علماء مقابا و مصنفاتهممقدمة كتاب علماء مقابا ومصنفاتهم / تأليف : محمد جواد الدمستاني

الحمد لله رب العالمين، و الصلاة والسلام علي أشرف الأنبياء و المرسلين محمد و آله الطاهرين.

مقابا قرية من قري جزيرة البحرين و هي إحدي بقع البحرين التي کانت تزخر بالعلم و العلماء يوماً ما، و تخرج من هذه القرية الصغيرة عشرات العلماء، و وصل بعضهم الي مراتب عليا في الدراسات الاسلامية و فروعها، کما شهد بذلک کبار علماء الشيعة کالعلامة

المجلسي صاحب موسوعة البحار و الشيخ يوسف البحراني صاحب موسوعة الحدائق في الفقه و المولي الخراساني صاحب الکفاية و الذخيرة، في العلامة الشيخ أحمد بن محمد بن يوسف المقابي و علمه.

و يتبين أن مقابا إحدي مراکز العلم في البحرين في فترة زمنية خلت أزهرها القرن الثاني عشر الهجري، و کأنّها تشکل مدرسة علمية معتدٍبها. و لكن الظروف القاسية التي مرت علي جزيرة البحرين قد نسفت کثيراً من تراثها و عاداتها و هدوئها، و أثر ذلک سلباً علي العلم و العلماء في البحرين و علي هذه المنطقة الصغيرة، حتي جاء عهد قد خلت فيه مقابا من أي دور علمي و لم يوجد فيها حتي عالم واحد، و قد شاهدت ذلک بنفسي عندماکنت صغيراً. و بعد إنتصار الثورة الاسلامية في إيران و إنتشار الوعي و الفکر الاسلامي في مختلف أرجاء العالم أخذت مقابا نصيبها التوعوي، و حمل بعض أبنائها المخلصين عب التدريس و التثقيف و العمل الاسلامي رغم الصعوبات التي کانتتواجههم ، و اتجه بعض من أبنائها لدراسة العلوم الاسلامية بالحوزات العلمية في داخل و خارج البلد في قم المقدسة و النجف الأشرف.

و لقد حاولنا الحصول علي المقابيين العلماء – مولداً أو نشأةً أو سکناً أو أصلاً- الذين ضبطهم التراث و التأريخ بما کتبه عنهم، و تقيدنا بأسماءهم و ألقابهم التي وجدناها في الکتب المخطوطة و المطبوعة، عسي أن تکون هذه الأوراق نوع تکريم لهم، و إشارة إلي عراقة البحرين و ماضيها العلمي الزاهر في زمن کانت المنطقة حولها تعيش الظلامات و الجهل، فبينما کان أبناء البحرين يمارسون الفقاهة و يشارکون في صنع الحضارةکان کثير ممن حولهم يجهلون القراءة و الکتابة و يعيشون البداوة. و يا للأسف من إختفاء هؤلاء الصالحين النجباء و آثارهم العلمية في وسائل الأعلام المختلفة في هذا العصر و استبدالها ببدائل أخري.

و قد اشتهرت مقابا برجال آخرين منهم الطبيب الحاذق الحاج محمد بن علي بن الشيخ حسين المقابي ثمّ البلادي، الذي ينقل عنه مهارته في تشخيص المرض و معرفة الأدوية و کيفية المعالجة، و کان مؤمناً تقياً و خيّراً صالحاً، يعالج مجّاناً و يباشر في تحضير الأدوية بالعقاقير و الجواهر بنفسه، و يتبرع بأثمانها للمعوزين، و قال عنه الشيخ إبراهيم المبارک في حاضر البحرين أنّه أنقذ الکثير من العباد و جاهد في سبيل ربّه حقّ الجهاد، و قد توفي سنة 1351 هـ.

و قد لا حظت و أنا أبحث عن علماء مقابا إسمين يبدو أنّهما کانا من المهتمين بالشأن الاسلامي أحدهما: الحاج مکي ابن الحاج عبد الله المقابي البحراني و کان قد سأل مسائل فأجاب عليها السيد کاظم الرشتي و سمّاها مسائل الحاج مکي بن عبدالله المقابي البحراني.

و الثاني: علي بن عبدالله المقابي البحراني الذي ذکر إسمه علي أول ورقة من کتاب مختصر المقال في معرفة الرجال حيث کتب تملک علي بن عبدالله المقابي بتأريخ 1250 هـ.

و قبل أن نشرع في التراجم نوضّح هذه النقاط المتعلقة بمقابا و علمائها و التي سوف يتکرر ذکرها عند إستعراض التراجم:

 

الاولي: مقبرة مقابا

و تقع في الشمال الغربي من القرية، و بها قبور عدد من العلماء کالعلامة الشيخ محمد يوسف المقابي، و الشيخ محمد بن سليمان المقابي، و الشيخ عبد النبي بن محمد المقابي و غيرهم، کما يحتمل أنّ المقبرة تحوي عدد من الأعلام لم تذکرهم کتب التراث الذي أهمل کثيراً في تدوينه، و أخبرني شيخ من مقابا «بأن الأعلام کانت تعلو بعض قبور العلماء في المقبرة، و کانت تمثل مزارات يزورها المؤمنون من مناطق البحرين.

و کانت بالمقبرة قبة (أو مجموعة من القبب) کما سيأتي في بعض التراجم و هي تحوي مجموعة من العلماء مثل الشيخ عبد النبي و أخيه الشيخ زين الدين مع أبيهما الشيخ محمد بن سليمان في قبة واحدة، والقبة هي الشکل الهندسي المعروف الذي يعلو وسط المساجد و الأضرحة و المشاهد الشريفة، و الأقوي أن يراد بالقبة الغرفة أو الضريح الذي يحوي عدّة من الأعلام أو الأشخاص و يتوسطها الشکل الهندسي المعروف فيسمي الکل باسم الجزء.

و من المحتمل أن القبة تعمل للعائلة الواحدة أو مجموعة من العلماء أو الصلحاء و هي شبه ضريح تکريماً لهم و تمييزاً لهم عن غيرهم کما في إيران و العراق، حيث يدفن أفراد بعض العائلات في غرفة واحدة في مقبرة واحدة رغم التباعد الزماني و المکاني بينهم ، مما يسهّل على أقاربهم من العثور على قبورهم و زيارتها و قراءة الفاتحة.

ولکن القبب قد أندثرت الآن بل و أصحابها قد نسوا إلا في کتب التراث و الرجال و الاجازات الخاصة، فخلال زياراتي العديدة إلي مقبرة مقابا لم أجد لهؤلاء الأعلام أو للقبب أثراً، بل لم أجد في المقبره قبوراً مميّزة تدل علي أنّ من دفن بها صاحب علم أو فضل سوي قبر قد ارتفع عن بقية القبور قليلاً و كأنّه يفتخر و هو قبر الشهيد علي أحمد سعيد الذي استشهد سنة 1956م في المظاهرات التي خرجت ضد الاحتلال البريطاني في البحرين، و لا أدري إن کان هذا القبر مميزاً حتى هذا الزمن أم لا عن بقية القبور أم لا، فعهدي بالبحرين بعيد.

 

الثانية: الهجرة

يتضح من تراجم و حياة کثير من علماء البحرين و علماء مقابا قيام عدد منهم ليس بالقليل بالهجرة من بلدهم الي مناطق اخري کما سيأتيک في تراجم مجموعة من العلماء فالسيد عبد القاهر بن السيد کاظم المقابي خرج من البحرين (الجزيرة) الي منطقة القطيف (شرق الجزيرة العربية) و سکن بها ثمّ الي مسقط (عاصمة عمان) ثمّ لنجة (منطقة ساحلية في جنوب إيران) و بها توفي ، و الشيخ عبدالله بن حسن ولد في مقابا بالبحرين و نشأبها و تعلم ثمّ هاجر الي شيراز (في ايران) و درس الفقه و الکلام ثمّ إلي البهبهان (منطقة في إيران) و صار علماً فيها ، و هكذا تغيير بلد السكن إلى غيرها داخل جزر البحرين.

فالتنقل و السفر لأجل تحصيل العلم کان رائجاً في القرون الماضية وخاصة في إيران، و في بعض الأزمنة حيث تعصف بالمنطقة ظروف و حروب شديدة تجعل من الصعوبة الاستقرار بها، و من أسباب الهجرة تلک هجوم العمانيين و قبائل البدو المتکرر علي جزر البحرين، و لم تکن الهجرة تعيقهم عن آمالهم فقد استمرّوا بالدرس و التدريس و التأليف، و شارکوا في احياء العلوم و المعارف الاسلامية، مع إشتياقهم لبلدهم الأصل و أرضهم التي نشؤوا فيها، و قد جاء في شعر أحد العلماء المهاجرين غير المقابيين الي شيراز هذا المعني:

 

ما أصبحت شيراز و هي حبيبة          عندي بأبهج من أوال جنابا

ما کنت بالمبتاع دارة سروهــا           يومــاً بفاران و لا بمـقـابا

 

و فاران إحدي مناطق البحرين التي اندثرت و من قراها القرية و الجنبية و مقابا هي هذه القرية التي نتحدث عنها.

و منهم من استوطن في شرق الجزيرة العربية حيث تسكن الاحساء عائلة المقابي الذي انتقلت إليها في القرن الثاني عشر الهجري ، منهم الشيخ إبراهيم بن أحمد بن إبراهيم بن علي المقابي و ابناه.

و منهم من سكن القطيف كما يظهر من لقب الخطيب الراحل الملا منصور بن أحمد المقابي (1358هـ – 1434هـ).

 

الثالثة: المصنفات

يلاحظ لعلماء البحرين و منهم علماء مقابا کثرة الکتب التي يصنّفونها و تطرقهم فيها إلى مواضيع شتي في مختلف فروع المجالات الاسلامية و خاصة الأحکام، فالشيخ عبدالله بن الشيخ حسن المقابي کتب عشرة مصنفات بين کتاب و رسالة و يحتمل أکثر من ذلک، و الشيخ محمد بن علي بن عبد النبي المقابي أحصيت له تسعة مصنفات و يحتمل أکثر من تسعة أيضاً ، و لکن غالب المصنفات و الکتب قد اندثرت و فقدت و لم يبق منها إلا القليل ککتاب «شرح الوسائل» للشيخ محمد بن علي کما سيأتيک تفصيل حوله في ترجمته، و هو لازال مخطوطاً و قد أخبرني أحد المشائخ في قم بأنه يقوم بتحقيقه لطبعه و نشره.

و قام بعض العلماء رحمهم الله بنسخ کتب آخرين و عادة ما تکون کتب أساتذتهم، فالشيخ علي بن عبدالله بن راشد استنسخ کتب استاذه السيد هاشم البحراني، و الشيخ عبد الرزاق بن محمد بن سعيد استنسخ بعض کتب الشيخ سليمان الماحوزي إضافة الي قيامه بالتأليف ، و يحتمل أن يراد ببعض النّسخ تقرير دروس الأستاذ و وضعها علي هيئة کتاب.

و قد ذکر في التراجم التي بين يديک أکثر من تسعين أثراً علمياً بين کتاب و رسالة و نسخ لاثنين و عشرين عالماً من علماء مقابا من أصل أربعين عالماً و طالبا غير الذي فقدت واختفي أثرها، فالهجرة و السفر و التنقل و الظروف القاسية و عدم وجود من يهتم بهذه الآثار العلمية و يحفظها سبب ضياع کثير من الکتب التي لا تعوض، و نحن هنا نضع کل ما وجدناه حول الکتب و الأشخاص الذين يحتفظون بها لعلّها تفيد الباحثين و المحققين ، و بعضها موجود عند ورثة و أحفاد حافظي النّسخ، و المکتبات الخاصة في البحرين و المکتاب العامة في ايران.

محمد جواد