بقلم : أبي عدنان الشيخ عبد الزهراء العويناتي
بيتان مشهوران، ترددهما حناجر النائحين الحسينيين، وقلّما نائحٌ طالت سنون نياحته وبرع فنّه فيها لم يَنُح بهما.
وهما في الغالب من مناشيد أشعار خواتيم النياحة التي يُراد منها (في أغلب الأحوال) التأثير في نفوس المستمعين تأثيراً يلخّص فيها النائح جميع أو غالب محتوى المصيبة التي قرأها.
هذان البيتان هما :
 
لا والدٌ لي ولا عمٌّ ألوذُ بِهِ
ولا أخٌ لي بقَى أرجو ولا رَحمي
*****
أخي ذبيحٌ ورهطي قد أبيح وبي
ضاق الفسيحُ وأطفالي بغير حمي
 
إن هذين البيتين لا يعرف النائحون الحسينيون  فضلاً عن سواهم أكانوا بحارنةً أو غير بحارنة أنهما لشاعر بحراني.
 
فلقد ذكر الخطيب النائح المؤرخ السيد جواد شبر(استشهد احتمالاً في 1402هـ/1982م) في كتابه (أدب الطف: ج153/8) البيتين للشاعر الشيخ صالح بن طعان البحراني.
 
فمن يكون هذا الشاعر ؟
 
إنه العالم الزاهد الفقيه المحدث الشاعر الشيخ صالح بن طعان بن ناصر بن علي المركوباني الستري الذي جمع تحت ردائه العلم والأدب، فكان من العلماء البحرانيين المبرّزين في أوانه، وهو من أهالي قرية مركوبان في جزيرة سترة (وقد سكن في سنواته الأخير بالمنامة)، له ديوان شعر وله مؤلفات منها كتاب (لؤلؤة الأفكار المستخرجة من بحار الأنوار)، توفي في سنة (1281هـ/ 1865م) في رابغ الواقعة بين مدينتي جدة وينبع التي تقبع جميعها على سيف البحر الأحمر في تهامة حيث كان هناك مع جماعة من البحارنة لتأدية حج بيت الله الحرام.
والشيخ صالح هو والد العلامة الجهبذ الشيخ أحمد بن صالح بن طعان المتوفى في عام (1315هـ/1897م).
 
غير أن شبر (رحمه الله) قد أخطأ في نسبة البيتين للشيخ صالح بن طعان، والصواب أنهما صحيح لشاعر بحراني ، ولكن لم يكونا للشيخ صالح بل لشاعر بحراني متقدم بجيل واحد على الشيخ صالح، وهو أقوى منه في المستوى الشعري، وهو مع ذلك شاعر مغمور غير مشهور في المصادر وفيما بين الناس بعد زمانه وإن كان في زمانه لعله رأس الشعراء البحارنة.
 
  إن ذلك الشاعر هو الشيخ علي الصالحي البحراني الذي هو من أهالي قرية حلة العبد الصالح.
 
وقد أخطأ الأديب المؤرخ الحاج الشيخ محمد علي التاجر (ت1387هـ/1967م) حينما ذكره باسم الشيخ علي بن جعفر الصالحي، حيث خلط بينه وبين الشيخ علي بن جعفر البحراني الذي كان من أصحاب الشيخ حسين العلامة (منتظم الدرين:82/3)، فإن الصحيح أنه الشيخ علي بن محمد بن علي بن يوسف الصالحي، فلقد وجد العالم الفاضل المؤرخ الشيخ محمد علي العصفور المعروف بـ(إمام الجمعة) (ت1365هـ/1946م) بخط نفس الصالحي كتابته نسبه كما ذكرناه وليس كما ذكره التاجر.
 
كان الصالحي – كما وصفه إمام الجمعة -: ((محدثاً، أصولياً، نحوياً، عروضياً))، وكان شاعراً كبيراً.
  له مؤلفات دلت على طول باعه في العديد من العلوم، منها:
1-الرد على من قال بحجية القياس حتى بطريق الأولوية.
2-رسالة فلسفية في شرح بعض أبيات الصوفي ابن الفارض.
3-رسالة نحوية في إثبات الإضافة المحضة لا تكون حقيقةً إلا بمعنى اللام أو بمعنى (من) البيانية، ومجازية بقية المعاني الإضافية.
وقد يستفاد من كتابه الذي تضمن ابطال حجية قياس الأولوية أنه من العلماء المحدثين لا من الأصوليين.
وذكر إمام الجمعة بأنه توفي في عام (1247هـ/1831أو1832م)(الذخائر:432).
 
إن ما يثبت بأن هذين البيتين الشهيرين للصالحي ولم يكونا للشيخ صالح بن طعان المجموعة الشعرية للعالم الفاضل الشاعر الشيخ علي بن عبد الله البلادي.
 
ففي هذه المجموعة التي ضمّنها البلادي ما استجاده من أشعار مراثي النياحة الحسينية (والمجموعة مازالت مخطوطة لم تطبع) قد أورد فيها للصالحي قصيدةً طويلةً تقع في ثمانين بيتاً، تضمّنت هذين البيت المشهورين، وفي أولها يقول الصالحي:
 
على المنازل من حزوى ومن أضمِ
سلامُ صبٍّ حليفِ الوجْدِ والسقمِ
*****
معاهدٌ طالما الوسميُّ ألبسها
برداً توشّت بوشي الشيحِ والعنمِ
*****
وكم بها طرباً فوق الغصون شدت
أطيارُها بفنون اللحنِ والنغمِ
 
 وفي آخرهما يقول الصالحي:
 
ودونكم يا بني طه مهذبةً
يحلو على جيدها عقدٌ من الحِكَمِ
*****
حسناءُ كافيةُ الأعرافِ شافيةُ
المعنى بديعيةُ الألفاظ والكَلَمِ
*****
يرجو المحبُّ عليُّ الصالحيُّ بها
فوزاً بكم في جنان الخلد يا عصمي
 
وشبر (رحمه الله) ابتدأ بنقل البيت السابع والثلاثين من القصيدة، والبيت الثاني والسبعون آخر ما نقل من أبياتها، والظاهر أن المصدر الذي أخذ منه القصيدة ليس فيه سوى هذه الأبيات، وفي هذا المصدر نُسبت القصيدة غلطاً للشيخ صالح بن طعان (قدس الله سره) فتبعه في ذلك الغلط.
 
وقام الشاعر عقيل بن ناجي المسكين بتخميس البيت الأول من البيتين في ديوانه (على ضفة الكوثر: 181) بقوله:
 
الدهر قاسٍ علينا في غرائبِهِ
من قبلُ كنّا وكنّا من نجائبِهِ
*****
نمسي أسارى وهذا من عجائبِهِ
(لا والدٌ لي ولا عمٌّ ألوذُ بِهِ
*****
ولا أخٌ لي بقَى أرجو ولا رَحمي)
 
وفي بعض المواقع على شبكة الأنترنت الألكترونية وجدتُ تخميساً آخر للبيت الأول أيضاً من البيتين ولم يُذكر فيها اسم قائله، وهو: 
 
أشكو إلى الله دهراً من تقلّبِهِ
أبادَ كلَّ مجيدٍ نابُ مخلبِهِ
*****
فصرتُ بين يزيدٍ في تغلَّبِهِ
(لا والدٌ لي ولا عمٌّ ألوذُ بِهِ
*****
ولا أخٌ لي بقَى أرجو ولا رَحمي)
 
حرّره أبو عدنان عبد الزهراء العويناتي البلادي
في ليلة الخامس عشر من المحرم 1440هـ
25 سبتمبر 2018م