن عمر قال لعلي: بخٍ بخٍ، أصبحت مولى كل مؤمن ومؤمنة. قال أبو حامد: وهذا تسليم ورضى، ثم بعد هذا غلب عليه الهوى حبا للرياسة، وعقد البنود، وأمر الخلافة ونهيها، فحملهم على الخلاف، فنبذوه وراء ظهورهم، واشتروا به ثمنا قليلا، فبئس ما يشترون”، وسرد كثيرا من هذا الكلام الفَسْل الذي تزعمه الإمامية، وما أدري ما عذره في هذا؟ والظاهر أنه رجع عنه، وتبع الحق، فإنّ الرَّجل من بحور العلم، والله أعلم.

وكتاب سرّ العالمين نشرته مكتبة الجندي بمصر بتحقيق الاستاذ الشيخ محمد مصطفى أبوالعلا.

[61] عبد الحسين الأميني: الغدير في الكتاب والسنة والأدب (بيروت: دار الكتاب العربي 1977م) ج6: 188.

[62] علي بن إبراهيم بن أحمد الحلبي: إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون المعروف بالسيرة الحلبية (بيروت: دار المعرفة دت) ج3: 337.

[63] سوف يمرُّ بنا عند ذكر سيد عبد القيس زيد بن صوحان أنّه سمع حديث الغدير من أمّ سلمة زوج الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم-، وأنّ زيداً نصر الإمام في معركة الجمل لأنه سمع هذا الحديث فيه.

[64] جاء في الطبقات الكبرى لابن سعد ج4: 360 أنّ رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- طلب من أبان حين ولاه البحرين خلفاً للعلاء بن الحضرمي أنْ يستوصي بعبد القيس خيراً وأنْ يكرم سراتهم.

[65] محمد سعيد المسلم: ساحل الذهب الأسود (بيروت: دار مكتبة الحياة 1962م) الصفحة 95 من الطبعة الثالثة، وكانت تولية الرسول لأبان البحرين بعد عزله للعلاء بن الحضرمي عنها سنة 9 للهجرة كما في ترجمته في سير أعلام النبلاء للذهبي، وكان ذلك قبل حجة الوداع وخطبة غدير خم.

[66] أبو القاسم الخوئي الموسوي: معجم رجال الحديث 1992م؛ ج1: 141.

[67] كان قس بن ساعدة من قبيلة إياد، وهم سكان البحرين قبل إخراج عبد القيس لهم عنها، وقد اشتهر قُسّ بأنه خطيب نجران، وقد ظنّ البعض أنّ نجران هذه هي نجران اليمن في جنوب الجزيرة العربية، ولكن الشيخ حمد الجاسر في كتابه معجم المنطقة الشرقية شكك في ذلك، ولمح إلى أنّها قد تكون بلداً آخر يُعرف بنجران ذكره البلدانيون على أنّه من نواحي هجر، وأنا أميل إلى هذا الرأي لأنّ إياد هم سكان البحرين القدماء قبل عبد القيس، ثم إنّ سؤال النبي لعبد القيس وبكر بن وائل، وقوله للأخيرين أنّ قسّاً حليفٌ لهم كما في البداية والنهاية في الفصل الذي عقده لترجمة قس نفسه كل ذلك يدلّ على أنّه كان من سكان البحرين لأنّ عبد القيس وبعض بطون بكر بن وائل كانوا هم سكان البحرين وقت سؤال النبي لهم عن قس.

[68] لا يوجد في الصحابة من اسمه حذيفة بن ثابت، وإنما هو حذيفة بن اليمان صاحب سرّ رسول الله، والذي يعدّه الشيعة من رجالهم الأوائل.

[69] وهو شقيق أبان المتقدم.

[70] محمد كردغلي: خطط الشام (بيروت: دار العلم للملايين 1983م) ج6: 245.

[71] الشيخ المفيد الاختصاص؛ تحقيق علي أكبر الغفاري (قم دت) الصفحة السادسة منه.

[72] الحاج حسين الشاكري: الأعلام من الصحابة والتابعين؛ (قم 1418هـ) ج4: 59.

[73] أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر اليعقوبي: تاريخ اليعقوبي (بيروت: دار صادر دت) ج2: 171.

[74] محمد بن علي بن الحسين القمي = الشيخ الصدوق: الأمالي (قم 1417هـ) الصفحة 107.

[75] انظره بتحقيق محمد علي البجاوي (بيروت: دار المعرفة دت) ج4: 198 في ترجمة مهلهل العبدي.

[76] جاء في غريب الحديث لابن قتيبة (بيروت: دار الكتب العلمية 1988م) ج2: 43 أنّ حذيفة بن اليمان ذكر خروج عائشة لمحاربة أمير المؤمنين علي – عليه السلام – فقال: تقاتل معها مضرٌ مضّرها الله في النار، وأزد عمان سَلَّت الله أقدامها، وإنّ قيساً لن تنفك تبغي دين الله شرّاً حتى يركبها الله بالملائكة، ولا يمنعوا ذنب تلعة. وهذا الكلام منه قبل خروج عائشة ووقعة الجمل لأنّ أغلب المؤرخين يروون أنّ حذيفة مات بعد تولّي الإمام علي للخلافة بخمس عشرة ليلة كما في شرح النهج ج2: 188، وروى عبد الرزاق الصنعاني حديث حذيفة في المصنف ج11: 53، والزمخشري في الفائق ج3: 246.

[77] ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة ج20: 284.

[78] الحاكم النيسابوري: المستدرك على الصحيحين ج3: 598.

[79] الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد ج1: 181.

[80] انظر: الحاكم: المستدرك ج3: 130، والنووي: فيض القدير في شرح الجامع الصغير ج6: 43.

[81] ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة ج6: 43.

[82] أبو نعيم الأصفهاني: تاريخ أصفهان الصفحة 28، والطبراني: المعجم الكبير ج3: 47.

[83] الطبراني: المعجم الكبير ج6: 265، وابن عساكر: تاريخ مدينة دمشق ج42: 40.

[84] الطبري: تاريخ الأمم والملوك ج4: 429 – 430 طبعة مؤسسة الأعلمي.

[85] الترمذي: سنن الترمذي ج3: 52.

[86] الترمذي: سنن الترمذي ج3: 52..

[87] الحاكم: المستدرك على الصحيحين ج3: 38.

[88] المسعودي: مروج الذهب ج2: 394.

[89] أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين ج3: 391، وقال: هذا حديث صحيح عال ولم يخرجاه.

[90] ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة ج19: 60.

[91] سليم بن قيس: كتاب سليم بن قيس؛ تحقيق محمد باقر الأنصاري الصفحة 79 (نقلاً عن مكتبة أهل البيت “ع” cd).

[92] ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة ج1: 24.

[93] لما قتل الإمام علي عمرو بن عبد ود يوم الخندق؛ قالت بعض نساء قومه ترثيه:

لو كان قاتل عمروٍ غير قاتله بكيته ما أقام الروح في جسدي

لكنّ قاتله من لا يُعاب به وكان يُدعى قديماً بيضة البلد

انظر لسان العرب مادة (بيض)، وهو باختلاف يسير في شرح النهج لابن أبي الحديد ج1: 20، ونسبهما لأخت عمرو.

[94] الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد ج11: 323.

[95] ابن كثير: البداية والنهاية ج9: 77 (بيروت: دار إحياء التراث العربي)، وابن عساكر: تاريخ مدينة دمشق ج37: 135.

[96] علي بن أبي بكر الهيثمي: مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (بيروت: دار الكتب العلمية 1988م) ج8: 43.

[97] اليعقوبي: تاريخ ج2: 171.

[98] الحاكم النيسابوري: المستدرك على الصحيحين ج4: 480، وفي رواية أخرى منه عن أبي ذرّ أيضاً قال: إذا بلغت بنو أمية بدلاً من بني أبي العاص. انظر الصفحة 479 منه.

[99] وقد التفت إلى ذلك أحد ولاة عثمان، وهو سعيد بن العاص الأموي، فقد ذكر الطبري في تاريخه أنّ عثمان عندما رأى هيجان الناس عليه بعث إلى ولاته على الأمصار فاجتمع بهم في المدينة، وطلب منهم المشورة، فكان أنْ قال له سعيد بن العاص: أحسم عنك الداء، واقطع عنك الذي تخاف، إن لكل قوم قادة متى يهلكوا يتفرقوا ولا يجتمع لهم أمر، فقال عثمان: إن هذا لهو الرأي لو لا ما فيه.

انظر شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج 2: 135، وواضح أنّ سعيد بن العاص كان يقصد هؤلاء النفر من الصحابة الذين نتحدث عنهم، وهو ما يؤيده قول عثمان له أنّ الذي قاله هو الرأي لولا ما فيه، فعثمان كان يعرف هؤلاء الصحابة، ولكنه لم يكن ليستطيع قتلهم لأنّهم أجلّ أصحاب الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- ولأنّ قائدهم الأعلى هو الإمام علي عليه السلام.

[100] أخرجه الحاكم في المستدرك أيضاً ج4: 48، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه.

[101] روى له الحاكم في الموضع نفسه من المستدرك الحديث نفسه الذي رواه أبو ذر الغفاري عن آل أبي العاص.

[102] المسعودي: مروج الذهب ج2: 348.

[103] الأميني: الغدير ج9: 3 وما بعدها.

[104] الأميني: الغدير ج9: 6.

[105] ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة ج2: 134، وهو يرويه عن الطبري في تاريخه، وفيه أنّ والي حمص عبد الرحمن بن خالد بن الوليد كان أكثر تهديده لصعصعة من بين الجماعة المطرودين معه بما فيهم أخوه زيد، وهو يدلّ على أنّ صعصعة كان أكثر الناس انتقاداً لعثمان وأشدهم عليه وعلى ولاته، وقد كانت لصعصعة مواقف قوية مع معاوية بن أبي سفيان والي الشام لعثمان أيام خلافته وقبل تولي الإمام علي للخلافة، ومن أراد الاطلاع عليها فليراجع شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج2: 132، وما بعدها.

[106] كان حكيم بن جبلة من أشد الثائرين على عثمان، والموالين للإمام علي – عليه السلام – وقصّة محاربته للزبير وطلحة وعائشة أكبر دليل على ذلك، وسوف يمر بنا الحديث عنها.

[107] أحمد بن عياش الجوهري: مقتضب الأثر الصفحة 36.

[108] البكري: معجم ما استعجم (ج3: 1084)، ولا زال يوجد في القطيف قرية من قراها القديمة تسمى الجارودية، وقد وردت بهذا الاسم في دفاتر الطابو العثمانية العائدة للعام 959هـ، وأرجح الظن أنها منسوبة إلى الجارود هذا أو لأولاده المتحدرين منه، والذين عُرفوا في القرنين الإسلاميين الأولين بآل الجارود في المصادر الإسلامية نظراً للشهرة الكبيرة التي كانت لجدهم الصحابي الجليل الجارود بن عمرو بن المعلى الجذمي العبدي.

[109] ابن كثير: البداية والنهاية ج 2: 291.

[110] الطبري: تاريخ الأمم والملوك ج5: 5.

[111] ابن عساكر: تاريخ مدينة دمشق ج30: 342.

[112] ذكر هذه الحادثة أكثر من مؤرخ ومحدث، ومنهم ابن سعد: الطبقات الكبرى ج5: 560.

[113] الإمام يحيى بن الحسين الزيدي: الأحكام في الحلال والحرام (1990م) ج 2: 266.

[114] ابن شبة النميري: تاريخ المدينة ج 3: 846.

[115] كان يقال: دَرَّة عمر أهيب من سيف الحجاج. انظر ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة ج1: 181.

[116] ج11: 286.

[117] كثيراً ما كان الخليفة عمر يحيل من يسأله عن المسائل الفقهية الصعبة التي يعجز عنها، أو لا يعرف لها حلاّ إلى الإمام علي، وكان ذلك مما لفت انتباه السائلين إلى عظمة علم الإمام علي – عليه السلام – والمكانة السامقة التي يتسنمها في العلوم الإسلامية، وكما أحال الخليفة عمر إلى الإمام علي في هذه القضية التي يخاصم فيها سيد عبد القيس الجارود صهر عمر قدامة بن مظعون والذي أوّل فيها هذه الآية الكريمة، فقد حصل وأحال إليه سيّداً آخر من سادات عبد القيس سأله عن ميقات إحرامه للعمرة فلم يحر جواباً، ففي كتاب غريب الحديث لابن قتيبة الصفحة 168

ذكر عن أبي عبيد أنّ أذينة بن سلمة الشنّي العبديّ قال لعمر أنه حَجَّ من رأس هر أو خارَكَ وسأله من أين يعتمر؟، فلم يحر جواباً، وطلب من أذينة أنْ يأتي عليا – عليه السلام – فأتاه وسأله، فأخبره أنْ يحرم من حيث ابتدأ.

كما ذكر الشيخ الطوسي في أماليه:[117]

عن رقبة بن مصقلة بن عبدالله بن خوتعة بن صبرة العبدي، عن أبيه، عن جده عبد الله بن خوتعة، قال: قدمنا وفد عبد القيس في إمارة عمر بن الخطاب، فسأله رجلان منا عن طلاق الامة، فقام معهما قال: انطلقا، فجاء إلى حلقة فيها رجل أصلع، فقال: يا أصلع، ما طلاق الامة ؟ قال: فأشار له باصبعيه هكذا – يعني اثنتين – قال: فالتفت عمر إلى الرجلين فقال: طلاقها اثنتان. فقال له أحدهما: سبحان الله، جئناك وأنت أمير المؤمنين فسألناك، فجئت إلى رجل فوالله ما كلمك ! فقال له عمر: ويلك أتدري من هذا ؟ هذا علي بن أبي طالب-عليه السلام- سمعت النبي-صلى الله عليه وآله- يقول: لو أن السماوات والارض وضعتا في كفة، ووضع إيمان علي في كفة، لرجح إيمان علي.

وقد ذكر ذلك ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق (ج24: 340)، وإنّ مثل هذه الإحالات من الخليفة عمر إلى الإمام علي كان لها دورٌ كبير في ميلان الناس إليه وإعجابهم به، ومن ثم تشيعهم له فيما بعد، ومنهم أفراد قبيلة عبد القيس كما نرى في هذه الأخبار المدونة هنا.

[118] البلاذري: أنساب الأشراف الصفحة 163 / طبعة مؤسسة الأعلمي – بيروت، وذلك أنّ الإمام قد ولّى المنذر على إصطخر فبلغه أنه يبسط يده في المال، ويعطي من أتاه، فكتب له ذلك الكتاب، وهو في نهج البلاغة أيضاً انظر شرحه لابن أبي الحديد ج18: 54.

[119] ابن عساكر: تاريخ مدينة دمشق ج27: 238، وفيه: أنّ عمر قال: لو أدركت أعيمش عبد القيس – يعني الجارود – لسلمتها إليه – يعني الخلافة، وفي تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة عن عمر، وذكر الجارود، فقال: لو كان أعيمش بني عبد القيس حيّاً لقدمته. وليس بشيء ما قاله ابن قتيبة في تأويله أنّ الخليفة عمر يعني بذلك تقديمه للصلاة أثناء مشاورة الستّة من الصحابة الذين اختارهم للخلافة بعده؛ لأنّ الحديث قد روي بصورة أخرى فيها التصريح أنّ المعني بذلك الخلافة كما في تاريخ دمشق.

[120] هذه رواية ابن سعد في الطبقات الكبرى ج5: 407، أما الذهبي فذهب إلى أنه توفي عام 21 للهجرة كما في تاريخ الإسلام ج2: 44.

[121] ابن الأثير: أسد الغابة ج2: 40، وأبو هلال العسكري: الأوائل القسم الأول/ الصفحة 288.

[122] الخوئي: معجم رجال الحديث ج7: 194.

[123] ابن سعد: الطبقات الكبرى ج3: 71، وخليفة بن خياط: تاريخ خليفة بن خياط الصفحة 124، وابن عساكر: تاريخ مدينة دمشق ج39: 36.

[124] ابن شبة النميري: تاريخ المدينة ج3: 1132.

[125] نصر بن مزاحم المنقري: وقعة صفّين / الصفحة 65.

[126] البلاذري: أنساب الأشراف الصفحة 207 من طبعة مؤسسة الأعلمي.

[127] ابن الأثير: أسد الغابة ج2: 40.

[128] ابن ماكولا: الإكمال ج7: 237، وذكر ذلك أيضاً ابن حجر في الإصابة في ترجمته، والزبيدي في تاج العروس ج8: 305، ولم يذكر هؤلاء المحدثون الوجهة التي قدم منها عمرو بن المرجوم، وإن كنا نرجح أنّه قد قدم عليه من البحرين، وأنّ الذي معه كانوا من عبد قيس البحرين.

[129] انظر ديوانه، وكذلك شافية ابن الحاجب ج4: 211.

[130] شافية ابن الحاجب المصدر نفسه.

[131] لم يكن هناك خلاف بين فرق الإسلام على بغي معاوية على الإمام أو على تخطئتهم لمعاوية في محاربته له في صفّين بعكس موقف هذه الفرق من عائشة وطلحة والزبير نظراً لمكانة هذه الشخصيات، وبالتالي فإنّ الذين حاربوا مع الإمام علي – عليه السلام – ببصيرة نافذة في يوم الجمل يعدّون من خُلَّص شيعته.

[132] نصر بن مزاحم: وقعة صفين / الصفحة 117، وهو في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج3: 187 نقلاً عن نصر.

[133] الشيخ الصدوق: الأمالي الصفحة 571.

[134] أحمد بن حنبل: مسند أحمد بن حنبل ج5: 444، وابن عساكر: تاريخ مدينة دمشق ج21: 395.

[135] الذهبي: كتاب من له رواية في كتب الستة ج2: 460، وابن عساكر: تاريخ مدينة دمشق ج67: 220.

[136] ابن سعد: الطبقات الكبرى ج6: 123، وابن عساكر: تاريخ مدينة دمشق ج11: 312، وابن حجر: الإصابة في معرفة الصحابة ج2: 533.

[137] ابن الأثير: أسد الغابة ج1: 305.

[138] ابن حجر: الإصابة ج2: 533، وفي كتاب الاختصاص للشيخ المفيد في الصفحة 79 ذكر رواية عن الإمام جعفر الصادق – عليه السلام – قال فيها: ” لما صُرع زيدُ بن صوحان يوم الجمل جاء أمير المؤمنين عليه السلام حتى جلس عند رأسه فقال: يرحمك الله يا زيد فقد كنت خفيف المؤونة عظيم المعونة؛ قال: فرفع زيد رأسه إليه ثم قال: وأنت فجزاك الله خيرا يا أمير المؤمنين ما علمتك إلا بالله عليما، وفى ام الكتاب علياً حكيما، وأنَّ الله في صدرك لعظيم، والله ما قاتلت معك على جهالة ولكني سمعت ام سلمة زوجة رسول الله صلى الله عليه وآله تقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: ” من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله “، وكرهت والله أن أخذلك فيخذلني الله.

وهذا الكلام من زيد يدلُّ على ما سبق وقلناه من أنّ عبد القيس إنما دخل التشيع في قلوبهم لعليّ – عليه السلام – منذ سماعهم لحديث الغدير سواءً أولئك الذين سمعوه مباشرة من الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- أو هؤلاء الذين سمعوه عن أحد أصحابه أو زوجاته مثل زيد بن صوحان، وأياً كان الأمر فإنّ سماع زيد لهذا الحديث من أمّ سلمة كان أقدم بكثير من وقعة الجمل التي حدثت عام 36 للهجرة، والصحيح أنّه سمع هذا الحديث منها في المدينة لأنّ أمّ سلمة لم تغادرها بعد وفاة الرسول حتى ماتت – رضوان الله عليها – وقد ذكر الرواة أنّ زيداً قدم المدينة أكثر من مرّة في زمن الخليفتين عمر وعثمان، ولكنه قدمها في زمن عثمان مخاصماً له ومتشيعاً للإمام علي هو ومن قدم معه، فيكون قد سمع هذا الحديث منها في أيام الخليفة عمر تقريباً.

[139] ابن حجر: فتح الباري ج5: 68، والسمعاني: الأنساب ج4: 139.

[140] ابن عساكر: تاريخ مدينة دمشق ج19: 437، وعنه نقلها ابن حجر في الإصابة ج2: 517، واستشهد بها على كون زيد صحابيّاً لا محالة، وكلا الاثنين ذكرا في الشعر أن يد زيد التي قُطعت هي اليمين، ولكن جاء في جامع البيان للطبري ج11: 6 أنّ أنّ أعرابياً قال لزيد إن حديثك ليعجبني وإن يدك لتريبني – ظنّ أنها مبتورة لحدّ -، فقال له زيد: وما يريبك من يدي إنها الشمال، وفي تاريخ دمشق لابن عساكر أنّ زيداً قال للأعرابي: أوما تراها الشمال، ويبدو أنّ هذا هو الصحيح.

[141] ابن عساكر: تاريخ مدينة دمشق ج19: 429 وما بعدها، ولعله ترك كنيته أبا عائشة وتكنى بأبي سلمان بعد أن صحب سلمان الفارسي ولزمه.

[142] الزمخشري: الفائق في غريب الحديث ج2: 353، وابن سلام: غريب الحديث ج4: 134.

[143] ابن أبي شيبة الكوفي: المصنَّف ج8: 718.

[144] ابن سعد: الطبقات الكبرى ج6: 123.

[145] ابن عساكر: تاريخ مدينة دمشق ج19: 439.

[146] ابن عساكر: المصدر السابق.

[147] ابن عساكر: المصدر السابق.

[148] ابن عساكر: تاريخ مدينة دمشق ج19: 441.

[149] تاريخ الطبري: تاريخ الأمم والملوك ج3: 386.

[150] ابن سعد: الطبقات الكبرى ج6: 124.

[151] نسبة إلى الجارود العبدي سيد عبد القيس الذي مرّ له موقفٌ مشابه في الثبات والجرأة في الحق أمام الخليفة عمر، ويبدو أنّ الجارود قد ورّث قومه عبد القيس ساداتٍ وأفراداً أنْ يكونوا جريئين وثابتين في الحقّ، وهو ما أصبح السِّمة المميزة لهذه القبيلة وأفرادها على مرّ العصور، وحتّى وقتنا الحاضر بحيث أنّ أحفاد هذه القبيلة في القطيف والأحساء وجزيرة أوال ظلّوا ثابتين على مبدأهم لا يتزحزحون عنه مهما كانت الظروف المحيطة بهم.

[152] الجاحظ: البيان والتبيين ج1: 66.

[153] الطبري: تاريخ الأمم والملوك ج3: 499.

[154] ابن سعد: الطبقات الكبرى ج6: 125.

[155] الطوسي: رجال الطوسي الصفحة 64.

[156] الطوسي: الأمالي الصفحة 236.

[157] ابن شبة النميري: تاريخ المدينة ج 3: 1063، وفسّره الزمخشري بقوله:

البجباج الذي يهمز الكلام، وليس لكلامه جهة، وروى الفجفاج وهو الصياح المكثار، وقيل المأفون المختال، والنفاخ الشديد الصلف. الفايق في غريب الحديث ج 1: 70.

[158] خليفة بن خياط: تاريخ خليفة الصفحة 127.

[159] الشيخ المفيد: الاختصاص الصفحة 121.

[160] المسعودي: مروج الذهب ج3: 48.

[161] الطبري: تاريخ الأمم والملوك ج4: 144.

[162] ابن حجر: الإصابة ج3: 373، وفيه أنّ المغيرة نفى صعصعة بأمر من معاوية إلى الجزيرة أو البحرين، وقيل إلى جزيرة بن كافان -كذا- فمات بها. والصحيح أنها جزيرة ابن كاوان، وهي جزيرة معروفة في الخليج الفارسي، وتعرف أيضاً بجزيرة لافت أما الآن فتدعى بجزيرة قشم، وتقع قرب مضيق هرمز، وكاوان الذي تنسب الجزيرة إليه هو أحد رجال عبد القيس، وهو كما في معجم البلدان للحموي رسم (كاوان): الحارث ابن امرئ القيس بن حجر بن عامر بن مالك بن زياد ابن عصر بن عوف بن عامر بن الحارث بن أنمار بن عمرو بن وديعة بن لكيز بن أفصى بن عبد القيس. ويبدو أنّ القول بأنّ صعصعة نُفي إلى البحرين هو الأصح، لأنه يوجد في جزيرة أوال إحدى قصبات البحرين القديم، وفي قرية منها تُعرف بعسكر قبرٌ قديم يتناقل أهالي القرية وعلماء الجزيرة وما حولها أنه لصعصعة بن صوحان. انظر أعلام الثقافة في البحرين للنويدري في ترجمة صعصعة منه.

[163] ابن داؤود الحلي: رجال ابن داؤود الصفحة 111.

[164] سوف تمرُّ بنا هذه الخطبة فيما يلي.

[165] للوقوف على صور من هذه المواقف لصعصعة ينظر تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر في ترجمة صعصعة.

[166] ابن عساكر: تاريخ مدينة دمشق ج42: 286.

[167] ابن عدي: الكامل في ضعفاء الرجال ج5: 78.

[168] محمد بن جرير الطبري (الشيعي): المسترشد في الإمامة الصفحة 475، والشيخ المفيد: الأمالي الصفحة 139، ويشير بقوله “ولاية علي” إلى قول الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- يوم غدير خم: “من كنت مولاه فهذا عليٌ مولاه”.

[169] العقيلي: ضعفاء العقيلي ج3: 313.

[170] ابن عدي: كتاب الكامل ج5: 77.

[171] تاريخ ابن عساكر ج42: 333.

[172] انظر تحفة الأحوذي للمباركفوري ج6: 68.

[173] الشابشتي: الديارات؛ الصفحة 136.

[174] باختصار عن شرح نهج البلاغة – ابن أبي الحديد – ج 2 – ص 290 – 291.

[175] الكشي: اختيار معرفة الرجال ج1: 323.

[176] الطبقات الكبرى ج7: 254، وعده من بني شنّ في حين أنّ غيره كابن قتيبة في المعارف (421) عده من موالي عبد القيس.

[177] انظر وسائل الشيعة للحرّ العاملي ج30: 386.

[178] معجم رجال الحديث للسيد أبي القاسم الخوئي ج1: 129.

[179] معجم رجال الحديث؛ المصدر السابق.

[180] ضعفاء العقيلي ج1: 38.

[181] انظر كتاب الأوائل لأبي هلال العسكري 1: 288، وشرح النهج لابن أبي الحديد ج18: 56.

[182] ج2: 378.

[183] كتاب الجمل للشيخ المفيد / الصفحة 158.

[184] انظر الإكمال ج7: 237، وذكر ذلك أيضاً ابن حجر في الإصابة في ترجمته.

[185] انظر تاريخ الطبري ج3: 535، وفيه: فقالت أمّ مسلم ترثيه، ثم ذكر الأبيات ولم يذكر كنيتها، وكذلك فعل المسعودي في مروج الذهب ج2: 370، ولكن ابن أبي الحديد ذكرها في النهج ج9: 112 بكنيتها أم ذريح العبدية.

[186] انظر كتاب الجمل للشيخ المفيد الصفحة 186.

[187] نهج البلاغة ج2: 379.

[188] انظر تاريخ الطبري المجلد السادس الصفحة 102 طبعة دار الفكر – بيروت.

[189] انظر الأمالي للشيخ المفيد الصفحة 290، وكنز العمال ج14: 592.

[190] انظر الصفحة 339.

[191] انظر المجلد الثاني الصفحة 787.

[192] انظر الصفحة 437 من الجزء الأول من الكتاب المذكور.

[193] انظر الصفحة 333.

[194] انظر الصفحة 102 من طبعة دار المسيرة – بيروت.

[195] أنساب الأشراف الصفحة 425/ طبعة مؤسسة الأعلمي – بيروت.

[196] انظر حوادث سنة 38هـ.

[197] انظر شرح النهج المجلد الرابع الصفحة 40.

[198] ج3: 130.

[199] لقد كان لثورة الإمام الحسين – عليه السلام – في كربلاء أكبر الأثر في ثورة الإمام الخميني التي انتصر فيها على شاه إيران عام 1979م، وقد كان الإمام الخميني يصرّح بذلك في كل خطبه وبياناته الثورية إلى انْ تمّ له النصر الساحق على الشاه؛ كما يروى عن الزعيم الهندي المعروف غاندي أنه قال: “تعلمت من الحسين كيف أكون مظلوماً فأنتصر”.

[200] انظر الحاشية رقم 1 من كتاب الإمامة والسياسة لابن قتيبة الصفحة 148 بتحقيق علي شيري.

[201] الجدد هي الأراضي الصلبة المستوية، والأخفاف للإبل.

[202] سورة يونس: 58.

[203] تاريخ الطبري ج4: 263.

[204] وهو أيضاً كلامُ الإمام الشافعي – رحمه الله – حيث ورد في شعر له أورده ابن البطريق في كتابه خصائص الوحي المبين، وهو قوله:

يا آل بيت رسول الله حبكمُ فرضٌ من الله في القرآن أنزله

كفاكم من عظيم الشأن أنكمُ من لم يصلِّ عليكم لا صلاة له

[205] انظر تاريخ الطبري أحداث العام 65 للهجرة.

[206] انظر كتاب الغارات ج2: 387، وهو في كتاب أنساب الأشراف للبلاذري الصفحة 425 من طبعة مؤسسة الأعلمي – بيروت.

[207] المصدر نفسه.

[208] انظر الأغاني ج14: 228 وما بعدها.

[209] انظر مقدمة شرح اللمعة ج1: 33، وينقله كاتبه عن كتاب تاريخ الكوفة للبرقي الصفحة 408.

[210] انظر مقاتل الطالبيين لأبي الفرج الأصفهاني الصفحة 104.

[211] انظر المصدر السابق؛ الصفحة 105.

[212] المصدر السابق؛ الصفحة 275.

[213] البخلاء للجاحظ ج2: 159.

[214] انظر جمهرة النسب للكلبي / الصفحة 584.

[215] انظر رجال النجاشي / الصفحة 218.

[216] انظر كتب الأمثال، فكلها ذكرت هذا المثل وقصته، وانظر أيضاً الفصل المعنون بـ (عبد القيس في الأمثال العربية) من كتابنا هذا.

[217] سوف يمرُّ بنا نصوص كل من ذكرنا حول ذلك فيما يلي.

[218] شرح النهج لابن أبي الحديد ج19: 106.

[219] البيان والتبيين / الصفحة 173، وشرح النهج لابن أبي الحديد ج3: 298.

[220] تقع قرية عسكر أو عسكر الشهداء على الساحل الشرقي لجزيرة أوال؛ إلى الجنوب من المنامة عاصمة البحرين بـ 18 كلم.

[221] ولا زال هذا الارتباط موجوداً حتى هذا اليوم، وما الحوزة العلمية في النجف الأشرف، والتي يرجع إليها بالتقليد في المسائل الدينية أغلبية سكان القطيف والأحساء والبحرين (الجزيرة) إلا من ذلك.

[222] انظر تاريخ القرامطة لسنان بن ثابت ضمن كتار الجامع في أخبار القرامطة لسهيل زكار ج1: 192، وهو في تاريخ ابن الأثير في أحداث سنة 286.

[223] في الأصل: وشنع، وهو تحريف لا شك، والصواب ما أثبتناه.

[224] تاريخ ابن خلدون ج4: 88.

[225] هو سوق وادي القرى وقصبتها. انظر معجم البلدان للحموي في رسمه.

[226] كذا وردت في النص، ولعلها شُراة غالية من الغلوّ، والشراة هم الخوارج.

[227] انظر كتاب أحسن التقاسيم للمقدسي الصفحات 32 – 33.

[228] وفيات الأعيان لابن خلكان؛ ج6: 127.

[229] وفيات الأعيان لابن خلكان؛ ج6: 127.

[230] السبئية نسبة إلى من أسماه المؤرخون عبد الله بن سبأ، وهو شخصية أسطورية مختلقة كما أثبت ذلك السيد مرتضى العسكري في كتابٍ ألفه حول هذه الشخصية، وهو جدير بالرجوع إليه لمعرفة ذلك، وعلى الرغم من ذلك فقد أبى المتعصبون ضد الشيعة – وياقوت منهم – إلا لصق هذه الشخصية بالشيعة أو لصق الشيعة بها، وهو أمرٌ فرضه كره بعض الكتاب لهم، ولم تفرضه الحقيقة.

[231] كان وصوله إلى الحجاز في رحلته هذه سنة 621هـ ثم بعد سنوات قصد البحرين.

[232] وكلامه هذا يوفق ما ذكره ابن ماجد في كتابه (الفوائد في أصول البحر والقواعد) حيث قال فيه: والجزيرة الثامنة، وهي البحرين المتقدم ذكرها، وتسمى أوال، وفيها ثلاثمئة وستون قرية.

[233] انظر صفة بلاد اليمن لابن المجاور نقلاً عن موقع الورّاق على الشبكة العالمية.

[234] انظر صفة بلاد اليمن لابن المجاور الشيباني / الصفحة 101 نقلاً عن موقع الورّاق على الشبكة العالمية.

[235] انظر عن نصّ ابن المجاور هذا معجم المنطقة الشرقية للشيخ حمد الجاسر رسم (أوال).

[236] كذا وردت، وأخشى أنها محرّفة عن البحراني.

[237] انظر كتاب الجامع في أخبار القرامطة لسهيل زكّار الصفحة 246.

[238] ابن عبد المنعم الحميري: الروض المعطار في خبر الأقطار؛ انظر رسم (أوال).

[239] انظر مختصر كتاب البلدان لابن الفقيه / طبعة دار صادر المصوَّرة عن طبعة ليدن بتحقيق دي خويه الصفحة 30.

[240] انظر قانون نامة لواء القطيف لعام 959هـ – 1556م / الصفحة 353.

[241] أودّ لفت نظر القارىء إلى أنه يوجد في إقليم البحرين قريتان قديمتان تدعى كلاهما باسم (الخارجية)؛ إحداهما تقع في جزيرة سترة المجاورة لجزيرة أوال (المنامة)، والأخرى تقع في جزيرة تاروت من جزر القطيف، وأقرب الظنّ أنّ هاتين القريتين سُمّيتا باسم بطن كبير من عبد القيس يعرفون ببني الخارجية الذين ذكرهم الآمدي في المؤتلف وأبو الفرج في الأغاني، في ترجمة شاعرهم زياد الأعجم العبدي، وذكرهم شارح ديوان ابن المقرَّب في أكثر من موضع من ديوانه المطبوع بتحقيق الكاتب وصاحبيه، بل ذكر العماد الأصفهاني في خريدة القصر في القسم الخاص بشعراء القطيف والأحساء (الصفحة 861) أديباً منهم من سكان جزيرة تاروت كان في منتصف القرن السادس الهجري، وأسماه أبا شكر عبد القيس بن علي بن عبد القيس بن مالك بن موسى بن محمد بن مالك الخارجي، المالكي؛ مما يدلّ على أنّ الموضع المسمى بالخارجية من جزيرة تاروت منسوب إليهم، كما يبدو أنّ اسم إحدى هاتين القريتين قد سمع بها راوي الخبر الذي ذكره ابن المجاور، فظنّ أنها سُميت بذلك على النسبة إلى الخارجية أحد مسميات الخوارج التي كان كتاب تلك الفترة يطلقونه عليهم، ويؤيد رأينا أنّ العوتبي ذكر في كتابه الأنساب أنّ قسماً من بني الخارجية الذين كانوا يسكنون عمان قد هاجروا منها إلى جزيرة أوال بقيادة زعيمهم معاوية بن يحيى الذي قاتل مجوساً في أوال، وأجلاهم عنها، وقسمها على بني عمّه بني الخارجية كما قال (انظر الأنساب للعوتبي ج1: 150)، فلعلّ هذه القرية التي بسترة من أوال قد سُمّيت في أول الأمر بقرية بني الخارجية ثم خففت إلى الخارجية إجمالاً، ولعلّ راوي خبر ابن المجاور قد وقع له اسم هذه القرية كما أوضحنا، فظنّ أنها سُميت بذلك لأنّ أهلها خوارج، فاستثناها من باقي قرى البحرين التي قال عنها أنها كلها إمامية، والواقع أنّ القرى الثلاثمائة والستين التي ذكرها كلها إمامية بدون استثناء بما فيها قرية الخارجية التي هي منسوبة إلى بطن من عبد القيس، وتشيع عبد القيس هو ما قد انتهينا من إثباته.

[242] هذا الباحث هو نايف بن عبد الله الشرعان، والكتاب من مطبوعات مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية.

[243] كذا وردت، ولعلها: ” لا يتقون “.

[244] لا زال المؤذنون في القطيف يؤذنون كما ذكر ابن بطوطة في رحلته باستثناء الجملة الأخيرة، وهي “محمد وعليٌّ خير البشر من خالفهما فقد كفر” فإننا لم نسمع ولم يسمع الآباء والأجداد بها.

[245] انظر المعجم الجغرافي للبلاد العربية السعودية / قسم المنطقة الشرقية للشيخ حمد الجاسر ج1: 206 رسم (البحرين).

[246] انظر: ج1: 257

[247] كذا وردت، ومن الواضح أنه يعني قبائل ربيعة، ولكنّ هذه القبائل دخلت في التشيع منذ وقت أقدم بكثير من الوقت الذي ذكره كما أثبتُ في أول هذا البحث.

[248] أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري: أنساب الأسر الحاكمة في الأحساء / القسم الأول الصفحة 205.

[249] أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري: أنساب الأسر الحاكمة في الأحساء / القسم الأول الصفحة 205.

المصدر مدونة مرايا التراث للاستاذ والصحفي وسام السبع