50من هو العبد الصالح الذي نُسبت قرية «حلّة العبد الصالح» إليه؟

قرية «حلة العبد الصالح» من قرى البحرين الصغيرة، تقع شمال قرية المقشع، وشرق قرية كرانة، وجنوب قرية القلعة، وجنوب غرب قرية كرباباد.

أما من هو العبد الصالح الذي نسبت إليه القرية؟ فالمصادر التي بين يدينا لا تصرح بشيء عنه؛ فلذا كثرت التكهنات والأقوال حول شخصية هذا العبد الصالح.

يتفرد كتاب لا يزال مخطوطاً لأحد علماء البحرين بالكشف عن شخصية هذا العبد الصالح، ففي مكتبة جامعة الإلهيات في مشهد المقدسة توجد نسخة مخطوطة تحت رقم «18870» اسمها كتاب «زهر البساتين وبهجة السائحين» للشيخ محمد بن علي بن حيدر النعيمي البحراني «ت 1221 هجـ»، وهو كشكول لطيف ذكر فيه مصنفه بعض المعلومات الهامة عن البحرين.

أما المؤلف فقد ترجمه صاحب الذخائر ص182 فقال: « الشيخ محمد بن الشيخ عليّ بن حيدر النعيمي البحراني، لجّة علم لا تدركها الدلاء، ومحجّة فضل لا يفتقر ساكنها إلى الولاء، حلّ من رتب المعارف المحلّ الأسمى، ودلّ عرفانه على أن الاسم عين المسمّى، أخذ الفقه عن جدي العّلامة صاحب الحدائق ومجاز عنه، له كتاب في المنطق، ورسالة في المعاد الجسماني، وغير ذلك، مات سنة 1221 الحادي والعشرين بعد المائتين والألف».

وعدّ الشيخ يوسف آل عصفور في لؤلؤة البحرين ص449 من جملة مصنفاته «أجوبة مسائل الشيخ محمد بن الشيخ عليّ بن حيدر النعيمي».

فهو من تلامذة الشيخ يوسف آل عصفور، ومجاز منه، وصنف له أستاذه رسالة في أجوبة مسائله.

في كتاب «زهر البساتين وبهجة السائحين» صفحة «208» يذكر سبب تسميتها نسبة إلى هذا العالم فيقول:

مما قاله العبد الصالح البحراني من قرية نسبت إليه تسمى قرية «العبد الصالح» وهو مدفون فيها، وله قبة ومسجد رحمه الله تعالى، وكان من الصلحاء المعدودين في الزهد والورع والعبادة، ونقل لي بعض الأجلاء إنّ اسمه «الشيخ حسن» وكان عالما جليلاً: [البسيط]

والله ما خاب سعي في الولاء ولا        ظللت عن نهجكم يا آل ياسين

ولا تمسكت في ديني بغيركمُ            وما اقتديت بمأنوب ومأبون

أنتم سلاطين دنيائي وآخرتي            وقد تبرأت من كل السلاطين

أنتم رجائي وغوثي في الحروب فلا       أخشى العذاب وأنتم سادة الدين

وجنة الخلد والنيران في يدكم          فليس نار اللظى في الحشر تُصليني

حيث اصطليت بنار الحزن واحترقت      أحشاي من أجلكم يا آل ياسين

أنّى تذكرتُ ما نلتم وحل بكم      من شر رجس شديد الكفر ملعون

وله أيضاً رحمه الله تعالى: [الخفيف]

ويلهم أضمروا النفاق لأمر          دبروه خديعة للأنام

صحبوا خاتم النبيين لما             علموا أنه عظيم المرام

لو دروا أنهم ينالون أمرا            بخلاف النبي في الإسلام

لأصروا على الخلاف جهارا         ولدانوا بطاعة الأزلام

قاتل الله عصبة تبعتهم              وارتضتهم دعائم الأحكام

تبعوا منهج الظلال وحادوا         عن سيبل الهدى الرفيع المقام

خالفوا محكم الكتاب وفيه           بينات صريحة الإلزام

يا بني المصطفى بكم قد تمسكت     وأنتم ذريعتي واعتصامي

أنا مولى وليكم وعدو                لعدوكم بغير ملام

واعتقادي بأنكم ليَ حرز            من عذاب الجحيم يوم القيام

انتهى ما ذكره في الصفحة «208» من المخطوطة، حول العبد الصالح.

ويظهر مما تقدم أنّ العبد الصالح «الشيخ حسن» متقدم زماناً على الشيخ محمد بن الشيخ عليّ بن حيدر النعيمي البحراني، بدليل قوله «وهو مدفون فيها، وله قبة ومسجد»، فيحتمل كون العبد الصالح «الشيخ حسن» من أعلام الحادي عشر أو ما قبله.

ولا يزال مسجد في القرية يحمل اسم هذا الشيخ «مسجد الشيخ حسن»، إلا انه وبحسب الموقع الرسمي لدائرة الأوقاف الجعفرية تحول إلى أكمة من التراب بسبب الإهمال، نأمل من أصحاب الشأن الإسراع في إعادة بناء هذا المسجد التاريخي.

كما نأمل من الأخوة المحققين الإسراع في إخراج هذا الكتاب المهم «زهر البساتين» إلى النور.

وهناك مقام ومسجد آخر في قرية «حلّة العبد الصالح» للشيخ عيسى بن إبراهيم، وهو أيضا لم يعرف عن أحواله شيء.

قال العلامة الشيخ إبراهيم المبارك في حاضر البحرين ص59: ( الشيخ عيسى في حلة عبد الصالح ولم نعرف من حياته شيئاً).

وفي سجل السيد عدنان الموسوي وقفيات عديدة للمسجد المذكور.

وذهب العلامة الشيخ باقر العصفور إلى كون «الشيخ عيسى» هذا هو صاحب الرمانة كما جاء في العقد الزاهر ص301 (ومن الأولياء وأصحاب الكرامات والمقامات العالية الشيخ عيسى صاحب قصة الرمانة مع وزير البحرين، وكان الوزير ممن يرى رأي الخوارج والقصة مذكورة في كشكول الشيخ يوسف البحراني قدس سره، وقبر الشيخ عيسى في قرية كرانة مزار يتبرك به).

ويلاحظ عليه: أن صاحب «الكشكول» نقل القصة عن كتاب «بحار الأنوار»، وكلاهما ذكرا أن الذي تشرف برؤية الإمام المهدي هو «الشيخ محمد بن عيسى»، لا «الشيخ عيسى»، كما ذكره الشيخ باقر العصفور، راجع الكشكول للشيخ يوسف البحراني ج1 ص216، وبحار الأنوار للعلامة المجلسي ج52 ص178.

وأيضاً: «الشيخ عيسى» قبره في حلة العبد الصالح، وليس في قرية كرانة.

على أن المشهور لدى أهل البحرين أن مزار «الشيخ محمد بن عيسى» صاحب الرمانة هو في قرية دمستان.

فما ذكره العلامة الشيخ باقر العصفور لا يستند إلى دليل، والشهرة قائمة على خلافه.

وفي قرية «حلة العبد الصالح» مساجد أخرى نسبت إلى أسماء مشايخ لا نعلم عنهم شيئاً، كمسجد «الشيخ عبدالله» ومسجد «الشيخ فيروز».

أما «مسجد العلوي» فقد كان اسمه قديماً مسجد العذار نسبة إلى البستان الذي بجنبه، وأعاد بنائه السيد علوي السيد جواد الغريفي المنامي مالك البستان فنسب إليه.

كما عثر في نفس القرية على بقايا مسجد قديم وبجنه قبر عليه ساجة منقوشة تعود للقرن العاشر الهجري لشخص اسمه «ناصر بن عبدالله بن ربيع الأوالي البحراني»، وبجنبه حجر منقوش عليه وقفية هذا نصها [في تاريخ اليوم العشرين من شهر رجب لسنة خمس وستين وتسعمائة، أوقف العبد المذنب أقل عباد الله وأحوجهم إلى رحمة ربه ورضوانه محمد بن ناصر بن عبدالله بن ربيع، تمام ثلث الملك المعروف بناقص برقيب من بربغي في ديوان بوري، على قراءة والده ناصر بن عبدالله، كل يوم جزئين من كتاب الله العزيز، وعلى قراءة أمه مريم بنت إبراهيم كل يوم جزئين من كتاب الله، كائنة تلك القراءة في مسجد الرستان، وأوقف تمام ثلث الملك المذكور في وجه استقاء الماء البرودة مسجد الرستان، ولمن يستقي الماء البرودة الواقعة في فلاة بربغي، ولعمارة المسجد الواقع في فلاة بربغي يكون الثلث المذكور بين المسجد وبين البرودة وبين أيد أثلاثاً، وقفاً شرعياً صحيحاً]، وتم نقل هذا الحجر إلى متحف البحرين الوطني، كما توجد حول المسجد المذكور آثار لعين ومساكن.

ونبغ في القرن الثاني عشر من هذه القرية العالم والشاعر المشهور «الشيخ علي الصالحي» من تلامذة العلامة الشيخ حسين العصفور، وله شعر كثير متفرق في المجاميع الشعرية، راجع ترجمته في منتظم الدرين ج3 ص82.

وتوجد في حلة العبد الصالح والقرى المحيطة بها العديد من الآثار التي تشهد بقدمها، وقدم الاستيطان فيها، وذلك يعود لقربها من قلعة البحرين التاريخية «قلعة عجاج».

الوثائق المرفقة:

50

صورة الصفحة «208» من مخطوطة «زهر البساتين وبهجة السائحين» للشيخ محمد بن علي بن حيدر النعيمي البحراني «1221 هجـ».

51

بيانات مسجد «الشيخ حسن» في قرية «حلة العبد الصالح» من موقع دائرة الأوقاف الجعفرية:

52

صورة مسجد الشيخ حسن «العبدالصالح»

 

53

مسجد ومقام الشيخ عيسى بن إبراهيم في قرية «حلة العبد الصالح»:

54

مساجد قرية حلة العبد الصالح (من موقع إدارة الأوقاف الجعفرية)

55

خريطة قرية «حلة العبد الصالح» من موقع جوجل

56

صورة القبر الأثري لناصر بن عبدالله بن ربيع الأوالي «ق10 هجـ»

57

صورة الوقفية المنقوشة على الحجر بجانب القبر الأثري

58

وقف لمسجد الشيخ عيسى بن إبراهيم «من سجل السيد عدنان الموسوي»

بقلم الباحث الشيخ: إسماعيل الكَلداري

6رمضان 1436هجـ – 23-6-2015م