OLYMPUS DIGITAL CAMERA         منذ سنوات كنت افكر زيارة قرية المصلى لأرى آثار الشيخ البهائي الذي طالما سمعت وقرأت عنه في الكثير من المصادر والتراجم، في يوم الثلاثاء الموافق 27/1/2009م ذهبت في زيارة إلى جدحفص وانتهزت الفرصة وعرجت على قرية المصلى القريبة منها، هناك بحثت عن أي اثر للشيخ حسين العاملي والد الشيخ البهائي المشهور، بعد دقائق من البحث بين الأزقة والدواعيس والسؤال وقفت قرب احد المساجد وسئلت احد المارة عن مسجد البهائي فتبسم وقال هذا المسجد الذي تقف بجانبه هو مسجد البهائي، فطلبت منه أن يدلني على من يملك معلومات عن المسجد والآثار المتبقية للبهائي، قال تستطيع أن تسألني فانا وأبي نرعى المسجد

وقبلنا كان يرعاه جدي، حينها طلبت منه أن يدلني على أي معالم اثرية تعود للبهائي فطلب مني الانتظار وذهب واستدعى والده الذي رحب بي وتجولت معهما في عدة مواقع وبداية ذهبنا إلى المسجد:
مسجد البهائي 
هذا المسجد كان موجودا قبل مجيء الشيخ البهائي إلى البحرين منذ قرون طويلة، وكان يستخدم كمصلى للمتنقلين بين المنامة وتوبلي وغيرها من المناطق حيث كانوا يتنقلون على الدواب والحمير وإذا اقترب وقت الصلاة يتوقفون في قرية المصلى ويربطون حميرهم ويرتاحون في هذا الموقع ويصلون بإمامة احد العلماء، وكان الكثير من اهل البحرين يقصدون هذا الموقع للصلاة خلف الفقهاء والعلماء المقيمين في في نفس المنطقة ويتضح من خلال الآثار المتبقية، إن هذا الموقع كان مسجدا وحوزة علمية او مقر يستخدم كمدرسة للتعليم بدليل وجود آثار لقبور بعض العلماء وسيأتي ذكرها لاحقا.
كان شكل المسجد في السابق مبني بالطراز الإسلامي إذ يحوي أقواس واسطوانة قديمة، في تلك الفترة كان الأمن والأمان منتشرا إلى درجة أن المسجد لم يكن يحوي أبواب ولا نوافذ بل مفتوح طوال الوقت، وقد استخدمت في البناء مواد كالطين والأحجار والصخور وأما السقف فكان مكون من (الدنجل والبواري والحصر)، والمسجد بلا منارة او قبة، ومن ابرز مميزات المسجد القديم انه لم يكن يحوي دورة مياه او حمامات بل كانت العيون قريبة من المسجد وكان يوجد جدول ذو مياه عذبة ويمتد من شمال وغرب المسجد بين العيون والمزارع فكان الناس يتوضئون من النهر والعيون ويقضون حاجاتهم في الأماكن المستورة كالتلال والمزارع القريبة.
في الواقع لا اعلم كم مرة تم بناء و ترميم المسجد فذلك يحتاج إلى بحث متواصل وجهد ووقت وهذا لا يسعني، ولكني وقفت على آخر بناء للمسجد وذلك في العام 1984م، ففي ذلك العام تم هدم المسجد وتمت إزالة الأنقاض ثم بدأ البناء على نفقة الأوقاف الجعفرية، وبعد فترة تم الانتهاء من البناء وفتح للمصلين. 
وقد أضيفت للمسجد منارة في الجهة الشرقية الشمالية، وفتح له بابان خارجيان في الجهة الشرقية والشمالية، والمسجد مقسم بين مصلى غربي وحوش مفتوح في الجانب الشرقي، وأضيفت دورة مياه للمسجد في الجهة الجنوبية.
القبور الأثرية 
OLYMPUS DIGITAL CAMERA         في العام في مطلع الثمانينات قام الحاج جعفر فردان (القيوم) بحفر الأرض الملاصقة للمسجد من الجهة الشمالية وذلك لبناء بلاعة لتصريف مياه المجاري، بعد الحفر إلى عمق أكثر من 4 أقدام اكتشف هياكل عظمية بشرية وآثار لبعض الساجات المتآكلة فتم التوقف عن الحفر في موقع القبور وحفر في جهة أخرى فعثر على ساجة لأحد القبور وكانت طويلة وشكلها مزخرف وتحوي آيات وحروف مزخرفة ومكتوب عليها اسم العالم الشيخ حسين بن ماجد، هذا الاكتشاف كان مهما للكثير من الناس وخصوصا إدارة الآثار التي زارت الموقع وصادرت الساجة الأثرية دون إذن من أبناء المنطقة او قيوم المسجد، ويقول الحاج جعفر انه بحث عن الساجة فلم يجدها وبعد فترة سمع أنها موجودة في المتحف فقام بزيارة للمتحف مع المرحوم الشيخ حسن بن زين فوجدها معروضة في متحف البحرين، وبعد ذلك قام ببناء القبور للحفاظ على معالمها ومواقعها.
من هو البهائي:
هو الشيخ حسين بن عبد الصمد بن الشيخ محمّد الحارثي الجبعي العاملي ، والد الشيخ البهائي المشهور، ولد الشيخ الحارثي في الأوّل من المحرّم 918 هـ ، بمدينة بعلبك في لبنان . 
سفره:
سافر الشيخ الحارثي مع أُستاذه الشهيد الثاني إلى عاصمة الدولة العثمانية ، وأخذ يدرّس في أحد مدارسها ، ثمّ سافر إلى مدينة حلب ليدخل بعض علمائها في مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) بحجّته البالغة ، ولمّا قتل أُستاذه بسبب التعصّب الديني الشنيع ، سافر إلى إيران ، ليستقر مع عائلته في مدينة قزوين التي كانت عاصمة الدولة الصفوية آنذاك ، ليتصدّى إلى أكبر منصب ديني في القضاء ، ويكون معظماً عند ملوكها وأمرائها وعلمائها ، فيقيم فيها سبع سنين ، يدرّس ويعظ وينشر علوم أهل البيت ( عليهم السلام ) ، ثمّ سافر إلى مدينة مشهد المقدّسة ليكون قاضياً فيها ، ثمّ أصبح قاضياً لمدينة هراة في أفغانستان لمدّة ثمان سنوات ، وبعدها سافر إلى بيت الله الحرام للحج والزيارة ، وفي رجوعه استقر في البحرين إلى أن وافاه الأجل فيها .
أقوال العلماء فيه نذكر منهم ما يلي :
1ـ قال الشهيد الثاني في إجازته له: (ممّن انقطع بكلّيته إلى طلب المعالي، ووصل يقظة الأيّام بإحياء الليالي، حتّى أحرز السبق في مجاري ميدانه ، وحصل بفضله السبق على سائر أترابه وأقرانه، وصرف برهة من زمانه في تحصيل هذا العلم، وحصل منه على أكمل نصيب وأوفر سهم).
2ـ قال الشيخ الحر العاملي في أمل الآمل: (وكان عالماً ماهراً، محقّقاً مدقّقاً، متبحرّاً جامعاً، أديباً منشئاً شاعراً، عظيم الشأن ، جليل القدر، ثقة ثقة، من فضلاء تلامذة شيخنا الشهيد الثاني).
3ـ قال الشيخ عبد الله الأصفهاني في رياض العلماء: (كان فاضلاً عالماً جليلاً، أُصولياً متكلّماً فقيهاً، محدّثاً شاعراً ماهراً في صنعة اللغز، وله الغاز مشهورة خاطب بها ولده البهائي، فأجابه هو بأحسن منها، وهما مشهوران، وفي المجاميع مسطوران).
شعره:
عرف للشيخ الحارثي قصائد ومدائح كثيرة في مدح ورثاء أهل البيت (عليهم السلام)، فقد نصرهم وأيّدهم بشعره وأدبه، كما نصرهم بفكره وعلمه، ومن شعره:
إنّ الإقامة في دار تضام بها                    والأرض واسعة عجز فلا تقم
أرجو الخلاص وما أخلصت في                 عمل أرجو النجاة وما ناجيت في الظلم
لكن لي شافعاً ذو العرش شفّعه             أرجو الخلاص به من زلّة القدم
محمّد المصطفى الهادي المشفّع في        يوم الجزاء وخير الخلق كلّهم
كفاك فخراً كمالات خصصـت بها               أخاك حتّى دعوه بارئ النسل
خليفة الله خير الخلق قاطبة                    بعد النبي وباب العلم والحكم
ومن شعره في مدح الإمام المهدي (عليه السلام):
يا مظهر الملّة العظمى وناصرها             لأنت مهديها الهادي إلى اللقم
يا وارث العلم يرويه ويسنده                   إلى جدود تعالوا في علومهم
مآثر الفخر فيكم غير خافية                   والشمس أكبر أن تخفي على الأُمم
أما أساتذته نذكر منهم اثنين: الشيخ زين الدين الجبعي العاملي، المعروف بالشهيد الثاني، والسيّد حسن بن جعفر الكركي .
وتلامذته نذكر منهم ما يلي:
الشيخ أبو محمّد بن عنايت الله المعروف بأبي يزيد البسطامي الثاني، الشيخ حسن بن زين الدين الجبعي العاملي ، ابن الشهيد الثاني، ابنه الشيخ محمّد الحارثي المعروف بالشيخ البهائي، الشيخ رشيد الدين بن الشيخ إبراهيم الأصفهاني، السيّد محمود بن علي الحسيني المازندراني، ابنه الشيخ عبد الصمد الحارثي، والعديد من التلامذة الذين لا يسع المجال لذكرهم.
مؤلفاته: نذكر منها ما يلي:
رسالة في صرف سهم الإمام من الخمس إلى فقراء السادة، تحفة أهل الإيمان في قبلة عراق العجم وخراسان، رسالة في طهارة الحصر والبواري بالشمس، رسالة في مناظرته مع أحد علماء حلب، تعليقات على الصحيفة الكاملة السجادية، التحفة الطهماسية في المواعظ الفقهية، تعليقات على خلاصة الأقوال للعلاّمة، وصول الأخيار إلى أُصول الأخبار، شرح ألفية الشهيد في فقه الصلاة، رسالة في عينية صلاة الجمعة، جوابات الاعتراضات العشرة، شرح قواعد الأحكام للعلاّمة، رسالة في الاعتقادات الحقّة، رسالة في الواجبات الملكية، شرح الأربعين حديثاً، الرسالة الوسواسية، الرسالة الرضاعية، رسالة في الرحلة، ديوان شعر كبير، الغرر والدرر.
قصة إقامته في البحرين
هناك حكاية تروى في بعض الكتب ومفادها أن الشيخ البهائي كان في مكة المشرفة قاصدا المجاورة إلى أن يموت، فرأى أن القيامة قد قامت و جاء الأمر من الله أن يرفع أرض البحرين إلى الجنة.
فلما رأى هذه الرؤيا آثر الجوار فيها والموت في أرضها ورجع من مكة المشرفة وجاء البحرين، فلما سمع علماء البحرين بقدومه وكان لهم مجمع يجتمعون فيه للدرس والمباحثة، ويحضره الفضلاء منهم في مسجد من مساجد جد حفص، علموا أن الشيخ لابد أن يحضر هذا المجمع .
و كان من جملة فضلاء تلك البلدة الشيخ داود المشهور بالجدل، فأخرجوه من المجمع وحوزة البحث قبل قدوم الشيخ البهائي، فلما سمعوا بقدومه أرسلوا إليه فالتمسوا منه الحضور، فبينما وصل الشيخ إلى البحرين زاروه وجللوه و وقروه كما هو أهله.
فاتفق سماعه بذلك المجمع، فحضر ذات يوم و ليس في ذلك الوقت فيهم من يقابله ويكون في درجته، ثم اتفق البحث كما هو العادة الجارية بين العلماء في جميع الأصقاع، فابتدر الشيخ داود لمنازعة الشيخ حسين طاب ثراه مع أنه لا نسبة له إليه، فلما انقضى المجلس ومضى الشيخ البهائي كتب هذين البيتين:
أناس في أوال قد تصدوا لمحوا العلم و اشتغلوا بلم لم
فان باحثتهم لم تلق منهم سوى حرفين لم لم لا نسلم
وأقام الشيخ المذكور في تلك البلاد حتى توفى إلى رحمة الله، وقبره في قرية المصلى.
ويذكر البلادي في أنوار البدرين قائلا: سمعت من الوالد العلامة الإستاد طيب الله روحه الشريف أن تلك المباحثة صارت سببا لهمه وحماه، فاستمر المرض إلى أن مات، ولا هم أجل من صحبة الجاهل مع العالم.
تاريخ الوفاة
توفّي الشيخ الحارثي في الثامن من ربيع الأوّل سنة 984 هـ (1576 م)، عن ستة وستين وشهرين وسبعة أيام ، ودفن في مقبرة أبو عنبرة في الخميس شمالاً من المسجد الشيخ راشد (أعيان الشيعة 6 / 56)
ويقال إن قبره عليه صخرة مكتوب عليها اسمه واسم أبيه وبلاده وتأريخ وفاته، وقد رثاه ابنه الشيخ البهائي بقصيدة مشهورة ورد فيها اسم قرية المصلى، منها قوله:
يا سادة هجروا واستوطنوا هجرا                واها لقلبي المعنى بعدكم واها
يا ثاويا بالمصلى من قرى هجر                  كسيت من حلل الرضوان أرضاها
أقمت يا بحر بالبحرين فاجتمعت                 ثلاثة كن أمثالا وأشباها
ثلاثة أنت انداها وأغزرها                           جودا وأعذبها طعما وأحلاها
حويت من درر العلياء ما حويا                    لكن درك أعلاها وأغلاها
يا أخمصا وطأت هام السهى شرفا          سقاك من ديم الوسمي اسماها
ويا ضريحا علا فوق السماك علا                 عليك من صلوات اللّه أزكاها
فيك ‏انطوى ‏من ‏شموس ‏الفضل               ‏ازهرها ومن معالم دين اللّه أسناها
ومن شوامخ اطواد الفتوة ارســــــــــــــاها وارفعها قدرا وأبهاها
فاسحب على‏الفلك الأعلى ‏ذيول‏علا        فقد حويت من العلياء أعلاها
عليك مني سلام اللّه ما صدحت            على غصون أراك الدوح ورقاها
هذا العالم الجليل كان موجودا في البحرين قبل 450 عام وقبله احتضنت هذه الارض الطاهرة الكثير من العلماء والفقهاء منذ زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وثم أهل البيت عليهم السلام وحتى يومنا هذا ما زالت هذه الأرض تنجب العلماء وستبقى كذلك حتى قيام يوم الساعة.

 

OLYMPUS DIGITAL CAMERA

المزرعة التي اكتشفت فيها القبور

OLYMPUS DIGITAL CAMERA

قبر الشيخ حسين بن ماجد وهذا الشاهدالذي وضع مكان الساجة المصادرة من قبل ادارة الاثار

OLYMPUS DIGITAL CAMERA

شاهد قبر الشيخ حسين بن ماجد من زاوية اخرى

OLYMPUS DIGITAL CAMERA

الحاج ميرزا يقف في موقع بيت الشيخ البهائي الذي تحولت ارضه  الى ملك خاص لبعض الاهالي

OLYMPUS DIGITAL CAMERA

الحدود التقريبية لموقع البيت

OLYMPUS DIGITAL CAMERA

قاعة المسجد من الداخل

OLYMPUS DIGITAL CAMERA

الحاج جعفر بن فردان يشير الى وقف للمسجد عبارة عن ارض لم يتم توثيقها للان

OLYMPUS DIGITAL CAMERA

ميرزا ووالده الحاج جعفر الذي ما زال يذكر بيت البهائي القديم الذي كان موجودا قبل عقود وما زال يتحسر على تلك الاثار المباركة التي انتهت بسبب الاهمال

 

OLYMPUS DIGITAL CAMERA

يقفان امام وقف للمسجد ويقولان هنا كان نهرا جاريا ذو مياه عذبة وفي اليمين توجد عين عذبة وهذا حالهما

 

OLYMPUS DIGITAL CAMERA

يشير الى وقف اخر للمسجد بجانب بيت البهائي (قدس)

 

 OLYMPUS DIGITAL CAMERA

الحاج جعفر غير متفائل فهناك اوقاف ربما تضيع في اي وقت ويقول اذا ذهبت بعد عمر طويل ستضيع الكثير من المعلومات المتعلقة بالمسجد والاوقاف التابعة للمسجد

 

OLYMPUS DIGITAL CAMERA

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مسجد البهائي الضارب في جذور التاريخ وعمره اكثر من 500 عام، مدخل المسجد من الجهة الشمالية

 

OLYMPUS DIGITAL CAMERA

 

منارة المسجد شامخة في السماء كشموخ الشيخ البهائي في التاريخ والعلماء

اتمنى ان ياتي اليوم الذي يلتفت الناس لهذا المسجد وتتجه له عيون الناس فهو لا يقل اهمية عن بقية المساجد التاريخية

اخوكم جاسم حسين ابراهيم آل عباس