Quran1ختم القرآن بين الماضي و الحاضر "ذكريات رمضانية"

الدراس: …. قال تعالى: "شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ" صدق الله العلي العظيم الآية 185 من سورة البقرة.

و قال رسول الله (ص): (فضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله على سائر خلقه). – بحار الأنوار، جـ، 89  ص 19.

و قال الإمام علي (ع): (أفضل الذكر القرآن به تشرح الصدور، و تستنير السرائر) – ميزان الحكمة، جـ 8، ص 67.

قال الإمام الحسن بن علي (ع): (من قرأ القرآن كانت له دعوة مجابة إما معجلة و إما مؤجلة) – بحار الأنوار جـ 89، ص 204.

قال الإمام الصادق (ع): (ينبغي للمؤمن أن لا يموت حتى يتعلم القرآن أو أن يكون في تعلمه) – موسوعة الفقه، جـ 89، ص 186.

و قال أيضا: (الدار إذا تُلي فيها كتاب الله كان لها نور ساطع في السماء و تعرف من بين الدور) – (من موقع حوزة الهدى – http://www.alhodahawzah.com)

مجتمعنا و القرآن الكريم:

لقد ارتبط مجتمعنا البحراني بكتاب الله –عزّو جلّ- منذ أن دخل الإسلام فانتشر تعليم القرآن في جميع المناطق على يد المعلمين و المعلمات (لِمْعلِّم) و (لِمْعلِّمه) باللهجة الدارجة.

و كانت تلاوة القرآن تسمع من البيوت بعد صلاة الفجر و خاصة في أيام الصيف.

و في شهر رمضان المبارك تزداد تلاوة القرآن و تهيأ لذلك المجالس، و البيت الذي لا يوجد فيه شخص يحسن تلاوة القرآن (درّاس) يستأجر له من يتلو القرآن في هذا الشهر الفضيل الذي هو (ربيع القرآن) مقابل مبلغ من المال و كسوة للعيد مع تناول وجبة الإفطار –هذا في الغالب و لكل قاعدة شواذ-.

و ختم القرآن (الْخَتِم بسكون اللام وفتح الخاء وكسر التاء وسكون الميم  بالدارجةْ) في قرية الدير و غيرها من مناطق البحرين الأصيلة سنة حميدة و عادة أصيلة توارثها الأبناء و الأحفاد عن الآباء و الأجداد.

و لختم القرآن الكريم احتفالية تقام في ليلة الختم و التي ارتبطت في الماضي بتواريخ محددة وهي : ليلة النصف من شهر رمضان المبارك  – والذي يصادف مولد اﻹمام الحسن الزكي " ع "  وليلة العيد  لمن يختم ختمتين – وهم الغالبية -، وليلة العاشر وليلة العشرين وليلة العيد لمن يختم ثلاث ختمات – وهم اﻷقلية – و من البيوت التي كانت تختم ثلاث مرات في الدير بيت المرحوم (الحاج حماد بن أحمد حماد و بيت المرحوم الحاج علي بن كاظم و بيت المرحوم الحاج سلمان بن علي بن سلمان) و لا يزال البيتان الأخيران مستمرين على ثلاث ختمات، أما بيت (حجي حماد ) فأصبحت الثلاث ختمات ختمتين بعد تفرق الأسر.

و في الماضي (من الستينات و ما قبلها) لم يكن هناك من يختم ختمة واحدة.- حسب علمي والله أعلم -. للتوضيح  : أقصد من يحتفل بختم القرآن ﻷن هناك الكثيرين يختمون القرآن في بيوتهم بدون مراسم وطقوس .

في الماضي كان الختم يأخذ شكل الدوائر؛ فكل مجموعة من البيوت الذين تربطهم علاقة قرابة أو صداقة أو جيرة يشكلون دائرة قد تتكون من ثلاثة أو أربعة أوخمسة بيوت أو أكثر- وقد يصل العدد إلی عشرة أو يزيد- و يبدأ الختم في بيت يكون في العادة هو نقطة البداية ثم تنطلق المجموعة إلی بقية البيوت، كل ذلك يتم في نفس الليلة مهما تأخر الوقت فلا توزيع للختم علی ليال متعددة .

في الزمن الماضي و قبل دخول الكهرباء إلى البيوت كان الناس يستخدمون (لِفْنَارة) و مفردها (فنر) للإنارة و خاصة للدرّاس بحيث يوضع بالقرب منه كرسي و يوضع عليه الفنر. و قبل ليلة الختم توجه الدعوات للبيوت المشتركة مشافهةً (فلا هاتف و لا واتسأب) من خلال زيارة المنازل أو اللقاء في المجالس أو في المسجد أو المأتم، – وهناك بعض اﻷفراد يزعلون ويحمسون إذا لم يأتي العزام إلی البيت !!! – .و بمناسبة الختم تسمع هذه العبارات تتكرر و تتردد في أوساط المجتمع وتكون على شكل دعوات أو تساؤلات أو من أجل التأكيد على ضرورة الحضور للختم، مثلاً: (اسمعْ لا تخلون الختم)،(هاه مته ختمكم؟)،(لا تنسون، لا تنسون الختم).

في تلك الليالي الجميلة و في ذلك الزمان الجميل ترى الشوارع و الأزقة تعج بالمتوجهين إلى مجالس الختم أو المغادرين و تسمع أصوات قارئي القرآن الكريم (الدرّاسين) تملأ الأجواء بالعبق القرآني الذي يضفي روحاً إيمانية وسط ذلك الهدوء و السكون فلا أصوات للطائرات و لا السيارات و لا المكيفات و لا التلفزيونات – خاصة في أيام الصيف-ولكل قارئ من هؤلاء لحن مميز و طريقة خاصة في القرآءة، كما تسمع التسبيحات و التحميدات و التهليلات و التكبيرات تملأ أجواء القرية مع نهاية كل سورة قصيرة.

على ذكر التسبيحات: نحن في قرية الدير و بعد كل سورة قصيرة يتلوها القارئ و يقوم بمد آخر كلمة من السورة ليعلن للحضور بداية التسبيح فيقولون: (سبحان الله، سبحان الله، و الحمد لله و لا إله إلا الله  الله أكبير، الله أكبر و لله الحمد).

و في قرى البحرين هنالك من يتطابق معنا و هنالك من يختلف و لكن بصورة طفيفة في البداية أو في النهاية و هذه أمثلة:

عراد:

يقولون: (سبحان الله، سبحان الله، و الحمد لله و لا إله إلا الله، الله أكبر و لله الحمد).

أبو قوة:

يقولون: (سبحان الله، و الحمد لله و لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر و لله الحمد).

Quran2

باربار:

يقولون: (سبحان الله، و الحمد لله و لا إله إلا الله، الله أكبر، و لله الحمد).

مقابة:

يقولون: (سبحان الله، و الحمد لله و لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر و لله الحمد).

سماهيج و السنابس:

نفس الدير كما نقل لي أحد الأخوة (و العهدة على الراوي).

و أعتقد أن جميع المناطق لن تخرج عن هذه الطريقة من حيث الاختلاف أو الاتفاق.

ملاحظة:

نقطة استوقفتني في فترة الستينيات و الخمسينيات من القرن الماضي كان بعض القراء عندما يصل إلى الآية (7) من سورة البقرة (ختم الله على قلوبهم……) يكرر ختم الله على قلوبهم مرتين و في الثالثة يكمل الآية و على سمعهم و على أبصارهم إلخ. و أنا الآن أطرح سؤالاً هل كانوا يعتقدون بارتباط ختم القرآن الكريم بهذ الآية؟؟!! مجرد تساؤل.

الطعام المقدم:

Quran3

في الزمن الماضي حيث إن معظم الأسر تعيش العسر المادي كانت مائدة الختم تقتصر على ما تبقى من الفطور مما قسمه الله مثل: (الخبيص، خبيص العيش، المنفور، اللقيمات، الساقو، لنشاء، البلاليط) و في ذلك اليوم يأمر رب الأسرة زوجته بأن تزيد من كمية القدوع (و هو الحلاوة المصاحبة للهريس و التي ذكرتها آنفاً) من أجل أن يتم تقديمها في الختم، أما البيوت الميسورة الحال –و هم قلة- فيقدمون مع ماذكر الزلابية و الخنفروش، فتجد المجلس يغص بالرواد و قد شهدت ذلك في فترة طفولتي في مجلس بيت الجد المرحموم الحاج حماد بن أحمدبن حماد. و إذا صادف الشهر الفضيل في الصيف (القيظ) فإن الختم يتم في البرايح (مفردها براحة) و هي استراحات تقام إما على شاطئ البحر لمن بيوتهم على الساحل، و من بيوتهم بعيدة عن الساحل يقيمون برايحهم إما خارج البيوت أو داخلها و في الصيف يقدم في الختم البطيخ البحريني (مال العكر) و هي قرية مشهورة بهذا البطيخ (أبو الفلوح) و تكون أحجامه كبيرة و رائحته طيبة  نفاذةوطعمه لذيذ  – في ذلك الزمان عندما كانت العيون الطبيعية علی حالها والماء عذب فرات والبساتين لم تطالها أيدي التدمير -  و لعدم وجود منافس كان هذا البطيخ يعد فاكهة الموسم.

و كنا أيام زمان نشاهد عمال بابكو عند نزولهم من سيارة الشركة (خضراء اللون) و هي متوقفة في "البر" بالقرب من الحجرة التي بنتها بابكو للعمال و قد دخلت الآن في حدود مدرسة الدير الابتدائية للبنين ربما قرب البوابة الرئيسية، و الكثير منهم يحمل في يده بطيخة -عندما يكون موسم البطيخ-، و من الطرائف في فترة الستينيات أن بعض البيوت قدموا في الختم الطماطا البحريني (الصيكل أبو  خد و خد جزء أخضر و جزء أحمر) و لا يأتي شكله مستديراً بصورة تامة (مخفس) و له طعم مميز (مزيج ملحه منه و فيه) قدموه مشرحاً و عليه قليل من الملح و كان الإقبال عليه كبيرا و قد شهدت ذلك في بيت المرحوم الحاج عيسى إبراهيم سلطان بن علي بن سلطان (العيس)حيث ناسب الشهر الفضيل موسم الطماطا.

تغير موائد الختم:

Quran4

في الستينيات من القرن الماضي بدأ الطعام المقدم على موائد الختم يتغير بدخول الفاكهة و كانت مقتصرة على ثلاثة أنواع؛  التفاح و البرتقال و الموز، و كان الموز صاحب النصيب الأكبر من حيث الإقبال عليه فهو أول الفواكه اختفاءً من على المائدة و كان التفاح و البرتقال يقدمان بشكل مقطع (مفلّح) و كان الناس يرون ي أنه من المعيب أن يقدم بلا تقطيع و كأنك تقول للضيوف: (لا تأكلوا).

و استمر هذا الحال لفترة –و دوام الحال من المحال- ثم انقرضت هذه العادة.

ختم هذه الأيام:

في السنوات الأخيرة طرأت تغيرات كبيرة على احتفالية الختم، طالت الشكل و المضمون فلقد ازدادت أعداد البيوت التي تختم القرآن الكريم و هذه نعمة كبرى نحمد الله عليها، وازداد عدد الشباب الذين يتقنون قراءة القرآن بصورة جيدة، و هنا لا بد من كلمة شكر و تقدير لكل من عمل و يعمل على تعليم القرآن الكريم من أفراد و مراكز في مختلف المناطق، و في الدير كلمة شكر و تقدير لمركز "بصائر الهدى القرآنية" على الجهود الخيرة التي يبذلونها في هذ المجال.

Quran5

Quran6

كما انتشرت سنة حميدة و هي ختم القرآن في ليلة واحدة تقوم به مجموعة من الشباب المؤمن في عدد من البيوت و تكون الدعوة عامة. و من التغيرات التي حصلت توزيع ليالي الختم و عدم الاقتصار على تواريخ ثابتة و محددة و لا على دوائر مغلقة – كما كان عليه الحال في الماضي -  و انتشرت أخيراً الختمة الواحدة، كما دخلنا في زمن الدعوات الخارجية بحيث اتسعت الدائرة و لم تعد المجالس قادرة على استيعاب الحضور مما دفع بعض الأسر لإقامة الختم في المآتم، كما دخلت البوفيهات و المشويات و الحلاوات  و العيش المحمر و الأبيض، كما أصبح لوسائل التواصل الاجتماعي الدور الكبير في توجيه الدعوات.

و من الأمور الجميلة في هذا الزمان عمليات التوثيق عبر التصوير الفوتوغرافي و الفيديو و خصوصا مع انتشار الهواتف الذكية ، لتصبح مع مرور الزمن ثروة لا تقدر بثمن لﻷجيال القادمة.

نسأل الله (جل و علا) أن تدوم هذه السنة الحميدة و أن يزيد ارتباط مجتمعاتنا بكتاب الله قولا و عملا و أن نحافظ على هذه النعم التي حبانا الله بها و أن لا تنزلق مجتمعاتنا إلى هاوية الإسراف و التبذير في هذه المناسبات بدافع المظاهر و التفاخر.

Quran7

ونسأل الله العلي القدير أن يعيدنا جميعا على مثل هذه الأيام و نحن في خير و عافية و في حال أحسن من هذا الحال و أن يختم لنا شهرنا المبارك بخير و سنتنا بخير و عمرنا بخير.

و صلى الله و سلم على خير خلقه محمد و أهل بيته الطيبين الطاهرين.

عذراً على الإطالة و شكرا لكل من قدم لي المساعدة من أجل إعداد هذا الموضوع المتواضع

بقلم : إبراهيم حسن إبراهيم صالح " الدير "

27 من شهر رمضان المبارك  1436هـ  الموافق:  14 من شهر يوليو 2015 م