778787878 مقابلة مع سماحة الشيخ جمال خرفوش حول المشروع التوثيقي الشامل لقرية سماهيج التاريخية

في يوم الجمعة بتاريخ 20ش/6/2014م الموافق 21 شعبان 1435هـ، كان لنا لقاء مع الكاتب الاسلامي والباحث الديني والمحقق التاريخي سماحة الشيخ جمال خرفوش السماهيجي، حول كتابه التاريخي الضخم الموعود الذي عكف عليه طوال أربع سنوات لتوثيق قرية سماهيج العتيدة التي لها جذور تاريخية لا يسبرها إلا ذو حظ عظيم من العلم والتحقيق والتدقيق، فدار الحديث حول ماهية المشروع ومدى قدرته على إضافة جديد في تاريخ سماهيج الموثق سلفاً والعقبات التي واجهة سماحة الشيخ وأمور أخرى كثيرة نذكرها في جواب الأسئلة التالية…


نرجو من سماحتكم التفضل بإعطاء نبذة مختصرة وإطلالة عامة عن المشروع.. تفضلوا..

سماحة الشيخ جمال خرفوش:
بسم الله الرحمن الرحيم وصل اللهم على محمد آله الطيبين الطاهرين الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً واللعن الدائم الأبدي على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين وبعد.. يقوم مشروعنا الكبير والشامل على توثيق قرية سماهيج العامرة بمستوى لا تتم فيه الحاجة لما سبق من توثيقات، فيستطيع الباحث والمحقق أن يعتبر من كتابنا هذا مبدءاً له في البحث ومصدراً أساساً يغنيه عن تكبد عناء ومشقة البحث فيما بحثه الكتاب، وباختصار فإن كتابنا سيتكفل بتوثق تفاصيل تاريخ سماهيج بكل دقائقه إلى عام صدور الكتاب (2014م). ويقوم المشروع على خطتين: قصيرة المدى (صغيرة) تهدف إلى إصدار كتاب توثيقي ضخم شامل لتاريخ قرية سماهيج يكون جامعاً إلا أنه وبالرغم من كثرة خوضه في التفاصيل مجمل ومختصر، أما الخطة طويلة المدى (الكبيرة) فتهدف إلى إصدار (موسوعة سماهيج) والتي ستحتوي على عدة مجلدات ضخمة تكون بمثابة تفصيل ما ورد مجملاً في كتاب الخطة الصغيرة، ويكون مشروعاً مستمراً وتصدر مجلداته تباعاً واحداً بعد الآخر، ستكون فصول كتاب الخطة الصغيرة مجلدات منفردة في الخطة الكبيرة.

هل يتميز هذا الكتاب عن ما سبقه من كتب تحدثت عن تاريخ سماهيج؟ وهل تمت الاستفادة من تلك الكتب والمصادر؟

سماحة الشيخ جمال خرفوش:
في كل بحث تحقيقي إن لم يأت بجديد يميزه فلا داعي له، وبالطبع يتميز بحثنا عن كل الأبحاث بالعديد من المميزات منها: التحقيق وفق أسس علمية رصينة لا على أساس ثقافة تاريخية محدودة، فقد خرجنا بالكثير من النتائج التاريخية التي ستغير مجرى التاريخ وتعيد صياغته من جديد، فنحن لانرضخ سريعاً لكل حديث أو مصدر أو رأي، بل نشبعه تحقيقاً وتدقيقاً وتمحيصاً ومعالجة ثم نبدي رأينا فيه، وهي مسألة صعبة جداً وتحتاج إلى مزيد وقت. فالكتب التي كتبت عن سماهيج بشكل منفرد ككتاب خاص هما كتابان فقط (سماهيج في التاريخ) للمرحوم سلمان داود، وكتاب (سماهيج والمحرق.. سبب التسمية) لبشار الحادي، وهما كتابان قيمان جداً، فيما تناولت بعض المصادر سماهيج بشيء من التفصيل إلا أنها ليست كتب منفردة فيها، ولربما وجد كتاب أو بحث هنا أو هناك يتحدث عن سماهيج إلا أنه قد يعاب عليه نسقه الروائي لا التحقيقي الرصين فلا جدوى منه.

وماذا عن تقسيمات وفصول الكتاب؟

سماحة الشيخ جمال خرفوش:
ينقسم الكتاب إلى تسعة فصول ومحلق كبير، الفصل الأول بعنوان (سماهيج جغرافياً) والثاني (سماهيج تاريخياً) والثالث (المساجد) والرابع (المآتم) والخامس (الموكب الحسيني) والسادس (المؤسسات الحكومية) والسابع (المؤسسات الأهلية والرسمية) والثامن (مقبرة سماهيج التاريخية) والتاسع (تراجم وأعلام). ويعتبر الفصل التاسع والأخير أصعب وأضخم وأهم فصل في الكتاب لأنه سيؤرخ لأعلام القرية من خارج المصادر أي بواسطة الدراسة الحقلية الميدانية، وهكذا ملحق الكتاب الذي سيشتمل على الكثير من المنوعات المهمة واللطيفة غير الموثقة سلفاً.

بخصوص كتاب سماهيج في التاريخ.. ما هو رأيكم فيه؟

سماحة الشيخ جمال خرفوش:
كتاب مهم ونفيس ونعتز به وله ثقل كبير وقد كتبنا شيئاً عنه في ملحق الكتاب بعنوان: (نطرة في كتاب سماهيج في التاريخ)، إذ وضحنا السلبيات والايجابية فيه بشكل مفصل، فليراجع في محله عند صدور الكتاب.

كيف تعاملتم مع الكتب والمراجع التي ذكرت سماهيج؟

سماحة الشيخ جمال خرفوش:
أعتقد أن هذا السؤال من أهم الأسئلة وأشكرك عليه.. إن المنابع التي يستقي منها الباحث على نوعين: الأول عبارة عن كتب ومصادر ومراجع يرجع له ويستفاد مما فيها، وقد استفدنا كثيراً من العديد من المصادر والكتب والأبحاث إلا أننا لم نأخذ منها شيئاً مأخذ المسلم به، بل عرضناه على أصول التحقيق العلمية الرصين وكثيراً ما رفضنا عدداً من المصادر لاشتمالها على اللاموضوعية والعاطفية والحزبية والمحسوبية، فلم نأخذ منها إلا ما طاب وحسُن، وهنا ميزة هامة لكتابنا القيم حيث استبعدنا آراءً تاريخية معتمدة لدى كل المؤرخين وجميع من كتب عن سماهيج والبحرين، واستعنا بمصادر أخرى وجدناها أكثر موضوعية وعلمية، وبذلك أوجدنا مصادر أساسية جديدة جديرة بالاعتماد وقد أهملها الباحثون، كما وصلنا إلى نتائج تاريخية جديدة غيرت مسار الأحداث التي كانت معتمدة لدى الباحثين والمؤرخين. وأذكر على سبيل المثال كتاب (التحفة النبهانية) الذي لا يصلح للإرتكاز عليه في كل شيء، فينا بطلان ما ذهب إليه المصنف وبالتالي ما اعتمد عليه الباحثون. والنوع الآخر من المنابع هو الدراسات الحقلية والميدانية (FIELD WORK) التي تستنطق المعلومات التي لا نستطيع إيجادها من الكتب والمصادر والأبحاث، وهو عمل شاق مضن أخذنا من وقتنا وجهدنا الكثير إلا أنه عاد بالتميز لبحثنا حيث أن بعض فصول الكتاب تحتاج في كاملها أو جلها للدرسات الحقلية وسط غياب المصادر وتعذرها.

ذكرتم أن الفصل الثامن سيكون باسم مقبرة سماهيج التاريخية، فعن ماذا يتحث بالضبط؟ وهل لمقبرة سماهيج الأهلية أن تفرد كفصل خاص كامل من الكتاب؟

سماحة الشيخ جمال خرفوش:
تغطي مقبرة سماهيج جزءاً كبيراً من تاريخ قرية سماهيج ففيها حديثة واقعة (عبيد الصلاح) الرهيبة والمشهورة، وبالمناسبة هنا فإن ما حققناه في قضية عبيد الصلاح أمر يدعو للفخر حيث كتبنا بحثاً تحقيقياً لا يقل عن (40) صفحة فيما لم يكتب فيها من قبل أكثر من (5) صفحات فقط، وقد استعنا بالعديد من المصادر خصوصاً العمانية التي كانت غائبة في تلك التحقيقات، وسترون ما يسركم إن شاء الله بخصوص هذه الواقعة التي ترتبط بوقائع أخرى وأحداث لها علاقة بتاريخ قرى ودول أخرى، إذ صححنا مسار الكثير من الأحداث التي سيّرت بشكل خاطيء لسنوات طويلة تتعلق بالغزو العماني الأباضي للبحرين وبناء قلعة عراد وحكومة نادر شاه والدولتين اليعربية والصفوية والعام الذي حدثت فيه الواقعة والمكان والمقابر والزمان..الخ. كما سنتحدث في ذلك الفصل عن تاريخ المقبرة وجغرافيتها ونوعية تربتها وتقسيماتها ومرافقها كالمغتسل والمسجدين والقبورالتاريخية وصلاة الجنائز بشيء من التفصيلن ناهيك عن دور المقبرة الاجتماعي.

لقد شدني كثيراً الفصل التاسع الذي يختص بتراجم الأعلام، فهلا فصلتم فيه أكثر.

سماحة الشيخ جمال خرفوش:
نعم، يعتبر هذا الفصل أصعب الفصول على الإطلاق ويحتاج لجهد ووقت وتفرغ تام، وهو أحد أهم أسباب تأخر إصدار الكتاب وإنهاء المشروع، لأنه يحتاج في كله إلى المصادر من نوع (الدراسة الميدانية الحقلية) كونه خاص بتراجم أعلام وشخصيات القرية ممن مضوا ومن بقوا دون استثناء، وهؤلاء جميعاً لا ترجمة لهم إلا ما ندر وتكون ترجمة باهتة غير محققة. ولما تنعدم المصادر فإن الباحث يحتاج لدرجة عالية من التدقيق والتحقيق والحذر خصوصاً وأننا في بعض من الأحيان نترجم لشخصيات لمن نرها ولم يرها الموجودون ونعتمد على معلومات نستقيها من كبار السن الذين يختلفون عادة في النقل بسبب ضعف الذاكرة وقلة التركيز وأمور أخرة كثرة، وهنا يأتي دور المحقق الذي يستطيع أن يكتشف الحقيقة أو جزءاً منها عبر ضرب الآراء والأقوال بعضها ببعض وفرز كبارالسن (مصدر المعلومة) لمجموعات بحسب خبراتهم وقربهم وقوة ذاكرتهم وثبات أقوالهم وما إلى ذلك، فضلاً عن الإحاطة والإلمام بالعديد من الحيثيات اللازمة للتحقيق والتدقيق الصحيحين في مثل هذه المسائل. فمثلاً جميع كبار السن من النساء والرجال حينما تسألهم عن أعمارهم حين الزواج فإن كل رجل سكون جوابه (15) عاماً، وجواب كل امرأة (9) سنوات وهو أمر غير صحيح تارة وغير دقيق أخرى، فحساب الأعمار على وجه الدقة لم يكن من اهتمامات الناس فلا يكاد يتضح الفرق بين النساء اللاتي تتراواح أعمارهم بين (9-13) سنة وكذلك الحال في الرجال الذين تتراوح أعمارهم بين (15-18) سنة. وأهمية هذا الفصل تكمن في تحديد أعمار الشخصيات المترجمة بتحديد مواليدهم ولو على سبيل التقريب وهي من أعقد المسائل، كما يضمن هذا الفصل شرح حال المجتمع من حيث المستوى الثقافي والعلمي والعملي والديني، بالإضافة إلى الحصول على أسماء جديدة من ذوي الثقل في المجتمع ممن قد يضيق ذكرهم، فكل شخصية نترجم لها نذكر مستواها التعليمي وعند من تعلمت القرآن الكريم و عند من عملت وبمن ترتبط وإلى من تنتسب فتظهر في البين شخصيات أخرى عديدة، كما نستطيع أن نحصر أسماء أصحاب المهن والمهارات المختلفة كالمغسلين للأموات ومعلمي القرآن الكريم والحرفيين والبحار والنواخذة والتجار والعلماء من الجنسين.

جميل جداً، كم عدد الشخصيات المترجمة في الفصل وهل أغلبهم من الراحلين؟

سماحة الشيخ جمال خرفوش:
وصل عدد الشخصات المترجمة إلى حوالي (300) شخصية، وقد راعينا في البداية الترجمة للأموات ثم الأحياء الأكبر سناً ثم من يأتون بعدهم، ولم تقتصر الترجمة على كبار السن وإنما اشتملت على العديد من الشخصيات البارزة والمتميزة في مختلف المجالات حتى من الشباب والصغار، بل وفتحنا الباب على مصراعيه لمن أراد أن يترجم لنفسه أو لغيره لأن مقصودنا من هذا الفضل أكبر من ترجمة الماضي، فنحن نريد أن نترجم لأكبر عدد ممكن ومن جميع الفئات العمرية لأنه توثيق سيخدمنا بعد حين. وأسيطيع أن أقول وبكل اعتزاز أن الفصل التاسع نقلة نوعية جديدة غير مسبوقة في مجال التوثيق قد أحرزنا فيها قصب السبق ونرجو أن تحذو حذونا باقي المناطق، لأن كل شخصية تفقدها القرية تكون قد فقدت معها علماً وتاريخاً وتراثاً وتوثيقاً لن يعود أبداً، وكلما عجلنا في ذلك كان تحصيلنا أكبر، أما المجالات الأخرى كتاريخ المنطقة مما هو موجود في الصادر فإنه يكون أكثر تفصيلاً كلما مرة الزمن لظهور دراسات جديدة وتحليلات حديثة نظراً لوجود المصادر المحفوظة التي تزيد ولا تبيد في هذا الزمن الذي يهتم بالتوثيق.

هل واجهتم صعوبة في تجاوب الناس أثناء السعي للترجمة عبر المقابلات واللقاءات وغيرها، أم كانت سلسلة ومرنة؟

سماحة الشيخ جمال خرفوش:
من جهة استعداد الناس لذلك لم نلق صعوبة تذكر بل هنالك ترحيب واسع بالمشروع والفكرة، إلا أن المشكلة تكمن في ضعف ثقافة التوثيق لدى الكثيرين فلا يدركون ما نسعى إليه فيحصل التهاون والتأخير والاهمال، كما أن كثيراً من الناس لا يملكون معلومات عن آباهم وأمهاتهم ويحتاجون لسؤال آخرين كأعمامهم وأخوالهم وجيرانهم وما شابه فلا يتجشمون ذلك العناء، كما أن الكثير لا يجيدون صياغة الترجمة ويستثقلونها فنضطر لأخذها شفوياً مع أننا قد نوهنا بكفاية رؤوس الأقلام والعناوين العامة المختصرة، وذلك في الإعلانات التي نشرت في جميع وسائل التواصل الاجتماعي والمنابر الاعلامية، والتي احتوت على النقاط الأساسية المطلوبة بحيث تسهل الأمر على المعنيين. وهنا أنوه لمشكلة حقيقية ناتجة عن خلل في فهم الغرض من الترجمة وضعف ثقافة التوثيق، وتتمثل في اعتذار عدد عن ترجمة أنفسهم بداعي أنهم ليسوا من كبار السن أو ليسوا من ذوي الانجازات والسبق فلا يجدون داعياً للترجمة، وهي ثقافة خاطئة لا تدرك أصول التوثيق الحقيقة ولا المرمى البعيد منه، فلو فكروا للحظة واحدة أنهم بعد حين سيكونون  ضمن التراث والماضي وكبار السن لكان تعاطيهم أكثر مرونة.

وهل اشتملت الترجمة على الجانب النسائي أيضاً؟

سماحة الشيخ جمال خرفوش:
بالطبع ولا غنى لنا عن ذلك، بل إن سيرة الكثير من النساء فاقت في إنجازها وخيرها وعلمها وعملها سير الرجال، وهنالك بعض المهن والحرف والأدوار لا يمكن أن نقف عندها في المجتمع لولا ترجمة أولئك النسوة العظيمات كمهارات التوليد والطبخ والخياطة والتطريز وتغسيل الموتى وتعليم القرآن الكريم، فضلاً عن العديد من الجوانب المهمة والخصال الحميدة كالكرم والعلم والإبداع والعلاج الولاء وغير ذلك. وسيغطي الفصل نساء عظيمات بما تحمل الكلمة من معنى وثقل قل نظيرهن في المجتمعات، قدموا خدمات جليلة لم يقدمها عظماء الرجال والعلماء، ولم تقتصر ترجمة النساء على الراحلات وكبيرات السن بل اشتملت أيضاً على عدد من الشابات اللاتي هن أمل المجتمع.

أعتقد أن الترجمة للأعلام لم تكن بمستوى واحد تبعاً لظروف كثيرة، فبعضهم ينال قسطاً كبيراً من الترجمة بخلاف أخرين… أليس كذلك؟

سماحة الشيخ جمال خرفوش:
ما تفضلتم به أمر طبيعي، فهناك أمور عدة تحكم طول وقصر وإجمال وتفصيل السيرة الذاتية والترجمة، منها ثقافة التوثيق التي هي غائبة عن الكثير من العوائل وبالتي لا نستطيع أن نتحصل منهم ما يكفي للتوثيق الكامل عن بعض شخصيات عائلتهم بل وأحياناً نوثق لشخصيات من أناس خارج إطار العائلة، بخلاف بعض العوائل والشخصيات التي تجدها مهتمة بالتوثيق لدرجة أن بعضهم كانت الترجمة له ولأبيه وأمه جاهزة قبل أن نطلبها بل وقبل الشروع في المشروع. فمن الطبيعي جداً أن تكون ترجمة العوائل والشخصيات التي تهتم بالتوثيق أكثر تفصيلاً وخوضاً في الدقائق، فيما تقتصر ترجمات غيرهم على البنود الأساسية وبنطاق ضيق. وهنالك أمر مهم آخر يتعلق بمدى قرب وبعد الشخصية من الكاتب إذ من الطبيعي أن تكون ترجمة الدي وجدي وخالي وعمي وأخي من الترجمات المطولة والمفصلة نظراً للقرب من الشخص وبالتالي الاطلاع على كل الدقائق والتفاصيل، وأيضاً فإن الشخصية المرموقة والمعروفة بإعمالها وإنجازاتها التي تتداولها الناس جيلاً بعد جيل لابد وأن تكون ترجمتها مفصلة قياساً ببعض المغمورين. وكذلك تعتمد المسألة على مدى تجاوب ذوي الشأن فبعضهم يهتم بتوفير كل المعلومات ولو شفهياً، وآخرون يكونون أبخل ما يكون وكأنها أسرار دولة!! وفي هذا السياق يجب أن أنوه إلى أن عدداً قليلاً جداً يعدون على الأصابع قد رفضوا الاستجابة للطلب لا لشيء سوى أنهم لا يريدون نجاح هذا المشروع!! فبعضهم رفض بشكل صريح وآخر اعتذر من غير أن يبدي أسبابه مع أن التسهيل والمرونة من طرفنا كانا واضحين، معتقدين أن المشروع متوقف عليهم وغير واعين أنهم سيساهمون في عقوق أرحامهم الذين لن يذكروا في الكتاب بسببهم.

ألا تخشون من وصف بعضهم لكم بالتحيز والانتقائية في اختيار الشخصيات المترجمة لكونها لم تستوعب الجميع؟

سماحة الشيخ جمال خرفوش:
أطمئنك حبيبي بأن هذا المحذور غير واقع حتى ولو تعمد البعض إيقاعه، لأننا لم نترك الحجة لأحد حيث أعلنا عن ذلك الفصل والهدف منه على ثلاث فترات متباعدة مفسحين المجال للجميع بالمشاركة، وللعلم فإن هذا هو أحد أسباب تأخر الكتاب، فضلاً عن ملا يقل عن (400) دعوة قد أرسلت بشكل رسمي وعن طريق الواتساب، وبالتالي لا حجة إلا على من لم يقدم شيئاً. ومع أن كثيراً ممن طلبنا منهم ولم يوافونا بشيء لم نكن نعتمد عليهم في التوثيق بل كنا نريد مشاركتهم فقط،  فنحن أقدر على التوثيق للكثيرين من أهلهم وذويهم بحكم خبرتنا وتجربتنا ومصادرنا، وقد أضفنا الكثير من التفاصيل على الترجمات التي وصلتنا جاهزة ولم نقف مكتوفي الأيدي أمام بعض المعلومات الخاطئة أو غير الدقيقة، ثم أننا لن ننتظر موافقة أحد على نشر ترجمة أحد لأنها عملية توثيقية طبيعية وليس من حق أحد حكرها لنفسه، فليس فيها خصوصيات تستحق الاستئذان.

مثل هذا الجهد الجبار يحتاج لطاقم عمل كامل أليس كذلك؟

سماحة الشيخ جمال خرفوش:
بلا أدنى شك، فهنالك فريق عمل متكامل تم تدريبه على أساسيات ومهارات وأصول إجراء المقابلات وقام بعمله على أكمل وجه، إلا أن العبء الأكبر كان على عاتق رئيس فريق العمل وهو حسين عبدالله خليل الفرج الذي يعود له الكثير من الفضل في التواصل مع المعنيين حيث تواصل مع ما يزيد على (500) شخص سواء بخصوص السيرة الذاتية أو الاجابة على سؤال معين مفيد أو الحصول على الصور والوثائق المهمة المطلوبة، فكان بمثابة الجندي المجهول العظيم الذي يؤدي دوره بكل اقتدار وسرعة وإتقان فلم ينافسه أحد في هذا الأمر، وساعده في ذلك معرفته بالناس ومعرفتهم به وسرعة وصوله إليهم، وهي ميزة قلما تنوجد عند أحد فشكراً جزيلاً له.

ما مدى فائدة الكتاب لدى غير السماهيجيين؟

سماحة الشيخ جمال خرفوش:
بالرغم من اختصاص الكتاب بتوثيق قرية سماهيج إلا أن طبيعة التوثيق تفرض الارتباط الوثيق بكل من وما يخص سماهيج، فالكتاب بحكم علاقته بتاريخ البحرين بشكل عام سيقدم تحقيقات جديدة تخص تاريخ هذا البلد وتغيرالعديد من المفاهيم والحقائق التاريخية والجغرافية المعتمدة منذ زمن، وبحكم علاقة سماهيج بالقرى المحيطة سيشتمل الكتاب على أجزاء مهمة جداً من تاريخ قرى الدير وقلالي وعراد على وجه التحديد لم تذكر من قبل وتطرق لها الكتاب لأول مرة في تاريخها. ثم أن عملية الفرز والتصنيف التي اعتمدها الكتاب بخصوص المصادر والمراجع المعتمدة لتاريخ البحرين سيكون لها أثر بالغ في فهم جديد لتاريخ هذا البلد وبالتالي تاريخ قراه ومدنه الأمر الذي يهم الجميع، وقد ذكرت في الكتاب جملة من الشخصيات والأماكن والآثار التي ترتبط بالقرية وهي خارجها.

هنالك مسألة مهمة تخص سماهيج لطالما تحدث عنها الباحثون والمهتمون والمؤرخون، وهي مسألة النطاق الجغرافي القديم للمسمى وكذلك الأصل في التسمية، فهل لديكم جديد في هذا الإطار؟

سماحة الشيخ جمال خرفوش:
بكل تأكيد، وقد أثبتنا نتائج مذهلة ستغير وجه تاريخ هذه القرية العظيمة، فمن جهة الحدود الجغرافية قد أثبتنا بما لا شك فيه أن سماهيج لم تكن طلق فقط على جزيرة المحرق بل على أرخبيل البحرين فكانت جزيرة أوال والمحرق وتوابعهما تسمى (سماهيج)، وهي مفاجأة من العيار الثقيلة سيطلقها الكتاب بإثباتاتها المتينة المدعمة بالخرائط والمصادر الاستدلالات. وأما بخصوص أصل التسمية فقد قررنا أنها فارسية الأصل بلا شك وفقاً للكثير من الاستنادات ستجدونها متينة ومتعددة في الكتاب.

وبخصوص الدين المسيحية وعلاقته بسماهيج ما هو جديدكم؟

سماحة الشيخ جمال خرفوش:
انتظروا المفاجآت في هذا الصدد فقد كانت لنا وقفات جديدة حول النسطورية وعلاقتها بسماهيج والمنطقة، وهنا كان لنا كلام مفصل عن قرية الدير الحبيبة وسبب التسمية إذ غيرنا الكثير من المفاهيم الخاطئة والمعتمدة، وبينا العلاقة بين المذهب النسطوري المسيحي والدين الاسلامي بما يلقي بظلاله على فهم صحيح للكثير من المسائل الخاصة بالتسميات والحوادث والعقائد.

هل تعتقدون أن ما أثبتموه في الكتاب أمر ثابت لا تنازل عنه ولا خطأ فيه ولا اشتباه؟

سماحة الشيخ جمال خرفوش:
ليس في الكون قرآن نازل لا يعتريه نقص سوى كتاب الله المعروف، فكل عمل لابد وأنه مفتقر للكمال، فالكلام ليس في الكمال وإنما في ما هو الأكمل والأكثر دقة، ونحن نعتبر ما وصلنا إليه من نتائج جديدة مغايرة لما وصل إليه الجميع هو الصحيح لأنه مسنود بالأدلة يالمقنعة، ما لم يثبت أحد فساد ما قررناه أو يظهر مصدر جديد أو تحليل جديد يدفعنا للنظر فيما قررنا. وأما بخصوص ما أثبتناه مما يتعلق بالمعلومات الحقلية والميدانية فإنه أكثر الموارد عرضة للتغيير كون الدراسة الحقلية لا يمكن أن تختزل في فئة معينة أو بقعة محددة، فمن المحتمل أن تأتي معلومة جديدة ممن هم خارج الفئات المعنية والبقعة المقصودة، كما أن هنالك الكثير من المعلومات التي ذكرناها بحسب ما وصلنا إليه باجتهادنا، إلا أن تصدي أحد المقربين من المعلومة ربما يغير الوضع، فمثلاً لو قلنا بأن فلاناً من الناس هو أول من حصل على كذا، فربما يأتي شخص ويثبت السبق لآخر ويأتينا بالدليل، وهنا الميدان واسع للتغيير بحسب المقاييس والمعايير الصحيحة.

فيما يتعلق بالفصل الخامس المعنيّ بالموكب الحسيني، هل يا ترى تعمقتم في جذور تاريخ هذه الشعيرة في القرية؟ وهل توافرت لديكم معلومات بهذا الخصوص؟

سماحة الشيخ جمال خرفوش:
لقد توفرت لدينا الكثير من المعلومات المهمة بهذا الصدد عن طريق عدة مصادر، أهمها ما أجريناه من دراسة ميدانية حقلية من خلال المقابلات الخاصة بالمعنيين وكبار السن والأسئلة الشفهية العابرة لبعض الدقائق المهمه، وكانت الدراسة الحقلية إما بشكل فردي أو جماعي حيث نجمع عدداً من المعنيين ممن أبدوا استعداداً لذلك. وهنالك مصدر آخر مهم جداً هو ما توافرت من معلومات قيمة وكثيرة في الفصل التاسع المختص بتراجم الأعلام حيث ترجمنا للكثير من الشخصيات التي لها علاقة بالموكب الحسيني كالرواديد والشعراء ومؤسسي المواكب النوعية مثل ذا الجناح والزنجيل وعدد من الشخصيات التي كان لها تأثير على الموكب. وإنصافاً، فإن هذا الفصل يعتبر كنزاً من المعلومات القيمة التي سطرت سيرة الموكب الحسيني منذ أن تأسس في القرية والمراحل التي مر بها والانقسامات التي حصلت وتعددت بها المواكب، والشخصيات التي كانت تقود المواكب إلى أن تصل للصورة التي هي عليها الآن (2014م). وقد غطى الفصل الخامس ما يتعلق بموكب الأشبال الذي بدأ مع نهاية الخمسينات ومطلع الستينات، وكذلك التشابيه والتمثيليات التي كانت لها جذور عميقة، فضلاً عن الجمعية الحسينية التي تأسست حديثاً ومسائل أخرى عديدة.

لم أجد بين فصول الكتاب فصلاً مستقلاً يتناول مؤسسات التطوع كلجان التدريس والاحتفالات والفرق المختلفة والتجمعات التي تهتم بالعمل الاسلامي ككل، فهل تم إغفال هذه النقطة؟

سماحة الشيخ جمال خرفوش:
كلامك صحيح إجمالاً، فنحن لم نخصص لذلك فصلاً في الكتاب مرجئين ذلك للمشروع الكبير (موسوعة سماهيج)، لسببين رئيسين:  الأول توثيق الكثير من الأحداث الهامة والمؤسسات والتجمعات بذلك الخصوص وذلك في بعض الفصول كالفصل الخامس الذي تعرضنا فيه لكل مؤسسات الموكب والتي هي غير رسمية، وأيضاً الفصل السابع الذي تعرضنا فيه للجنة التدريس في خضم الكلام عن نشوء جمعية مركز سماهيج الاسلامي. والسبب الثاني هو أن الخوض في مثل هذه المسائل يحتاج لوقت أطول ولجمع معلومات أكبر، وذلك للفترة ما قبل التسعينات لأن ما بعدها وإلى الآن نحن مهيمنون على التاريخ والتوثيق فيها، علماً بأننا قد قطعنا شوطاً كبيراً في هذا المضمار إلا أننا وجدنا أن السعي لإنهاء الملف سيؤخر المشروع كثيراً، فآثرنا إرجاءه للمشروع الكبير الذي سسيتناول الشاردة والواردة بحول منه ومنّة.

أعتقد أن استعراض المسائل المهمة في المشروع تحتاج لوقت أطول، ولذلك سأكتفي بسؤال أخير ولربما يكون لنا لقاء آخر معكم قبل صدور الكتاب، والسؤال هو: كيف ستعلنون عن صدور الكتاب وكيف سينشر؟

سماحة الشيخ جمال خرفوش:
مثل هذا الكتاب جدير بأن ينشر بطريقة راقية كي يعطى حقه من التقدير، وبالفعل فإن جمعية مركز سماهيج الاسلامي مهتمة جداً بهذا المشروع، وبعد الطباعة سيتم التجهيز لحفل تدشين الكتاب والذي ستدعى فيه الشخصيات المهتمة وذات العلاقة من جميع أنحاء البحرين الحبيبة، فضلاً عن الدعوة العامة لأهالي قريتي سماهيج والدير وقلالي على أقل تقدير، وهنالك فكرة بأن يتم توزيع الكتاب مجاناً كهدية لكل من يحضر الحفل كما سيتم إهداء الباحثين والمهتمين والمكتبات نسخاً منهن كما نحن في صدد إنهاء فيلم وثائقي قيم عن قرية سماهيج يتناول الكثير مما ورد في الكتاب، سيكون إحدى فقرات ذلك الحفل.
شكراً لسماحتكم على سعة صدركم وطيب أخلاقكم وجودة عرضكم ومتانة ردودكم وفقكم الله لكل خير.