الأصالة البحرانية لقرية المالكية
كتب بشار الحادي في مدونته مقالاً بعنوان (الشيخ مبارك بن خليفة آل فاضل مؤسس قرية المالكية)، وقد كان فيما كتبه بعيداً عن الموضوعية العلمية ، ودل على عدم اطلاعه على التاريخ الدقيق للشعب البحراني الأصيل في جزر البحرين، ولا تخفى على متابعي كتاباته باعثه في موقفه المكشوف من التاريخ البحراني الضارب في أعماق تاريخ البحرين.
لقد زعم أن قرية المالكية هي من تأسيس مبارك بن خليفة الفاضل الذي لا يعرف الحادي هل كانت ولادته في البحرين أو في موطن أبيه الأصلي الزبارة، ويذكر الحادي أن مبارك الفاضل عاصر أول حاكم خليفي للبحرين وعاش إلى رابعهم وهو محمد بن خليفة (وهو ابن أخت مبارك الفاضل) الذي انتهى حكمه في سنة (1868م) بعزله على يد (الكولونيل بيلي) المقيم البريطاني في الخليج وتنصيب أخاه علي بن خليفة حاكماً، وعليه فمبارك الفاضل كان حياً بين سنتي (1800) و(1868).

وخلاصة قوله:
إن مبارك بن خليفة الفاضل الذي جاء أبوه خليفة بن مبارك الفاضل من الزبارة وسكن البحرين، كان يملك المالكية، وكان يسكن فيها، وكانت حينها خالية من السكان، بل كانت قاعاً صفصفاً، فعمّرها مبارك الفاضل، فجلب البحارنة من القرى الشمالية ، ووظفهم في حفر السواقي الجوفية (الثقب) وفي زراعة النخيل، وقبل ذلك لا بحارنة ولا زرع ولا ثقب ماء في هذه المنطقة .

وكل هذه القصة المختلقة يرويها عن رجل لا يعرفه أهل التاريخ وهو من المعاصرين من آل فاضل اسمه إبراهيم بن عبد الرحمن بن راشد الفاضل .
ثم يحدد تاريخ تأسيس مبارك الفاضل لقرية المالكية بين سنتي (1270-1250هج) (1854-1834م) ، وذلك استناداً على وصية لمبارك الفاضل مكتوبة في سنة (1274هج/1858م) وَرَدَ فيها اسم (المالكية) ، ووثيقة أخرى وهي عبارة عن رسالة من مبارك الفاضل يطلب فيها مجيء عالم من علماء الأحساء من أهل السنة ليتولى الشؤون الدينية في قرية المالكية، وهي غير مؤرخة ولكن الحادي قدَّرَ تاريخها بين عامي (1269هج/1852م) و(1274هج/1857م) .

وأما عن سبب تسميتها ب(المالكية) ، فيستند الحادي لرواية يرويها كذلك إبراهيم بن عبد الرحمن الفاضل ، وهي أنه كان لمبارك الفاضل عبد (ألتق) لا يحسن لفظ الحروف، وكان مسؤولاً عن الأرض ، وكان يقول : هذه أرض مالجنا ، أي : هذه الأرض ملكنا ، ويردد هذه العبارة ، ومع مرور السنوات سميت بالمالجية!!!!.

هذه خلاصة ما كتبه بشار الحادي في دعواه بتأسيس مبارك الفاضل للقرية البحرانية (المالكية).

وليس يصح أي شيء تضمنه مدعاه.
فأولاً : هذه الدعوى تفترض أن هناك بقعة شاذة قاحلة تقبع في وسط كافة الخط الزراعي الأخضر الممتد من الدراز إلى الزلاق ، فجاء مبارك الفاضل فزرعها بعد أن كانت قاعاً صفصفاً بين بساتين كرزكان وصدد ، وهذه دعوى تتناقض مع الخط الأخضر الزراعي المنبسط من الدراز شمالاً حتى الزلاق جنوباً ، فلا أدري هل كانت غير قابلة للزراعة فأهملها البحارنة فجاء مبارك الفاضل في آخر الزمان وهو الجاهل بالزراعة ليزرعها ويعلم البحارنة فنون الزراعة التي توارثوها عن أجدادهم مئات السنين بحيث علمهم الزراعة في أرض لا تقبل الزراعة ، أو كانت قابلة للزراعة ، فتركوها البحارنة مستغنين عنها مع أنهم كانوا في أمس الحاجة للأرض الزراعية ، ما هذا إلا تهريج لا يقبله عاقل.
ثانياً : كيف يزعم بشار الحادي أن قنوات السقي الجوفية (الثقب) في المالكية مستحدثة وأنها من عمل مبارك الفاضل قبل فترة لا تزيد عن 168 سنة ؟!!!، ولو كان الحادي مؤرخاً موضوعياً ويحترم عقله لما تفوه بهذا الكلام الذي يسخر منه كل مطلع بتاريخ البحرين ، لأنه من المعلوم أن قنوات الثقب في البحرين موجودة قبل أن يخطر في ذهن والد مبارك الفاضل المجيء من الزبارة للسكن في البحرين ، فقد ذكر الباحثون أن البحارنة حفروا قنوات الثقب قبل الميلاد ، ثم لاستيعاب الثقب كل المساحات المطلوب سقيها بها هَجَرَ البحارنة حفر المزيد من قنوات الثقب وذلك قبل مئات السنين من زماننا الحاضر، أي قبل الدخول العتوبي ببضع قرون ، فكانوا فقط يحافظون عليها بترميمها وتنظيفها لاستعمالها ، وكانت المالكية وما حولها من أقدم وأكثر مناطق البحرين استعمالاً للثقب، وكل ذلك معلوم معروف عند المطلعين على تاريخ البحرين ، فزعم الحادي خلاف ذلك إما لجهله بتاريخ البحرين ، وإما لعدم موضوعيته ، وعدم موضوعية الكاتب في التاريخ يسقط ما يكتبه في التاريخ عن أي قيمة علمية .

ثالثاً : سلمنا جدلاً بأن المالكية كانت أرضاً جرداءً خاليةً من الناس ومن الزراعة، ولكن ما معنى أن يجلب مبارك الفاضل البحارنة من قراهم الشمالية ليزرعوها ويحفروا الثقب فيها ، مع أن هناك قرى بحرانية في الجوار ، فهل بحارنة القرى الشمالية مزارعون ، وبحارنة القرى المجاورة غير مزارعين أم أن ذلك محض هراء في هراء؟!!!.
رابعاً : إن من يملك أدواة البحث العلمي في قضايا التاريخ ويقدّر لعقله قبل تقديره لعقول الناس مصداقية ما يكتبه لا يستند بتاتاً على رواية رجل في تحديد تاريخ تأسيس مدينة أو قرية إذا كان ذلك الرجل ليس بذاك المستوى من العلم وبينه وبين تأسيس تلك المدينة أو القرية السنين المتطاولة ، ولكن نرى بشار الحادي في دعواه هذه يفعل خلاف ذلك ، فكان دليله فقط في تأسيس مبارك الفاضل لقرية المالكية البحرانية رواية رجل قريب النسب من فاضل المبارك ، وهو لا يُعلم مستوى فهمه ومقدار علمه فضلاً عن كونه تبعده عن تاريخ المالكية السنين المتطاولة، ولكن لا عجب من بشار الحادي أن يتشبث في مثل هذه الدعوى المزعومة بأضعف الأساطير ، ومن يقول إن البلاد القديم وهي عاصمة التشيع في البحرين بأنها سنية في أساسها، فلا عجب أن يتساهل في ادعاء أن المالكية سنية التأسيس ويستند في ذلك على أوهن الخرافات.

خامساً : زعم بشار الحادي أن مبارك الفاضل قد طلب في رسالته عالماً سنياً من الأحساء لقرية المالكية ، وهذا محض اختلاق ، فإن رسالته غير موجودة عنده ، فكيف زعم الحادي أن طلب مبارك الفاضل لعالم سني من الأحساء كان لقرية المالكية ؟!!!.
ثم أن الحادي ليست عنده إلا رسالة الرد على رسالة مبارك الفاضل، وهي ليس فيها ما يفيد أن طلبه لعالم سني من الأحساء كان لقرية المالكية ، بل يمكن القول بأنها تتضمن ما يدل على أن الطلب كان للمحرق ، بدليل أن أحد علماء السنة الأحسائيين الذين عُرِضَ عليهم طلب مبارك الفاضل ذكر أنه طَلَبَ منه سابقاً قبل طَلَبِ مبارك الفاضل حكامُ البحرين المجيء لها ، وهذا يدل على أن طلب مبارك الفاضل كان نفس الطلب السابق لمنطقة واحدة هي المحرق حيث هي مسكن الحكام وقتذاك.

سادساً : مايضحك الثكلى الحكاية الفكاهية التي تفوّه بها بشار الحادي في تفسير تسمية قرية المالكية والتي هي أشد فكاهةً من فكاهات جحا، ولا أظن بشاراً يعتقد بها ، إلا إذا كان مهووساً في نكران بديهات الأمور ويريد أن يضحك من في القبور .
ثم لو سلمنا بهذه الفكاهة ، فما أبعد لفظة (مالجنا) عن لفظة (المالچية) ، فما الداعي اللغوي أو الاجتماعي الذي تسبب في إسقاط نون وألف (مالجنا) واستبدالهما بحرفين آخرين ، وهما الياء والتاء ، لتصبح اللفظة (المالچية)، وأنا لا أعرف داعياً لهذا الاستبدال إلا الهراء والدوافع المقيتة.

وأما كون مبارك الفاضل يملك بعض المزارع في المالكية وأنه بنى له بعض الدور فيها، فكل ذلك لا يقتضي أنه المؤسس لقرية المالكية.

وحيث انتهينا من نقض ونقد أغلاط ومغالطات بشار الحادي ، نأتي لنعلّمه ونعلّم غيره بأن قرية المالكية كان أهلها منذ قديم الزمان يسكنون ملاصقين مقام الأمير زيد ، ولذلك كانت تعرف قريتهم بقرية الأمير زيد نسبةً إلى مقام الأمير زيد على منوال نسبة الجزيرة إلى مقام النبي صالح فسميت ب(جزيرة النبي صالح)، وقد كانت لهم جبانتهم ، وكانوا كبقية البحارنة يضعون الساجات على قبور أعيانهم ، ولذلك وجدت فيها ساجتان إحداهما ساجة مقام الأمير زيد ، وساجة أخرى في جهة ثانية من المنطقة.

ولقد خرج من قرية الأمير زيد العالم الجليل والأديب الشاعر الشيخ محمد الأمير زيدي .
ترجمه الشيخ محمد علي العصفوري في كتابه (الذخائر في جغرافيا البنادر والجزائر: 67) فقال :
((الشيخ محمد بن الحاج يوسف الأمير زيدي البحراني: وكان من أدباء البحرين وشعرائها، له رسالة في البديع ، ورسالة في العروض ، وله كتاب القصايد والمراثي، ومن قصيدته الفاخرة في وفاة علي عليه السلام :

مدامع عيني سكبها لا يفتر &&& وأحزان قلبي نارها تتسعر
وحزني طويل دائم ومؤبد &&& ودمعي مدى الأيام يهمي ويقطر)).

إلى أن قال فيه العصفوري بعد أن نقل بعض أبياته الأخرى:

((وبالجملة ، مدايحه كثيرة ، وأشعاره بين أرباب المراثي شهيرة ، ولا يحضرني الآن تاريخ وفاته ، رحمة الله عليه )).

وكانت من ضمن حقول قرية الأمير زيد دولاب الناصرية ودولاب المالكية ، والظاهر أنهما منسوبان لشخصين قديمين يملكانهما ، أحدهما اسمه ناصر والآخر مالك ، وقد هاجر بعض أسر القرى المجاورة لقرية الأمير زيد وسكنوا دولاب المالكية مجاورين في سكناهم سكان قرية الأمير زيد ، فجاؤوا من قرية كرزكان كآل أبي حُمَيْد والشاخوريين، ومن قرية الجفور ، ومن غيرها من القرى ، فغلبت تسمية المالكية على اسم القرية القديم (قرية الأمير زيد) وصارت تسمى مذ ذلك ب(قرية المالكية).

وكتب: الشيخ عبدالزهراء العويناتي