20150307_130352جبانة أبي عنبرة في البلاد القديم هي أعرق مقابر البحرين الإسلامية على الإطلاق ومن أوسعها مساحة، وهي مازالت تكشف لنا في كل فترة عن أسرارها وتزيح الستار عن خبايا نفائسها.

ولقد تم مؤخراً الكشف عن ساجة تُعَدّ من أهم الساجات التي دفنت تحتها شخصية بارزة من شخصيات البحرين الكبرى، وهو ابن المقلَّد .

20150301_111601(0)

بداية الكشف عن الساجة

 

[ضريح ابن المقلَّد الوائلي القطيفي] الكشف الأخير الهام كان ساجة قد نقش على جهتها الجنوبية هذه العبارة:

((هذا ضريح المبرور المرحوم الكامل الشيخ عبد الله بن ناصر بن حسين بن مقلَّد)).

20150307_130043

الجهة المحاذية للرأس

[من هو ابن المقلَّد ؟]

الكثير من البحارنة وغيرهم لا يعرفون من يكون ابن المقلَّد هذا !!
يقول الغنوي أستاذ الشاعر الفحل أبي البحر الخطي (ت1028هج) وجامع ديوانه : ((واتفق خروج أعيان القطيف منها لأمر ، وسكنوا البحرين للسنة التاسعة والتسعين والتسعمائة ، وبقوا مدة توفي فيها شيخهم الأكبر أبو علي عبد الله بن ناصر بن حسين بن المقلَّد من بني وائل للسنة الحادية بعد الألف ، ودفن بمقبرة الشيخ راشد في جبانة أبي عنبرة ))(ديوان أبي البحر الخطي:  268/1).

لقد أكد الكشف الأخير عن الساجة صحة ما قاله الغنوي معاصر ابن المقلَّد ، فالساجة قد اُكتشفت رابضةً في وسط مقبرة الشيخ راشد من جبانة أبي عنبرة.
ابن المقلَّد شيخ بني بكر بن وائل في القطيف بل شيخ القطيف الأكبر كما يشير إلى ذلك وصف الغنوي له بأنه الشيخ الأكبر لأعيان القطيف.

القطيف التي سقطت بيد الاحتلال العثماني التركي في سنة (942هج/1534م أو  950هج/1543م أو  958هج/1551م) ، قد مارس فيها الأتراك على أهلها القطيفيين الظلم بأصنافه ولا سيما في معاشهم واقتصادهم مما فرضوه من جبايات وأتاوات  ، فواجه الأتراك أكثر من انتفاضة قطيفية عليهم ، ولكن يبدو أن أكبر ثورة عليهم من أهالي القطيف كانت التي بقيادة ابن المقلَّد وبالتنسيق مع سعدون بن حميد شيخ بني خالد الذي قاد الثورة على الأتراك في الأحساء وذلك  في عام (999هج/1591م) ، وقد تمكّن فيها ابن حميد من دحر الأتراك عن الأحساء ، ولكن ابن المقلَّد لم يستطع دحرهم من القطيف حيث هاجموا القطيف بحشود من جنودهم التي جمعوها من بغداد والبصرة وشهر زور وغيرها ، فقمعوا بها ثورة ابن المقلَّد الذي على إثر هذا فرّ أو نفاه الأتراك مع أعيان القطيف إلى البحرين.

 

  
    20150307_130352

صورة الساجة وسط الضريح بعد التنقيب حيث كانت مندرسة تحت الارض

 

لم يعش ابن المقلَّد في البحرين طويلاً ،  ولعل ذلك جراء ما ذاقه من مرارة الهزيمة والانكسار أمام الأتراك ، فمات في البحرين بغصته وموطنه محتل من الغرباء ، ولم تبلغ مدة وجوده في البحرين ثلاث سنوات حيث وافاه الأجل في سنة (1001هج/حدود 1593م) فرثاه أبو البحر الذي كان من رفقائه بقصيدته الغراء التي أولها:

 

أكفُّ   البَرَايَا   مِنْ   تُرَاثِهِمُ صُفْرُ    وبِيْضُ  المَنَايا من  دِمَائِهُمُ حُمْرُ

وخيلُ  الرَزَايَا ماتزالُ  مُعدَّةً          تقاتلُنَا فُرْسانُها ولها  النَّصْرُ

 

إلى أن يقول فيها:

 

خليليَّ  من  أبناءِ  بكرِ   بنِ وائلٍ   قِفَا  وانْدُبَا  شَيْخاً  بهِ  فُجِعتْ بَكْرُ

وبدراً  تراءَى للنواظرِ فاهتدتْ    بِهِ  بُرْهةً  ثم   اختفَى   ذَلِكَ   البَدْرُ

 

ويقول فيها:

 

فَيَا أيُّها  الثَّاوي  الذي  اتخَذَ الثَّرَى    مُقَاماً فَهَلاّ  كَانَ  صَدْري  لَكَ    القبرُ

وهَلاَّ  استخارَ  الغَاسِلونَ  مَدَامعي    لجسْمِكَ غُسْلاً ثم  شِيبَ  به    السِّدْرُ

 

حتى قال:

أُوالُ  سُقِيتِ  صَوْبَ كلِّ مجلجلٍ    من المُزْنِ هَامٍ لا يجِفُّ له قَطْرُ

كأنَّكِ  مغناطيْسُ كلِّ  مُهَذَّبٍ        فما كاملٌ إلاّ وفيكِ له قَبْرُ

لِيُهْنِكِ   فَخراً أنْ ظَفِرتِ بتربةٍ     يُعفَّرُ خَدٌّ دُونَ إدْرَاكِها الغَفْرُ

ثوَى بِكِ من آلِ المُقَلَّدِ  سَيّدٌ    هو الذَهَبُ الإبرِيزُ والعَالَمُ الصُّفْرُ

فَتًى كَرُمتْ  آبَاؤُهُ  وجُدُودُهُ       وطَابَتْ مَسَاعيهِ فتمَّ   لهُ الفخرُ

 

ويقول الغنوي في (ديوان أبي البحر الخطي: 274/1) إنه طُلب من أبي البحر إنشاءُ أبياتٍ تُكتب على حَجَر قبر ابن المقلَّد ، فقال الأبيات الآتية في السنة الرابعة بعد الألف للهجرة:

 

يا قبرُ إنَّكَ  لوعَلِمْتَ  بِمَنْ ثَوَى     فِيكَ استطلتَ على القُصُورِ فَخَارَا
وارَيتَ عَبدَاللّهِ فاسمُ فإنَّما           واريتَ يعرُبَ سُؤْدداً ونِزَارَا
إن أظلمتْ سُدُفُ المقابرِ فاستنرْ     منْ بينِها فلقد حَوَيْتَ نَهَارَا
فَسقَاكَ نائِلُهُ  فلسْنا بَعْدَهُ             يا قبرُ نستسقي لَكَ الأَمْطَارَا

 

إذن هذه الأبيات أنشأها أبو البحر بعد ثلاث سنوات من وفاة ابن المقلَّد لتُكتب على ساجة قبره ، ولكنها لم تُكتب فعلاً على الساجة ، وفي العادة تُكتب أبيات المدح لصاحب الضريح على وجه الساجة ، وعلى وجه ساجة ابن المقلَّد لا نجد أثراً لتلكم الأبيات ، والمنقوش على وجهها سورة القدر وأسماء الأربعة عشر المعصومين ، والساجة خالية من نقش هذه الأبيات في كل جهاتها ، فالظاهر أنه حصل أمرٌ عاق دون نقش أبيات أبي البحر على ساجة ضريح  ابن المقلد .

غير أن الجدير بالذكر هنا أنَّ طَلَبَ إنشاء أبيات من أبي البحر لتُتقش على ساجة ضريح ابن المقلَّد بعد ثلاث سنوات من وفاته ، دليل على أن ساجة ضريح ابن المقلَّد قد نقشت ووضعت على الضريح بعد ثلاث سنوات من وفاته (أي في سنة 1004هج) وأن عمر هذه الساجة بلغ حالياً اثنتين وثلاثين وأربعمائة سنة .لعل الذين طلبوا من أبي البحر أن يُنشئ أبياتاً لتُنقش على ساجته هم أبناؤه الذين أشار لهم أبو البحر في أواخر مرثيته بقوله:

 

بَنِيهِ  اصْبِرُوا  فالصبرُ أَجملُ حُلَّةٍ    تردَّى  بها  مَنْ  مَسَّ  جَانِبَهُ الضُّرُّ

فلولا انقضا الأَعْوَامِ ما فَنِي الدَّهرُ    ولولا  فَنَا  الأيامِ ما نَفَدَ الشهر

ودونَكُمُ من لُجَّةِ الفِكْرِ دُرَّةً           مُنظَّمةً يعنُو   لها النظمُ والنثرُ

وعَذْرَاءَ من حُرِّ الكلامِ خريدةً      بأمثالِها في الشِّعْرِ  يفتَخِرُ الشِّعْرُ

وَمَا مَهْرُهَا إلاَّ قَبُولُكُمُ لها        لقد كَرُمَتْ مَمْهُورَةً وغَلا المَهْرُ

 

فابن المقلَّد كما تثبت لنا هذه الأبيات قد خلّف أولاداً ، ولكن لا نعلم عنهم شيئاً ، هل كانت لهم مكانتهم كما كانت لأبيهم ؟ ، هل بقوا في البحرين أو عادوا للقطيف ؟ .هذا ، وأبو البحر يؤكد قاسماً بأن ابن المقلَّد لو لم يداهمه الموت لأقام الحرب على الأتراك تحريراً للقطيف من براثن احتلالهم لها:

 

فأُقسمُ  لولا مَوْتُهُ في فِرَاشِهِ      لجُرِّدَتِ البِيضُ المُهنَّدَةُ البُتْرُ

وأُرعِشَتِ المُلْدُ المثقّفةُ السُّمرُ    وأقبلتِ الخَيْلُ المُسَوَّمَةُ الشُّقْرُ

عليهنَّ من آلِ المُقَلَّدِ غِلْمَةٌ      مَسَاعِيرُ حَرْبٍ لا يضيعُ لها وِتْرُ

تُثَقِّفُ مُنآدَ الرماحِ أكُفُّهُمْ        وتمنحُها طُوْلاً إذا شانَها قِصْرُ

كأنَّهُمُ والسابغاتُ عليهِمُ       إذَا ما دجَى ليلُ الوغَى أنجمٌ زُهرُ

 

ولكن أبا بحر كانت له نبوأته، هي نبوأة ملفتة للاهتمام بها، لقد تنبأ في مرثيته لابن المقلَّد بأن الشر والانكسار للقطيف بدأ بموت ابن المقلَّد وأنه سيلازم القطيف حتى يوم الحشر :

 

ويا بَلَدَ الخَطِّ اعْتَرَاكِ لفقدِهِ      مدَى الدهرِ كَسْرٌ لا يُرَامُ  لهُ جَبْرُ

مِنَ الآنَ بَدْءُ الشَّرِّ فيكِ وإنَّهُ      لمُتَّصِلٌ بَاقٍ وآخِرُهُ الحَشْرُ

 

لقد صدقت نبوأة أبي البحر في حقّ موطنه القطيف وأهلها ، فمنذ ذلك اليوم وإلى وقتتا لم تقم لهم قائمة ولم ترفع لهم راية، وندعو الله تعالى أن لا تصدق نبوأة أبي البحر ، فلا يستمر الانكسار بأهل القطيف إلى يوم الحشر. رحم الله الثائر المجاهد البطل ابن المقلَّد الوائلي القطيفي البحراني.

 

كتبه: الشيخ عبدالزهراء العويناتي، البلاد القديم

10/3/2015م