tttttمذكرات بلجريف مستشار حكومة البحرين سابقاً
تأليف: السير تشارلز بلجريف
ترجمة: مهدي عبد الله
الطبعة الاولى 1411 هـ ـ 1991 م

اهداء
إلى أم أيمن
رفيقة الدّرب
أُهدي باكورة أعمالي
مهدي عبد الله
المترجم
ـ مهدي عبد الله
ـ بحريني الجنسية
ـ بعد إكماله الثانوية العامة، حصل على بعثة لدراسة الهندسة في الجامعة الأمريكية في بيروت حيث أمضى ثلاث سنوات هناك، لكنه لم يستكمل دراسته.
ـ حصل على شهادات في مجال برمجة الكومبيوتر والمحاسبة واللغة الإنجليزية.
ـ عمل مترجماً ومحرّراً في العديد من الصحف والمجلات المحليّة.
ـ له إهتمامات بكتابة القصة القصيرة وترجمة المواضيع المتعلقة بتاريخ البحرين الحديث، كما يهوى التصوير الفوتوغرافي.
ـ يشغل حالياً منصب مساعد سكرتير مجلس الإدارة بالشركة العربية لبناء وإصلاح السفن (أسري) في البحرين.
ـ عضو مجلس إدارة نادي جد حفص الثقافي والرياضي.
شكر واجب
أتقدم بالشكر إلى الاستاذ علي سيّار، رئيس تحرير مجلة "صدى الأسبوع" البحرينية، الذي أتاح لي الفرصة لترجمة الكتاب، كما أشكر أسرة تحرير المجلة على تعاونها معي لإخراج حلقاته بالصورة اللائقة، وأخص بالذكر الصديق الشاعر أشرف عامر والمخرج عبد العزيز الحميد.
م. ع
الفصل الأول
" التايمز" وراء عملي في البحرين!
في صباح يوم العاشر من أغسطس 1925، كنت أتناول طعام الافطار في شقتي الكائنة في تشلسيا. وبعد أن إنتهيت من افطاري أخذت أتصفح جريدة التايمز، ولفت نظري الإعلان التالي في زاوية "الوظائف الشاغرة":
"مطلوب شاب يتراوح عمره بين 22 إلى 28 سنة على أن يكون جامعياً أو أنهى الدراسة العامة وذلك للعمل في دولة شرقية.
يعطى المرشح المناسب راتباً جيداً. ويجب أن يكون المتقدم لائقاً جسمانياً، وله معارف كثيرون يمكن الرجوع إليهم. الطلاقة في اللغة الانجليزية عامل مساعد للقبول. يرجى الكتابة إلى جريدة التايمز".
كنت وقتها في إجازة بعد أن مضيت عامين في تنجانيقا بشرق أفريقيا حيث كنت أعمل ضابطاً إدارياً في قسم خدمات المستعمرات وكان هناك أمل ضئيل بعودتي إلى تلك البلاد، بالإضافة إلى إنني أعتزم الزواج، وكنت أرى أن لا مستقبل مشرقاً ينتظرني في تلك الوظيفة بمرتبها المحدود الّذي أحصل عليه من العمل في ذلك القسم.
قبل الذهاب إلى أفريقيا، كنت ضابطاً احتياطياً في الجيش بعد أن درست في جامعة اكسفورد وحصلت على شهادة O.T.C، وقد عملت في خدمة الجيش في السودان وفلسطين ومصر، وتعرّفت خلال خدمتي في هذه البلدان العربية على العديد من الاصدقاء وتعلمت التحدث باللهجة المصرية ولكن ليس إلى درجة الإتقان.
وكان أن كتبت إلى الجريدة ارشح نفسي لشغل الوظيفة المعلن عنها ربما بداعي الفضول أكثر مما كنت اتوقع بأن ذلك قد يؤدي إلى شئ ما في المستقبل.
وبعدها بأيام استلمت رسالة تتضمن أسئلة كثيرة عن شخصي أكثر من الأسئلة الموجهة لمعرفة قدراتي الوظيفية .
لذلك رأيت قبل أن أجيب عن الأسئلة ان استشير شخصين خبيرين بأُمور الحياة وعلى معرفة بالعالم. أحدهما قال لي أن هذه الوظيفة غير مأمونة العواقب ومشبوهة،بينما قال لي الشخص الآخر: من الأفضل أن تبقى هنا.
لكن السير ريجنالد ونجيت الذي عملت تحت خدمته في السودان نصحني بمتابعة الموضوع. وقد أخذت بنصيحته وأجبت على إستفسارات الرسالة. وكان من ضمن الاسئلة سؤال حول هواياتي، وذكرت في ردي على هذا السؤال بأنني أهوى الرسم.. وقد عَلمتُ فيما بعد، أن هذه الهواية كانت سبباً كبيراً في تقليل فرصتي للحصول على الوظيفة.
ولا زلت حتّى اليوم لا أفهم كيف ينظر إلى الرسم بعين الشك والحذر!!
بعدها بأيام دعيت لحضور مقابلة بفندق يقع في وست إند حيث التقيت مع رجل بدا من هيئته أنه غير عادي وملئ بالنشاط وله لحية بارزة. وقد سألني أسئلة كثيرة لا حصر لها وبعدها أخبرني أن الوظيفة ستكون في البحرين بالخليج العربي.
كانت معلوماتي عن الخليج سطحية جداً، وأذكر أن طاقم السفينة التي نقلتني في طريق عودتي من الإجازة وصفه لي بأنه "جهنم" اما البحرين فلم أكن أعرف عنها شيئاً. وقال لي الرجل الّذي قابلني وهو الميجور كليف ديلي، من قسم الخدمات السياسية الهندية منهياً المقابلة بأن هناك عدداً كبيراً من المرشحين لهذه الوظيفة.
بعد المقابلة رأيت نفسي في شوق للحصول على الوظيفة، وعندها حاولت أن أجمع كل ما أستطيعه من المعلومات عن البحرين. لم يكن أحد قد سمع عن ذلك البلد من قبل وظن أصدقائي أنه من العيب جداً أن يعلن عن وظيفة ذات مسؤولية حكومية في زاوية الوظائف الشاغرة بجريدة التايمز.
وفجأة ورد إسم البحرين ضمن الأخبار، حيث ضربت عاصفة شديدة الخليج العربي وتعرض العديد من قوارب أسطول صيد اللؤلؤ للغرق وذكرت الصحف البريطانية بعض المعلومات الخاطئة عن جزر البحرين والتي قرأتها بتلهف.
ولا يزال شعب البحرين إلى اليوم يتذكر تلك السنة المشهورة لديه والمعروفة بإسم "سنة الطبعة" حيث يؤرخ بها للاحداث التي وقعت في البحرين على أنها قبل الطبعة أو بعدها.
ثم دعيت لحضور مقابلة أخرى في لندن، هذه المرة مع الكولونيل بريدوكس المقيم البريطاني في الخليج الذي أوضح لي بأن البحرين إمارة عربية مستقلة تربطها علاقة معاهدة حميمة مع بريطانيا لعشرات السنين.
وأضاف الكولونيل أن الحاكم الحالي للبحرين الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة قد زار إنجلترا مؤخراً لأول مرة وأعرب عن رغبته في توظيف شخص إنجليزي كمستشار له. واستطرد الكولونيل: إنه نظراً لعدم توفر الشخص المناسب لهذا المنصب رأى الوكيل السياسي كليف ديلي أن ينشر إعلاناً عن تلك الوظيفة في التايمز.
ثم جاءت اللحظة الفاصلة في مكتب الهند بلندن الّذي كان يختص بشؤون الخليج حيث قابلني هناك السير آثر باثرمان المستشار السياسي لوزير الخارجية لشؤون الهند الّذي أعرب عن قبوله لي لشغل منصب مستشار الشيخ براتب قدره 720 جنيهاً إسترلينياً سنوياً بالإضافة إلى علاوة شهرية مقدارها 15 جنيهاً، وكان هذا العرض مغرباً بالنسبة لي قياساً إلى رواتب تلك الأيام.
وكان أحد شروط التعيين ألاّ آخذ إجازة بعد إكمال أربع سنوات من العمل وقد وافقت على هذا الشرط.. لكنني بعد أن عشت في البحرين وجربت صيفها الملتهب الحرارة قبل عصر المراوح الكهربائية والثلاجات والمياه الموصلة للبيوت، طلبت من الشيخ أن يعطيني إجازة مرة واحدة كل سنتين وقد وافق الشيخ على ذلك.
وبناء على نصحية الميجور كليف ديلي التحقت بمعهد الدراسات الأفريقية والشرقية لمدة ثلاثة أشهر لتقوية حصيلتي من اللغة العربية وللتحدث بصورة سليمة.
في يناير من عام 1926 تمت خطوبتي على مارجوري لبل باريت لينارد التي كان والداها صديقين قديمين لعائلتنا. ولم تكن لأحد من أفراد العائلتين أية علاقة خاصة بالشرق. كما لم أكن أنا أو خطيبتي في ذلك الوقت نتصور الظروف المعيشية البدائية المتعبة التي سنواجهها خلال سنواتنا الأولى التي سنقضيها في البحرين.
قبل السفر، أبلغني الميجور ديلي بأنه بإمكاني أن أنفق مبلغ 200 جنيه لشراء أثاث للبيت الذي تم بناؤه خصيصاً لي في البحرين.. وفي تلك الأيام كان هناك شئ قليل جداً يمكن ان يشتريه الناس لاستعمالهم الخاص ولذلك طلبت تزويدي بمؤونة من الخضروات ومن الأطعمة المعلبة لفترة سنة كاملة.
وقد اكتشفت إنني إرتكبت خطأ بطلب كميات كبيرة من علب طحين الكعك "والكستر" حيث يندر استعمالهما في البحرين.
تزوجت في 27 فبراير 1926 بكنيسة القديس مارك في برايتون وكان حفل الزواج كبيراً وممتعاً. وعند ذهابنا للندن أخبرت زوجتي بأنني لا أعتقد بأننا يجب أن نبقى في البحرين لأكثر من عشر سنوات كحد أقصى.
مكثنا خمسة أيام في لندن ثم بدأنا رحلة شهر العسل في طريقنا إلى البحرين. وكان أول خط في الرحلة هو التوجه بالقطار إلى سويسرا حيث قضينا عدة أيام ركبنا بعدها سفينة نقلتنا إلى ميناء الاسكندرية ومنها إلى القاهرة.. وبعد قضاء ليلة واحدة في القاهرة استقللنا قطاراً متجهاً إلى حيفا بفلسطين.. وهي قرية جميلة وهادئة. ومن حيفا ركبنا السيارات إلى بغداد عبر بيروت وطرابلس وبعلبك "والرطبة" وكانت السيارات التي ركبنا فيها مكشوفة تقريباً، والرحلة شاقة ومرهقة جداً.
عموماً كان السفر عبر الصحراء مغامرة غير مأمونة حيث كان رجال القبائل من الدروز في حالة ثورة وتمرد ضد الفرنسيين وكان هناك خطر دائم من مهاجمتهم لنا. وصلنا بغداد ونحن متسخين جداً ومتعبين.
وبعد أن بقينا ليلة واحدة فيها انطلقنا بالقطار إلى البصرة للحاق بالسفينة التي تنقل البريد الخاص بالهند (البريطانية) كل أسبوعين مرة واحدة مروراً بالبحرين. لكن لسوء حظنا، كانت السفينة قد أبحرت قبل موعدها على غير المعتاد… لذلك فاتتنا فرصة السفر على متنها.
في ذلك الوقت كان لديّ القليل من المال، ولم أكن أعرف أحداً في البصرة وخشيت أن يحدث لنا مكروه أثناء فترة الانتظار التي امتدت لأسبوعين فقمت بإرسال برقية إلى الكولونيل (بريد وكس) في مدينة بوشهر بإيران أساله فيها عما ينبغي عمله.. ولحسن حظي قام الكولونيل بعد استلام برقيتي بترتيب نقلي في سفينة حربية متجهة إلى الهند مروراً ببوشهر.
قضينا أنا زوجتي ليلة واحدة في منزل الكولونيل (بريد وكس) ببوشهر التي كانت واحدة من أهم الموانئ سابقاً ولكنها اصبحت الآن مليئة بالدكاكين الخالية التي يبدو انها في طريقها إلى الانقراض.
هذه المدينة الفارسية الرئيسية هي أقرب ميناء للبحرين. وعبر هذه المدينة هاجم الايرانيون البحرين واستطاعوا أن يحكموا سيطرتهم عليها لفترات متفاوتة من تاريخها.. لكنهم لم يكونوا الدولة الوحيدة التي سيطرت على البحرين.
فقد احتلها البرتغاليون لفترة تقارب المائة عام إلى أن تم طردهم على أيدي الفرس والعرب من سكان البحرين في عام 1602.
وقد حكم الايرانيون جزر البحرين حتّى تم دحرهم بواسطة العمانيين تحت سيطرة الوهابيين، ولكن ولمرة أخرى استطاع حاكم بوشهر أن يدخل البحرين ويسيطر عليها في منتصف القرن الثامن عشر، على أن الأمر لم يطلق للايرانيين فقد تمت هزيمتهم وطردهم على يد آل خليفة أجداد الحاكم الحالي للبحرين الذين هاجموا الجزيرة من الزبارة على الساحل القطري حيث كانوا يقطنون. وهكذا ومنذ عام 1783 أصبح آل خليفة هم حكام البحرين حتّى الآن.
كانت تلك هي المرة الأولى والوحيدة التي تحط فيها قدماي على أرض فارسية وكان أسفي عظيماً لأنني لم أتمكن طوال حياتي من رؤية المدن الفارسية الجميلة. ويعود السبب في ذلك إلى ان إيران كانت تطالب بالبحرين باعتبارها تابعة لها.
في اليوم التالي ركبنا سفينة البرقيات باتريك ستيوارات التي كانت متجهة إلى البحرين، وبعد قضاء ليلة صعبة في البحر وقفت السفينة على بعد ثلاثة أميال من ساحل الجزيرة الطويلة والمنخفضة. كان البحر ساعتها هادئاً ومياهه خضراء لامعة، وعلى الساحل إنتشرت أشجار النخيل، وكان قبالة المرسى الذي وقفنا فيه مدينة، وإلى الشرق على بعد أميال قليلة توجد مدينة أخرى على جزيرة مجاورة. وتجمعت قوارب صغيرة لتنقل الأهالي الذين يرتدون الثياب البيضاء عبر البحر إلى هاتين المدينتين.
لقد وصلنا إلى نهاية رحلتنا: إذن هذه هي البحرين..!
الفصل الثاني
الشيخ حمد تولى رئاسة البلدية لتأخذ قراراتها قوة القانون!!
نزلنا من السفينة إلى قارب صغير (لنش) في المياه الضحلة التي تبعد ثلاثة أميال عن الساحل وبعد قليل وصلنا إلى رصيف حجري (الفُرضة) حيث كان الميجور ديلي في إستقبالنا.
تذكرت وأنا أطأ أرض "الفرضة" اللورد كروزن نائب ملكة بريطانيا في الهند عندما زار البحرين عام 1901 م حيث لم يكن الرصيف قد بني بعد…
وقد تم يومها نقل ذلك الرجل المهم جداً في قارب خاص وهو يجلس على كرسي شد إلى ذلك "اللنش".
وبعد سنوات من هذه الحادثة نُقل أحد المقيمين السياسيين بنفس الطريقة بحجة أنه كان مصاباً بداء المفاصل ولا يقوى على الحركة أو تحمل اهتزازات القارب وما كان ذلك صحيحاً وإنما كان الرجل يريد أن يقلد اللورد!!
بعد بناء الرصيف، لم تكن عملية نزول الشخصيات الرسمية تجري بصورة لائقة بمقامها: إذ كان على هذه الشخصيات أن تقفز من قارب متحرك إلى درجات سلم الرصيف غير الثابتة، وعادة ما تكون في استقبالها فرقة الاستقبال إلى جانب الحرس الشرفي وفرقة الشرطة.
اما اليوم فالناس ـ في البحرين ـ أو معظمهم يسافرون جواً أو عن طريق البحر لكن بسهولة أكثر، إذ أصبح باستطاعة القوارب أن تنقل المسافرين من السفينة إلى الرصيف الممتد مسافة ربع ميل فقط داخل البحر، بكل يسر.
مع ذلك ما زالت السفن ترسو على بعد ثلاثة أميال من "الفرضة" .
a a a
استقبلنا الميجور ديلي على الرصيف وكان قد وصل إلى هناك بسيارته…
a a a
بعد ان رحب الرجل بنا.. أخذنا معه في سيارته في جولة بالمنامة حيث شاهدنا السوق ذي الشوارع (الازقة) شديدة الضيق ومن ثم اتجهنا إلى الوكالة (القنصلية) البريطانية المنتصبة على الساحل… كان مبناها ضخماً وبه شرفات ونوافذ كثيرة.. وقد تم تشييده سنة 1900 م بتكلفة قدرها ألفي جنيه إسترليني… وكان الناس يعتبرونه في ذلك الوقت المبنى الاكثر جمالاً واتساعاً في البحرين… وقد أجريت بعض التعديلات والتوسيعات عليه خلال النصف قرن الماضي.
وفي سنة 1954 إنهار سقف المبنى دون سابق إنذار وحطم بذلك غرفة الأكل بعد لحظات من انتهاء المقيمين من تناولهم الطعام في نفس المكان.
وعلى أثر ذلك الحادث تم تشييد مبنى جديد في عام 1955.
هناك استقبلتنا زوجة الميجور (ديلي) بحفاوة بالغة وتم تعريفنا بالشخصيات القيادية في هذا البلد.
ونظراً لوصولنا في شهر رمضان فقد كان المكان هادئاً جداً.
مدينتا المنامة والمحرق كانتا نموذجين للمدن العربية الساحلية، إذ كانت البيوت مشيدة من الصخور المستخرجة من البحر… وقليل منها كان يتألف من طابقين أو أكثر.
أما الازقة والطرق داخل المدينتين فقد كانت جداً ضيقة ومتعرجة والدكاكين صغيرة ذات أبواب خشبية ولا توجد إلاّ بضائع قليلة ذات منشأ أوروبي.
أما الاسماك والخضروات واللحوم فقد كانت تباع في محلات صغيرة مكشوفة (فرشات).
وكانت المباني الوحيدة الملفتة للانتباه: الوكالة البريطانية وبيوت الإرسالية الامريكية التبشيرية، ومكتب شركة ما بين النهرين وفارس، وكيلة خطوط الملاحة الهندية البريطانية في البحرين.
بعد أيام قليلة من وصولنا أخذني الميجور ديلي إلى المكاتب الحكومية وهي: مبنى الجمارك، ومكتب الشيخ، والمحكمة، وكلها موجودة في بيتين آيلين للسقوط قرب الميناء… وكان معظم الموظفين والكتاب من الهنود العاملين تحت إشراف كلودي جيردينير ضابط الجمارك الانجليزي.
كما كان هناك ضابط شرطة إنجليزي يعمل هو الآخر معهم وهو من الجيش الهندي.. وكان الرجلان هما المسؤولين الوحيدين يعملان في خدمة الشيخ.
رئيس مكتب الشيخ حمد إسمه الحاج صقر الزياني، وهو رجل طاعن في السن ذو شخصية جذابة… كما يعرف كل كبيرة وصغيرة عن كل شخص في البحرين.. وكان لهذا الرجل فضل تعليمي الطريقة التي يجب ان أتعامل بها مع النّاس بحسب مكانتهم وكان مواظباً على العمل في مكتبه حتّى وفاته.. وكان الشابان اللذان يعملان تحت إشرافه يتكلمان القليل من الانجليزية.
أما مكتب الشرطة فقد كان موجوداً في قلعة خلف المدينة فيما كان مركز الشرطة يقع وسط السوق بأحد الدكاكين.
في ذلك الوقت لم يكن يوجد بالبحرين سوى مدرسة واحدة أما البلدية فكانت بالمنامة ويرأسها الشيخ حمد بنفسه… وذلك حتّى يضفي على القرارات التي تتخذها صبغة القانون.
كان لدى البعثة التبشيرية الأمريكية مستشفى صغير يعمل به مساعد جراح ملحق بالوكالة، وبه أُسرّة قليلة في الطابق الأرضي في بيته ويحمل إسم مستشفى الملكة فكتوريا التذكاري ذا الشهرة الواسعة.
كما كانت طرقات المدينة غير معبدة، والطرق المؤدية إلى داخل الجزيرة يغلب عليها الطابع الصحراوي.
اما البيوت فقد كان معظمها مسقفاً بسعف النخيل والحصر، وتسمى الحجرة الواحدة منها "برستي".
الماء الذي يشربه الناس كان يجلب من العيون الجارية.. وهو غير صحي، مع ذلك كان يباع في السوق!!
أما الماء الذي يستخرج من أحد الآبار التي تقع على بعد عشرة أميال من المنامة، فقد كان يباع بسعر مرتفع جداً، إذ كانوا ينقلونه في "قرب" من الجلد على ظهور الحمير، ورغم هذه الظروف البائسة كان النّاس أصحاء الأبدان، سعداء!!
a a a
بعد أيام انتقلنا إلى سكن آخر مؤقت في بيت عربي قديم يطل على مكاتب بصدد البناء، وتوجد فوق هذه المكاتب شقة تعد لسكننا في أقرب وقت.
كان الدور الأرضي للبيت الذي انتقلنا إليه والذي يستخدمه المالك مخزناً له، مليئاً بالفشران!!
والطابق العلوي مكون من غرفتين واسعتين، وعلى السطح يوجد المطبخ والحمام. ولم تكن الكهرباء قد دخلت بعد إلى البحرين ولذلك كان لزاماً علينا إستخدام الشموع والمصابيح الزيتية وقد عانينا طويلاً من الحرارة المنبعثة من المصابيح التي تهدد بالانفجار، ومن ذوبان الشموع!!
الماء المالح كان يحمله إلينا رجل في تنكتين يعلقهما في عصا طويلة يحملها على كتفيه.
أما الماء الصالح للشرب فقد كان يأتينا من السفن التي كانت تحمل البريد للبحرين مرة كل أسبوعين ولأن الثلج لم يكن متوفراً آنذاك فقد كنا نضع الماء في أوانٍ فخارية لتبريده، وكانت المرافق الصحية على النمط الهندي.
بالنسبة للطبخ فقد كان يتم في موضع طيني وذلك بإشعال النار في الفحم.
وكنا ندفع للخدم الثلاثة تسعة جنيهات شهرياً مقابل خدمتهم لنا وكنت أرى المبلغ ـ آنذاك ـ كبيراً لكنه تضاعف بعد ذلك ليصل في السنين الأخيرة إلى ستين جنيهاً.
من ناحية ثانية كانت جدران المطبخ الخشبية كثيرة الاهتزاز تصدر عنها أصوات مزعجة كلما هبت الرياح.
وعند بداية إقامتنا بالسكن الجديد سلَّمنا الميجور ديلي بعض القطع من الأثاث على سبيل الإعارة في انتظار وصول حاجياتنا من بريطانيا.
a a a
كان أول ظهور لي أنا وزوجتي في حفلة أقامتها البعثة الأمريكية وحضرتها الجالية الأوروبية في البحرين والتي كانت مكونة من أثني عشر شخصاً.
وقد أشاعت الشركة التي كان يتم بها إقامة المبنى، الذي سنقيم به مستقبلاً، فينا روح التفاؤل، إذ كان البناؤون ينجزون عملهم وهم يرددون الاغاني والاهازيج الشرقية.
ونتيجة عملية البناء اصبحت جميع قطع الأثاث بما في ذلك هدايا زواجنا مغطاة بطبقة سميكة من الغبار. رغم ذلك فقد استمتعنا بالحياة هناك.
a a a
بعد أربعة أيام من وصولنا دعانا الشيخ حمد إلى لقائه بقصره الكائن "بالصخر" وقد أقلتنا سيارتان يصحبنا الميجور ديلي وزوجته وابنه (7 سنوات) وعبد الله بن جبر الدوسري سكرتير الشيخ وهو رجل وسيم جداً من قبيلة الدواسر شبيه بكبار نجوم السينما هذا فضلاً عن الميجور فرانك هولمز.
وفرانك هولمز نيوزيلاندي مثل شركة بريطانية صغيرة حصلت على امتياز للتنقيب على النفط وحفر الآبار في البحرين من قبل الشيخ حمد. ولم يكن هذا الشخص عادياً فقد كان يذكرني "بسومرست موم" الأديب الشهير الذي عاش متنقلاً بين أرجاء العالم، يشتاق الجميع إلى سماع قصصه الحية عن الناس الذين قابلهم في حياته، ورغم انّه كان يبدو كشخص استعماري ماكر فإن سلوكه ينطوي على قدرة كبيرة في التعامل مع العرب لم يكن يتحدث إلاّ بلغته مع ذلك فهو يستطيع التفاهم جيداً مع المواطنين البحرينيين الذين تعودوا على طريقته في الصراخ في وجوههم بل وضربهم على ظهورهم أحياناً!!
وهو رجل ضخم الجثة، أحمر الوجه بفعل حرارة الشمس ذو عينين زرقاوين يضع قبعة على رأسه، ويرتدي صدرية تحت معطفه دائماً حتّى في فصل الصيف ويحمل عصاً يستخدمها للمشي ويضرب بها سائقه إذا أسرع كثيراً أو أبطأ من اللزوم!!
كان دائماً يتباهى بأنه كان يعطي خدمه أجوراً اضافة مقابل معاملتهم بمثل هذه القسوة.
وكان الرجل واسع الخبرة والمعرفة في مجالات الأدب والتاريخ الطبيعي والانجيل وعلوم الفضاء والجيولوجيا، إضافة إلى إهتمامه بالتحف الشرقية المصنوعة في الصين.
لقد كان هولمز إحدى الشخصيات القليلة التي قابلناها في الأيام الأولى لوصولنا، والذي كان يتكلم لغتنا، وقد إزداد حبنا له بقدر تعرفنا عليه.
ويرجع الفضل في إكتشاف النفط في الخليج لهذا الرجل.. فقد كان واثقاً منذ البداية من وجود البترول في البحرين.
a a a
بعد مغادرتنا مدينة المنامة، سلكنا طريقاً ملتوياً تمتد على جانبيه بساتين النخيل.
وبعد ان إجترنا هذه البساتين دخلنا في الصحراء المفتوحة ثم صعدنا إلى مرتفع عبر مساحة واسعة من القبور والمدافن التلالية (تلال عالي)، ومن هناك شاهدنا جبل الدخان الذي لا يزيد ارتفاعه على مائة وخمسين قدماً في وسط الجزيرة.
كان قصر الشيخ حمد الواقع عند سفح الجبل وسط الصحراء مكوناً من مبان بيضاء اللون، وكانت المنطقة خالية من كل ما هو أخضر.
عند وصولنا إلى القصر شاهدنا رجلاً طويلاً مهيباً يرتدي ثياباً بيضاء.. ينتظرنا على الباب في ضوء القمر، وقد إرتدى (بشتاً) أبيض مصنوعاً من الحرير الفاخر وعلى رأسه "غترة" كشميرية عليها عقال ذهبي اللون. وكان ضوء القمر ينعكس على الخنجر الذهبي الذي يضعه في خصره، وعلى الخاتم الذي يضعه في أحد أصابع يده اليمنى، وكان نصل الخنجر جلدياً مطرزاً بخيوط حريرية ملونة.
وعندما إقتربنا منه قدمه لي الميجور ديلي قائلاً: هذا هو الشيخ حمد.
بدا الشيخ أنيقاً وسيماً جميل الوجه ذا عينين سوداوين ولحية سوداء، رحب بنا بحرارة ثم إستدار نحو الميجور ديلي قائلاً: "إذن هذا هو مستشاري؟".
ثم أخذني من يدي وقال لي: نرحب بك في البحرين ونتمنى أن تكون سعيداً بيننا!.
ومن حسن حظي أنني لم أجد صعوبة في فهم ما قاله الشيخ نظراً لمعرفتي باللغة العربية.
وعندما استقر بنا المقام بدأ الشيخ يسألني عن رحلتي الطويلة وعن الصعوبات التي واجهتها.
ثم جلسنا في غرفة الإستقبال "المجلس" المفروشة بالسجاد وقد بدت في صورة بديعة. وكان طول المجلس أربعين قدماً، جدرانه مكسوة بالزخارف العربية المصنوعة من الجبس وهوفن آيل للانقراض في البحرين وكانت أبواب المجلس ونوافذه مصنوعة من خشب الساج المستورد من الهند ويتكون السقف من أعمدة شجر عليها شبكة من خطوط الخيزران المتواصلة ثم مجموعة من الحصر تغطيه طبقة سميكة من الطين حيث أن بناء الكونكريت لم يدخل البحرين بعد.
نادى الشيخ بالقهوة وبعد لحظات جاء أحد الخدم وصب لنا كمية قليلة منها من "دلة" نحاسية في فنجان وبعد شرب القهوة حان وقت العشاء فجاء الخدم يحملون الطعام في صوان نحاسية كبيرة وجاء خادم آخر فصب على أيدينا الماء من أبريق طويل، وبعد ذلك جلسنا حول "سفرة" دائرية صنعت من سعف النخيل، وتناولنا طعام "الغوزي" ونحن على الأرض، وكان الطعام لذيذاً.
أثناء الأكل كنا صامتين، إذ أن العرب يرون أن فترة الأكل هي للأكل فقط وليست للكلام أو النقاش.
بعد الإنتهاء من العشاء هممت بتدخين سيجارة لكن الميجور ديلي أشار علي بعدم التدخين لأن الشيخ حمد لا يدخن ولا يحب أن يرى من يدخن أمامه.
وبعد فترة طويلة من إكتشاف النفط كان أحد الضيوف الأمريكيين الكبار يتعشى مع الشيخ حمد، وكان يستمد معلوماته عن الشرق من الصحافة الأمريكية وهي معلومات خاطئة في معظمها تنقصها الدقة.
سألني هذا الرجل ونحن على مائدة العشاء فيما إذا كان الشيخ سيسمح له بأكل عين الماعز فأجبته:
كلا هذا شئ مرفوض هنا.
لكن الرجل لم يصمت، بل استمر في الحديث عن عين الماعز الأمر الذي أثار انتباه الشيخ فاستفسر عما يريده فأخبرته بذلك.
سألني الشيخ عما إذا كان الرجل جاداً في كلامه فأجبته:
"يبدو أنه جاد فعلاً". فسحب الشيخ أحد رؤوس الأغنام من على المائدة وأستخرج منها العين وسلمها للأمريكي. فاغتبط الرجل إغتباطاً. وإلتهمها كاملة أمام إستغرابنا ودهشتنا.
بعد العشاء تبادلنا أطراف الحديث وكان الشيخ متشوقاً لمعرفة تفاصيل رحلتي ومستغرباً لسفري بعد 5 أيام من زواجي، وقد بدأ القلق على وجهه.
ثم دار نقاش طويل بينه وبين الميجور ديلي حول الوضع في البحرين.
وعند مغادرتنا للقصر تم تعطيرنا بماء الورد ودارت المباخر بالبخور ذي الرائحة العبقة.
قضاة البحرين يشبهون شخصيات شكسبير
الشيخ خلف العصفور.. شعبيته موجودة في القرى
كان الشيخ حمد قلقاً بسبب انعدام استقرار الاوضاع وتدني مستوى الأمن. وقد شرح لي الميجور ديلي هذا الوضع الداخلي المعقد في البحرين والذي وصفته في مفكرتي بأنه خليط من الميلودراما المسرحية… لكن فيما بعد، عندما قابلت الشخصيات الرئيسية في البلد، وجدت أن الوضع يشبه إلى حد كبير إحدى مسرحيات شكسبير، فبدلاً من الملوك والأمراء، يوجد الحاكم والشيوخ، وبدلاً من أساقفة الكنائس يوجد القضاة الدينيون الذين يشبهون في مظهرهم وفصاحتهم الشخصيات التي صوّرها شكسبير في مسرحياتها.
جاء الاحتفال بعيد الفطر بعد أيام قليلة من وصولنا للبحرين. وذهبنا مع الميجور ديلي إلى المحرق بواسطة "اللنش" التابع للقنصلية البريطانية، للسلام على الشيوخ الكبار، بينما ذهبت زوجاتنا لزيارة حرم الشيخ حمد. كانت زوجتي "مارجوري" معجبة جدا بحرم الشيخ وبذكائها كما أصبحت فيما بعد صديقة حميمة لها.
وكانت مارجوري تستشيرها في كثير من الأُمور والمشاكل الخاصة بمدارس البنات والتي تهتم بها حرم الشيخ حمد كثيراً.
كان الشيخ حمد يستقبل المهنئين بعيد الفطر في بيته الكائن بمدينة المحرق… وكان سموه يقدمني إلى أفراد العائلة الحاكمة من الشيوخ كما يقدمني إلى البحرينيين الذين يهنئونه على اختياره لي كمستشار خاص.
بعدها توجهنا إلى بيت الشيخ عيسى بن علي والد الشيخ حمد وهو منزل كبير يقع في وسط المحرق.
مشينا في الفناء الواسع للبيت الذي كان مكتظاً بالزوار المبتهجين بالعيد الذين يرتدون الملابس الجديدة ثم صعدنا السلم إلى الطابق العلوي حيث كان الشيخ عيسى بانتظارنا.
سلّمنا على الشيخ عيسى الذي كان يبدو عليه الكبر وهو بلحيته البيضاء وبملابسه الجميلة ذات الطراز القديم رغم أنه لا توجد فوارق كثيرة بين ملابس العرب القديمة والحديثة.
كان الشيخ عيسى بن علي رجلاً مهيباً ومبجلاً… وقد أصبح حاكماً للبحرين في عام 1869 .. وكان والده الشيخ علي قد تولى زمام الحكم قبله لكنه قتل في معركة داخلية اضطر على أثرها الشيخ عيسى للجوء إلى منطقة الزيارة الواقعة على الساحل الغربي من قطر.. وقد عانت البلاد التهديدات من قبل الاتراك والايرانيين الذين يدعي كل منهم بأحقيته في جزر البحرين.
قابلت بريطانيا هذه الادعاءات بالرفض الشديد… وكان وجود "رجال الحرب" البريطانيين في الخليج مانعا ورادعا لأية محاولة اعتداء على البحرين.
وقد عقد الشيخ عيسى عدداً من الاتفاقيات مع بريطانيا، احداها تتعلق بمنع استيراد وتصدير الاسلحة.
كما طلب الشيخ عيسى من الحكومة البريطانية أن تفرض سلطتها على الاجانب المقيمين في البحرين.
وفي عام 1914 اتخذ الشيخ قراراً بعدم التنقيب عن النفط أو إعطاء الامتيازات النفطية إلاّ بموافقة الحكومة البريطانية.
a a a
بعد زيارة الشيخ عيسى، توجهنا إلى بيت الشيخ محمد وهو أحد أبناء الشيخ وجلسنا مع ابنائه وأقاربه.
والشيخ محمد هو شاعر عائلة آل خليفة… ويهوى السفر كثيراً، وقد زار في السنوات الأخيرة من عمره معظم بقاع العالم.
وفي بيت الشيخ عبد الله بن عيسى الأخ الأصغر للشيخ حمد شربنا الشاي في أكواب مصنوعة من الأبنوس أهداها إليه الملك فيصل الأول ملك العراق… واستمتعنا بالحديث عن السياسة وعن الرحلتين اللتين قام بهما الشيخ إلى انجلترا في عام 1919 و1925.
كان الشيخ عبد الله أصغر بكثير من شقيقه الشيخ حمد. وكان رجلاً أنيقاً ذكياً وظريفاً. لقد عملت معه لسنوات عديدة حينما كان وزيراً للمعارف.
وسعدت بالعمل معه حيث كانت له شخصية قوية ذات تأثير كبير في البحرين.
حول بيوت الشيوخ كانت تجري رقصات العرضة التي يقرع فيها الراقصون العرب الطبول ويرفعون السيوف والبنادق أثناء غنائهم.
كانت الشوارع مليئة بالرجال والنساء والاطفال الذين يرتدون الملابس الجديدة ويمرّون على جيرانهم للتهنئة بالعيد… وكان الجو مشبعاً برائحة طبخات العيد الشهية بالاضافة إلى رائحة البخور الشرقي.
في اليوم التالي توجنا للسلام على بعض التجار والقضاة .. كان الشيخ "قاسم المهزع" قاضي الطائفة السنية في البحرين شخصية قوية رغم كبر سنه وضعف بصره الشديد.
وهو يعيش في بيت صغير متواضع وسط سوق المنامة.. كان صوته يثير الاعجاب وكانت كلماته المنتقاة وجُمَلُهُ الأخاذة، فوق مستوى الناس العاديين.. وصوته الجهوري يُسمعُ من قبل الجمهور المنتظر خارج البيت فضلاً عن الموجودين بالداخل.
كان رجلاً ذكياً وسياسياً بارعاً .. لقد عرفته جيداً وغالباً ما كنت أزوره لأخذ مشورته.
توفي الشيخ قاسم بعد 15 سنة تقريباً من مجيئي للبحرين، وفي رأيي انّه لم يوجد في البحرين ابداً قاضٍ مثله.
كانت زيارتنا الثانية للشيخ "خلف العصور" قاضي الطائفة الشيعية… وهذا الرجل المهيب جداً فارع الطول وضعيف البنية وذو قسمات نادرة اللون.
له لحية بيضاء وعينان ثاقبتان. كان الشيخ خلف العصفور يرتدي ملابس داكنة وعمامة بيضاء كبيرة ويحمل بين يديه عكازاً (عصا) مصنوعاً من الابنوس، ومحلى بالفضة في أعلاه. كانت للشيخ خلف شعبية عارمة في نفوس أهالي قرى البحرين.
وكانت ادارة الاوقاف بيد القضاة من رجال الدين الذين يصرفون دخل الاوقاف للاغراض الدينية مثل صيانة المساجد ومساعدة الحجاج الفقراء وللصلوات على الميت ومساعدة المدرسين القائمين بتعليم الدين.
الفصل الثالث
صرخات وطلقات نارية تخترق شرفة الحمام!!
كان مقر المحكمة غرفة صغيرة… مظلمة… ومغبرة!!
العرق يتحول إلى حشرة تتسلق أجسامنا!!
كانت الوظيفة الأولى التي أوكل لي الشيخ القيام بها هي منصب القاضي في محكمة البحرين (حديثة التكوين وقتذاك) حيث كانت لديّ خبرة سابقة بعمل المحاكم في مصر وتنجنيقا، فضلاً عن اجتيازي امتحانين في القانون أثناء خدمتي العسكرية…
فلقد كنت أهوى مادة القانون.. ربما لكون والدي محامياً وله عدة مؤلفات قانونية.. وربما ـ أيضاً ـ لأنه تعود أن يخبرني بحيثيات القضايا التي كان يترافع فيها كلما رجع من المحكمة.
تسلمت عملي في المحكمة. فوجدت ان البحرين لم تكن فيها قوانين مكتوبة… بل كانت الأحكام تعتمد على الحدس والفطرة السليمة، كانت احكاما تتسم بالتسرع… لا تصلح إلاّ لتسيير الأُمور البسيطة!!
في بداية عملي كنت أقضي ثلاثة أيام كل اسبوع في المحكمة وكنت أتأخر في بعضها إلى ما بعد الساعة الثالثة عصراً، الأمر الّذي سبّب ازعاجاً شديداً لزوجتي "مارجوري" لقضائها معظم فترات اليوم بمفردها، بالإضافة إلى اننا لم نكن نملك سيارة للتجول بها في المساء…
أما المحكمة، فقد كان مقرها يقع في إحدى غرف البيت القديم الذي سكنا فيه في بداية مجيئنا.. غرفة صغيرة مظلمة ومغبرة، لم تفلح المراوح اليدوية ـ التي كنا نستخدمها ـ في تخفيف شدة حرها!! أما القضاة العرب فقد كانوا يرتدون ثياباً فضفاضة في الصيف، ويشعرون بالارتياح بالرغم من شكواهم المستمرة من الحر!!
بعد فترة قصيرة تم تعيين الشيخ سلمان بن حمد قاضياً في المحكمة..
وبوجوده لم تعد البساطة والسرعة موجودة في ادارة المحاكم، فقد اصبحت الاجراءات أكثر تعقيداً وازدحمت المحاكم بالموظفين وامتلأت بالملفات مما جعل التأخير شيئاً متكرراً ومستمراً لفترة طويلة.. حتّى انّه في السنوات التالية كان هناك انتقاد للمحاكم وشكاوى بأن القضايا تستغرق وقتاً طويلاً!!
عقب عدة اشهر من العمل في المحكمة وجدت أنه من المستحيل قضاء مثل هذا الوقت الطويل بها…
لذلك أخذت اتردد عليها مرة واحدة في الاسبوع مع اثنين مع الشيوخ.. ثم بني مبنى المحكمة الذي ما يزال مستعملاً حتّى يومنا هذا (1959 ) وقد كان تصميمه حديثاً وجدرانه مزينة وله نوافذ كبيرة ومراوح كهربائية.
وكنت أنا وقاضيان عربيان نجلس على مقاعد جلدية حمراء على منصة وهناك حاجز يفصل بيننا وبين قاعة المحكمة وخلفنا يوجد شعار البحرين، وهو العلم الخليفي معلقاً على الجدار، وأمامنا كراسٍ خشبية طويلة يجلس عليها حوالي 30 شخصاً من عامة الحضور الذين تعودوا ان يسرعوا لحجز الأماكن عندما تفتح أبواب المحكمة صباح كل اثنين حيث تعرض القضايا الهامة.
وكان بين الناس الذين اعتادوا على الحضور بعض الأشخاص الذين قضوا معظم حياتهم في السجن بسبب سرقات صغيرة وعمليات نشل للجيوب أو لجرائم "سكر". كانت المحكمة تجذب أمثال هؤلاء الأشخاص كالمغناطيس وعندما لا يكونون في السجن لا تفوتهم قط فرصة سماع الأحكام في القضايا الموجهة ضد اصدقائهم أثناء محاكمتهم!!
كانت القضايا لعدة سنوات تسمع في غرفة القاضي، لكنني بعد افتتاح المحكمة الجديدة اقترحت أن نسمح لعامة الناس بحضور الجلسات، فوافق زملائي القضاة على هذا الاقتراح.. إلاّ أنهم كانوا يخشون من مقاطعة الحضور لهم اثناء سير المحاكمة.. وعلى عكس ما توقع القضاة، سلك الحضور سلوكا حسنا، ففي مرات قليلة فقط كان رجل الشرطة يأمرهم بالتزام الصمت داخل المحكمة.
وقد كان هناك كثير من الكلام بين اطراف القضايا وبين القضاة خصوصاً إذا كان الأشخاص المعنيون من كبار السن.
وتبدأ المحكمة عادة بإرتشافنا للقهوة حيث يشرب كل واحد منا ثلاثة فناجين ثم ننظر إلى القضايا التي يمررها علينا كاتب العدل الذي يجلس على الطرف ويسجل أقوال الشهود والمتهمين.
في تلك الأيام كانت معظم القضايا تتعلق بمشاكل الغوص، ولكي أتعامل مع هذه المشاكل قمت بوضع قانون للغوص يشمل جميع القوانين القديمة غير المكتوبة بالاضافة إلى القوانين الجديدة غير المعروفة.
واعترف انني شعرت بتعاطف مع الغواصين رغم قيامهم بتشويه سمعة المحكمة ونزاهتها في البداية، وقبل ان يتحقق الناس من ان القوانين التي وضعتها المحكمة كانت لمصلحتهم جميعا.
في احدى المرات قلت لاحد نواخذه الغوص الذي يستغل وينهب الغواصين التابعين له انك تشبه سمك القرش أكثر من كونك رجلاً، ولقد أدهشني وقتها أن الذي ذلك الرجل اعتبر كلامي هذا على انّه مديح له وراح يخبر اصدقائه بأن المستشار أطلق عليه هذا اللقب!!
كنا نمرر القضايا المتعلقة بالزواج والميراث إلى القضاة الدينيين الذين يحكمون فيها وفقا للشريعة الاسلامية، أما القضايا المتعلقة بالجمارك والضرائب فقد كنا نستشير مجلس التجارة الذي مضى على تأسيسه فترة طويلة.
وغالباً بعد ان تأتيني القضايا إلى المحكمة كانت تحل عن طريق التحكيم بواسطة اصدقاء الأطراف المعنية.
وفي النزعات التي تخص الحدود بين الأراضي ومصائد الأسماك وحقوق إمتلاك المياه (التي كانت كثيرة) كانت المحكمة تعيّن محكّماً وكل طرف من أطراف القضايا يعين ممثلاً له وبهذه الوسيلة كانت القضايا تحل عادة.
ويسعد البحرينيون بعملهم كمصالحين أو كمحكمين ناجحين ويحصلون على الثناء والشكر بحل مشاكل أصدقائهم وجيرانهم وكان الرجال المهتمون يرحبون بتخصيص جزء من وقتهم لمساعدة المحكمة رغم قيامهم بزيارات إلى بساتين بعيدة أو أماكن في البحر لمعاينة مصائد الاسماك (الحظور) لكنهم أصبحوا اليوم أقل رغبة في القيام بمثل هذه الواجبات.
وكان الشيخ سلمان نفسه يجلس مع الوكيل السياسي، في محكمة القضايا المشتركة حيث تسمع القضايا التي يقدمها المواطنون البحرينيون ضد الاجانب فقد كانت الدعاوى تسمع في محكمة الوكالة ولا يزال هذا النظام مستمرا لكن في السنوات الأخيرة اصبحت هناك جنسيات كثيرة تحت رعاية حكومة البحرين بالرغم من ان الاوروبيين والأمريكيين وشعوب دول الكومنولث يحاكمون في المحكمة البريطانية.
في شهر يوليو تركنا ـ أنا وزوجتي ـ منزلنا المؤقت الذي كانت تبدو عليه ملامح الانهيار وانتقلنا إلى القلعة وهي مقر الشرطة البحرينية التي كانت تتكون من رجال أشداء أقوياء يبلغ عددهم 200 شرطي أجنبي تم توظيفهم في مسقط.
وكانت الشرطة تتكون من الأفريقيين السود والبلوش ورجال من سلالات مختلفة، وبعضهم كان يتحدث اللغة السواحيلية التي تعلمتها سابقاً في شرق أفريقيا.
وكان ضمن الشرطة ضابطان سابقان في الجيش الهندي والعديد من الجنود الهنود ذوي الرتب الصغيرة وعندما رجع قائد الشرطة الانجليزي إلى بلاده، قرر الشيخ حمد ان اتسلم أنا منصبه لفترة مؤقتة لكنني بقيت في ذلك المنصب وهو قائد شرطة البحرين حتّى عام 1955 !!
كان مبنى القلعة البديع المنظر يقع خلف المنامة، وقد بنيت القلعة في النصف الأول من القرن الثامن عشر ابان حكم الملك نادر شاه، وهي تتكون من أربعة أبراج دائرية متصلة بجدران بها فتحات.. وفي وسط الجدار الشمالي المقابل للمدينة يوجد منزلنا.
وكنا نسكن بالطابق العلوي في غرف مفتوحة على شرفة واسعة حيث ننام.
وبعض الغرف تطل على ساحة سكن الجنود وعلى سكن القلعة ويعتبر هذا المنزل مريحاً جداً قياساً إلى المكان الذي سكنا فيه سابقاً.
كان الطقس حاراً ورطباً وبدأنا نستشعر كيف يكون الصيف في الخليج كل عام. لقد كان الجو حاراً لدرجة ان الفرد لا يستطيع أني حفظ جسمه جافاً مع تصبب العرق بغزارة وكنا نشعر أحياناً بما يشبه الحشرة تتسلق أجسامنا.. فتكتشف انّه العراق!! كانت هناك مروحة يدوية في احدى الغرف يقوم بتشغيلها أحد المساجين من الخارج، ولكنه خلال الليل يذهب هو والحارس الذي يراقبه إلى النوم فتتوقف المروحة عن العمل.
بالإضافة إلى الطقس المرهق، كان هناك شعور بالتوتر والقلق في مدينة المنامة، فقد انتشرت الرسائل المجهولة الهوية والموجهة إلى أشخاص بحرينيين وكانت الرسائل تربط في الاحجار الصغيرة وترمى إلى الشرفة التي نسكن فيها، ومعظمها يحتوي على عبارات الهجوم على بعض الأهالي المحليين.
في الصباح وأنا في طريقي إلى مكتب الشيخ حمد المطل على البحر كنت أشاهد بسوق المنامة الكلاب الضالة تجوب الطرقات وتسبب الأذى للمارة!!
في الثالث من أغسطس 1926 اطلق الرصاص على رئيس شرطة المنامة وهو رجل من الذين تم تجنيدهم وتوظيفهم محلياً وأصيب بجروح مختلفة بواسطة شخص مجهول…
وفي اليوم التالي وقع اطلاق نيران على القلعة.. كانت زوجتي مارجوري في الحمام عندما سمعت فجأة ضربات الرصاص المتواصلة على نافذة الحمام تلتها صرخات واستغاثات.. فخرجت بأسرع ما يمكن وجرت نحو الشرفة لتشاهد الميجور ديلي الوكيل السياسي البريطاني يقود سيارته بسرعة تجاه المدينة ورقبته مغطاة بقماش أحمر.. وفي الواقع، لم يكن ذلك قماشاً أحمر وإنما كان دماً لكنها لم تتحقق جيداً مما شاهدته!! وأرسلت "مارجوري" الطباخ وهو الخادم الوحيد في البيت لإبلاغي بالخبر!
جاء الخادم مسرعاً إلى مكتبي وقال لي وهو يلهث: هناك اطلاق نيران على القلعة وعدد كبير من الناس تعرضوا لضربات الرصاص.
وعندما سألته: من هو الذي يطلق الرصاص؟ وعلى من يطلقه؟ لم يكن يعرف الجواب.
فجريت بأقصى ما يمكن إلى القلعة وحينما اقتربت منها سمعت صيحات الناس وعويلهم، فاندفعت نحو منزلي لأرى إن كانت مارجوري سليمة أم لا، وبعد الاطمئنان عليها اتجهت نحو الثكنة العسكرية وعرفت حقيقة الأمر!
لقد كان الميجور ديلي يتحدث مع أحد الضباط الهنود في غرفة الأوامر العسكرية عندما اقتحم أحد الشرطة البلوش (وإسمه إسماعيل) الغرفة من نافذة مفتوحة واطلق الرصاص على الضابط في ظهره واخترقت الرصاصة جسمه وأصابت جزءا من أذن ديلي.
وكان هناك ضابط هندي آخر في الغرفة اراد أن يتحرك بسرعة لكنه عوجل بطلقات أخرى.
وحاول ديلي بكل شجاعة أن يقبض على الجندي لكنه جرحه في ستة أماكن مختلفة من جسه بواسطة سكين كان يحمله معه قبل أن يستسلم! وقد قُتل الضابطان الهنديان وشفي ديلي تدريجياً.
عندما وصلت إلى مكان الحادث كان الشرطي مربوطاً في احدى الزنزانات. وكنت أؤمن دائما بأن هذه الحادثة فردية وناتجة عن اعتقاد الجندي البلوشي بأن رؤساءه الهنود درجوا على معاملته معاملة سيئة جداً.
في 22 نوفمبر 1957، وبعد احدى وثلاثين سنة من تلك الحادثة دخل شرطي بلوشي إلى غرفة الوحدة العسكرية في القلعة وأطلق النار على ضابط عراقي يدعى علوان أفندي، وذلك انتقاماً لما كان يشعر به من إهانات واذلال زائدين من قبل ذلك الضابط. وتقدم أحد الضباط العرب الموجودين بالغرفة نحو الرجل فعاجله الأخير بوابل من الرصاص تسبب في مقتله على الفور.. ثم فر الشرطي إلى الخارج وأطلق النار على حارس بوابة القلعة وجرحه ثم استسلم.
وقد اقيمت لكل من هذا الشرطي، والشرطي الذي قام بالجريمة الأولى في عام 1926، محاكمة وثبت خلالها ادانتهما وتم اعدامهما.
السادس من أغسطس كان عيد ميلاد زوجتي مارجوري، وكنت قد امضيت معظم اليوم في أخذ أقوال المتهمين والشهود، وفي عصر ذلك اليوم ذهبت مع مارجوري في قارب بحري لزيارة مركز للشرطة في احدى الجزر البحرينية.
واثناء عودتنا هبت عاصفة شديدة وأصبح التيار المائي عكس اتجاهنا فقمنا بالتجديف حتّى رسونا في منطقة بعيدة جداً على الساحل الجنوبي للبحرين، ولم نتمكن من العودة إلى القلعة إلاّ فجر اليوم التالي حيث سرت اشاعات عن اغتيالنا أثناء غيابنا.
في تلك الفترة وصلت قوات البحرية البريطانية إلى البحرين في مركبين شراعيين، وتمركز حرس القوات وهم يحملون البنادق والرشاشات بالقلعة.
وفي مرات قليلة كان الجنود يطلقون النار بالخطأ فيسبب ذلك الذعر والفزع في الأحياء المحيطة.
وفجأة قررت الوكالة أنه يجب على كل البريطانيين المتواجدين في البحرين الإقامة في مبنى الوكالة فوراً، فتركنا مقتنياتنا وحوائجنا الشخصية في منزلنا بالقلعة التي سكن فيها بعض الضباط البحريين الشبان وأتلفوا محتوياته..
وعندما ذهبت مارجوري إلى المنزل لجلب بعض الملابس صعقت من الفوضى وسوء الحالة التي صار إليها، فقد وجدت كميات من البطاطس ملقات على الصواني الفضية، والأحذية موضوعة على المائدة، كما وجدت رسالة قصيرة على طاولتها تشير إلى احتمال الاعتداء عليّ.. انزعجت مارجوري كثيرا للوضع المزري الذي أصبح عليه البيت حيث لم تتعود طوال سكننا بالقلعة على مثل هذه المتاعب من قبل.
أمضينا عدة أسابيع غير مريحة في مبنى الوكالة المزدحم جداً، والذي كان ممتلئاً بالضباط البريطانيين البحريين والخبراء القانونيين في مبنى المقيم السياسي، بالإضافة إليه وإلى موظفيه.
وكانت مارجوري هي المرأة الوحيدة في المبنى بعد سفر زوجة الميجور ديلي في الصيف.
كننا ننام في احدى زوايا الشرفة محاطين بأسرّة رجال وغالباً ما كنا نسمع محادثات فيما بينهم من النوع الذي لا يعجبنا.
وكان كل فرد منا يعتقد بوجود مخطط واسع ضد البريطانيين، رغم عدم وجود دليل لاثبات هذا الاعتقاد.
الرجل البلوشي الذي ارتكب جريمة القتل حوكم في محكمة الوكالة البريطانية نظرا لكونه أجنبيا، لكن قرار الاعدام كان حتميا.
وقد اقترحت البحرية البريطانية في ذلك الوقت شنق الرجل، وافترضت مسبقا بأنني بصفتي قائداً للشرطة سأوافق على اقتراحها وسأقوم بالترتيبات اللازمة لذلك، لكنني عارضت اعدام الرجل شنقاً، وقلت لضباط البحرية: إذا كان الاعدام سيتم شنقاً، فإن رجلاً آخر غيري هو الذي سيتخذ هذا القرار.
وفي نهاية الأمر اعدم الرجل رمياً بالرصاص امام القلعة في صبيحة يوم كئيب وبحضور جمهور كبير.
بعد تلك الحادثة، كانت جميع عمليات الاعدام تتم بنفس الطريقة وفي المتوسط كانت جرائم القتل في البحرين تقع بمعدل مرة واحدة كل سنتين تليها عمليات اطلاق النار على المجرمين.
أول ميزانية أعددتها للبحرين كانت 75.000 جنيه
خمسون سجينا فقط في دولة عددها 125.000 مواطن!!
بعد مضي عدة شهور من مجيئي إلى البحرين تم تسريح الشرطة.. وعاد أفرادها الأجانب إلى مسقط… لكنهم بعد سنوات قليلة رجعوا إلى البحرين وحصلوا على وظائف فيها!! وكإجراء مؤقت جُلبت فصيلتان من جنود المشاة الهندية إلى البحرين، فسادت البلاد حالة هدوء استمرت لفترة.
وغادر الميجور ديلي البحرين في شهر سبتمبر 1926 بعد قضاء خمس سنوات فيها وهي تعتبر مدة طويلة في تلك الأيام بسبب مشقة الحياة وعدم توفر أسباب الراحة والمتعة. لقد أفاد ديلي البحرين أكثر من أي معتمد سياسي آخر.
فقد كان الفضل في الاصلاحات والتعديلات الخاصة بالغوص وكان تنفيذ الاجراءات المتطورة الأخرى يعود إلى مبادراته الشخصية!!.
القليل من البحرينيين والعرب جاءوا لتوديع ديلي حيث أن الشعور بالعرفان صفة نادرة بينهم!!! فهم بطبيعتهم غير عاطفيين، وهم ماديون وكثيرو السخرية وإعابة الآخرين.. ؟!!. وهم لا يحتملون تطبيق النظام ويعارضون أي شئ يحدّ من حريتهم الفردية حتّى ولو كان ذلك الشئ لمصلحتهم.
وبعد مرور سنوات على ذهاب ديلي، أصبحت سمعته حسنة أكثر مما كانت عليه أيام وجوده في البحرين، فقد عرف الناس وقدروا الأشياء النافعة الكثيرة التي حققها هذا الرجل لبلدهم!!
كنت أرى الشيخ حمد (حاكم البحرين) مرتين أو ثلاث كل أسبوع وكان يتحدث معي بحرية كاملة حتّى في المسائل التي تخص علاقته مع الحكومة البريطانية.
وقد كانت أول ميزانية حكومية أعددتها للبحرين تبلغ حوالي (75.000) جنيه إسترليني جاءت كل ايراداتها تقريب من ضريبة الجمارك التي تفرض بنسبة 5% على البضائع المستوردة، وكان هذا المبلغ يصرف على الإدارة الحكومية والشرطة، وقائمة المدفوعات المدنية، وعلى الأعمال الرئيسية.. مثل حفر آبار المياه وإقامة الطرق والشوارع، وإكمال أعمال تشييد القصر الجديد التي بدأت قبل مجيئي إلى البحرين.
‌‌a a a
في شهر نوفمبر انتقلنا إلى منزلنا الجديد الذي اكتمل بناؤه وجاء ذكره في الفصل الثاني من الكتاب حيث عشنا فيه لمدة ثلاثين سنة لاحقة. وبعد أيام قليلة من انتقالنا، سافرنا ـ أنا وزوجتي ـ إلى الهند بغرض توظيف بعض جنود الجيش الهندي السابقين للخدمة في البحرين وقد ساعدتني في هذه المهمة سلطات الجيش الهندي.
لكن في اليوم الذي غادرنا فيه البحرين وقعت حادثة أخرى. فقد تم إيقاظي من النوم قبيل الفجر بواسطة حشد من الأهالي القرويين لإبلاغي بتعرض قريتهم القريبة من المنامة إلى الهجوم.
وعلى الفور توجهت إلى تلك القرية، حتّى دون أن أتناول طعام افطاري!! الذي ندمت عليه كثيراً بعد ذلك.
وهناك.. رأيت مشهداً مؤسفاً حيث وجدت ثلاثة من أهالي القرية المصابين بجروح بليغة وجثة رجل آخر ملقاة خارج منزله وكانت جثة أحد اللصوص ملقاة أرضاً عند مدخل القرية وهو لا يزال يقبض بيديه على حفنة من الحلى الذهبية التي سرقها، وهناك دلائل على وجود عدد كبير من اللصوص المصابين.
فقمت بإرسال دوريات الشرطة وفرق البحث التي تبينت ان الرجال المعتدين جاءوا عن طريق البحر وفرّوا باستخدام قارب بعد القيام بعمليتهم ورجعت بسرعة إلى بيتي وأنهيت حزم الحقائب استعداداً للسفر ومررنا للسلام على الشيخ حمد في طريقنا مسرعين إلى الفرضة للحاق بمركب البريد الذي سيأخذنا إلى كراتشي.
بعد شهور الإثارة التي عشناها في البحرين أمضينا عدة أيام مريحة وممتعة على ظهر السفينة. وعندما وصلت إلى كراتشي كان أول من قابلني ضابط النقل العسكري الذي كنت على معرفة سابقة به في انجلترا والذي بادرني بالقول "ما هي حقيقة قصة اطلاق النار على الوكيل السياسي في البحرين وعلى السيدة التي كانت في الحمام؟؟".
فقدمت له زوجتي مارجوري قائلاً: هذه هي المرأة المعنية في سؤالك.. بإستطاعتها ان تخبرك كيف حدث ذلك؟!
شعر الرجل بنوع من الحرج.. لكنه أحس استقبالنا ودعانا للعشاء.
بعد عودتنا مباشرة للبحرين وصلت الدفعة الأولى من الشرطة الهنود ذوي الأصول البنجابية، وفي نفس الوقت قمت بتوظيف ضابط بريطاني هو الكابتن بارك ليعمل ضابطاً لشرطة البحرين، وظل هذا الرجل يعمل في منصبه حتّى عودة رجال الشرطة البنجابيين إلى الهند والذين كانوا مجموعة جيدة من الرجال وأدوا خدمات كثيرة لها.. لكنهم لم يتأقلموا مع البحرينيين والعرب المقيمين الذين كانوا ينظرون إليهم على أنهم مرتزقة أجانب يتقاضون أجوراً مرتفعة نظير عملهم.
في أحد الأيام اقترحت على الشيخ حمد أن تتشكل قوة الشرطة من المواطنين. وقد وافق على ذلك لكنه كان يشك بأننا سنحصل على الرجال الراغبين في الانضمام.
ووضعت إعلاناً دعيت فيه إلى الالتحاق بالشرطة براتب شهري يبلغ سبعة وعشرين روبية هندية إضافة إلى الطعام والبدلة الخاصة بالشرطة.
واليوم (1959) يحصل الشرطي على راتب يزيد عن مئتي "روبية" شهرياً. لم نكن نعاني من قلة المتقدمين في تلك الأيام ونظراً لكثرتهم تمكنت من اختيار الرجال أصحاب الاجسام السليمة والمناسبة والذين يتمتعون بمستوى معين من الذكاء، وكان عدد كبير منهم من الشباب السود المنحدرين من سلالات العبيد الافريقيين.
كان رجال الشرطة من نفس النوعية التي تعاملت معها أثناء عملي السابق بالصحراء الغربية في أفريقيا.
فقد كانوا حريصين على التعلم والتدريب وكانوا يشعرون بالفخر والتباهي بمظهرهم العسكري ودائما كانوا مبتسمين! وقد استمتعت باستعراض ومراقبة كل فوج جديد من المنضمين من الشباب صغار السن قليلي الخبرة، ومتابعة تطوّرهم إلى ان يصبحوا رجالاً جيدي التدريب، أذكياء وأنيقي المظهر.
وابدى هؤلاء الرجال الرغبة الحقيقية في تحسين مهاراتهم وقدراتهم العسكرية لدرجة أنني تمكنت بعد مرور فترة من الزمن من ترقية الأكفاء منهم إلى ضباط وإلى رتب قريبة من ذلك!!
وعندما أنهى رجال الشرطة البنجابيون فترة خدمتهم بالبحرين في عام 1932، كان المواطنون المحليون على استعداد لتسلّم وظائفهم، ولم يبق في القلعة سوى بعض ضباط الشرطة البنجاب من ذوي الرتب الصغيرة الذين يعملون كمدرسين.
ولعدة سنوات، كانت الخدمة في الشرطة بالبحرين مهنة محبوبة من قبل جميع الأهالي، لكن مع تقدم صناعة النفط وازدياد أعداد الشباب المتعلم أصبح من الصعب الحصول على دفعات جديدة من الراغبين فيها.
فالبحرينيون المتعلمون الآن يفضلون العمل في شركة النفط (بابكو) ولا يرغبون الالتحاق بسلك الشرطة!! فلقد عام اليوم (1959) الحال كما كان عليه قبل ثلاثين سنة وأصبح أكثر من ثلاثة أرباع رجال الشرطة من جنسيات عربية أخرى.
وبمرور السنوات كنت أشرف على أعمال تطوير جهاز الشرطة تدريجياً في مختلف الجوانب.
وبدأت في تكوني فرقة الجمال (الهجن) من الشباب السود الذين أدوا عملاً جيداً في حماية وخفر السواحل قبل ان تدخل سيارات الجيب واللاند روفر إلى البحرين وكان رجل الشرطة البحريني، الذي يرتدي قبعة قرمزية اللون ويركب فوق جمل أبيض وخلفه أشجار النخيل، مادة خصبة للمصورّين الأوروبيين الذين يلتقطون صورا ملونة رائعة لهذا المنظر.
وأنشأت أنا أيضاً فرقة للخيّالة (الفرسان) حيث كان رجال الشرطة يمتطون الخيول العربية التي وفرها لهم الشيخ حمد.
أما اليوم فقلما نشاهد رجال الخيالة ما عدا في المناسبات الحكومية عندما يسيرون في مقدمة سيارات ضيوف الدولة الكبار وخلفها، ويرتدي أفراد الخيالة نفس القبعات التي يرتديها (الهجانة) يحملون الاعلام ذات اللونين الأحمر والأبيض مما يشكل منظراً جذاباً!!
كما أسست فرقة موسيقية للشرطة من أبناء واخوة رجال الشرطة القدماء، والذين ينضمون للعمل معنا بعد وصولهم للسن القانونية.
وفي كل صباح، قبل تناول افطاري، كنت اتفقد طابور الشرطة ممتطيا صهوة فرسي العربي، وأقوم بجولة حول المدينة وفي السوق للتأكد من نظافة الشوارع وأرشد المسؤولين في البلدية إلى أماكن رمي القمامة (المزابل) المكتظة بالأوساخ.
وفي البداية قمت بنفسي بتعليم فرقة الموسيقى على العزف، وكنت أبدأ بالتصفير لهم وأسمعهم اسطوانات الجرامافون الموسيقية عدة مرات حتّى تعودوا على الحانها بسرعة.
وقد وجدت أنهم يتمتعون بالحس والذوق الموسيقي وكانوا على خبرة كبيرة بدق الطبول. وكانت أول قطعة موسيقية عزفتها فرقة الشرطة هي المعزوفة الشهيرة "الزحف إلى جورجيا" والتي كانت تترنم بها صباح كل يوم أحد عندما تقوم الشرطة بسيرها المعتاد في مدينة المنامة.
ثم قمت بتوظيف أحد الجنود من الهنود السيخ ليعمل رئيساً للفرقة الموسيقية وهو رجل كبير في السن وذو شخصية محترمة وقام هذا الرجل بتعليم أفراد الفرقة قراءة النوتات الموسيقية، وهو الشئ الذي لم أدرسه قط في حياتي.
بعد ذلك زودت الفرقة بالآلات الموسيقية المرتفعة الثمن وبكميات من الكتب الموسيقية… ومن المقطوعات الموسيقية التي تعلمتها الشرطة ودأبت على عزفها "أجراس كنيسة سانت ماري" التي سئمتُ من كثرة سماعها وسعدتُ عندما ضاعت أحدى الآلات وقل الضجيج.
اضافة إلى ذلك كانت الفرقة تعزف الموسيقى بنشاط وحيوية كبيرين رغم بعض الأخطاء القليلة في النوتة!!
ان الايجابيات التي نتجت عن تكوين جهاز الشرطة من أفراد على دراية ومعرفة بالبلاد والشعب ولغته العربية فاقت السلبيات القليلة التي واجهناها ومن ضمن هذه السلبيات أنه عندما يقبض على أي شخص نكتشف أنه إما أن يكون قريبا لفرد من أفراد الشرطة أو أحد جيرانهم.
وبصورة عامة نقول كانت شرطة البحرين ذات فعالية كبيرة ويرجع الفضل إليها في استتباب حالة الأمن في البحرين لسنوات طويلة.
وقد بلغ عدد السجناء في عام 1957 أقل من خمسين شخصاً وهو عدد ضئيل جداً بالنسبة لدولة يبلغ سكانها 125.000 نسمة وذلك عندما نقارنه بعدد أو نسبة السجناء في أي دولة شرقية.
القليل من أفراد الشرطة متعلمون، لكنهم رجال يمكن الاعتماد عليهم في الأوقاف الحرجة، ويتسم رجال الشرطة بالتضامن وروح الجماعة التي يفتقد إليها الشرطة الأجانب، وأصبح بعضهم ماهراً في فن البحث والتحقيق الجنائي.
كنت أعرف كل فرد يعمل في جهاز الشرطة وأعرف كل شئ عن عائلته وخلفيته. ومن الأوقات السعيدة التي قضيتها في البحرين وأتذكرها بإستمرار هي التي تعاملت فيها مع رجال الشرطة.
الفصل الرابع
شمس البحرين تحرق 33 بريطانيا!
محارات الخليج تشتهى ولا تؤكل!!
15 ألف جنيه للؤلؤة في الثلاثينات!!
20 ألف بحريني يعيشون على اللؤلؤ!!
في كتابه "رحلات في الجزيرة العربية"، ذكر جيه ويلستيد المتوفى في عام 1838 أن من بين المهام التي اسندت إلى البحرية الهندية التابعة لبريطانيا أن تجوب مصائد اللؤلؤ في الخليج العربي.
وأشار إلى حرارة الشمس الملتهبة (جداً) في هذه المنطقة قائلاً إنه لا توجد بقعة أخرى في العالم أعلى حرارة منها، مصوراً البحارة الذين يربطون رؤوسهم دائما باقمشة مبللة ويستلقون على ظهر مركب الغوص بانتظار نسمة هواء يستنشقونها.. ويحكى انّه في أحد أيام الصيف مات ثلاثة ضباط برتبة ملازم وثلاثون جندياً تابعون للفرقاطة الملكية المسمات "ليفربول" وذلك بسبب ضربة شمس أصابتهم والفرقاطة في طريقها من مسقط إلى بوشهر!!
وفي إحدى القصائد التي جاءت في كتاب "ضوء آسيا" للسير ادوين ارنولد الذي عاش في الفترة من 1832 ـ 1904 وصف حالة زوجات الغواصين اللواتي ينتظرن ازواجهن على رمال ساحل البحرين ويذرفن الدموع وهن شاحبات بينما يكافح الغواصون موجات البحر العاتية ويعودون في الليل إلى أكواخهم لملاقاة زوجاتهم بعد أن يحصلوا على نصيبهم من اللؤلؤ الثمين.
عندما جئت إلى البحرين، اكتشفت ان الصورة التي وصف بها هذا الشاعر الغواص البحريني وزوجته الشاحبة اللون غير دقيقة، لأن موسم صيد اللؤلؤ يستمر لمدة أربعة اشهر وعشرة ايام، ويمتد من شهر يونية حتّى شهر اكتوبر حيث يكون البحر حاراً وساكناً ولا تعود سفن الغوص خلال هذه الفترة إلى الساحل إلاّ مرة واحدة أو مرتين على الأكثر لغرض التزود بالمؤونة.
ولذلك فإن زيارات الغواص لعائلته نادرة جدا، كما أن وصف زوجات الغواصين الشديدات السمرة بالشحوب (أي اللون الأصفر) ليست هي الكلمة الملائمة.
وقد استشهدت بهذه القصيدة ليس لقيمتها الشعرية، وإنما لأنها الاشارة الوحيدة للبحرين من قبل شاعر انجليزي معروف في القرن التاسع عشر.
منذ وصولي للبحرين وحتى السنوات السبع التالية، كان ازدهار هذا البلد ووجوده يعتمد على تجارة اللؤلؤ… فعندما يكون الصيد جيدا ترتفع اسعار اللؤلؤ ويحصل الغواصون واصحاب مراكب الغوص وتجار اللؤلؤ على المال الوفير الذي ينفقونه في السوق…
ويستورد البائعون كمية أكبر من البضائع التي تفرض عليها الحكومة الضرائب الجمركية وهي المصدر الرئيسي لايراداتها…
ولم تكن هناك ضريبة على اللؤلؤ… والدخل الوحيد الذي تحصل عليه الحكومة من هذه التجارة هو مبالغ صغيرة تتقاضاها نظير تسجيل سفن الغوص.
لقد كانت صناعة اللؤلؤ صناعة مزدهرة توفر العمل لحوالي عشرين ألف رجل بحريني خلال موسم الصيد إلاّ أنه بمجرد ظهور اللؤلؤ الصناعي إلى الوجود تعرضت تجارة اللؤلؤ الطبيعي لهزة عنيفة لم تستطع حتّى الآن ان تتجاوزها وتستعيد حالتها السابقة، مع أن لآلئ الخليج العربي هي أبدع اللآلئ في العالم وهي مشهورة بهذه الصفة منذ قديم الزمان… ولعل أول إشارة إلى هذا الشئ جاءت بالنقوش الآشورية التي عثر عليها في مدينة النجف بالعراق والتي تقول "في بحر الرياح المتغيرة ـ أي الخليج العربي ـ يبحث التجار عن اللؤلؤ".. والكتاب القدماء وصفوا لآلئ الخليج بانها الأكثر جودة وامتيازاً!
ومنذ القرن التاسع وحتى القرن الرابع عشر الميلادي شرح الرحالة والجغرافيون العرب بدقة كيفية صيد اللؤلؤ وشرائه وبيعه… وقد أورد المسعودي، وهو مؤرخ عربي، في القرن التاسع، وصفا لعملية الغوص… وكانت البحرين بلا شك مركز هذه الصناعة القديمة جدا وسوقها الرئيسي في الخليج.
سوف لن أنسى أبداً اول مرة شاهدت فيها أسطول الغوص وهو يغادر مدينة المحرق.. كانت المراكب الجميلة المزودة بالمجاديف الكبيرة تشق طريقها بهدوء عبر مياه البحر القزحية اللون وقت الغروب.
تصحبها أغاني البحارة وأهازيج الغوص والدق على الطبول التي نسمعها على الشاطئ حيث وقف المئات من الناس لتوديعهم… لكن هذا المنظر الرائع للأسف لا يتكرر هذه الأيام…
في الصيف الثاني الذي قضيته بالبحرين، قمت بزيارة مغاصات اللؤلؤ… ومنذ تلك السنة أخذت أتردد على تلك المغاصات مرة أو مرتين كل موسم… ففي يوم ما من تلك الصيفية، وبعد أن تناولت طعام العشاء توجهت إلى فرضة المنامة (الميناء) وركبت احدى اللنشات بصحبة سلطان بن علي (نوخذة الشيخ حمد المشهورة عنه بأنه يعرف طريقه في أي منطقة بحرية حول البحرين دون الحاجة إلى بوصلة) بالإضافة إلى اثنين من رجال الشرطة… وقد كان الميناء خاليا تقريبا، اللهم من مجموعتين صغيرتين من البحرينيين الجالسين حول فانوس، وهم يتسامرون ويغنون بمصاحبة آلة العود، وعدد من الاشخاص المستقلين على ظهور قواربهم الراسية بمحاذاة الرصيف.
انطلق بنا "اللنش" متجهاً إلى مغاص (هير) يبعد حوالي أربعين ميلاً عن الساحل ولم نصل إلى ذلك المكان إلاّ في صبيحة اليوم التالي حيث وقفنا إلى جانب سفينة شراعية كبيرة (جالبوت) ورحب بنا ربان السفينة (النوخذة) وألقى إلينا حبالا لكي نصعد إلى ظهر السفينة.
بعد صعودنا دعاني النوخذة لمشاركته في الجلوس على ما يشبه الرّف وهو المكان الذي ينام فيه ويحفظ صندوقه الخشبي.
كان طاقم السفينة يتكون من ستين رجلاً جالسين في وسط "الجالبوت" وبيد كل واحد منهم سكين صغيرة يفتحون بها محارات اللؤلؤ المتراكمة من حولهم ويفحصونها بعناية أملاً في العثور على الكنز الثمين… وحينما يعثر رجل على لؤلؤة يقوم بوضعها بين اصابع قدمه، وإذا تجمعت عنده لؤلؤتان أو ثلاث يسلمها للنوخذة الذي يراقب جميع الرجال طوال الوقت بعيون حادة مثل عيون النسر خوفاً من سرقة البحارة لبعض اللؤلؤ… وعندما تفتح جميع المحارات يتم اعادتها إلى البحر ثانية.
ولما سألت أحد الغواصين عن السبب في عدم الاحتفاظ بالمحارات التي قد يكون لديها قيمة تجارية، أجابني بأن المحارات الموجودة في عمق البحر تتغذى على الصدف القديم المفتوح… وسألته عن كيفية تكون اللؤلؤ، فرد بأنه عندما يهطل المطر تأتي المحارات إلى سطح البحر وتفتح قشرتها وتستقبل قطرات المطر… وهذه القطرات تصبح فيما بعد اللؤلؤ!!
وتروي احدى الحكايات التي ذكرها المسعودي في كتابه ان الغواصين يملأون افواههم بالزيت (الدهن) ثم يخرجونه عندما يصلون إلى قاع البحر فيطفو ويحدث ضوءا أكبر!! وفي حكاية أخرى له ذكر ان الغواصين حينما يكونون في أعماق البحر يصرخون وينبحون مثل الكلاب بغرض الاتصال بالرجال في أعلى السفينة!! وبالطبع لم أجد أي أساس لصحة هاتين الحكايتين.
كان طاقم السفينة يتكون من الغواصين (الغيص) ومساعديهم الذين يسحبون الحبال ويشدون المجادف (السيب) واثنين من المستخدمين وطباخ واحد… ومساعد ربان السفينة وهو ابن عمه.. بالإضافة إلى الربان (النوخذة) وهو شخص نحيف الجسم أسمر البشرة.. يعد نموذجاً للرجل البحريني المعتاد على الحياة الشاقة، مع اختلاف بسيط وهو انّه يمتلك نوعاً من السلطة على باقي البحارة… وقد ظهر الغواصون في هيئة هزيلة جدا وعرفت منهم انهم يقللون من طعامهم إلى أدنى حد في أوقات الغوص، بينما ظهر مساعدوهم أقوياء العضلات شديدي البنية.
ولم يكن البحارة يرتدون سوى سترات صغيرة أو سراويل قصيرة سوداء اللون تغطي عورتهم وحسب قولهم ان ارتداء أي قماش من لون آخر يجذب اسماك البحر المتوحشة اليهم.
ومن هذه الاسماك المفترسة سمك القرش (اليريور) واللخمة وقنديل البحر المعروف بلدغاته السامة والبركودة وهو سمك بحري ضخم.
بعد نقاش طويل بين النوخذة ومساعده وبعض الغواصين، استقر الرأي على الموقع الذي سيبدأ فيه الغوص ذلك اليوم.
وتم انزال المرساة (الباورة) إلى البحر وقد صاحبتها أغاني البحارة وصفقات ايديهم ورقصهم وأصواتهم ترتفع تارة وتنخفض تارة أخرى بطريقة جميلة منسقة وذات نغم بهيج، وبدأت عملية الغوص…
حيث حمل كل غواص بين يديه حبلين، الأول ربط به حجر كبير نسبيا ليساعده على الغطس والآخر به كيس يضع فيه المحارات التي يلتقطها من قاع البحر ويسمى (ديين).
وعلى أنف كل غواص وضع مشبك يشبه مشجب الملابس يسمى (فطام) بالإضافة إلى قفازات جلدية كان يرتديها الغواص لحماية اصابع اليدين والرجلين عند المشي فوق الصخور المرجانية أو عند التقاط المحارات.
وكان (السيب) يمسك بالحبل على الطرف الآخر ويقوم بإرخائه عند نزول الغواص وسحبه بسرعة حينما يعطيه اشارة بذلك… حيث يحرك الحبل بعد أن يبقى في قاع البحر لمدة تقل عن الدقيقتين، يجمع خلالها عشرة محارات في المتوسط!!
ويبلغ عمق المنطقة التي تجري فيها عمليات الغوص حوالي خمسة وسبعين قدماً في أغلب الأوقات… وعندما يصعد الغواصون إلى سطح البحر يسلمون الأكياس التي بأيديهم إلى مساعديهم ويستريحون قليلاً وهم ممسكون بالحبل، ثم يعاودون الغطس مرة أخرى.. ويستمر الحال هكذا حتّى يكمل كل غواص عشر غطسات.. تصاحبها أهازيج البحارة.. يصعدون بعدها إلى ظهر السفينة للاسترخاء. وشرب القهوة وتدفئة أجسامهم بالنار المشتعلة! فرغم حرارة الجو الشديدة إلاّ ان الغواصين كانوا يرتعشون من البرودة بسبب نزولهم إلى أعماق البحر الباردة والتي لا تصل إليها أشعة الشمس!! وفي نفس الوقت تبدأ مجموعة أخرى من الغواصين نوبة عمل جديدة.
عند صعودنا إلى ظهر السفينة قدم لنا النوخذة واجب الضيافة.. وهو عبارة عن بعض الفواكه المعلبة الموضوعة في اناء، والتي وجدت صعوبة في أكلها بيدي، تلتها القهوة المعتادة.. وبعد ساعات قليلة تناول البحارة وجبة الغداء.. المكونة من السمك المطهي مع الأرز والتمور وبعض حبات الليمون الجاف والذي يقيهم من مرض "الاسقربوط"!! علما بأن هذه الوجبة لا تتغير أبداً …
ويأكلونها مرتين في اليوم!! وغني عن القول ان البحارة هم الذين يصطادون السمك بأنفسهم بواسطة معدات الصيد التي تتكون من سلال كبيرة مصنوعة من جريد النخيل والحبال… تدلى هذه السلال إلى البحر فارغة ثم يعيدها الغواصون بعد فترة قليلة وهي مليئة بالأسماك.
بعد انتهاء زيارتنا لجالبوت الغوص هذا ولثلاث سفن شراعية أخرى، لمحنا من بعيد سفينة صغيرة حديثة النوع تعمل بواسطة المحرك (الموتور)…
علمنا انها تابعة لاحد تجار اللؤلؤ (طواش) فقررنا زيارته!! وبالفعل وصلنا إلى "اليخت" الصغير، فاستقبلنا رجل تبدو عليه علامات الثراء والمهابة.. ويرتدي ملابس بيضاء فاخرة وإلى جواره خادمه الذي يحمل مظلة كبيرة سوداء لحماية سيده من وهج الشمس!! وبالمناسبة أذكر إنني منذ أن جئت إلى البحرين، درجت على العناية بحديقة بيتي عصر كل يوم من أيام الصيف، وكنت أرتدي أثناء العمل سروالاً قصيراً فقط بسبب شدة الحرارة، وهذا الشئ أثار استغراب ودهشة البحرينيين في البداية، لكنهم مع مرور الوقت تعودوا عليه.
وعلى عكس سفينة الغوص، وجدنا مركب الطواش مفروشاً بالسجاد الإيراني الغالي الثمن ومزوداً بالمخدات (المساند) العربية.. وعلى جانب ظهر المركب شاهدنا أسرّة قطنية (فراش) للنوم عليها وجرات فخارية من الماء معلقة على السياج.
قدم لنا أحد الخدم القهوة، تلتها صينية كبيرة تحتوي على أطبقا من الأناناس المعلب والبسكويت.
طلب منا "الطواش" البقاء معهم للعشاء، فأعتذرنا بسبب ضيق الوقت.. والطريف أننا شاهدنا عند مغادرتنا المكان عدداً من الدجاجات الحيّة المربوطة في السفينة.. فأخذنا فكرة عن نوعية الوجبة التي دعينا لتناولها!!
وأرانا الطوّاش حبات اللؤلؤ التي اشتراها حيث كانت محفوظة في حزم صغيرة من المناديل الحمراء.
ومن بينها لفت نظرنا لؤلؤتان كبيرتا الحجم وضعتا في علبة مليئة ببذور بحرية صغيرة، الهدف منها الإبقاء على لمعان هاتين اللؤلؤتين!! وشاهدنا اللآلئ بألوانها المختلفة.. فمنها اللؤلؤ الأصفر الذهبي وهو المشهور في أمريكا الجنوبية… ومنها الأبيض، والأسود ومنها الأحمر الوردي… وهذه هي أهم الأنواع التي يبحث عنها الناس.
لقد تطرّق حديثنا مع التاجر إلى أمور الغوص واللؤلؤ، وعرفنا منه انّه وغيره من "الطواويش" غير راضين عن السوق أو حتّى عن الطقس!! لكنه يأمل في بيع لؤلؤة كبيرة (دانة) ـ كان يمتلكها في ذلك الوقت ـ بسعر كبير!! وقد علمت فيما بعد ان هذه اللؤلؤة بعد ان تداولها عدد من الأشخاص، بيعت إلى سيدة أمريكية معروفة في باريس بسعر خيالي بلغ خمسة عشر ألف جنيه إسترليني (أي حوالي عشرين ألف دينار بحريني) وهو أعلى سعر دفع لشراء لؤلؤة في تلك الأيام.
هذه اللؤلؤة البديعة اللون الرائعة الشكل وذات اللمعان الأخاد بلغ ارتفاعها بوصة واحدة تقريباً ولا زالت تفاصيلها محفورة في ذاكراتي رغم مرور عشرات السنين!!
عندما قلت لتاجر اللؤلؤ ان الناس في أُوروبا يأكلون المحّارات ويعتبرونها طعاماً شهياً.. اندهش لذلك وأخبرني بأنه لا أحد من منطقة الخليج يأكلها إلاّ إذا كان سيهلك بسبب الجوع الشديد أو عدم توفر الطعام!! ورددت عليه بأنني قرأت في أحد الكتب التي تصف صيد اللؤلؤ وهو من تأليف الكابتن "فراير" الذي عاش في القرن السابع عشر… ان المحارات الموجودة في مياه الخليج هي من أجود الأنواع وأصلحها للأكل وتأتي في المرتبة الثانية بعد تلك الموجودة في المياه البريطانية..!! لكنني كنت مخطئاً في رأيي، فعندما جربت أكل المحار ذات مرة لم أرغب أبداً في تناوله مرة أخرى!! وقد علمت فيما بعد ان المحارات الموجودة بالقرب من مسقط حيث لا توجد مغاصات اللؤلؤ، يشتهي الأُوروبيون أكلها أحيانا!!!
بالمناسبة أود ان أذكر ان أي شخص مسموح له بالغطس وصيد اللؤلؤ في الخليج بشرط إلاّ يستخدم أجهزة ميكانيكية وان تكون معه رخصة للغوص!! وأعترف أنني لم أحاول قط في حياتي الغوص إلى أعماق البحر.
وبعد ان قضينا وقتاً ممتعاً مع تاجر اللؤلؤ… ودعنّاه وعدنا راجعين إلى البحرين حيث كان الوقت غروباً… وكنا نلمح جبل الدخان من بعيد .. وهو أعلى مرتفع في هذا البلد!!
ومع وصولنا إلى الفرضة (الرصيف) شاهدنا أضواء العلامات المرشدة للسفن (الصاربة) بالقرب من مدينة المنامة!!
قصيرو النظر… وعشاق للمقامرة!!
اضبط .. حرامي في بومباي!
زينوا بناتكم بلؤلؤ البحرين!
مع مرور الزمن وازدياد معرفتي بتجار اللؤلؤ (الطواويش)، أخذت أزورهم في أسواقهم المتفرقة … فلم تكن هناك سوق خاصة باللؤلؤ، بل كانت هذه التجارة تمارس في مكاتب التجار أو في بيوتهم.. وأحيانا في الطرق وفي المقاهي!!.
مع ذلك .. في الفترة الأخيرة افتتح احد التجار محلاً لبيع اللؤلؤ والقلادات النسائية… إلاّ إنني كنت في شك من امكانية ربح هذا المحل… نظراً لعدم ملائمة أسعاره للزبائن وخلوه من المساومات المطولة التي اشتهرت بها عمليات بيع اللؤلؤ!!
لقد كانت اللآلئ المباعة في السوق العمومي من النوع الردئ جداً…
ومع ذلك كنا نجد الباعة المتجولين يطوفون بها وينجحون في بيعها للأجانب المسافرين بواسطة السفن حيث يتوقفون لأيام قليلة في البحرين قبل مواصلة السفر!!
وفي أيام الجمعة ـ عادة ـ ما كان يتسنى لي بعض الفراغ فاقوم بزيارة اثنين من التجار أثناء عملهما وأشاهد عملية المساومة التي تستغرق وقتاً طويلاً وتحتاج إلى صبر وتمهل… من قبل الطرفين.. البائع والمشتري، ثم يعرض الطواش بضاعته (اللؤلؤ) الملفوفة… في مناديل حمراء والمحفوظة في حقائب صغيرة من نفس اللون!!
قبل ان تبدأ عملية المساومة، المعروفة في البحرين باسم (المقاصصة)، يقاس حجم اللؤلؤ بواسطة منخل معدني يحتوي على فتحات مختلفة الأحجام توضع فيه اللؤلؤة لتحديد الحجم الذي تنتمي إليه، ثم تقيّم من خلال اللون والشكل والنوعية.. وبعد ذلك يتم وزنها الذي على أساسه
يتحدد سعرها!!
وغالبا ما تجري عملية البيع أمام الناس، وإذا لم يرغب الطرفان في اعلان السعر المتفق عليه، تراهما يغطيان يديهما بالقماش، ويقومان بالعملية باتقان عن طريق لمس يد كل طرف لأصابع الطرف الآخر!!
وهذه الوسيلة البدائية للبيع استخدمت في البحرين لمئات السنين.
الجيل القديم من الرجال كان أكثر انبهاراً وتعلقا بعمليات بيع اللآلئ الكبيرة (الدانات). وقد شاهدت تاجراً وهو يقفز من بين الرجال ويندفع نحو الباب حالفا بأنه لن يدفع بيزة إضافة (أي فلس واحد) ثمناً لدانة معينة.. لكنه عاد بعد لحظات قليلة بواسطة أصدقائه ليشترك في المساومة مرة أخرى طوال ما تبقى من النهار!!
والميزة الملاحظة في البحرينيين هي الثقة التامة بين الناس.. فمن المعروف ان سعر اللؤلؤة الواحدة يبلغ آلاف الدنانير لكن تاجر اللؤلؤ لا يجد أي تخوف أو تردد في تسليمها لرجل بعد آخر لكي يبقيها عنده لأسابيع عديدة بدون وصل استلام.
كما أن كل رجل يتعامل في هذه المهنة يمتاز بأنه يستطيع التعرف على لؤلؤة ما إذا شاهدها مرة واحدة في حياته ويميزها عن غيرها من اللآلئ ولو بعد مرور سنوات طويلة على رؤيته لها.. ففي احدى المرات أعطى تاجر لؤلؤتين لأحد الدلالين (السماسرة) لبيعها، فقام الدلال بربطهما في طرف غترة رأسه وذهب إلى دكان ما وبعد لحظات وجد ان طرف الغترة قد فك وأن اللؤلؤتين قد فقدتا وأنكر صاحب الدكان رؤيتهما، ورغم اجراء البحث في المحل لم يتم العثور عليهما.
وبعد خمس سنوات من وقوع هذه الحادثة كان صاحب اللؤلؤتين في "بومباي" وهناك شاهد وتعرف على واحدة من لؤلؤتيه المفقودتين وسط مجموعة من اللالئ المعروضة للبيع بواسطة تاجر لؤلؤ هندي.. وكانت اللؤلؤة قد تناقلتها أيدي عديدة خلال هذه السنوات لكنها رجعت في نهاية الأمر إلى صاحبها الذي قام بالبحث عن مصدرها وتبين له ان صاحب الدكان هو الذي سرق اللؤلؤتين وباعهما!!
في بداية مجيئي للبحرين، نصحني الميجور ديلي بأن لا تبدي زوجتي إهتماماً شديداً باللؤلؤ.. ولكنني وجدت أنه من المستحيل اتباع نصيحته فقمت بجمع لآلئ لأكّون منها قلادة واستغرق ذلك مني احدى عشرة سنة لاكمالها!!
الطريف في الأمر ان اللؤلؤ الأسود كان يوجد بكميات كبيرة في مياه الخليج.. ولكنه في السنوات الأخيرة أصبح نادراً. لماذا؟ .. لم يكن هناك تفسير لهذه الظاهرة!!
دأب الناس في الخارج على سؤالي باستمرار عن امكانية شراء اللؤلؤ بسعر رخيص من البحرين… ولقد كان جوابي الدائم هو: إذا توفر لدى المشتري الصبر والمتسع من الوقت يمكنه حينئذ الحصول على قلادة بسعر مناسب أقل مما سيدفعه في لندن أو باريس.
ومن الأشياء التي أتذكرها ـ أيضاً ـ انّه في السنوات اللاحقة لاكتشاف النفط في البحرين وبدء عصر البترول قررت شركة نفط البحرين (بابكو) طبع شعار لها على ظروف الرسائل الصادرة منها لغرض الدعاية للصناعات المحلية وكان الشعار النهائي الذي اختارته يقول "اللؤلؤ التقدم والازدهار" لكنني أعتقد ان الشعار الذي اقترحته كان أفضل بكثير حيث يقول: "زينوا بناتكم بلؤلؤ البحرين!!".
مع حلول عام 1932 أصبحت تجارة اللؤلؤ غير مستقرة، وأخذت تعاني من منافسة اللؤلؤ الصناعي، ونظراً لكونها تجارة باهظة الثمن، فقد تأثرت كثيراً بالكساد الاقتصادي في أوروبا حينذاك… وكثيرون من أصحاب السفن (النواخذة) وتجار اللؤلؤ (الطواويش) وجدوا صعوبة شديدة في توفير الأموال اللازمة لتجهيز اسطول الغوص، ولم يكن مركز الحكومة المالي في ذلك الوقت يسمح بمنحهم القروض المالية.. وعندما حان موعد اعطاء الغواصين مبالغ نقدية مقدمة (أي تحت الحساب) لم يستطع بعض الطواويش والنواخذة توفير المال اللازم لذلك.
والغواصون عادة لا تدفع لهم أجور يومية أو شهرية، وانما يشاركون في الأرباح الناتجة عن بيع اللؤلؤ، وفي بداية كل موسم للغوص يحصلون على مبالغ مالية.. على أن تستقطع من دخلهم واستحقاقاتهم من الموسم المقبل! وهذا المبلغ النقدي دائماً يجذب الرجال إلى هذه المهنة، بل وأحياناً ينسون ان هذا المبلغ هو دين عليهم يجب أن يؤدونه مضاعفاً!!.. فضلاً عن ان الغواص عندما يستلم المبلغ المقدم يكون مجبراً على العمل للنوخذة (صاحب السفينة) خلال الموسم القادم !! وفي أغلب الأوقات يقترض النوخذة الأموال اللازمة من التجار وأصحاب الدكاكين الموجودة في السوق لكي يستطيع تجهيز وتموين سفينته (الجالبوت) واعطاء المقدّم إلى الغواصين!!
ويقوم التجار باحتساب فوائد مالية على النواخذة الذين بدورهم يحتسبون فوائد على المبالغ التي يعطونها للغواصين!!
ويستلم النوخذة دائما 5/1 (خُمس) اجمالي الأرباح الكلية بينما يوزع الباقي على الغواصين ومساعديهم الذين يسحبون الحبل والذي يطلق عليهم (السسي) حيث يمنح كل غواص سهمين مقابل سهم واحد للسيب.
لكن إذا قام تاجر اللؤلؤ أو النوخذة نفسه بتمويل رحلة الغوص فأنه لا يحتسب فوائد مالية. وعادة فإن الرجل الذي يوظف أمواله لهذا الغرض بامكانه شراء محصول اللؤلؤ بسعر يقل بنسبة عشرين بالمائة عن سعر السوق.
من الناحية النظرية يعتبر هذا النظام عادلاً للجميع. لكن إساءة استخدامه وعدم التطبيق الصحيح له جعل من الغواصين عبيداً تقريباً.
ويفرض النواخذة فوائد مالية مجحفة على القروض والمبالغ التي يمنحونها لهم مقدماً. كما يقومون بتزوير وتضخيم حسابات ديونهم. ويضطر الغواصون نتيجة لذلك إلى العمل بدون أجر لصالح النواخذة والطواويش… وذلك طيلة فترة توقف موسم الغوص التي تستغرق ثمانية اشهر!! ويحق للنوخذة تحويل الغواص إلى نوخذة آخر بدون موافقته… كما يحق له تسليمه للعمل لصالح احد التجار مقابل تسديد دين عليه!!
ولم تكن لدى الغواصين الوسائل التي يستطيعون بها فحص حساباتهم، والملجأ الوحيد لهم هو الاحتكام إلى النواخذة والطواويش الآخرين المشهورين بفسادهم ورشوتهم والذين لا يتعاطفون معهم، وعندما يموت أحد الغواصين تتحول ديونه إلى أولاده فحالما يصبح الابن بالغاً فان عليه العمل كغواص لصالح النواخذة لكي يؤدي ديون والده!!
النواخذة (أصحاب السفن) أيضاً تعرضوا لأوقات عصيبة اضطروا خلالها إلى رهن منازلهم وقواربهم إلى التجار الذين يتعاملون في الشؤون البحرية..
إن انقضاء أي موسم غوص فاشل تترتب عليه افلاسات كثيرة وتشمل تسليم النوخذة للغواصين وللسفينة (الجالبوت) إلى الرجل المقرض لهم والذي يكون بانتظارهم على الساحل!!
الغواصون في رأيي قصيرو النظر يعتمدون على الحظ ويحبون المقامرة بالفطرة، وكل واحد فيهم يحلم بأن سفينته ستعثر في يوم ما على لؤلؤة عظيمة الثمن تجعل منه رجلاً ثرياً يتمكن نتيجة لذلك من الابتعاد عن عمل الغوص.. وفي أحيان كثيرة يصدق حلم الغواص… فيقوم بصرف كل أمواله باستهتار ودون ضبط وبالتلذذ في مباهج الحياة… وفي نهاية الأمر يعود إلى عمله السابق: غوّاص!!
ولم يكن الشبان صغيرو السن يمانعون في العمل كغواصين بسبب قلة فرص العمل التي يحصلون من ورائها على أجر في تلك الأيام، بالإضافة إلى اغراء القروض المالية التي تعطى لهم قبل الموسم، وهم يأملون دائما بتحقيق مردود مالي يتمكنون من خلاله العيش طوال حياتهم دون الحاجة إلى العمل… ولم تكن هناك سن محددة لتقاعد الغواص، فحتى عندما يصبح عجوزاً ومتعباً يجب عليه الاستمرار في العمل ومما يجدر ذكره أن أفضل الغواصين وأحسنهم عادة ما يكونون من كبار السن!!
لقد قلل قانون الغوص الجديد الذي أدخله الشيخ حمد من نسبة الفائدة إلى مستوى معقول، وحددت الحكومة التي ترمي سياستها إلى تقليص القروض تدريجياً من حجم المبلغ الأقصى المعطى لكل غواص وأنشأت نظاماً دورياً ومبسطاً للحسابات وأصدرت لكل واحد منهم دفتراً صغيراً، بحجم جواز السفر، يحتوي على حسابه مع النوخذة بالتفصيل… ويقوم موظفون خاصون بفحص هذه الدفاتر باستمرار، وتسجيل مبيعات اللؤلؤ بشهادة ثلاثة من الغواصين الذين يختارهم طاقم السفينة!
كما منعت الحكومة العمل غير المدفوع خلال فترة توقف موسم الغوص، والغت محكمة الغوص القديمة وأصبح لكل غواص الحق في اللجوء للمحاكم العادية وحينما يتوفى أحد منهم فان دينه يسقط عن أهله!!
قوبلت القوانين الجديدة بمعارضة شديدة من التجار وأصحاب السفن الذين فقدوا بسببها الكثير من هيمنتهم على الغواصين.. كما عارضها المناوئون لنظام الحكم الجديد والذين يبحثون عن الفرص لتشويه سمعة الحكومة!!
أما الغواصون فقد قابلوا هذه التغييرات بالتجهّم واللامبالاة لأن أسيادهم أخبروهم بأنهم لن يستفيدوا من هذه القوانين … إلاّ ان الحكومة لقيت الدعم والتأييد من قبل رجال الدين الذين يحرمون جميع أشكال الفوائد المالية والربا كما حظيت بمساندة مجموعة من البحرينيين (المستنيرين) مثل بعض تجار اللؤلؤ وسماسرته (الدلالين).
وفي كل سنة، ابتداء من عام 1926 وحتى عام 1932 كانت تقع مشاكل في بداية موسم الغوص عندما تدون المبالغ التي تعطى على الحساب مقدماً إلى الغواصين!!
والحقيقة إنني لم أستطع ـ للأسف ـ تنفيذ هذا الشئ.. وبسبب ذلك حصل الغواصون على قروض مالية أكبر من المسموح به واعتبروا ذلك تنازلا عن القوانين الجديدة.
فبعد نجاحهم للمرة الثانية، ظن الغواصون ومؤيدوهم انهم قادرون على ارغام الحكومة على الغاء القوانين الجديدة عن طريق التهديدات باشعال العنف وإثارة الفوضى في البلاد!! مع ان الهدف الأساسي لهذه القوانين هو تحسين ظروفهم وحماية مصالحهم! ففي احدى السنوات قام الغواصون باضراب ورفضوا الخدمة على ظهر السفن، وفي سنة أخرى اقتحموا مستودعاً لأحد التجار في المحرق وحطموا الكثير من محتوياته!! بل والأكثر من ذلك هو ما حدث في احدى احتفالات رأس السنة!! لقد كان المعتمد السياسي البريطاني (الباليوز) يقيم حفل الاستقبال السنوي المعتاد بمناسبة رأس السنة الجديدة في مبنى الوكالة (بيت الباليوز) والذي حضره ممثلون عن مختلف الجاليات الموجودة في البحرين، وأثناء الاستماع إلى كلمة طويلة من تاجر مشهور جدا يمتدح فيها حالة البلاد التي يشعر فيها الفرد بالأمان والسعادة، هرع الينا الخادم مسرعاً وهو ينقل الأخبار بأن الغواصين ينهبون سوق المحرق فتم الغاء الحفل على الفور!!
لقد وقعت الأزمة في شهر مايو 1932 … أي وقت تقديم المبالغ النقدية للغواصين.. فلقد كان حجم المبلغ الذي قررته الحكومة.
بعد مشاورة بعض التجار، أقل من السنة السابقة لكنه أكثر مما يدفع في امارات الخليج الأخرى. ونتج عن ذلك عدم الرضا بين الغواصين وقبض على العديد منهم بسبب إثارة الشغب والاضطرابات!!
وفي 26 مايو من نفس السنة، كنت جالساً في مكتبي مع الشيخ عبد الله بن عيسى، شقيق الشيخ حمد، وأمير جزيرة المحرق الذي يرأس فرقة من الحرس المسلحين، عندما سمعنا أصوات المتظاهرين على طوال الشارع المحاذي للبحر مما جعل الكلاب (السلوقية) التابعة لي تنبح بشدة.. وجاء أحد النواخذة ليحمل إلينا الأخبار بأن جموع الغواصين المتظاهرين قد نزلوا على الشاطئ وقبضوا على جميع ساريات ومجاذيف السفن.
وبسرعة ركبت في سيارتي وتوجهت نحو ذلك الشارع لكنني فوجئت في طريقي بكتلة كبيرة من الرجال وهم يلوحون بالعصي والقضبان الحديدية فيما هم يتجهون إلى السوق، فأدرت عجلات السيارة نحو شارع جانبي لكي أصل قبلهم لكنني لسوء الحظ دخلت في طريق ضيق لم تستطع سيارتي المرور منه، فتركت السيارة ورحت راكضاً إلى مركز الشرطة، لكنني وصلت بعد فوات الأوان!!
فقد إقتحمت الجماهير المركز وأطلقت سراح الرجال الذين ترغب في تحريرهم بينما جلس بقية السجناء مرتعدين في زاوية السجن.. وكان هناك ثلاثة أو أربعة من المجندين المحليين الجدد على سطح المبنى!!
وفي الخارج امتلأت الساحة والشارع البحري بالغواصين الهائجين الذين يريدون الإغارة على السوق.. وقام أصحاب المحلات التجارية بغلق أبواب دكاكينهم الخشبية وهم في حالة هلع شديد!!
وأمام مدخل السوق، وقف الشيخ راشد بن محمد عم الشيخ حمد، الذي كان عمره يناهز السبعين، متصدياً لجموع المتظاهرين.. ولم يكن يحمل معه سوى عصا (عكاز) في يده!! وعندما رآه المتظاهرون توقفوا.
وإنضممت أنا إلى جانب الشيخ راشد لتهدئة الغواصين.. وفجأة جاء خادمي وهو شاب بحريني ووقف معنا حاملاً بندقية وعصا متينة وأحد السيوف التي حصلت عليها سابقا كهدية ووضعتها في غرفة الطعام بمنزلي.. وقال الخادم انّه اعتقد إنني سأكون في حاجة إليها، وكنت سعيداً بهذا التصرف فقد نفعتني العصا في مواجهة المعركة التي لا تكفي فيها قبضات الأيدي!!
وفي هذه الأثناء، جاء المزيد من رجال الشرطة ومن بينهم بعض الجنود الهنود وتطورت المعركة على طول الشارع البحري، وتم اطلاق النيران بضراوة على المتظاهرين الذين تفرقوا بعد مقتل العديد منهم وجرح بعض رجال الشرطة.
وفي اليوم التالي أمر الشيخ حمد بالقاء القبض على زعماء الفتنة وتم احضارهم إلى سوق المحرق حيث جلد كل واحد منهم عشر جلدات أمام جمهور كبير.. ثم أطلق سراحهم وأمروا بالعودة إلى عملهم!!
ومنذ ذلك اليوم لم تقع مشاكل أخرى حول قوانين الغوص، وتحقق الغواصون فيما بعد ان الاصلاحات والتغييرات التي وضعت هي لصالحهم وأصبحوا يؤمنون بأن ما فعلته أنا والشيخ حمد كان الغرض منه تحسين أحوالهم وظروفهم المعيشية.
بعد هذه الحادثة شكل الشيخ مجلسا للغوص يجتمع مرتين أو ثلاث مرات في السنة لمناقشة التعديلات على بنود قانون الغوص، ولتحديد حجم المبالغ التي تقدم للغواصين، والتاريخ الذي سيبدأ فيه الموسم، ولسماع أية اقتراحات جديدة.. لكن نظرا إلى كون أعضاء المجلس من تجار اللؤلؤ وأصحاب السفن فقد كانوا غير مستعدين للنظر في الاقتراحات الجديدة كإدخال الأجهزة الميكانيكية في عملية الغوص، بل كانوا ينظرون إليها بالكثير من الريبة وعدم الموافقة، وعندما اقترح أحد الأعضاء امكانية انتاج اللؤلؤ الصناعي في البحرين أصيب بقيتهم بالفزع!!
واللآلئ الصناعية ممنوعة في البحرين، ففي احدى قضايا المحكمة أدين شخصان بتهمة زرع اللؤلؤ الصناعي في المحارات وحكم عليهما بالسجن لمدة سبع سنوات!! وفي قضية أخرى أدانت المحكمة شخصاً قطري الأصل بتهمة خلط اللؤلؤ الصناعي مع الطبيعي وحكمت المحكمة عليه بالسجن وبعدها تم ابعاده عن البلاد.
وهنا في البحرين يتمتع اللؤلؤ بسمعة طيبة جداً في جميع أنحاء العالم وأن أي اقتراح بخلط اللؤلؤ الطبيعي مع الصناعي كان سينتج عنه تدمير هذه الصناعة!!
كنت أرأس اجتماعات مجلس الغوص وقبل انتهاء مدة عملي في البحرين اعترف أعضاء المجلس بأنني قد عرفت الكثير جداً من أنظمة وقوانين الغوص رغم أنني لا أمتلك الخبرة والمعرفة بشؤون اللؤلؤ.. وكانت الاجتماعات مليئة بالضوضاء والصراخ والانتقادات، ويرتدي فيها جميع الأعضاء الثياب العربية!!
بعض الأعضاء بدأوا حياتهم كغواصين، لكنهم منحدرون من أصول ترجع إلى أصحاب السفن ويعلمون كل شئ عن اللؤلؤ والغوص والبحر.. لقد كانوا شديدين (غليظين) في كلامهم ولم يترددوا في قول ما يعتقدونه حول بعضهم البعض أو في الرد عليّ عندما لا أتفق معهم في الرأي، لكن التعامل معهم أسهل بكثير من التعامل مع الشبان البحرينيين.. الذين يعملون كأعضاء في مجالس ولجان الحكومة هذه الأيّام!!
الفصل الخامس
ـ ليلة الدخلة … اختفت العروس تحت السرير!!
ـ "الخاطبة" هي وسيلة الزواج السائدة تلك الأيام
مارجوري ترشح المدرسات للزواج!!
في صيف 1928 سافرنا ـ أنا وزوجتي ـ إلى بلادنا في اول اجازة سنوية لنا .. لكنني منذ ذلك العام درجت على أن آخذ اجازة تقارب الثلاثة أشهر مرة واحدة كل سنتين، ما عدا سنوات الحرب العالمية الثانية.. فقد كنت أسافر إلى الهند حيث يوجد إبننا حمد (جيمس) الذي كان يدرس في إحدى مدارس كشمير الخاصة.
بعد الرجوع من الإجازة كنت متلهفاً لمعرفة ماذا حدث في البحرين خلال فترة غيابي.. إلاّ ان الأمور كانت تسير بشكل جيد!!
عندما وصلت السفينة إلى شاطئ البحرين كان بانتظارنا عدد كبير من الشيوخ والتجار الذين بدا عليهم السرور لرؤيتنا مرة أخرى!!
بعد أيام قليلة من رجوعنا دعينا ـ أنا وزوجتي ـ لحضور عدد من احتفالات الزواج لبعض أفراد العائلة الحاكمة .. وفي الحقيقة.. كانت الأعراس بين العائلات العريقة والغنية في فترة الثلاثينات مدهشة ومثيرة للاعجاب .. أما اليوم فقد أصبحت هذه المراسم بسيطة، فغالبا ما يتم زواج بنات التجار على الطريقة الحديثة أو ما يسمى (بالموضة) والذي ترتدي فيها العروس فستان الزفاف الأبيض المجلوب من بيروت أو لندن والطرحة وغطاء الوجه الشفاف ولا يسمح خلاله برؤية العروس إلاّ للنساء.
أول احتفال للزواج حضرناه كان في جزيرة المحرق حيث توجد غالبية منازل العائلة الحاكمة في ذلك الوقت، إلاّ أنه مع مرور السنوات.. انتقل العديد من الشيوخ للسكن في الرفاع وضواحي المنامة… وبعد عبورنا إلى تلك الجزيرة بواسطة القارب "اللنش" سارت بنا السيارة إلى أرض سهلية واسعة خلف المدينة حيث تجمع الكثير من المواطنين لمشاهدة رقصات "العرضة" ابتهاجاً بهذه المناسبة. وقد كان رجال آل خليفة وأتباعهم الذين يؤدون الرقصات يرتدون الملابس الزاهية والملونة والبشوت السوداء أو البنية الجميلة ويحملون السيوف والخناجر والبنادق وهم يلوحون بها.. أما رجال الخيالة فقد امتطوا صهوات أحصنتهم وجعلوها تقفز بهم إلى أعلى وإلى أسفل وهم يستعرضون أسلحتهم ويطلقون الرصاص في الجو بهدف الإثارة!! وبعضهم كان يقوم بألعاب تظهر مهارته وسيطرته على الحصان الذي يركبه..
وفي ليلة الزفاف التي يسميها العرب "ليلة الدخلة" أقام والد العريس وليمة عشاء للرجال بينما دُعيت زوجتي مارجوري لزيارة العروس.. وبعد تناولنا الطعام مشينا في موكب الزواج يتقدمنا الشيخ حمد عبر الأزقة الضيقة (الدواعيس) والشوارع المتعرجة.. ويسير أمامنا رجال يحملون الفوانيس لانارة الطريق إلى أن وصلنا بيت العروس.. وامتلأت الساحة (البراحة) التي أمام البيت بالراقصين وانبعثت اصوات غناء النسوة في الداخل لتصل إلى أسماعنا خارج المنزل، ولقد شاهدنا هناك مواكب النساء المتشحة بالعباءات وأغطية الوجه السوداء تسير إلى بيت العروس وهي تغني وتدق الطبول إبتهاجاً وفرحا.. دلفنا إلى فناء المنزل المكتظ بالناس وصعدنا السلم إلى غرفة الزواج "الفرشة"..
وهي الحجرة الوحيدة في سطح البيت، وبعد جلوسنا لدقائق معدودة شربنا القهوة وتمنينا السعادة والتوفيق للعريس في حياته الزوجية بينما وقف هو صامتا خجلاً في زاوية الغرفة يتلقى التهاني من الحاضرين!!
كانت "الفرشة" مزينة بالأقمشة الحريرية الملونة المطرزة بالذهب التي تغطي سقف الحجرة والجدران كما في الخيمة.. وتمتد إلى الأرض حاجبة النوافذ.
وعلقت أعداد كبيرة من المرايا في جميع زوايا الغرفة، بينما تدلت كرات زجاجية ملونة كالتي تستخدم في أشجار عيد الميلاد (الكريسماس) من أعلى السقف وحول المرايا.. في أحدى زوايا "الفرشة" شاهدنا صندوقاً خشبياً مزخرفاً بمسامير نحاسية صفراء حيث تحفظ العروس هدايا زوجها.
لكن مثل هذا الصندوق لا يستخدم هذه الأيام وقد استعيض عنه بالشنط والحقائب الجلدية.. كما كانت أرضية الغرفة مفروشة بعدد من السجاد الايراني الثمين وقد وضعت الواحدة منها فوق الأخرى!!
أما أثاث الغرفة فقد تكوّن من سرير النوم المزدوج ذي الأطراف الخشبية المنحوتة، وطاولة وضعت عليها الشموع، ومزهرية مليئة بالورود المختلفة والنباتات العطرية.. بالإضافة إلى جرة ماء وبعض الأكواب!! كان جو الحجرة معبئاً بالبخور ورائحة المشموم وهو أحد النباتات التي تشبه النعناع وتكثر زراعته في البحرين وقد لائم هذا الجو المناسبة التي حضرناها!
في الفناء الداخلي للبيت سمعنا غناء النسوة ورقصهن رغم كونهم معزولات عن رؤية الرجال.. وكما أخبرتني مارجوري تجلس النساء على الأرض ويتمايلن وتؤدي رئيسة الفرقة الأغاني العاطفية بمصاحبة الطبول وتصفيقات أيدي بقية أفرادها.. وأثناء الرقص تهز النساء شعورهن الطويلة المجدولة ذوات الضفائر المزركشة بزهور الياسمين في حركات دائرية سريعة، وتحمل احداهن "المبخر" المحتوي على البخور المحترق، وفي احدى الزوايا أشعلت نار صغيرة لاحماء الطبول وشدّها لكي تصبح صالحة للدق.
وعندما وصلت مارجوري إلى بيت العروس، أدخلت من باب آخر يؤدي إلى المكان الذي تتواجد فيه النساء، وهو غرفة احتشدت فيها المدعوات بالإضافة إلى العروس التي ارتدت الثياب الحريرية المزينة بالمجوهرات البديعة وأساور اليد وقلادات العنق الذهبية والخواتم الفيروزية وأقراط الأذن الهلالية الشكل المرصعة باللؤلؤ..
بالاضافة إلى الحلي والسلاسل الذهبية المزدانة بالأحجار الكريمة.. التي تتدلى من على جبهة رأسها .. أما شعرها فقد جُدل باتقان على هيئة ضفائر تتخللها أنواع من الورود كالياسمين و(الرازقي) و(الورد المحمدي).
وقد نقشت على يديها وقدميها أشكال رائعة باستخدام صبغة الحناء ثلاث ليال متتالية، وتم تجميل عينيها باستعمال الكحل الأسود.
جلست العروس ساكنة.. خجلة… تنظر طوال الوقت إلى الأرض … بينما أخذت النساء المدعوات في التأمل فيها وفي ملابسها ومجوهراتها كما لو كان دمية جميلة!!
بعد فترة قصيرة أدخلت العروس إلى الغرفة بواسطة قريباتها اللواتي بقين معها حتّى سماع تهليل "يبّاب" وغناء النساء في الخارج اعلانا بقدوم العروس حيث انصرفن.. وعندما يدخل "المعرس" على زوجته عادة ما يقدم هدية ثمينة إليها وفي أغلب الأحيان تكون هذه الهدية قطعة من المجوهرات، ثم يقوم برفع الغطاء عن وجهها.. ومن المفترض انّه يراها لأول مرة رغم ان هذا الشئ ربما لا يصدق هذه الايام فمن غير المستبعد مشاهدة الشاب لشريكة حياته قبل الزواج.
ومن العادات التي تجري في بعض مناطق البحرين ـ لكنها اندثرت الآن ـ لف العروس داخل سجادة مطوية ونشرها أمام العريس عند دخوله لغرفة الزواج "الفرشة"..
ثم يستمر الغناء والرقص خارج الغرفة لساعات متأخرة من الليل قبل مغادرة المنزل… وفي اليوم التالي يستقبل العريس المهنئين بالزواج في بيت العروس لمدة ثلاثة أيام متتابعة صباحاً ومساء، وفي اليوم الرابع ينتقل الزوجان إلى منزل العريس للإقامة الدائمة.. وغالبا ما يكون هذا المنزل بيتاً مشتركا يضم والدي الزوج وباقي أفراد أسرته.. ليبدأ الاثنان حياتهما الزوجية العادية!!
وعندما ينوي أحد الشباب الزواج يشترك في العملية شخص مهم هو الخاطبة أو ما يسمى في البحرين بـ "الخطّابة".. وهي المرأة التي عادة ما تكون كبيرة في السن وتدخل جميع البيوت لزيارة العائلات والتعرف على الفتيات البالغات سن الزواج ووصف محا سنهن وصفاتهن وعيوبهن للشباب الراغبين في الزواج!! أما اتفاقات الزواج بين العائلات الميسورة أو العريقة فترتب عن طريق كبار أفراد الأسرتين من الرجال .. لكن الأمور تغيرت هذه الأيام، وأصبح للفتاة الحق في إبداء رأيها فيمن يتقدم لطلب يدها وفي أحيان كثيرة ترفض الزواج ممن لا يعجبها من المتقدمين رغم موافقة أسرتها عليه!!
خلال السنوات التي أشرفت فيها زوجتي مارجوري على إدارة مدارس البنات كان يتصل بها أولياء أُمور بعض الشبان لكي تزكّي لهم الطلبات المناسبات لأولادهم، لكنها لم تتحمل قط مسؤولية الترتيب للزواج.. وعندما تنوي مدرسة من المدرسات العربيات المعارات من سوريا ولبنان أو الاردن الزواج من أحد البحرينيين، تقوم هي ـ بصفتها مسؤولة عنهن ـ بالكتابة إلى أهلهن في الخارج واعطائهم تفاصيل الشاب المتقدم، فإذا وافق الأهل عليه.. يتم الزواج!!
تعودت الفتيات البحرينيات أن يتزوجن في سن مكبرة جداً قد تصل أحيانا إلى الثانية عشرة أو الثالثة عشرة من العمر.
وقد تحدثت احداهن لمارجوري عن خوفها الشديد وعدم نضجها "ليلة الدخلة" حيث انها اختبأت عن زوجها تحت السرير وكان عمرها حينذاك اثنتي عشرة سنة بينما كان بعلها رجلا عجوزاً!! أما اليوم فقد تغيرت أشياء كثيرة، فلا تتزوج غالبية الفتيات قبل بلوغ السابعة عشرة أو السادسة عشرة على أقل تقدير، وقد أصبح شيئاً مألوفاً تأجيل العديد منهن ذلك إلى ما بعد اكمال دراستهن! هذه الأفكار الحديثة لا تعجب الجيل القديم من الرجال والنساء.
ويفضل الشباب المتعلم الآن الزواج من بنات متعلمات.. فمن الطبيعي ان تتمتع الفتاة التي درست حتّى المرحلة الثانوية ببعض الخصال التي تجعلها مفضلة ومرغوبة من الكثيرين!!
احدى العادات السائدة في البحرين قديماً هي زواج البنت الاجباري من ابن عمها إذا تقدم لخطبتها.. كذلك اعتاد الشبان البحرينيون الزواج من بنات أعمامهم… إلاّ ان هذه التقاليد في طريقها إلى الزوال الآن.. بل وكثير من الشباب يسافرون إلى الخارج ويتزوجون فتيات من بعض الدول العربية مثل سوريا ولبنان.. وهناك عدد من العائلات الكبيرة والمهمة التي تمنع زواج بناتها من خارج نطاق العائلة.. وفي هذا الصدد نذكر ان خلافات وشجارات عديدة تنشب بين أفراد العائلة أو القبيلة حين يتقدم شخص لا ينتمي إليها بطلب يد احدى بناتها، وقد يتطور الخلاف فيصل إلى المحاكم المدنية والشرعية للبت فيه.
ادفع عشرة جنيهات وتزوج!!
ـ أم القوطي تصطاد ضحيتها عند باب القنصلية!!
عصافير مكتبي تثير الدهشة!!
في الماضي.. كانت عمليات الطلاق في البحرين تحدث بصورة متكررة.. لكنها اليوم أصبحت أقل بكثير بل وأصبح الرجل الذي "يغّير" زوجاته موضع حديث دائم في السوق!!
في بداية عملي بالبحرين تعرفت إلى جار كبير في السن.. وكان يأتي لرؤيتي بعد العشاء حيث نجلس على سطح المنزل تحت ضوء القمر ونتحدث حول العديد من الأشياء المتفرقة .. وكان صاحبنا رجلاً مزواجاً لديه عائلة كبيرة من الأولاد والبنات، وفي إحدى الليالي سألته عن عدد المرات التي تزوج فيها فراح يحصي تلك المرات باستخدام أصابع يديه.. وفي نفس الوقت يذكر إسم كل زوجة منهن وعمرها وصفاتها واصلها وبعض الزوجات لم يتذكر أسمائهن!! وعندما وصل العدد إلى العشرين قال: أنا رجل عجوز وذاكرتي لا تسعفني على تذكر بقية زوجاتي خصوصاً الكبيرات في السن ولدي الآن أربع زوجات.
ولما سألته عن عدد ابنائه وبناته وجد صعوبة شديدة في إعطائي قائمة بأسمائهم وأضاف أن هناك آخرين كثيرين توفوا حين ولادتهم أو في فترة رضاعتهم.
في هذه الأيام من غير المعتاد أن يتزوج الشاب أكثر من امرأة رغم أن الدين الإسلامي يبيح ذلك.. وقد تناقشت حول هذا الموضوع مع بعض البحرينيين الذين أوضحوا بأن الزواج من امرأة ثانية يسبب العديد من المشاكل الداخلية في الأسرة، بالإضافة إلى أنه يتطلب مصروفات مالية إضافية، كما أن الشاب المتعلّم يتزوج فتاة متعلمة أيضاً ويعتبرها شريكة حياته ولا يريد أبداً الزواج من غيرها!!
كانت زوجتي مارجوري تسمع آراء النساء في الزواج وجميعهن يردن ويتمنين البقاء زوجات وحيدات لازواجهن لكنهم يفضلن الزواج من رجل له زوجة أخرى على بقائهن عوانس طول العمر!!
وفي هذه السنوات (الخمسينات) فأن نسبة النساء غير المتزوجات في البحرين نادرة جداً، وحسب الشريعة الإسلامية تعتبر المرأة غير المتزوجة قاصراً مهما كان عمرها.. وتدار أملاك وأموال القاصرة بواسطة أولياء أمورهم من الرجال! ولحسن الحظ فان عدد الذكور في البحرين يساوي تقريبا عدد الأناث!!
لقد أزدادت مصاريف الزواج في السنوات الاخيرة حالها كحال مستوى المعيشة الآخذ في الارتفاع.
وعادة ما يعطي الرجل المهر إلى العروس أو إلى والديها.
وقبل خمسة وعشرين عاماً كان بامكان الشخص العالم الحصول على زوجة نظير مهر يتراوح بين 10 جنيهات و15 جنيهاً استرلينيا "حوالي 200 روبية هندية" لكن عليه اليوم (1959) أن يدفع مبلغاً يتراوح بين 150 جنيها إلى 200 جنية (حوالي 2500 روبية هندية) نصفها على الأقل نقداً والباقي يعتبر ديناً عليه يسدّده فيما بعد أو عندما يريد تطليق زوجته!!
ولقد لجأ شبان كثيرون إلى الزواج من فتيات من خارج البحرين حيث يسافرون إلى إيران أو عمان ويدفعون مهوراً صغيرة.. وهناك بعض العائلات البحرينية التي تحدّد مهور بناتها بمبلغ معيّن معقول لا تتجاوزه أبداً!!
ان سبب معظم حالات الطلاق يرجع إلى عدم التفاهم أو الخلاف بين الزوجين وهذا الشئ غير مستغرب بسبب عدم معرفة الزوجين لبعضهما قبل الزواج وبعضهم لا يعرف أي شئ عن شريكة حياته إلاّ عند زواجه منها، ونفس الشئ ينطبق على الزوجة.
وفي مرات نادرة جداً تطلب الزوجة الطلاق من زوجها ويحق لها ذلك في حالات معينة كالعجز الجنسي للرجل!!
وطوال سنوات عملي في البحرين التي بلغت أحدى وثلاثين سنة واجهتني قضيتان فقط تم فيها تطليق الزوجة من زوجها ويرجع السبب في احداهما إلى تزويج فتاة لرجل مصاب بالجذام!!
وبالنسبة لنا نحن معشر الرجال تعتبر مسألة الطلاق من جانب واحد لكن إذا نظرنا إلى ذلك من زاوية اخرى، فان حقوق المرأة مكفولة بصورة جيدة في الدين الإسلامي فالارملة ترث تلقائياً عند وفاة زوجها 8/1 (ثمن) ثروته قبل اجراء أي تقسيم لها وإذا كان له أكثر من زوجة فيتم تقسيم هذه النسبة (الثمن) على عدد الزوجات.
من التقاليد المتبعة في المجتمع البحريني ويرى ضرورة تطبيقها هو لبس المرأة للعباءة (الدفّة)، وهذا التقليد تحرص الدول المجاورة مثل المملكة العربية السعودية، قطر، وعمان على اتباعه بحزم.. لكنني اعتقد أنه خلال السنوات القادمة سيصبح هذا الشئ جزءاً من الماضي… فالجيل المتعّلم من الشباب والشابات لا يعجبه ارتداء المرأة للعباءة.
وعند سفر الفتيات أو النساء إلى الخارج يقمن بخلعها في أقرب فرصة مواتية.. لكن لا أحد من الجيل الجديد يجرأ على مناقشة الجيل القديم الذي يعارض بشدّة أي اقتراح من هذا النوع.. وقبل عشرين سنة (الثلاثينات) لا تظهر أية سيدة في الطريق العام دون ارتداء عباءة سوداء سميكة تغطيها من أعلى رأسها حتّى أخمص قدميها وغالبا ما تغطي وجهها بنقاب أو "بطّولة" سوداء اللون، وفي أوقات الصيف الحارة تذوب الصبغة السوداء "للبطّولة" فتنزل في هيئة قطرات على وجه المرأة!!
وتزيّن نساء الطبقة الراقية في البحرين عباءاتهن بخيوط ذهبية (زري) حول أطرافها وبخطوط كبيرة من الذهب في وسطها.. وعندما تبلى العباءة وتصبح قديمة نتيجة استهلاكها يأتي احد المشترين الذين يجوبون الشوارع كل صباح وينادون: "زري عتيج… ماو عتيج" ويقصدون بذلك شراء الذهب والنحاس الأصفر فتخرج اليهم النساء وتبيعهم ما لديهن منه حيث يقومون بصقله وتلميعه وبيعه مرة أخرى إلى صانعي العباءات.
لقد حققت المرأة في البحرين تقدماً اجتماعياً خلال السنوات الأخيرة خاصة في المدن وبدرجة أسرع من تقدم الرجل، وهذا يرجع بصورة أساسية إلى وجود مدارس البنات..
ورغم مرور فترة قصيرة نسبيا على انشاء هذه المدارس إلاّ أنها أحدثت تغييرات جذرية في نظرة المرأة وتفكيرها.. كما ساهمت وسائل المواصلات ودور السينما وأجهزة الهاتف في هذا التغيير..
فصارت فتاة اليوم تقرأ المجلات والجرائد والروايات وتعلم ماذا يدور في العالم الذي حولها.. وتقارن موقعها في المجتمع بباقي النساء في الدولة المسلمة الأكثر تقدماً في العالم الإسلامي.
ونتيجة للتعليم أصبحت المرأة تهتم بالسياسة فخلال فترة الاضطرابات السياسية في البحرين قامت طالبات أحدى مدارس البنات باضراب عن الدراسة واشتركت طالبة منهن في المظاهرات وقادت موكب الطالبات حول العاصمة…
وأرسلت مارجوري بصفتها مديرة تعليم البنات إلى أولياء أمور الطالبات الغائبات الذين أعربوا عن معارضتهم الشديدة لتصرف بناتهم وحصلت منهم على ضمان وتعّهد كتابي بعدم السماح لهن في المستقبل بالاشتراك في المظاهرات، وتم فصل الطالبة القائدة من المدرسة!!
وتلبس طالبات المدارس الآن زيّاً موحداً بينما ترتدي المدرسات الملابس الأوروبية تحت عباءاتهن… وعندما تسافر النساء الشابات إلى الخارج يشاهدهن المرء في المطار وهن متغطيات بالعباءات السوداء أثناء توديع أقاربهن.. لكن ما ان تغادر الطائرة أرض المطار حتّى تتخلص النساء من عباءاتهن ويظهرن في ملابسهن الأوروبية الأنيقة..
ونساء البحرين أكتسبن ذوقاً جميلاً في اختيار الملابس بسرعة أكبر من النساء التركيات عندما تحررن من العباءة، وهذا يرجع بالطبع إلى تأثير المدرسات اللبنانيات اللواتي يجلبن ملابسهن المصممة حسب الأزياء والموضات الفرنسية من بيروت.
كان الناس يقترحون عليّ دائماً بأن محافظة المرأة على لبس العباءة (الدفّة) يمكن أن يجعل لها تأثيراً أكبر في المجتمع من تأثيرها في حالة عدم ارتدائها لها، لكنني كنت أشكّ باستمرار في هذا الرأي!!
يوجد خارج سواحل البحرين في أعماق البحر العديد من منابع المياه الحلوة (الجواجب) وهي ظاهرة لم أسمع بها أبداً في أي مكان آخر من العالم…
وقبل ظهورة الآبار الأرتوازية كان الناس يذهبون في قواربهم إلى مواقع (الجواجب) ويغوصون إلى القاع حاملين أوانيهم المصنوعة من الجلد (القُربْ) ويملأونها بالماء الطازج ويغلون فوهتها بإحكام ثم يصعدون مرة أخرى إلى سطح البحر حيث يعودون إلى المدينة ويبيعون المياه في السوق…
ولقد درجت أحدى السيدات البحرينيات على زيارتي لمناقشة مشروع جيد لتوصيل الماء من أحد المنابع البحرية الموجودة بالقرب من أرضها وضخه لري بستانها.. وبمساعدة مهندسي شركة النفط (بابكو) تم تجريب مشروعها، لكن لسوء الحظ حينما تم وضع خزّان حول المنبع تدفق الماء في جهة أخرى.
مع ذلك فقد أعجبت بذكاء هذه السيدة رغم عدم تعلمها!!
في أحيان كثيرة تأتي سيدات من عائلات معروفة لمقابلتي تصحبهن خادماتهن اللواتي يجلسن على الأرض في مكتبي الصغير… والغرض من زيارتهن هو إستشارتي في مسائل تتعلق بأملاكهن عند عدم الثقة في الرجل الذي يقوم برعايتها أو لمناقشتي في حقوقهن ببعض العقارات، وأحياناً فقط للشكوى من أزواجهن..!!
وتلعب الخادمة التي عادة ما تكون كبيرة السن دوراً رئيسياً في المحادثات وتخرج الوثائق المتعلقة بالموضوع من صندوق معدني أسطواني صغير تجلبه معها..
وغالباً ما أجد صعوبة في أنهاء المقابلات خلال وقت قصير حيث تستمع السيدات بالخروج من المنزل.. كما أن الوقت لا يعني شيئاً بالنسبة لهن!
في بعض الأحيان تقع لي حوادث مزعجة أو تجعلني أتضايق منها.
في أحدى المرات جاءت لزيارتي امرأة من الطراز القديم وجلبت معها عنزة (غنمة) كبيرة لتقديمها لي كهدية.. وكالعادة رفضت قبول الهدية، لكن ذلك الحيوان المرعب أفلت من يديها وراح يحطّم محتويات المكتب من تحف وزهور ويقضم بأسنانه قطع الأثاث الخشبية.
فأخذ الموظفون التابعون لي يلاحقونه وهو يجرى في القاعة ملوثاً لأرضيتها ومشوهاً ترتيبها في مشهد كوميدي، ولم يتم القبض عليه إلاّ بعد أن أتلف أشياء كثيرة في المكتب!!
عجوز أخرى مختلة عقلياً نوعاً ما لكنها لم تصل إلى درجة وضعها في مستشفى الأمراض العصبية (دار المجانين) كانت مصدر إزعاج دائم للمعتمدين السياسيين في البحرين.. وسبب إختلال عقلها هو محاكمتها التي استغرقت زمناً طويلاً بمحكمة القنصلية في قضية قانونية!!
لقد دأبت هذه السيدة، كلما سمعت عن زيارة المعتمد السياسي لمدينة المحّرق ـ حيث تسكن ـ أن تنتظره في شارع ضيّق وتندفع نحوه عندما يظهر وتطوقه بذراعيها مبعثرة أوراقها (وثائق القضية) في أنحاء الشارع.. (تلك الحوادث وقعت قبل انشاء الجسر الواصل بين المنامة والمحرق).
وفي النهاية اضطررت إلى أمر الشرطة بإبعاد هذه العجوز عن أنظار المعتمد السياسي حينما يزور المدينة، لكنها كانت ماكرة ومراوغة، وفي مرات عديدة تصطاد ضحيتها عند باب القنصلية!! وكانت هذه العجوز تعرف في البحرين باسم "أم القوطي".
كان مكتبي يقع في الطابق الأرضي من البيت مع وجود باب يطل على شرفة واسعة خلفها حديقة حيث استمتع بالنظر إليها وأنا جالس على كرسي المكتب.. ويوجد بالحديقة مدخل يشرف على الشارع…
وفي أوقات الظهيرة، أثناء غياب الحارس يجلس الناس للاسترخاء والاستناد على هذا المدخل المغلق بواسطة مزلاج مثبت في أعلاه، وأحياناً يفتحون الباب ويأتون للحديث معي عندما أكون بمفردي..
هذا المنفذ إلى مكتبي سبّب لي بعض المتاعب واصبح يستهوي الاشخاص المخبولين (المجانين) الذين يوجد عدد كبير منهم في البحرين.. فعاد يجذبهم كما يجذب المغناطيس قطعة الحديد.. ومن هؤلاء الاشخاص رجل مسن يتصور دائماً بأنه مظلوم في قضية خيالية حكمت فيها المحكمة ضده.. كان هذا الرجل بإستمرار يزحف بهدوء إلى داخل غرفة المكتب ثم يقفز بسرعة ناثراً ظروف رسائل وأوراقاً قديمة على أرضية الغرفة!!
وعندما يكون معي بعض الزوّار فانهم يصابون بالفزع والخوف من تصرف هذا المخبول الذي يهذي بكلمات لا معنى لها قبل أن يخرجه الحرس الموجودون في المكتب.
أما المستخدمون العاملون في مكتبي فهم ابناء رجال يعملون في الشرطة وكنت أطلق عليهم لقب (العصافير) حيث أنهم يجلسون على الكرسي الخشبي الطويل في الممر بإنتظار الجرس ويثرثرون طوال الوقت ولا يصمتون أبداً .. وقد اخذ الناس جميعاً يطلقون عليهم اسم "العصافير" !!
وفي بعض الاحيان أجد ملاحظة كتابية موجهة لي من قبل رئيس الكتاب تقول مثلاً: كبير العصافير عبّود (أي عبد الله) يريد إجازة ولدينا عدد كافٍ من العصافير للقيام بالعمل دون الحاجة إليه، هل يوافق سعادتكم على منحه إجازة!!؟.
وأنا متأكد إنه إذا تم الاطلاع في المستقبل على الملفات التي تضم مثل هذه الملاحظات فانها ستسبب الدهشة والاستغراب للاشخاص الذين يطّلعون عليها!
رجل آخر طويل القامة، نحيف الجسم، أسم اللون، دائم الصمت، كان يأتي بالقرب من باب المكتب كل صباح لمدة عشرين سنة تقريباً ويرفع يديه لتحيتي ثم يختفي بنفس الهدوء الذي جاء به.. لم يكن قط يتحدث إلى أي شخص في المكتب ولا أحد يعرف أين يسكن هذا الرجل؟.. وإذا حاولت التحدث إليه فأنه يتراجع منسحباً!! بعد تركي للبحرين سمعت ان هذا الرجل تخلى عن صمته ولا زال يزور المكتب ويسأل عن موعد رجوعي!!
كان منزلنا يقع فوق المكتب مع وجود سلّم يوصل إليه من الشرفة… ولم نكن نغلق أبواب المنزل وقت النهار وفي مرات نادرة نغلقها في الليل..
وقبل قيام الحرب العالمية الأخيرة جاءت صحفية المانية تابعة لمجلة "فرانكفورتر زيتونج" لمقابلتي بعد الترخيص لها من قبل السلطات البريطانية بزيارة البحرين.. وقد صادف أن كنت خارج المنزل، والمكتب مغلق والخدم في مواقعهم.. وانتهزت الصحفية الفرصة وصعدت بجرأة وشجاعة إلى الطابق العلوي ودخلت غرفة الجلوس حيث توجد اللوحات والرسومات وأخذت تتمعن فيها..
بعد ذلك كتبت هذه المرأة موضوعاً تفصيلياً أبدت فيه اعجابها الشديد بالغرفة ووضعت بالتفصيل الصوّر والزهور وباقي الأشياء الجميلة المزينة للغرفة كما امتدحت فيه حالة الأمن التي تسود البلاد والتي مكنتها من القيام بمغامرتها غير المشروعة!!
الفصل السادس
ستة أغنام وسيف.. تهنئة للمولود!!
في بداية تعييني كان المسمّى للمنصب الذي أتولاه هو "المستشار المالي"… ان التعامل مع أُمور الدولة المالية الذي كان سهلاً نسبياً في تلك الأيام هو واحد من المهام العديدة التي أسندت الي …
فلقد أخذ الشيخ حمد يطلعني ليس على المسائل المتعلقة بالدولة فقط.. وإنما على أُموره الشخصية أيضاً .. كتولي مسؤولية العناية ببساتينه وأراضيه وأملاكه التي كان يديرها وكلاء غير مخلصين، وعلى طلبات الهبات المالية وهبات الأراضي!! كانت ايرادات البحرين في السنوات الخمس الأولى لمجيئي ضئيلة جداً.. الشئ الذي جعلنا نضطر إلى ممارسة سياسة اقتصادية حازمة.. فقد كان يأتينا في كل عام شيوخ عرب من جميع أنحاء الخليج العربي لطلب المساعدة المالية من الشيخ… بل وأخذوا بعد ظهور النفط يأتون في أعداد أكبر، رغم أن الوضع الاقتصادي للبلد لم يتحسن كثيراً إلاّ بعد مرور سنوات طويلة!!
في بعض الأمور التي بدلت لي أنها هامة أعطاني الشيخ حرية التصرف، لكنه كان يعترض على ما اقترحه من اجراءات قد لا تلاقي التأييد من قبل عائلة آل خليفة أو لا تنال رضا الشعب.
لكن سموه كان يتحمل مسؤولية أي عمل تقوم به حكومة البحرين… وفي أية خطوة أو اجراء تقدمه الحكومة لابد من وجود المعارضين أو المنتقدين!!
مع ذلك.. كان من الممكن ان يدخل أي مواطن إلى مجلس الشيخ حمد المفتوح للسلام عليه أو لتسليمه شكوى.. أو تظلم كتابي.. ولقد كان الشيخ غالباً ما يدفع الي بتلك الرسائل والطلبات قائلاً: خذها معك وإدرسها وضع حلولاً لهام ثم أخبرني بها لنتناقش ونقرر ما نريد.
لم يكن هناك مجلس للوزراء لاستشارته، فقد كان الشيخ حمد حاكماً مطلقاً للبحرين يبحث الكثير من أمور البلاد مع شقيقه الشيخ عبد الله والشيخ محمد ومع نجله الأكبر الشيخ سلمان.
في البداية وجدت صعوبة في إعطاء المشورة حول الناس وحول المسائل التي لا أعرفها جيّداً … ولكنني بعد مرور سنة أو سنتين أكتسبت خبرة طيبة عن صفات وسلوكيات الناس الذين أتعامل معهم… وغالباً ما كان جوابي الدائم هو: إذا لم أكن قد وجدته كذلك ما كنت سأقضي فيها إحدى وثلاثين سنة متواصلة من العمل!!
لقد كان عملي هنا ممتعاً ومشوقاً جداً أستحوذ على كل أعجابي لأنه عمل متنّوع ومتعدد ولأنه ينطوي على التعامل اليومي مع أفراد من بني الإنسان وليس مع أشياء جامدة!!
قبل إكتشاف النفط بسنوات قليلة باشرنا العمل في عدة مشروعات كبيرة.. ففي عام 1930 بدأ تشغيل محطة الكهرباء التي زودّت المنامة بالطاقة الكهربائية…
وبعدها بسنة تم توصيل الخدمة إلى المحرق.. كما بدأ العمل في الجسر الذي يربط بين المنامة والمحرق عندما كان إيراد الدولة مرتفعاً.. لكن الجزء المتحرك من الجسر والممتد فوق المياه العميقة لم يتم إكماله إلاّ في عام 1942.
وكالعادة، لا قى هذا المشروع المعارضة.. خاصة من البحارة وأصحاب "اللنشات" الذين كانوا ينقلون الركّاب من أحدى المدينتين للأخرى عبر مسافة تبلغ ميلاً ونصف الميل!! مع ذلك أحس سكان المحرق بالسعادة والسرور لإنجاز هذا المشروع النافع والذي لولاه لكنا سنواجه صعوبة في ادارة مطار البحرين الواقع في تلك الجزيرة!!
وقمنا ـ أي الحكومة ـ أيضاً بإنشاء نظام هاتفي في المنامة.. وكان يقوم بتشغيل البدّالة التيلفونية شابان بحرينيان لطيفان رغم استماعهما لمعظم المحادثات الهاتفية!! وفي بعض الأحيان يكون هذا الشئ ذا فائدة، فحينما يريد شخص ما الاتصال بشخص آخر فغالباً ما يعرف هذان الشابان المكان الذي يوجد فيه ذلك الشخص فيقولان مثلاً إنه يتعشى الآن مع السيد فلان في بيته… لقد سمعناه وهو يدعوه للعشاء صباح اليوم!!
وقد كانت الخدمة التليفونية الاوتوماتيكية (الآلية التي جاءت بعد ذلك أكثر فعالية وإتقاناً… لكنها افتقدت التدخل الشخصي أو اللمسة الشخصية!!
في يومي السبت والثلاثاء من كل اسبوع كان يأتي الشيخ حمد إلى مكتبه الحكومي.ز ولقد سار على هذا التقليد ـ أيضاً ـ نجله الشيخ سلمان عندما خلفه في الحكم بعد وفاته.
يصل الشيخ في سيارة كبيرة بصحبة أبنائه الصغار وعدد من الخدم..
فنبدأ في مناقشة الشؤون المحلية.. كما كان يشاركنا في الاجتماع أحياناً ـ أخوانه: الشيخ عبد الله والشيخ محمد .. بعد ذلك أعرض عليه الأوراق والمستندات التي تحتاج إلى توقيعه أو ختمه.
وفي أيام الاسبوع الأخرى أذهب لزيارة الشيخ في قصره بالمنامة الذي عادة ما يكون مليئاً بالزوّار.. وفي أحيان كثيرة أزوره في منزله الريفي بالصخير.. المكان المفضل لديه.. نجلس على كرسي خشبي طويل مغطى بالسجاد في مكان ظليل يقينا من شمس الصيف الملتهبة… ونتداول أُمور الدولة المختلفة.
وفي أوقات كثيرة كان يأتي الشيخ إلى مكتبه الحكومي قبل تناول طعام الافطار، وهو في طريقه إلى المحرق.. أو يجئ إلى منزلي عصراً ونتحدث في مواضيع الدولة والمواضيع الأخرى المختلفة..
لقد كان الشيخ لا يحب الرسميات.. لكنه يتمتع بمهابة طبيعية عظيمة بالإضافة إلى كونه عطوفاً مراعياً لمشاعر الآخرين وحقوقهم.. بل وكان يبدى إهتمامً كبيراً بأمورنا الشخصية.
في أبريل 1929 رزقنا ـ أنا وزوجتي ـ بطفل حيث وضعت مارجوري في البيت بمساعدة طبيبة من الإرسالية الأمريكية … ونظراً لحالة الطفل الصحية السيئة سافرت زوجتي بعد ثلاثة أسابيع إلى انجلترا للعناية به هناك.. ثم عادت مع الطفل إلى البحرين في الشتاء التالي..
وفي اليوم الذي ولد فيه إبننا أرسل الشيخ لي شاحنة (لوري) محملة بستة أغنام (ماعز) سمينة بالإضافة إلى سيف موضوع في غمد ذهبي مع خطاب يتضمن التهنئة بالمولود الجديد!!
وحسب التقاليد المتبعة هنا ذبحنا الماعز ووزعنا لحومها على الجيران والأصدقاء!!
وقد صادف يوم ولادة الطفل مع وصول "جوفري برايور" المعتمد السياسي البريطاني الجديد للبحرين، فأرسلت إليه قطعة لحم كبيرة من فخذ الماعز، فأصيب بالدهشة والحيرة واعتقد في بادئ الأمر أن من عادة الحكومة البحرينية الترحيب بممثل ملك بريطانيا بهذه الطريقة.. إلى أن أوضحت له الموضوع بعد ذلك!!
ولقد أبدى الشيخ حمد إهتماماً شديداً بابننا (وهو أول طفل بريطاني يولد في البحرين) وكان مسروراً جداً عندما أخبرناه برغبتنا في اختيار إسم "حمد" كأحد أسمائه.. إلاّ أننا عندما قمنا بتعميده بالكنيسة في بريطانيا كان القسيس مستغرباً لاختيارنا هذا الإسم الذي ـ على حد قوله لم يصادفه من قبل!!
كما أنني أتذكر ان الولد اصيب بالحمى لفترة طويلة ولم ينفع معها العلاج الطبي.. وحينها قال لي الشيخ القلق على حالته: إنني أعرف علاجاً سيشفي إبنك من المرض، لكنني لا أعتقد ان زوجتك ستوافق عليه!!
ولما سألته عن هذا العلاج، أجاب: كي جسم الطفل بقضيب من الحديد الساخن بواسطة شخص خبير في هذا النوع من العلاج الشعبي!!
ومع إيماني بأن هذا العلاج كان البحرينيون يستخدمونه لعلاج أمراض عديدة وأنه أثبت فعاليته في بعض الحالات.. إلاّ أنني أبلغت الشيخ بأن زوجتي لن توافق عليه، فقال إنه سيأتي إلى منزلي ويقرأ بعض الآيات والصلوات من أجل شفائه!!
وفي تلك الليلة جاء الشيخ حمد، وذهب إلى غرفة نوم إبننا الذي كان نائما وتركناه بمفرده مع الطفل.. وعقب فترة بسيطة خرج الينا قائلا: سوف يشفي إبنكم إن شاء الله.. وبالفعل، فبعد أيام قليلة تماثل الولد للشفاء.
وعندما وصلت القصة إلى أسماع المبشرين في الإرسالية الأمريكية أبدوا غضبهم وعدم موافقتهم أو إقرارهم لأن يصلي شخص مسلم من أجل إبننا (المسيحي)!
من الأشياء التي أتذكرها عن البحرين قبل ثلاثين عاماً (الثلاثينات) نقص الخدمات الطبية المناسبة لعلاج المرضى الأوروبيين، خاصة النساء.. فقد كان هناك عادة طبيب أمريكي جيد على الأقل في الإرسالية، لكن الإقامة في المستشفى التابعة للإرسالية لا تلائم الأوروبيين، وغالباً ما يسافر الطبيب إلى المملكة العربية السعودية لعلاج بعض الحالات.. أما اليوم (1959) فلدى حكومة البحرين مستشفيات حديثة للرجال والنساء حيث يتم فيها علاج المواطنين والاوروبيين.
والعاملون في هذه المستشفيات هم أطباء وجراحون وممرضون بريطانيون وهنود من الجنسين.. وفي مدينة "عوالي" يوجد لدى شركة نفط البحرين (بابكو) مستشفى ممتاز للعناية بموظفيها من العرب والأوروبيين.
وبصفة عامة فإن الخدمات الطبية الموجودة في البحرين الآن أفضل من تلك الموجودة في العديد من الدول الأوروبية!!
في فصل الشتاء كان الشيخ حمد يدعوني أحياناً لمرافقته في رحلات القنص وصيد طيور الحباري بواسطة الصقور في الجزء الجنوبي من البحرين.
وقد كان يتم اصطياد الصقور من الجبال الإيرانية وتجلب لبيعها هنا بمبالغ مرتفعة قد تصل إلى 60 جنيهاً للصقر الواحد!!
وهناك نوعان من الصقور المستعملة في البحرين أحدهما يسمى "الشاهين" والآخر يسمى "الحُرّ" ويقال ان الكلمة الثانية مشتقة من الإله الفرعوني القدم حورس..
والذي كان رأسه عبارة عن رأس صقر!! ويستمر موسم الصيد لشهرين أو ثلاثة أشهر حينما تكون الحباري موجودة في البحرين في هجرتها نحو الجنوب.
والحباري هي طيور تشبه الدجاج الرومي وتغطيها أجنحة كبيرة وتستطيع الطيران بقوة شديدة.
في أحد أيام ديسمبر انطلقت بنا السيارة التي يقودها عبد الله الشرطي السائق التابع لنا خارج المنامة باتجاه شارع البديع الذي توجد على جانبيه غابات من النخيل وبساتين مليئة بالاشجار المختلفة.
ولقد شاهدنا أثناء سيرنا الباصات الخشبية المصنوعة بألوان فاقعة متجهة نحو العاصمة وهي مكتظة بالركاب من المواطنين والتي كان سائقوها عندما يرونني يخففون من سرعتهم خشية ان أوقفهم وأقوم بعدّ الراكبين الذين عادة ما يفوقون العدد المرخص به!! وفي أثناء سيرنا ـ أيضاً ـ مررنا على أرضٍ واسعة حتّى وصلنا إلى قرية "الزلاق" الصغيرة الواقعة على نتوء جبلي يحيطه البحر من ثلاث جهات..
أخيراً وصلنا إلى "المطلّة" حيث يوجد بيت صغير للشيخ محاط بالخيام والسيارات والجمال والحمير… وأمام الخيمة التي يجلس فيها الشيخ شاهدنا الصقور الضخمة التي يبلغ طولها القدمين وهي مربوطة إلى الأرض!!
بدا الشيخ ـ في ذلك اليوم ـ سعيداً جداً أكثر من أي وقت مضى حيث تخلص من متاعب أمور الدولة وخلد إلى الاستجمام في رحلة القنص!!
كانت عملية صيد الحباري تبدأ عندما يطلق الشيخ حمد صقره المفضل المسمى "منصور" فيطير وراء فريسته (الحباري) في عملية مطاردة مثيرة محاولاً الانقضاض عليها بمخالبه الجارحة حتّى يسقطها على الأرض وهو ينتّف ريشها المتبعثر في الهواء، فيجري الرجال بأقصى ما يستطيعون لكي يلحقوا بالحباري قبل تمزيقها إرباً إربا!!
وفي بعض الأحيان يطلق صقران مرة واحدة لاصطياد الفريسة!!
كما أننا في تلك الليلة استمتعنا بوجبة لذيذة من الحباري وغيّرنا من أكل الطعام اليومي المعتاد: اللحم أو الدجاج!!
مطاردة كلاب الصيد السلوقية للأرانب البرية رياضة أخرى نمارسها هناك. حيث يطلق هذا النوع من الكلاب المعروف بسرعته نحو ارنب ما ويحاول اللحاق به واصطياده ونحن نركض وراء الكلب لكي نعاين العملية..
وهذا الكلب يعتمد في صيده لفريسته على بصره القوي وليس حاسة الشم كما تفعل الكلاب البوليسية.. ولعدة سنوات كان لدّي كلب من سلالة "سلوقي" يصطاد الأرانب ببراعة… لكنه بعض الأحيان يصطاد غزلاناً!! وهذا الشئ يضايقني حيث أن الشيخ لا يحب أن يقتل أي غزال!!
وقد كان البحث عن "الفقع" بعد نزول المطر.. أحد الهوايات المحببة للبحرينيين كذلك!!!
والفقع هو نبات صغير يشبه البطاطا يبرز في الرمال!!
لقد درج الشيخ على الذهاب إلى البر مع أولاده ومرافقيه لتمشيط رمال الصحراء الغنية بهذا النبات!
وكانت الغزلان تتواجد في الموقع الحالي لمدينة عوالي التي أنشأتها شركة النفط "بابكو"، لكنها نزحت إلى الطرف الجنوبي من الجزيرة.
وفي جزيرة أم النعسان توجد قطعان كبيرة من الغزلان والوعول السود التي جلبت من الهند منذ سنوات طويلة.. وأحيانا يسمح الشيخ بإطلاق النار وصيد الوعول.
خلال السنوات الأولى لوجودي في البحرين، كان هناك حوالي إثنا عشر شخصاً أوروبياً في المنامة بما في ذلك المبشرين التابعين للكنيسة الهولندية الاصلاحية لأمريكا التي قامت بعمل طبي وتعليمي نافع لكنها لم تنجح إلاّ نادراً جداً في تحويل الناس إلى المسيحية!!
وكانت هذه الجالية تجتمع في معظم الأيام وتمارس هوايات مختلفة مثل لعب التنس والبريدج وتقيم حفلات العشاء الصغيرة!!
وفي الصيف يأتي تجار اللؤلؤ الفرنسيون من باريس فيحيون الجو بجلب الأطعمة الشهية والمشروبات الروحية لنا… وكانت المراكب الشراعية التابعة للبحرية البريطانية تزورنا بصورة متكررة، ومنذ عام 1928 بدأت أسراب الطائرات الشراعية التابعة للقوة الجوية الملكية البريطانية في النزول باستمرار في البحرين قادمة من البصرة.
وقد استغليت تلك الفرصة وطلبت من القوة جلب النباتات والشجيرات من البصرة لزرعها في حدائقي.
ومن النباتات التي أحضرتها لي نوع يسمى الدّفلي وهو نبات سام له أزهار ذات رائحة عطرة ولم يكن هذا النبات موجوداً في البحرين من قبل.. أما اليوم فهو أكثر أنواع الشجيرات انتشاراً في البلد!!
وعند مغادرتي للبحرين كان عدد أفراد الجالية الاوروبية يتراوح بين الفين إلى ثلاثة آلاف شخص وحياتها الاجتماعية في الشتاء تصبح جولة من حفلات الكوكتيل ومآدب العشاء التي لا تساعد على النهوض المبّكر في الصباح أو زيادة النشاط!!
كما أفرزت هذه الحياة أيضاً روحاً من التنافس الاجتماعي حيث أخذ الأفراد الذين ليس عليهم التزامات رسمية بالاستمتاع والصرف باسراف أكثر مما تسمح به ميزانياتهم !!
لقد كانت الحياة الاجتماعية في الماضي أكثر بهجة وسعادة مما آلت إليه بعد ذلك!!
عام 1932 غاصت أول طائرة في رمال المنامة!!
ضريبة جديدة على السلع تفرضها الحولة!!
ذات يوم أبلغني ضابط بريطاني يعمل تحت خدمتي (والذي يصف معرفته للغة الفرنسية بأنها صدئة) أبلغني في رسالة كتب عليها كلمة "عاجل" ان رجلاً يسمي نفسه "البرت لندن" وصل إلى البحرين مرتدياً ثياباً عربية، وقال انّه يمثل مجلة الحياة الباريسية Lavie Parisiene ، وهو شخصية مشبوهة وتم احتجازه في سجن الشرطة!!
فور قراءتي لهذه الرسالة أسرعت إلى مركز الشرطة لتقصي أمر هذه الشخصية المشبوهة فوجدت رجلاً فرنسياً جالساً على دكة خشبية صلبة وهو يتأمل فيما حوله بفضول.. وعرفت أنه "البرت لوندرز" الكاتب الفرنسي المشهور الذي كان يعد سلسلة مواضيع لصالح جريدة "لوبتي باريسيان" Letit Parisiene (الباريسي الصغير)..
وقد جاء من مدينة جدّة بالمملكة العربية السعودية بعد زيارة الملك سعود بن عبد العزيز الذي أهداه بعض الملابس العربية.
دعوت هذا الرجل إلى بيتي ولحسن الحظ، اعتبر الموضوع كنكتة أو مقلب ظريف خاصة فكرة كونه عضواً في حركة الحياة!!
وفيما بعد وصف المؤلف الحادثة بطريقة مشوقة في كتابه "صيد اللؤلؤ".
في عام 1932 عانت البحرين من الكساد الاقتصادي الذي اجتاح العالم… وانخفض إيراد الدولة إلى (50.000) جنيه استرليني تقريبا… بعد ان كان يبلغ حوالي (82.000) جنيه كرقم متوسط للسنوات السبع السابقة.. وأصبح الإيراد لا يكفي لدفع تكاليف الخدمات والمصاريف الادارية للبلاد.
شرحت الوضع للشيخ حمد وللأعضاء الكبار في العائلة الحاكمة وتأكدت لهم خطورة الموقف حيث وافقوا على تقليص المخصصات المدفوعة لأفراد العائلة وعلى تخفيض رواتب المسؤولين والموظفين الحكوميين بنسبة 10% إلى أن يتحسن المركز المالي للدولة..
وفي نفس الوقت تم إبطاء العمل في المشاريع الجديدة التي تنفذها الحكومة.. وسحبنا مبلغاً صغيراً من احتياطي الدولة القليل.. والذي بدأت بتكوينه قبل سنوات قلائل، واتخذت الخطوات لزيادة ضريبة الجمارك على السلع غير الضرورية من 5% إلى 10% من سعر السلعة.. أما بالنسبة للتبغ والسجائر فقد رفعنا النسبة إلى 15%…
وبالمناسبة نذكر إن المشروبات الروحية التي كان لا يسمح باقتنائها أو تناولها إلاّ للاوروبيين فقط، يتم استيرادها دون فرض رسوم ضريبية عليها لأن الشيخ حمد لا يؤيد فكرة تحصيل إيراد للدولة عن طريق استيراد سلعة محرمة حسب الشرع..
وقد كان تعاون المسؤولين الحكوميين والموظفين لاجتياز هذه الأزمة مدهشاً فلا أحد منا يود أن يرى راتبه الشهري ناقصاً، لكن وعي الجميع وتحملهم للمسؤولية فاق التوقع، ولم تصدر أية شكاوي أو علامات تذمر من الموظفين، كما لم يحدث أي اضراب بالبلاد بينما نجد ان مجرد التفكير فقط بمثل هذا الاجراء التقشفي في هذه الايام (1959) سوف يؤدي إلى الاضرابات.
والجماعة الوحيدة التي سبب لنا المتاعب في تلك الأيام هي فئة الغواصين!!
في أُكتوبر من عام 1932 هبطت بالبحرين اول طائرة ركاب.. وهي تابعة للخطوط الجوية الملكية البريطانية في طريقها إلى الهند.
وكان ما يسمى مجازاً بالمطار وهو الأرض التي نزلت فيها الطائرة يقع في المنامة وقد تحول الآن إلى ميدان أو ساحة للسباق.
وكانت المناسبة عظيمة وتاريخية، وتوجه الشيخ وأشخاص كثيرون لرؤيتها. وسارت الأمور على ما يرام إلى ان شرعت الطائرة في الاقلاع مرة ثانية وانطلقت تتحرك عبر مضمار المطار.. ثم فجأة غاصت في الرمال ونزلت إلى أسفل الأرض وشعر الجميع بالهلع والخوف الشديدين!!
وعلمنا ان سبب حدوث هذا الشئ المفاجئ هو وجود مجرى نهري قديم ومهدور في ذلك المكان ولم يكن أحد يدري بوجوده.
وأدى ضغط وزن الطائرة الثقيل على ذلك المكان إلى انهيار طبقة التراب العلوية من الأرض. رغم ذلك لم يصب أي من الركاب أو الطائرة بأضرار، لكنها انحدرت إلى عمق المستنقع ووجدنا صعوبة كبيرة في إخراجها… وطوال ذلك اليوم حاول مئات من الرجال سحب الطائرة وجرها من الحفرة بواسطة الحبال السميكة التي كانت تتقطع باستمرار كلما رفعت الطائرة بسبب وزنها الثقيل جدّا!! وفشل الرجال في استخراج الطائرة.
في ذلك اليوم انتهزت فرصة تعطل الطائرة في "المطار" واستضفت عددا من المسافرين في منزلي بما فيهم مضيف الطائرة الذي ساعد الخدم العاملين بيتي في تجهيز الطعام، بينما ذهب بقية الركاب إلى منازل أخرى …
واعتقد إن المسافرين استمتعوا بقضاء فترة توقفهم في البحرين وشاهدوا خلالها بعض معالم هذا البلد!!
في اليوم التالي عاودنا العمل لاخراج الطائرة "التعيسة" حتّى نجحنا في تحريكها وطار بها قائدها الكابتن هورسي مباشرة إلى جزيرة المحرق حيث هبطت على ارض سهلية واسعة ذات أرضية مسطحة خلف المدينة!!
واعتباراً من ذلك اليوم أصبح هذا المكان موقع مطار البحرين الذي لا تزال الطائرات تحط فيه حتّى يومنا الحالي.
والعائق الوحيد للسفر بطريق الجو قبل انشاء الجسر الواصل بين المنامة والمحرّمه هو اضطرار المسافرين عبور البحر الواصل بين الجزيرتين بواسطة القوارب.
وقد استقبل المواطنون دخول الطائرات للبحرين بفتور.. فبعد اسبوعين من نزول أول طائرة أصبح مشهد الطائرات في الجو شيئاً عادياً، وقلما اهتم المرء بمراقبتها ومتابعتها في السماء!! وخلال فترة قصيرة صار معلوما لدى معظم البحرينيين بإن الطائرات هي إحدى وسائل السفر بين بلد وآخر أو من مكان إلى مكان آخر في نفس البلد!!
توفي الشيخ عيسى بن علي آل خليفة في 9 ديسمبر 1932 وهذا التاريخ يصادف ذكرى يوم ميلادي، وكان عمره حينذاك 94 سنة تقريبا، لكن بالنسبة للتقويم الهجري بلغ عمره أكثر من 97 عاماً وذلك بسبب فارق الأيام بين السنة الميلادية والسنة الهجرية.. وقد كانت حكومة البحرين حتّى قبل سنوات قليلة تعمل بنظام السنة الهجرية وتدفع رواتب موظفيها في نهاية كل شهر عربي…
إلاّ انني استطعت في عام 1953 تغيير ذلك النظام إلى التقويم الميلادي (الجريجوري) وأعددنا ميزانية الدولة وحساباتها وفقا لذلك النظام ابتداء من ذلك العام.
وبسبب عدم حلول الأشهر العربية (الهجرية) في نفس موعدها أو موسمها من كل عام يقوم الفلاحون المحليون بزراعة نباتاتهم اعتماداً على النجوم والقمر وهذا يسبب الحيرة وعدم الفهم لهواة الزراعة من الاوروبيين المتواجدين في البحرين!!
بعد وفاة والده، أصبح الشيخ حمد الحاكم الوحيد والمطلق للبحرين.. وتم الاعتراف الرسمي به من قبل حكومة الهند البريطانية في احتفال حضره المقيم السياسي البريطاني نيابة عن نائب ملك انجلترا وسلم إلى الشيخ "الخريطة" وهي رسالة الاعتراف الرسمية به كحاكم للبحرين..
هذا التقليد في اعتقادي يرجع أصله إلى الهند ويلائم الامراء الهنود أكثر من أمير البحرين الذي وصفته بريطانيا رسمياً في المعاهدة المبرمة بين الطرفين بأنه حاكم لامارة عربية مستقلة تربطها علاقات وثيقة مع حكومة الهند البريطانية.
بالرغم من ذلك فقد كانت هذه المناسبة فرصة للاحتفالات واقامة المهرجانات والمواكب.. فقمت أنا وزوجتي مارجوري بالتحضير لحفل التتويج.. وتم تصميم وصناعة العرش الذي جلس عليه الشيخ بواسطة نجارين محليين. وكان منظر قاعة الاحتفال المضاءة بطريقة غير مباشرة غاية في التنظيم ورائعاً جداً حيث حاز على اعجاب جميع الحاضرين..
وبدا الشيخ حمد في هيئة ملكية مهيبة في ثيابه المطرزة بالحرير مرتدياً العقال (الشطفة) الذهبية اللون فوق رأسه المغطى بالغترة البيضاء.. وقبع خنجره الذهبي في وسط حزامه، بينما وضع في يده سيفاً ذهبياً.
وكان أفراد العائلة الخليفية يرتدون الحلل الجديدة الزاهية احتفاء بالمناسبة.
وكذلك الحال بالنسبة للراقصين الشعبيين الذين انتشروا هناك فقد ارتدوا الملابس الجميلة البراقة .. اما المعتمد السياسي البريطاني وموظفو القنصلية فقد جاءوا في زيّ الاستقبال الرسمي.
وأتى رجال القوة الجوية والبحرية الملكية البريطانية بملابسهم العسكرية الكاملة.
كانت المشكلة الوحيدة التي واجهناها خلال حفل التتويج هي إن العديد من المدعوين البحرينيين قاموا بالقاء الكلمات والاشعار والخطب الطويلة احتفاء بهذه المناسبة السعيدة رغم اننا لم نحسب حساب ذلك مما أدى إلى تعطيل وتغيير برنامج الحفل بالكامل!!
وخلال أيام الاحتفالات بتنصيب الشيخ استمرت الرقصات الشعبية في جميع أنحاء البحرين ووزعت الوجبات والأكلات على الكثير من المواطنين، وعطلت جميع المؤسسات الحكومية والأهلية لمدة ثلاثة أيام متواصلة.. وسار موكب سيارات الشيخ في سوق المنامة ليلاً وسط الأنوار الملونة الجميلة في مشهد يشبه أحد البالية الروسي.. وزين كل متجر بالسوق بالسجاد الايراني والأقمشة الحريرية الخضراء والبرتقالية والارجوانية التي تدلت من أعلى.. وامتلأت الشوارع بجمهور المواطنين الذين لبسوا الثياب العربية.
وأثناء سير موكب السيارات البطئ رش أصحاب المتاجر ماء الورد والعطور الزكيّة الرائحة على الموكب.. وكنت أجلس مع الشيخ حمد في سيارته التي أحيطت بالعطور والبخور من جميع الجهات!!
وقد استغرق جفاف ملابسي من تلك السوائل وقتاً طويلاً!! بينما جلست ما رجوري وولدي الصغير جيمس أو "حمد" في سيارة أخرى واستمتعنا كثيراً بهذا الاحتفال الخيالي، في الوقت الذي قدم أصحاب الدكاكين إلى جميع المشتركين في الموكب الصواني بالحلويات والبسكويت بالإضافة إلى تعطيرهم!!
في معظم الأوقات يكون سوق المنامة مكاناً جذاباً يبعث على اعجاب المتسوقين والمواطنين نظرا لنظافته الفائقة وخلوه من الروائح الكريهة إلاّ إذا قام الفرد بزيارة القسم الذي يباع فيه السمك المجفف أو ما يسمى في البحرين "بالمالح" أو "الأحلة".
وتمتلأ المتاجر والدكاكين الكبيرة ذوات النوافذ الزجاجية بالبضائع والسلع الأوروبية والأمريكية وبالكاميرات وأدوات الزينة والأجهزة الكهربائية، وبالقمصان وربطات العنق وكل ما يريد أن يشتريه المتسوق..
ولم يكن مبنى "باب البحرين" قد شيد بعد، ولم نشاهد الملصقات الاعلانية المروجة للسلع في الشوارع والطرقات بالسوق كالمنتشرة هذه الايام.
وكانت الممرات الداخلية الضيقة مغطاة بالحصر والجدران الداخلية للدكاكين معتمة تشبه الاكواخ أو العشش، لكن أشعة الشمس تخترق ِأسقف هذه الممرات من خلال فتحات موجودة في الحصر وتنفذ إلى واجهات الدكاكين لتضئ ديكوراتها الخارجية الملونة والبضائع المعروضة للبيع في مقدمة المتاجر.
كانت زاويتي المفضلة في السوق والتي حاولت مرات عديدة رسمها في لوحاتي هي الركن الذي تباع فيه التوابل والأطياب.
ويعرض الباعة على امتداد الممر الضيق أوانيهم المعدنية فلا يتبقى إلاّ مجال قليل بين الدكاكين للسير فيه، لكنه متسع بما فيه الكفاية كي أعبره راكباً صهوة فرسي، حيث كنت غالبا ما أزور هذا الركن صباحاً قبل تناول طعام الافطار في طريق عودتي من تفقد دائرة الشرطة بالقلعة!!
وسوق التوابل بالمنامة عبارة عن مجموعة متناسقة من الألوان البنية والصفراء، وعلى المناضد الخشبية خارج الدكاكين تشاهد السلال المختلفة الأحجام والتي تحتوي على الزعفران الاصفر وبراعم الورود الجافة وكميات من الفول والبازلاء الجاف والفلفل الأحمر الغامق وحبات الثوم والقرفة والكركم والمساحيق الغريبة الألوان التي تستخدم في الطهي، والتمر الهندي وجميع أنواع التوابل والمشهيات للأكل، واكواز السكر المخروطية ا لشكل الملفوفة في أوراق زرقاء كالتي يستخدمها الباعة المتجولون…
وجو السوق عادة ما يكون معطراً بشذى الروائح الزكيّة للتوابل وماء الورد، وترى أصحاب المحلات وهم مستقلين بكسل فوق السجاجيد الإيرانية في الأماكن المنعزلة والمعتمة داخل دكاكينهم.. إما نائمين أو مرددين آيات قرآنية أو أدعية دينية… وعندما يمر شخص عليهم فأنهم يدعونه لتناول الشاي.
وفي أعلى هذا الممر الرطب الموصل بين جوانبه وسطحه يوجد متجر كبير تتعرض مقدمته لأشعة الشمس التي تضئ أواني زجاجية ذوات ألوان خضراء زاهية تحتوي على ماء الورد المستورد من إيران، وترى السجاد الأحمر الشهير المجلوب من مدينة بخارى والأقمشة البرتقالية والبيضاء والصفراء المعلقة على أسلاك معدنية أو حبال رفيعة خلال الأجزاء الداخلية للدكاكين!!
وفي هذا الموضع الخلفي الهادئ بالسوق كان يسير العمل التجاري بطريقة بطيئة ومتكاسلة.. أما الشوارع فهو ضيق جداً بحيث يصعب مرور السيارات عبره، ويتم توصيل رزم البضائع الثقيلة والأكياس الضخمة بنقلها على ظهور الحمير البيضاء القوية الجسم التي تشتهر بها البحرين!! وهذه الحمير تزيّن وتجمّل من قبل أصحابها بأشكال من مادة "الحناء" التي تصبغ رؤوسها به، مع تعليق تعويذات من السبحات الزرقاء اللون حول رقابها لأبعاد عين الحسود عنها!!
الفصل السابع
أخطأ الجميع.. وصدق هولمز!!
إن تاريخ امتياز التنقيب عن النفط في الخليج العربي يعتبر قصة محزنة من وجهة النظر البريطانية.. قبيل نهاية عام 1922 بدأت المؤسسة الشرقية والعامة "EAST & GENERAL SYNDCATE" ـ وهي شركة بريطانية صغيرة يمثلها في الخليج الميجور فرانك هولمز ـ المفاوضات مع الملك عبد العزيز آل سعود لمنحها حق الامتياز عبر مساحة من الاراضي تقدر بـ 35.000 ميل مربع في اقليم الاحساء بالمنطقة الشرقية التابعة للمملكة العربية السعودية…
وتنتج شركة النفط العربية الامريكية (ارامكو) الآن (1959) أكثر من ستين مليون طن من البترول سنوياً في هذه المنطقة.
وبين عام 1922 و1926 نجح هولمز في جعل شركته تفوز بامتيازات التنقيب في الاحساء والبحرين والمنطقة المحايدة التي تقع بين الكويت والسعودية.. وبسبب عدم وجود رأس المال الكافي لها، لم تتمكن الشركة من استكشاف وتطوير وتشغيل حقول النفط، كما انها لم تكن تمتلك حتّى الرافعة المعدنية التي تقام فوق البئر النفطي!!
واتصلت المؤسسة بشركة البترول البريطانية الإيرانية وشركة "بورما شل" بهدف الوصول إلى إتفاق للعمل المشترك معهما، لكنها لم تلق تأييد أي منهما للمشروع.. ثم حاولت جذب اهتمام جهات أخرى لكن دون جدوى!
استمر بحث المؤسسة عن شرك يمولها لتنفيذ امتيازاتها التنقيب حتّى عام 1927 حيث أبرمت إتفاقاً مع شركة نفط الخليج، الامريكية الجنسية، حصلت فيه الأخيرة على خيارات التنقيب في الاحساء أو البحرين أو المنطقة المحايدة.
بعد فترة قصيرة حولت الشركة حقوقها إلى شركة أمريكية أُخرى هي ستاندرد أويل كومباني أوف كاليفورنيا الشركة الأم أو المالكة لبابكو.. وقد تم التحويل تطبيقا لشروط "اتفاقية الخط الأحمر" التي كنا نسمع عنها كثيرا في تلك الأيام، والتي بموجبها تمنع أية شركة بريطانية أو أمريكية أو فرنسية لها اسهم أو مصالح في شركة النفط العراقية من امتلاك امتيازات أخرى في البحرين أو المملكة العربية السعودية …
ونظرا لكون شركة نفط الخليج امريكية وينطبق عليها هذا الشرط فقد حرمت من هذه الفرصة.
واليوم تقوم الشركات الامريكية بانتاج أكثر من نصف كمية النفط في الخليج العربي رغم انها في الماضي لم تبد إلاّ اهتماماً قليلاً بالمنطقة.
لم أسمع قط في حياتي تفسيراً مقنعاً لعدم رغبة الشركات البريطانية في التقدم لهذا المشروع مع انها كانت تستطيع الفوز بجميع امتيازات التنقيب، أو على الأقل مشاركة المؤسسة الشرقية والعامة في حق الامتياز وفقا لشروط معتدلة جداً.. وقد جرت سابقا عملية مسح لسطح ارض في البحرين بواسطة جيولوجيين نفطيين نتج عنها عدم تفاؤلهم وتحمسهم لامكانية وجود النفط.. لكن هولمز الذي كان جيولوجيا أيضاً لم يشك أبداً في اعتقاده بأن الذهب الأسود موجود في البحرين.
وقد أثبت التاريخ صحة رأيه فيما بعد.. وربما امتنعت شركة البترول البريطانية الإيرانية عن الاشتراك بسبب عدم اقتناعها بوجود النفط، أو لأنها لا تريد التنقيب عنه، أو ربما ظنت ان استكشاف البترول في اراض جديدة بالخليج سوف يخلق لها مشاكل سياسية مع الحكومة الإيرانية التي كانت تدعي تبعية البحرين إليها وتطالب بضمها لحدودها… ولو حدث ان ساندت الحكومة البريطانية هولمز ودعمته بقوة وقامت شركة نفط انجليزية بالمغامرة وتبني المشروع ـ كما فعلت ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا ـ فإن خارطة النفط بالخليج ستكون بالتأكيد مختلفة جداً!!
كانت الحكومة البريطانية تنظر باستمرار إلى هولمز على أنه شخص غير مرغوب فيه.. وذلك رغم التقدير الكبير والاحترام الذي يلقاه من قبل الشعب والحكومة البحرينية، خاصة الشيخ حمد الذي كان يشعر بالامتنان نحوه ليس فقط بسبب إكتشافه النفط في هذه الجزيرة وإنما أيضاً لكونه أول من حفر آبار الماء الارتوازية التي تمد الأهالي بالمياه الحلوة.
على الرغم من ذلك، هناك إيجابيات لعمل شركات النفط الامريكية التي تمتلك استثمارات ضخمة في البحرين والكويت والمملكة العربية السعودية جنبا إلى جنب مع شركات النفط البريطانية.. ولأسباب سياسية وجوهرية كان الامريكيون قلقين مثلنا وراغبين في الابقاء على السلام في الخليج وحصول دويلاته على استقلالها!!
ومع ان بعض طرقهم وأفكارهم بدت غريبة بالنسبة لنا، وبالرغم من كثرة الاحتكاكات والخلافات التي تحدث معهم، لكن في ظل وجود اتفاق بريطاني امريكي حول السياسة العالمية، كان للحضور الامريكي في الخليج فائدة لكل من العرب والإنجليز.. وغالباً ما تطرح اقتراحات بتدخل شركات النفط الامريكية في السياسة!
وفي البحرين حرصت أنا على مراقبة نشاطات شركة النفط عن قرب.. ولم يحدث أبداً خلال السنوات الطويلة التي قضيتها بالبحرين أن تدخلت شركة نفط البحرين (بابكو) أو أقحمت نفسها في سياسة البلد الداخلية أو في السياسة الخليجية…
فمنذ أول يوم بدأت فيه الشركة عملها بالبحرين وحتى الآن فإن العلاقات بينها وبين الحكومة اتسمت وما زالت تتسم بالتعاون الكامل، وفي حالة بروز أية مسائل أو قضايا متعلقة بالسياسة، فإن ادارة الشركة تستشيرني باستمرار في الإجراءات التي ستسلكها.
وعندما منح الشيخ عيسى بن علي حق الامتياز الأصلي للمؤسسة الشرقية والعامة، اشترط عليها عدم تحويل الامتياز إلى شركة غير بريطانية.. لكن مع استلام نجله الشيخ حمد زمام الحكم في البلاد، كانت موارد البحرين المالية في وضع غير مستقر بسبب كساد تجارة اللؤلؤ وبالرغم من تفضيله لعمل شركة بريطانية بالجزيرة إلاّ أنه لم تبد ِأية واحدة منها الرغبة في ذلك، ولهذا وافق الشيخ على إعطاء الإمتياز لشركة أمريكية… وكان سمّوه يأمل أن يؤدي ذلك إلى سرعة انتاج البترول في حالة العثور عليه.
بعد مفاوضات مطولة بين مكتب المستعمرات وشركات النفط تم الإتفاق أخيراً في شهر أغسطس 1930 على قيام شركة جديدة تسمى شركة نفط البحرين المحدودة (بابكو) وأن تكون جنسيتها ومقر تأسيسها هو كندا لكي تضفي على شركة ستاندرد أويل كومباني أوف كاليفورنيا الصبغة أو الانتماء البريطاني.
والحقيقة أن غالبية الشعب البحريني تجهل أولا تعطي أدنى أهمية لكون بابكو مسجلة في كندا بل تعتبرها شركة أمريكية، وهي في الواقع كانت كذلك!!
بدأت بابكو عملياتها مع نهاية عام 1931 في وسط الجزيرة بالقرب من جبل الدخان ولم يهتم المجتمع البحريني بقدوم شركة نفط إليه… وذلك عكس الأوروبيين المتواجدين هنا!! كما لم يكن الشيخ أو أنا أو أي شخص يتصور مدى الثورة الإقتصادية والاجتماعية والسياسية التي سيحدثها تفجر النفط في هذا البلد إذا تم العثور عليه!!
كان بالبحرين أول حقل نفطي يتم تطويره في منطقة الخليج رغم مرور سنوات كثيرة على قيام شركة النفط العراقية وشركة البترول البريطانية الإيرانية، ولم يكن أحد في البحرين يتوقع الدخول المفاجئ لصناعة غربية كبرى إلى دولة شرقية متخلفة نسبياً!!
في بداية عملها لم توظف الشركة عمالاً كثيرين في عمليات الحفر، واستمر ذلك حتّى بناء مصفاة النفط أو معمل التكرير حيث تم تشغيل نسبة كبيرة من السكان.
وقوبل مجئ "رجال النفط" ببعض التخوف والحذر من قبل الجالية الأوروبية في البحرين. فقد سمع الناس روايات عن مغامرات الأمريكيين العاملين بحفر الآبار التابعين لشركة النفط البريطانية في مدينة عبدان وتوقعوا منهم التصرف مثل رجال الكاوبوي الذين نشاهدهم في الأفلام الأمريكية.. لقد كانوا جماعة خشنة غليظة مع الناس، لكنهم بالتأكيد اختيروا بسبب سلوكهم الحسن.
مع مرور السنوات ازداد عدد "رجال النفط" بصورة كبيرة واشتمل على نسبة عالية من العمال البريطانيين القادمين من شمال انجلترا وأخذت الحوادث المزعجة تقع باستمرار!!
احدى الصعوبات التي واجهناها معهم كانت تتعلق باللون، فعندما يذهب بعضهم إلى السوق ويسبب الفوضى أو يثير القلاقل فلابد أن تتدخل الشرطة لتؤدي واجبها. ونظرا لكون معظم رجال الشرطة سمراً افريقيين أو ذوي صبغة سوداء فإن الأمريكيين على وجه الخصوص يرفضون الانصياع لأوامر البوليس!!
وفي أحيان كثيرة يتم إبلاغي ليلاً أثناء حضوري لحفلات عشاء بأن "الأمريكيين يعملون تشويشاً" ويجب عليّ الحضور بصفتي رئيساً للشرطة!
وفي الحال أتجه إلى مكان الحادث لأحل الاشكال وأبقى هناك حتّى ترسل الشركة عدداً من رجال الأمن لديها لابعاد المشاغبين.. وقد كنت دائماً أتوقع مطاردتي من قبل الأمريكيين لكن ذلك لم يحدث أبداً!!
وربما أدى ظهوري المفاجئ باستمرار في أنحاء السوق مرتدياً معطفي المسائي إلى تأثير فعال وإلى إنضباط المنتهكين المزعجين.
بعد عدة سنوات، عندما استعانت شرطة البحرين ببعض الضباط الإنجليز، أصبحت المهمة سهلة وانصاع موظفو بابكو الأمريكيون والمخمورون للنظام.
أول سكن لعمال وموظفي النفط بني على سفح جبل الدخان وكان عبارة عن مخيم (كامب) يتكون من أكواخ برميلية تبنى من صفائح حديدية جاهزة، وهذه الأكواخ تعرف بإسم أكواخ نيسن.
وقد حسدنا ـ نحن القاطنون في المنامة ـ الأمريكيين على التسهيلات ووسائل الراحة والمتعة الموفرة لهم.. فقد كانوا ينعمون بالماء الحار والبارد وبالمرافق الصحية الحديثة، وبثلاجات التبريد وبمعدات الطبخ الجديدة بالنسبة لتلك الأيام.
أول مدير لبابكو هو أدوارد سكينر الذي أصبحت زوجته صديقتنا الحميمة.. وبعد مغادرته البحرين بسنوات، رجع ليشغل منصب المدير المقيم للشركة واستمر في منصبه حتّى وفاته قبل مدة قصيرة من تركنا البلاد بصورة نهائية.
وبدأت زوجات الموظفين الأمريكيين في المجئ إلى البحرين حيث أضفن نكهة جديدة إلى الحياة الاجتماعية هنا وبعضهن أدهشن سكان المنامة المحتشمين بتعابيرهن الجريئة!!
وكنا نلتقي بالكثيرات منهن ونتقابل على مآدب العشاء مساء كل يوم أربعاء.
في إحدى المناسبات أدهشت سيدة أمريكية موظفي الشركة وأحرجتهم عندما قالت بصورة علنية انها لا تعتقد بأنها ستلعب التنس لأنها حامل!! وكانت عمتي (والدة زوجتي) التي تسكن معنا دائماً تردد هذه الواقعة.
سيدة أخرى دأبت باستمرار على ارتداء قفازات اليد حتّى ظننا جميعاً ان هناك عيباً بإحدى يديها، إلى ان قالت في إحدى المرات بأنها لا تريد ان تلمس أي شئ يلمسه الأهالي!! على الرغم من ذلك، فقد كانت النساء الأمريكيات مرحات وودودات وبإعتقادي انهن كنا ينظرن إلى بعضنا كأناس غريبين أو شاذين عن المألوف!!
سألني صديق بحريني ذات مرة عن السبب في وضع الأمريكيات الكثير من "البودرة" على وجوههن، فرددت بأنهن ربما يردن الحفاظ على جمال بشرتهن، فعلق قائلاً: ان وجوههن ناصعة البياض قبل أن يضعن أي شئ عليها، فهل يردن أن يجعلنها أبيض من ذلك؟
القليل من الاجانب يعرف ان البحرينيين سريعي الملاحظة.. ففي احدى حفلات العشاء، ارتدت السيدات الأمريكيات ملابس سوداء أو داكنة جداً .. تاجر بحريني حضر إلى الحفل، سألني: من هو المتوفى؟ وأجبته على الفور: لا أحد، لكن لماذا تسأل هذا السؤال؟ فرد التاجر: إذن لماذا تلبس النساء ملابس الحزن السوداء؟
في مايو 1932 عثر على النفط في اول بئر تم حفره، لكن حجم تدفق السائل كان صغيراً بالإضافة إلى كمية قليلة من الغاز الطبيعي.
ولذلك بدلاً من الفرحة والاندهاش، تحدث خبراء النفط بحزن عن عدم وجود البترول بكميات كافية للاستغلال التجاري وعن عدم توفر الغاز اللازم لدفع النفط إلى خارج الأرض، لكن المناسبة العظيمة هي ان الذهب الأسود قد اكتشف في البحرين.
على الرغم من ذلك لم يؤد هذا الحدث إلى إثارة وتحريك البحرينيين… وبدأت بابكو في حفر بئر آخر، وفي يوم عيد الميلاد (الكريسماس) بعد مغادرتنا مباشرة لكنيسة الإرسالية الأمريكية جاءتنا رسالة من الميجور هولمز يطلب منا المجئ في الحال إلى موقع البئر رقم (2) الذي تدفق منه النفط باندفاع شديد.. كان يوماً قارس البرودة بلغت فيه درجة الحرارة خمس درجات مئوية بالرغم من بزوغ الشمس وتبين للأجانب مدى البرودة التي يمكن أن يصل جو البحرين إليها في الشتاء..
وعندما وصلنا ـ أنا ومارجوري ـ إلى البئر الواقع على السهل القريب من جبل الدخان شاهدنا بركاً ضخمة من السائل الأسود وأنهاراً من النفط تجري عبر الوادي وأخذ البترول إضافة إلى الدخان الأسود (الذي عرفنا فيما بعد انّه الغاز الطبيعي) يتفجران ويندفعان بقوة من البئر المحفورة وتلطخت جميع الآلات والمعدات والرجال من أعلى إلى أسفل بالنفط.
وصار من المستحيل علينا أن نميز العمال الأمريكيين عن البحرينيين حيث أصبح لونهم متشابهاً!!
لم يكن المنظر جميلاً لكنها كانت لحظات مثيرة وتاريخية بالنسبة لي، فقد تم العثور على حقل للنفط في البحرين.
وكان يوماً خالداً ومشهوداً للميجور هولمز الذي أثبت صحة نظريته الآن. لم نمكث طويلاً عند بئر النفط بسبب إرتباطنا بإقامة حفلة للأطفال في عصر ذلك اليوم على شرف ابننا الصغير جيمس، وإرتباطنا الآخر بإقامة مأدبة عشاء لجميع أفراد الجالية الأوروبية في البحرين.
ولسوء الحظ، وقع خلل كهربائي بالبيت اضطررنا على أثره الإحتفال مع الأطفال على ضوء الشموع، واستمر انقطاع الكهرباء الذي كان مألوفاً في تلك السنين حتّى وقت الاعداد للعشاء وهذا هو أحد الأسباب التي تجعل من الصعب أحياناً الحفاظ على ترتيب و تنسيق منزلنا. لكن الخدم التابعون لنا أظهروا همتهم ونشاطهم وأدوا مهمتهم على أحسن وجه، وعادت الأنوار إلى المنزل قبل وصول الضيوف، حيث اضاءت الاحتفال البهيج جداً بمناسبة اكتشاف اول بئر نفطي "حقيقي" في البحرين!!
إثر هذا الحدث الكبير، ظننت ـ وكنت مخطئاً جداً ـ ان صعوبات البلاد المالية التي أقلقتني طويلاً سوف نجد لها حلاً على الفور بسبب وجود النفط.. لكن تصدير أول شحنة من انتاج النفط إلى الخارج لم يتم إلاّ بعد سنتين وبدأت على اثرها إيرادات البحرين في التحسن. وخلال السنة الأولى التي تلت إكتشاف النفط دارت مفاوضات طويلة جداً بين الحكومة التي أمثلها أنا نيابة عن الشيخ حمد، وبين شركة النفط المراقبة جيداً من قبل الحكومة البريطانية. وعقدت إجتماعات مستمرة ومناقشات مطولة استغرقت ساعات عديدة كل أسبوع، وبعد كل إجتماع أقوم بإبلاغ الشيخ حمد عما يجري خلاله وآخذ وجهة نظره وأفكاره حول الإقتراحات المطروحة… كانت المفاوضات عسيرة، لم يتفق الطرفان فيها على أُمور معينة، كما أقحمت المسائل الشخصية بشكل كبير أثناء المناقشات… كانت بابكو تريد التوسع في الترخيص الممنوح لها بالتنقيب عن النفط على رقعة من الأرض تبلع مساحتها 100.000 أكراً فقط، وتنوي إضافة بقية الأراضي والمناطق البرية والبحرية التابعة للشيخ إلى ذلك، وكنت والشيخ نريد تطوير حقل النفط بأقصى سرعة ممكنة حتّى يتسنى للحكومة فرض الرسوم الضريبة عليه.
أما الحكومة البريطانية فقد اهتمت بسياسات نفطية أشمل تؤثر على المنطقة جميعها وذلك رغم غموض هذه السياسات الشديد بالنسبة لنا.
وتعقد الموقف بصورة أكبر حينما تقدمت شركة نفط العراق في عام 1934 كمنافس آخر للتنقيب عن النفط في الأراضي الإضافية.
وفي النهاية حسم الشيخ حمد الأمر لصالح بابكو حيث منحها ذلك الترخيص بالكامل، وأحد الأسباب التي دعته إلى إتخاذ ذلك القرار هو ان البحرين صغيرة جداً ولا يمكنها استيعاب شركتين نفطيتين متنافستين في آن واحد.
للمرة الأولى… الميزانية تعلن للشعب
أعطى اكتشاف النفط في البحرين دفعة قوية إلى شركات البترول الأخرى للحصول على امتيازات التنقيب بإمارات الخليج العربي.
ففي عام 1935 منح حاكم قطر امتيازاً لشركة النفط العراقية التي حفرت اول بئر ناجح لها في عام 1938. وبنفس السنة حصلت شركة ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا على حق التنقيب في المنطقة الشرقية بالمملكة العربية السعودية وتم العثور على النفط بعد ثلاث سنوات من ذلك التاريخ.
وفي الكويت، عقب مفاوضات طويلة ومعقدة، أعطي الإمتياز لشركة نفط الكويت التي تملكها مناصفة كل من شركة البترول الإيرانية البريطانية وشركة نفط الخليج (الأمريكية) واكتشف النفط في البئر الثاني هناك عام 1938.
أما المنطقة المحايدة فقد فازت بامتيازها شركة البترول الأمريكية المستقلة، التي وجدت النفط بكميات تجارية في عام 1953.
لكن البحرين وهي أول إمارة خليجية يكتشف فيها النفط، كان حقل البترول بها صغيراً جداً ولم يستطع إنتاج أكثر من مليونين وربع المليون طن سنوياً على الرغم من إستخدام وسائل العناية والمراقبة القصوى.
وهذه الكمية من الإنتاج ضئيلة عند مقارنتها بانتاج الكويت والمملكة العربية السعودية التي تنتج كل منها ستين مليون طن تقريباً (1959).
أما النعمة التي أسبغها الله على البحرين فهي الزيادة التدريجية في عائدات النفط التي سمحت في وقت قصير ببناء إدارة متكاملة قادرة على التخطيط للمستقبل، فلم يكن التحول مفاجأً كما حدث في إمارات الخليج الأخرى التي انتقلت من مرحلة الفقر الشديد إلى مرحلة الثروة الخيالية.
كنت أتوقع مع مطلع كل سنة حجم مدخول النفط الذي سنحل عليه بالتقريب وغالباً ما تصدق توقعاتي.
وأقنعت الشيخ حمد بإصدار ميزانية تقديرية مطبوعة لكل سنة لكي يعرف الشعب حجم إيرادات الدولة وأوجه مصروفاتها وأوضحت له ان هذا النظام تتبعه جميع الدول المتقدمة.
وقد وافق الشيخ على ذلك بشرط إلاّ يؤدي إلى حدوث مشاكل.
عندما أبلغت رئيس الكتاب، البحريني الكبير في السن، موافقة الشيخ لم يصدق في البداية لكنه حينما عرف انني جاد فيما أقوله علق قائلاً: ان الناس هنا لا يريدون ان يعرفوا هذه الأمور، كما انهم لا يفهمون الارقام، فلماذا نطلعهم عليها؟! ورددت عليه بأنه في هذه الحالة لا يوجد أي خوف أو مانع من نشرها.
وعندما أصدرنا نسخا من الميزانية التقديرية الأولى المبسطة لحكومة البحرين وجدنا أن الشعب إستحسن الفكرة كثيراً.
ولهذا وضعت نهاية للفكرة القائلة بأن الحكومة تحتفظ بالأموال الطائلة لديها وإنها تستطيع أن تصرف أكثر مما تنفق حالياً!!
في السنوات التالية.. أخذنا ننشر ميزانية الدولة بالكامل بالجريدة الرسمية واستمر ذلك لسنوات طويلة قبل أن تبدأ إمارات الخليج الأخرى الإعلان حتّى عن الإطار الخارجي لميزانياتها.. وتم تقسيم إيرادات النفط إلى ثلاثة أجزاء متساوية، الجزء الأول خصص لإحتياطي الدولة وللمشاريع الإنتاجية، والثلث الثاني خصص للشؤون الإدارية وأمور التنمية والجزء الثالث جعل لمخصصات الشيخ والعائلة الحاكمة.
لم تلاقي هذه السياسة التأييد الشعبي.. فكثير من البحرينيين رأوا انّه لا توجد فائدة من إيداع مبالغ معينة في جهة دون المساس بها وذلك تحسباً للمستقبل كما اعتبروا الفوائد المصرفية التي نحصل عليها من هذه الاستثمارات قليلة جداً!!
وعدد كبير منهم تمنى ان تستخرج جميع كميات النفط الموجودة بالارض بأسرع ما يمكن لكي تتحول إلى مبالغ نقدية في الحال وبالنسبة للمستقبل ـ حسب رأيهم ـ فإن الله سيتكفل به "وسيرزقنا من حيث لا نحتسب"!!
مع مرور الزمن توسعت عمليات بابكو، وكانت هناك دائماً خطة انشائية كبيرة جديدة تحت التنفيذ، وفي الحقيقة لم تتوقف عجلة الشركة أبداً في مشاريعها ولا حتّى لاستراحة قصيرة من أجل التنفس ومعاودة السير.
أما المشروع الأكثر أهمية الذي نفذته بابكو فهُو بناء مصفاة النفط المسماة بمعمل التكرير الذي أنجزته المرحلة الأولى منه في عام 1937، وتم توسعته وتطويره فيما بعد لاستيعاب النفط القادم من المملكة العربية السعودية عبر خطوط أنابيب يبلغ طولها 25 ميلاً ممتدة تحت البحر من مدينة الدمام إلى المعمل.
وبنت بابكو رصيفاً بحريا طوله ثلاثة أميال بالقرب من المصفاة الواقعة على الساحل والذي مكن ناقلات البترول من الإصطفاف بمحاذاة الرصيف، كما شيدت بابكو مصنعاً للأسفلت وآخر للخزانات.
وأخذ حجم مدينة النفط وهي "عوالي" يزداد بصورة مستمرة وانشئت مكاتب إضافية، وأندية، ودور سينما وأماكن للترفيه والتسلية، وكثرت المنازل لكن عدد سكان المدينة من الموظفين الأوروبيين كان الغالب عليها.
ونتج عن النشاط المتواصل للشركة زيادة عدد العمال البحرينيين وارتفاع أُجورهم وأنفقت بابكو مبالغ طائلة على مشاريع البناء وساهمت مشترياتها من السوق المحلية بدرجة كبيرة في ازدهار الدولة.
لقد كان حقل النفط صغيراً، وتوقعنا أن تكون حياته الانتاجية صغيرة نسبياً، لذلك شعرت دائماً بأن وجود مصفاة كبيرة للبترول تعتمد بصورة رئيسية على النفط السعودي وتوفر الوظائف لقطاع كبير من سكان البحرين، هو تقريباً في نفس مستوى الفائدة التي يقدمها حقل النفط لاقتصاد البلاد.
من الاقسام الاولى التي شيدت بمعمل التكرير ما يسمى بمصنع "التكسير" الذي تجرى به عملية التقطير الهدام للبترول، ونظراً لأني لست مهندساً لن أقوم بشرح وظيفته… وعندما اكتمل بناء هذا المصنع دعينا لرؤيته، وذهبت مع زوجتي مارجوري وابننا الصغير جيمس البالغ من العمر خمس سنوات…
وبعد ان شاهدنا كتلا كبيرة من الأنابيب والآلات المعقدة عدنا راجعين إلى البيت. وأثناء قيادتي للسيارة سألني جيمس بعتاب: لماذا لم يرونا مصنع التكسير الذي أخبرتني به سابقاً؟ فقلت له: لا تكن غبياً، لقد شاهدناه كلنا.. وبدا إبني غير مقتنع وقال معلقاً: انني لم أشاهد أي مصنع هناك، ولذلك أنا مصرّ على رؤية المصنع الذي يتكسر ويتفرقع!!
كانت العلاقة بين الحكومة وبابكو دائما جيدة، ولعدة سنوات لم تواجه الشركة أية مشاكل عمالية ملحوظة، رغم انّه في عام 1938 ، حاولت مجموعة من البحرينيين القاطنين بالعاصمة (المنامة) والتي لا تعمل في بابكو تنظيم اضراب وذلك تعاطفاً مع ميولها السياسية، لكنها فشلت في ذلك.
وكانت هذه المجموعة تعلم أن باستطاعتها الحصول على التأييد الشعبي بالتظاهر إحتجاجاً على كثرة الموظفين الهنود بالشركة.
لم يضع البحرينيون في تصورهم ان تدريب الموظفين الجدد لكي يصبحوا عمالاً مهرة قادرين على الامساك بالمراكز الادارية يستغرق وقتاً طويلاً، وانه من الضروري الاستعانة ببعض الخبرات الاجنبية من الهند والعراق لبضع سنوات لشغل المناصب التي يحتل البحرينيون الآن معظمها..
لكن الشعور والتظاهر ضد تشغيل الأجانب لم يمتدا إلى الانجليز والأمريكان، فحتى الناس الأكثر عداء لتوظيف الأجانب يعرفون أن لدى الأوروبيين المؤهلات العلمية التي لا يحملونها. أما اليوم (1959) فهناك شعور مختلف، فالكثير من الشباب البحريني المتعلم بالخارج يعتقدون بأنهم مؤهلون وأكثر قدرة على تولي المناصب العليا من الأوروبيين.
وفي رأيي ان بعضهم، وليس جميع من يفكر بهذه الطريقة، هم أهل لهذه المسؤولية.. لكن حتّى أولئك الذين حصلوا على درجات جامعية من الدول العربية يفتقرون إلى الخبرة التي يمكن الحصول عليها بعد سنوات طويلة من الدراسة في الدول الغربية يتم خلالها الاهتمام بتشكيل الشخصية وبناؤها، وهذا الشئ لا يوجد ضمن مناهج البلدان الشرقية!!
الفصل الثامن
في يناير 1936 عُيّن الشيخ حمد قائداً شرفياً للفرسان في الإمبراطورية الهندية التابعة لبريطانيا العظمى.. وقد دعت الحكومة البريطانية الشيخ لزيارة انجلترا وتسلم الشارة الشرفية من الملك أدوارد، فطلب منا الشيخ مرافقته في الرحلة.. فقمت بالترتيب للسفر عن طريق البر، وتكوّن أعضاء الوفد من الشيخ، وإثنين من أبنائه، أنا وزوجتي، وسكرتير الشيخ الذي لا يتكلم الانجليزية بالاضافة إلى ثلاثة خدم لم يشاهدوا أبداً في حياتهم أي قطار!!
وعند وصولنا إلى انجلترا اضطرت مارجوري للعمل كسكرتيرة اجتماعية أو ممثلة علاقات عامة فأجادت دورها بكل اتقان!!
توقفنا في بغداد حيث قابل الشيخ ملك العراق، وزرنا السفير البريطاني في مبنى السفارة القديم والجذاب في نفس الوقت والواقع على ضفاف نهر دجلة، والذي أحرقه المتظاهرون في عام 1958 .. وركبنا القطار الخاص الذي وفرته لنا الحكومة العراقية وكانت رحلتنا عبر العراق مريحة جداً، وفي كل محطة نقف فيها، نجد لجنة للاستقبال تقوم بالترحيب بنا.
ثم انتقلنا إلى قطار الأكسبريس السريع وحينما وصلنا إلى العاصمة التركية ايقظنا الخدم قائلين بأن هناك جماعة من الناس على رصيف المحطة يسألون عنا.. فقمنا أنا والشيخ بارتداء ملابسنا على عجل وخرجنا لنشاهد مجموعة من المسؤولين في المكتب الخارجي للسفارة البريطانية بانتظارنا لتحيتنا.
بعد ذلك كنا نستعد لمقابلة الزوار في كل محطة رئيسية تالية، لكننا لم نشاهد أحداً يستقبلنا! وعقب اسبوع تقريباً وصلنا إلى الجهة القاصدين إليها.
استغرقت زيارة الشيخ لبريطانيا أكثر من شهر كامل، قابل الملك ادوارد حيث قلّده الشارة العسكرية، كما حصلت أنا على رتبة من نوع آخر وتم تسليمي إياها في حفل خاص.
وخلال إقامته بلندن، حضر الشيخ حمد مأدبة عشاء أقامها على شرفه اللورد زتلاند وزير الخارجية البريطاني لشؤون الهند، والتقينا خلالها بأصدقاء قدامى منهم السير بيرسي كوكس، واللورد لويد.
لقد زرنا عدة أماكن سياحية بالعاصمة لندن ومدينة ساوثمبتون وتجولنا فيهما بعناية بالإضافة إلى تسوقنا.
وكان برنامج الزيارة الموضوع لنا يحتوي على حضور حفل باليه مونت كارلو بصحبة الملكة فيكتوريا حيث شاهدنا الأميرة شهر زاد، كما زرنا متحف توسو، وأخذ الشيخ يتأمل تمثال الملك هنري الثامن محاطا برؤوس زوجاته التي يقطعها عندما يسأم منهن!!
وقد حضرنا سباقاً للكلاب في ويمبلي حيث استمتعنا بأمسية رائعة راهنت فيها على الكلاب المتسابقة والتي فازت وجعلتني أربح الرهان.. ورغم ان الشيخ امتنع عن المشاركة في الرهان إلاّ أنه أوصاني باختيار كلاب معينة، وكان اختياره موفقا!!
وذهبت مع الشيخ إلى كلية لنكولن باكسفورد وهي الكلية التي درست فيها سابقاً وأخذنا العميد إي. سي. مارشانت في جولة بأنحائها.
كما زرنا هنتلي اند بالمر للبسكويت بمنطقة ريدنج حيث طلب من الشيخ اختيار نماذج منها لتقديمها له كهدية وشحنها إلى البحرين، وكذلك طلب مني أن أختار مجموعة أخرى من البسكويت لارسالها لي.
وفعلا تم شحن حقيبتين كبيرتين محملتين بالهدايا عن طريق البحر. وعند رجوعي إلى البحرين لم أجد الحقيبة المرسلة بإسمي رغم وصولها!! أما حقيبة الشيخ فقد وصلت بسلام، وعلى ما يبدو فإن عملية سطو قد وقعت للحقيبتين وكلما أتذكر هذه الحادثة أشعر بالأسف لفقدان نماذج البسكويت التي انتقيناها بعناية!!
وقمنا بزيارة المدرسة التحضيرية التي يدرس فيها إبني جيمس البالغ السابعة من عمره آنذاك.
وفي قلعة لندن تناولنا القهوة في بيت حاكمها وحينما سأل الشيخ عن صاحب الصورة المعروضة بالقلعة، انتهزت الفرصة لكي أخبره بكل فخر بأنه عمي الأكبر المارشال السير ريتشارد داكريس الذي كان يوماً ما مسؤولاً عن القلعة.
ذهبنا إلى مدينة ادنبره وقضينا عدة أيام، وصباح كل يوم يتجمع حشد كبير من الناس أمام الفندق الذي يقيم فيه الشيخ لرؤية الأمير الشرقي غير المألوف لديهم!! وحضرنا مأدبة غداء اقامها على شرف الشيخ اللورد بروفوست عمدة ادنبره تخللها الموسيقى وأبواق النفخ.
كما رافقنا أثناء رحلتنا الكولونيل جوردون لوك الذي عمل في فترة سابقة كمقيم سياسي بالبحرين.. وزرنا معه قلعة بينس القديمة الرائعة بالقرب من لينليثجو وفي طريقنا للقلعة مررنا بمدرسة أطفال أعطي تلاميذها إجازة في ذلك اليوم من أجل رؤية الشيخ.
وأحاط مئات التلاميذ من الأولاد والبنات بالشيخ وهم يلوحون بأتوغرافاتهم لكي يوقع فيها.
ولما حان موعد العودة، سلك الشيخ نفس خط الذهاب بعد قضائه بضعة أيام في باريس واسطنبول.. وقد سافرت معه حتّى مدينة حيدر باشا حيث ودعته عند محطة القطار الذي سوف يقله إلى بغداد، ورجعت إلى انجلترا لتكملة إجازتي.
مدير الهداية الخليفية يهاجم المقيم البريطاني .. ويرحل!!
20% من سكان البحرين يعانون من الملاريا!!
البعوض يمتص دماء البحرينيين!!
أربعة أشقاء بخمس عيون فقط!!
كان عام 1937 عاماً مميزاً في تاريخ البحرين، شهدت خلاله تقدماً في إيرادات النفط وبدأ تحديث الدولة وتحسين الوضع الصحي بالبلاد.. وذلك بناء على رغبة الشيخ حمد إثر زيارته لبريطانيا.. وكان مرض الملاريا منتشراً بجميع أنحاء البحرين خصوصاً في القرى حيث يتكاثر البعوض بمجاري المياه الملوثة وفي العيون الراكدة بمزارع النخيل إضافة إلى جرات الماء الفخارية الكبيرة الموجودة بكل بيت والتي لا يتم اخلاؤها وتنظيفها أبداً.
في تلك الفترة قمت بجلب الميجور أفريدي وهو خبير في مكافحة الملاريا يعمل في خدمة الحكومة الهندية وقد أعد تقريراً يبين كيفية تقليص تفشي المرض ثم القضاء عليه نهائياً.
أول خطوة توجب علينا إتباعها كانت توعية الناس بأن البعوض هو الذي يسبب الملاريا، فالكثير منهم يغطون أجسامهم بالشراشف والبطانيات والأقمشة في الليل لكي يقوا أنفسهم شر البعوض لكن دون أن يربطوا بين هذا العمل وبين الملاريا.
وقد رسمت مجموعة ملصقات مبالغاً فيها تظهر هذه الحشرات المؤذية داخل جرات الماء وهي تمتص دماء البحرينيين المستسلمين لها وكان لهذه الملصقات ـ حسب اعتقادي ـ بعض التأثير.
ثم قمنا بإحضار أفلام وكتب تثقيفية توضح أخطار البعوض. وبعد حملة التوعية الصحية التي اشتملت على شرح كيفية حدوث الملاريا وتحذير الناس بدأنا بكسر الجرات التي ينمو فيها البعوض وواجهنا صعوبة شديدة عند تنفيذ هذا الإجراء بسبب امتناع المواطنين عن التجاوب معنا لأنهم سوف يخسرون الجرات التي دفعوا في شرائها ثمناً لا يستهان به.
ثم وظفنا مشرفين هنود ملمين بهذا العمل حيث تولوا مهمة إدارة عدد كبير من الرجال وتوجيههم لتنظيف مجراي المياه واستنزاف العيون.
لكن للأسف، لم نلق أي تعاون من قبل الشعب، فبعض أصحاب البساتين رفضوا السماح لنا بدخول بساتينهم، كما امتلأ مكتبي كل يوم بالمزارعين الغاضبين الذين يشتكون من فرق مكافحة الملاريا التابعة للحكومة، لكنهم عادة ما يخرجون راضين مع أخذ وعد منهم بمساعدة رجالنا.
مع مرور السنوات بدأ الناس التحقق من فائدة ذلك العمل وأصبح القرويون يأتون لي باستمرار للإبلاغ عن الأماكن التي يتواجد فيها البعوض ويطلبون إرسال فرقة مكافحة الملاريا إليها.
أظهرت الإحصائيات التي أجريت من قبل المدارس والمستوصفات والشرطة في عام 1937 ان عشرين بالمئة من سكان البحرين يعانون من مرض الملاريا.
وهذه النسبة تم تقليصها إلى أقل من واحد بالمئة في عام 1956. ولتحقيق هذا الإنجاز الكبير توجب علينا صرف مبالغ كثيرة وبذل جهود مضاعفة بواسطة الدكتور سنو رئيس الفريق الطبي وموظفيه.
ومع ان هذا الإنجاز ليس براقاً وملموساً يمكن ان ينال إعجاب كبار ضيوف البلاد واطلاعهم عليه كالشوارع الجميلة والمباني الحديثة والموانئ الجديدة، إلاّ أنه كان واحداً من أنجح المشاريع التي نفذناها وربما أكثرها نفعاً للمواطنين.
مشروع آخر كان يدور بخلدي، وأقره الشيخ إلاّ وهو بناء مستشفى حكومي في البحرين. ولا أنكر هنا ان مستشفى الإرسالية الأمريكية أدى وما زال يؤدي خدمة جليلة لأبناء البلاد، كذلك قام مستشفى الملكة فيكتوريا التذكاري، التابع لدار الاعتماد السياسي البريطاني، رغم صغره وقلة تجهيزه، بدور لا يستهان به حسب إمكانياته.. مع ذلك كان عدد أفراد الجهاز الطبي والتسهيلات التي تقدم بهذين المستشفيين غير كافية لتغطية احتياجات سكان الجزيرة!!
إضافة إلى ذلك شعرنا ـ أنا والشيخ ـ بضرورة أن توفر الدولة الخدمات الطبية لشعب البحرين.
فقبل ذلك العام، انتشرت بعض المستوصفات البدائية نسبياً في مختلف أرجاء البلاد والتي اشتملت على الرعاية الجيدة للمرضى وقمنا بتوظيف العديد من القابلات القانونيات المدربات من الهند للتعامل مع النساء.
وأدارت زوجتي مارجوري بالاشتراك مع ممرضة هندية عيادة صحية في القلعة لعلاج عائلات رجال الشرطة، كما استقبلت العيادة أشخاصاً من الأحياء المجاورة، لكن معظم النساء البحرينيات كن يخشين ان يتولى الرجال الأجانب العناية بهن أثناء الولادة، لذلك ارتفعت حالات وفيات المواليد والأطفال الرضع.
لقد انزعجت الممرضة واسمها السيدة جامب كثيراً من الممارسات الخاطئة والخطيرة "للولاّدات" المحليات اللواتي يحشين رحم المرأة عقب ولادتها مباشرة بكميات من ملح البحر لغرض تقليص عضلاته والعودة إلى حالته الطبيعية!! وهذا الشئ يؤدي إلى حدوث مضاعفات شديدة للمرأة عندما تضع مولودها التالي.
وفي بعض الحالات تقف القابلة المحلية فوق بطن المرأة الحامل للتعجيل بالولادة!! ولذلك ليس من المستغرب خروج العديد من المواليد وهم أموات.
أمراض العيون أيضاً كانت منتشرة بكثرة في البحرين خصوصاً التراخوما وعدد كبير من البحرينيين لم يكن لديهم إلاّ عين واحدة فقط!!
ومن الطرائف التي أذكرها في هذا الصدد وجود أربعة أشقاء من التجار المشهورين بالجزيرة والذين يبلغ مجموع العيون السليمة لديهم خمس عيون فقط!!
وفي الماضي امتلأت سوق المنامة بالذباب قبل ان تبدأ دائرة الصحة برش المدينة بالمبيدات الحشرية المعروفة بإسم دي . دي. تي، كذلك انتشرت الأمراض التناسلية التي يتحدث عنها الناس بخفة ودون اكتراث كما لو كانوا يتحدثون عن الانفلونزا!!
الجدري أيضاً كان له نصيبه حيث يظهر كل عام بالرغم من إجراءات الحجر الصحي، واستمر ذلك الوباء حتّى تبين للمواطنين فائدة التطعيم وأخذوا يُقبلون بالآلاف على المستوصفات من أجل التحصن ضد هذا المرض، كما فرضت الحكومة التطعيم الإجباري لطلبة المدارس وللمسافرين إلى الخارج.
في السنوات الأخيرة أصبح الجدري نادر الوجود في البحرين وعندما نعثر على بعض الإصابات به نجد أنها جاءت نتيجة العدوى المحمولة من بلدان أُخرى.
وفي الحقيقة ان هذا الحديث عن الأمراض المستوطنة بالبحرين لا يعني انها كانت مكاناً غير صحي بالنسبة للأوروبيين المقيمين، فلقد تكيفوا حتّى مع جوها الشديد الحرارة والذي تصل درجته خلال فصل الصيف إلى 44 درجة مئوية مصحوبا بالرطوبة الخانقة التي تبلغ 98 بالمئة، واحتفظوا معظم الأوقات بصحة جيدة!!
قبل بناء المستشفى صار لزاماً عليّ إنشاء دائرة للاشغال العامة. ففي السابق كنت أقوم بنفسي بتصميم جميع المباني الحكومية الجديدة، لكنها كانت مبان عادية وبسيطة، لذلك فان تخطيط وتشييد أحد المستشفيات هو أمر معقد جداً لا أستطيع تحمل مسؤوليته.
وأعمال البناء في تلك السنوات كانت تجري تحت إشراف خان صاحب محمد خليل مراقب دائرة التسجيل العقاري بالاشتراك مع اثنين أو ثلاثة من الموظفين العرب والهنود.
ومن المباني التي قاموا بتشييدها قاعدة البحرية البريطانية، مبنى محاكم البحرين، ومبنى الجمارك. وقمت بالاستعانة بموظف هندي متقاعد في شؤون الاشغال العامة لتولي مسؤولية الدائرة الجديدة، الذي شغل هذا المنصب لعدة سنوات قبل تعيين مدير انجليزي لها.
في عام 1937 إزدهر الاقتصاد البحريني فقد شهدت الجزيرة موسم غوص جيد، وارتفعت أجور العالمين بشركة النفط… وقرر بعض الشبان من أبناء البلاد فتح دار للسينما واعتقدوا انها ستكون مشروعاً ناجحاً ومربحاً.
كانت هذه الفكرة موضع نقاش طوال السنوات القليلة السابقة لكنها قوبلت بالمعارضة من قبل كبار السن الذين رأوا بان السينما سوف تجذب الأطفال والشبان اليهما وستضطرهم إلى لعب القمار والسرقة من أجل توفير ثمن تذكرة الدخول.
هذا الرأي بدا من وجهة نظري غير موضوعي ومستبعد الحدوث. وفي تلك السنة هدأت المعارضة وافتتحت أول دار للسينما بالبحرين، ومنذ ذلك التاريخ أصبح البحرينيون عشاقاً للأفلام وهناك الآن (1959) ثمان دور سينمائية أهلية في المنامة والمحرق بالاضافة للدور التابعة للقوات الجوية الملكية البريطانية ولبابكو وللبحرية البريطانية.
أنا شخصياً مغرم بمشاهدة الافلام، لكنني اعتقد بأن عدم فرض مراقبة على الافلام القادمة له تأثير سلبي على أي شعب متخلف نسبياً… فدخول السينما إلى البحرين أدى إلى أخلق الناس وعاداتهم، فبعد عرض أحد الافلام الذي تضمن قذف شخص لسائل حمضي حارق على آخر، وقعت حادثتان مشابهتان بالبلاد.
كما انتشرت ظاهرة محاولات انتحار الفتيات والنساء هذه الأيام عن طريق سكب الكيروسين (الكاز) على ملابسهن وإشعال النار فيها، وأنا أعزو هذه الظاهرة إلى مشاهد الانتحار المتكررة في أفلام السينما.
الأفلام المصرية هي الأكثر شعبية بالبحرين لانها ناطقة باللغة العربية، لكن أفلام المغامرات الغربية ذات الطراز القديم وأفلام طرزان هي التي يستمتع القرويون البسطاء كثيراً بمشاهدتها. وعندما يرتفع مستوى تعليم الناس، فان تأثير السينما عليهم يصبح أقل أذى، ربما لعدم إيمانهم بأن الشاشة الكبيرة لا تعطي صورة صادقة عن الحياة في الغرب.
كان التعليم واحداً من أصعب القضايا التي تحتم عليّ التعامل معها، وأشعر بأن النتائج التي تحققت لم تتناسب مع المبالغ الكبيرة التي أنفقت في سبيله ولا مع الجهد والعمل الشاق الذي بذله بعض المدراء والمدرسين.
فمنذ افتتاح اول مدرسة نظامية عام 1919 (مدرسة الهداية الخليفية) بمدينة المحرق والتي ساهم الأهالي جزئياً بتحمل تكاليفها، عانت المدرسة من الخلافات والشجارات بين المدرسين وبعضهم أجانب وبين اللجنة التي تدير المدرسة بدعم مالي من الحكومة، وتتكون من أعيان المدينة وغالبيتهم أميُّون.
ومن أوائل المدراء للمدرسة الشيخ حافظ وهبة المصري الجنسية الذي أصبح فيما بعد سفيراً للمملكة العربية السعودية ببلاط السانت جيمس في لندن.
وقد وقع خلاف بين هذا الرجل وبين المقيم السياسي البريطاني فهاجمه بشدة واضطر لترك البحرين، وهذه الحادثة وقعت قبل مجيئي للجزيرة.
في السنوات التالية كنت على علاقة جيدة به ومن المعجبين بحسن ادارته لهذا المنصب الحساس خصوصاً في سنوات الحرب (العالمية الثانية).
في عام 1926 افتتحت مدرسة ثانية بالمنامة. وفي عام 1928 جمع سكان الأحياء الأخرى بالمنامة بضعة آلاف من الروبيات وبنوا مدرسة أهلية خاصة بهم.. وكونوا لجنة منهم لإدارة المدرسة رغم جهلهم بطرق الإدارة المدرسية، وبعد سنوات ليلة قررت الحكومة تحمل مسؤولية جميع المدارس في البحرين.
وعين الشيخ شقيقه عبد الله بن عيسى آل خليفة وزيراً للمعارف، وقمنا أنا وهو، بمساعدة مفتش تعليم لبناني، بالتصدي لمشكلة التعليم الشائكة!!
ومع حلول عام 1937 كانت هناك ثلاث مدارس بالمدن وخمس مدارس بالقرى وبلغ عدد الطلاب ألف تلميذ تقريباً، ولم نجد صعوبة في جلب الاولاد للمدارس، لكن الصعوبة كانت في الحصول على المدرسين.
وإذا كانت مقولة اللورد بروغهام التي مفادها "ان التعليم يجعل الشعب سهل القيادة، صعب التسيير، من السهل ان تحكمه لكن من المستحيل ان تستعبده" هي صحيحة، فلابد ان يكون هناك خطأ جذري في التعليم بالبحرين!!
فالشباب "المتعلم" هنا بالتأكيد تمت قيادته بواسطة أشخاص غير صالحين يعارضون أي شكل للانضباط أو الحكم، وكان طلبة المدارس اول من بدأوا عادة الإضرابات في البلاد. فالتعليم كان ينظر اليه، ولا يزال، فقط كوسيلة لتمكين الشاب من الحصول على عمل وعلى راتب أعلى، ولم أتعرف خلال فترة عملي الطويلة هنا إلاّ على اثنين أو ثلاثة من البحرينيين الذين لديهم الرغبة الحقيقية في إكتساب المعرفة التي تدفعهم للعلم مهما بلغت تكلفته المالية!!
ربما تكون هذه النظرة اليوم هي نفس نظرة طلاب المدارس والجامعات في بريطانيا، لكنني عندما كنت طالباً بالمدرسة، ثم بجامعة إكسفورد لم تراود ذهني أبداً فكرة حجم المبلغ الذي سأحصل عليه بعد تخرجي ولم يكن هذا يعني إهمالي لعنصر المال في الحياة، فمنذ اشتغالي بالجيش البريطاني وحصولي على راتب متواضع يبلغ سبعة بنسات في اليوم الواحد، وهو اقل مما يتقاضاه أي عامل الآن، كنت أعتمد كلية في معيشتي على هذا الأجر.
الاهالي يعترضون وشيوخ الجوامع يستنكرون!!
هرج ومرج يصاحب تعليم البنات!!
قلعة البحرين مسكونة بالجن والاشباح!!
جبل الدخان يرتدي حلة وردية اللون!!
طقما حمام أثريان بالقلعة!!
سفينة الأميرال التركي تغرق بصناديق الذهب
في أحد الايام، بعد مرور سنة أو سنتين على مجيئي للبحرين، قالت زوجتي مارجوري لحرم الشيخ حمد: "إنه لأمر محزن ألا تتاح للبنات هنا فرصة التعليم مثل الاولاد".
وأحست حرم الشيخ بأهمية الموضوع على الفور، فقد كانت برفقته أثناء زيارته لبريطانيا عام 1925، وعلى علم بوجود مدارس للبنات في البلدان الاخرى.
وتدارست السيدتان هذه الفكرة ووعدت الشيخة بمساندتها وتأييدها لمارجوري إذا قامت بالاشراف على إدارة المدرسة.
بعد أيام قلائل، فاتحت الشيخ في الموضوع فأعرب عن موافقته عليه رغم إني كنت أتوقع العكس!!
الخطوة التالية تمثلت في الحصول على دعم الأهالي لهذه الفكرة، وهي مهمة صعبة لعلمي بأن مشروع افتتاح مدرسة للبنات سيعتبره الناس بدعة جديدة وهدّامة!!
اعتقدت في بادئ الامر أنَّ باستطاعتي الاعتماد على تأييد عدد من التجار المتحضرين فطلبت من كل واحد منهم أن يأتي لمقابلتي على انفراد وإبلاغه عن الخطة المقترح تنفيذها … وبعد مناقشات طويلة معهم جاء رد أغلبهم كالتالي: "انّه لشئ جميل أن يكون لدينا مدرسة للبنات، لكني أفضل عدم ذكر إسمي كمساند لهذه الفكرة… بالطبع أنا لست رجعياً، لكن أصدقائي سيغضبون إذا عرفوا بتشجيعي لها.. مع ذلك سوف أقدم لكم كل ما أستطيعه من عون ومساعدة من خلف الكواليس".
كان هذا هو الرد التقليدي لمعظم البحرينيين!!
اثنان أو ثلاثة منهم فقط هم الذين أيدوا المشروع بصورة علنية، كان من بينهم الحاج محمد علي زينل آل رضا وهو تاجر لؤلؤ مشهور أصله من الحجاز وله تاثير كبير في مجتمع البحرين..
لقد كان هذا الرجل مشجعاً للتعليم وأنشأ بنفسه عدة مدارس للأولاد في الحجاز وبومبي وساند فكرة تعليم البنات.. وبموافقة الشيخ أعلنا لجميع السكان بأن الحكومة ستفتتح مدرسة للبنات.
قوبل هذا القرار مباشرة بردود فعل واسعة وقدّم الاهالي عريضة بقيادة بعض الشخصيات الهامة وسلموها إلى الشيخ إحتجاجاً على مثل هذه البدعة الخطيرة!!
أحد القضاة استنكر في خطبة الجمعة هذا القرار وانتقده بشدة والكثير من البحرينيين الذين أعرفهم جاءوا إلى مكتبي للاعتراض على هذه الخطوة "الطائشة" التي أقدمت عليها.
تاجر لؤلؤ محرقي كبير في السن جاء إلى مكتبي غاضباً وأمسك بيدي للتأكيد على معارضته وهو يقول بصوت حاد: إننا لا نريد الفتيات أن تتعلم، فالنساء يسببن لنا ما فيه الكفاية من المشاكل ـ كنت أعلم أنّ لهذا التاجر العديد من الزوجات ـ وأردف قائلاً: "ما فائدة التعليم لهن؟ انني لم أذهب في حياتي أبداً إلى المدرسة فلماذا تذهب بناتي إليها؟ وإذا تيسر لهن ذلك فسوف يتخيلن بأنهن أفضل من آبائهن".
وكان الموقف لا يتحمل الرد عليه فقلت له منهياً الموضوع: "أنت غير ملزم بارسال بناتك إلى المدرسة".. فتجاهل التاجر كلامي واستمر قائلاً: "إذا تعلمت البنات القراءة والكتابة من الذي سيمنعهن من مراسلة الشبان دون علم أولياء أُمورهن".. وآخر كلماته التي تلفظ بها وهو يخرج من المكتب هي: " يا مستشار، لم نكن نتوقع منك ان تطرح مثل هذا الاقتراح المشين"!!
لكن مارجوري وجدت ان غالبية النساء البحرينيات لا يعارضن الفكرة باستثناء بعض العجائز اللواتي أعربن عن استنكارهن في الوقت الذي إستهوت الشابات!!
كنا نخشى أن يؤدي هذا الهياج والاضطراب إلى ان يغير الشيخ رأيه في الموضوع قبل الموافقة النهائية عليه، لكن توقعنا لم يكن في محله وعينت زوجة مفتش المدارس كأول مديرية للمدرسة تساعدها في هذه المهمة سيدتان أو ثلاث من البحرينيات اللواتي لهن إلمام قليل بشؤون التعليم.
وفي البداية التحقت التلميذات بالمدرسة بصورة سرية نسبياً لكن مع مرور الوقت سمح أولياء أُمور بحضور بناتهم للدراسة.
استطاعت مارجوري ان تحصل على معلمة أخرى من بيروت وعندما هدأت الضجة افتتحت مدرسة أخرى بالمحرق في احتفال رسمي حضرته حرم الشيخ.. وهذه المرة لم يحدث هرج ومرج كما في السابق!
استمتعت الفتيات بالمدرسة وتدريجياً أخذت البنات اللواتي لم يسمح لهن آبائهن سابقاً بالالتحاق في الضغط عليهم من أجل تغيير رأيهم.. وأدركت الأمهات انّه من المناسب بقاء أطفالهن خارج المنزل بأيد أمينة خلال جزء من النهار، وحتى الآباء عندما تأكدوا من أن بناتهم يتعلمن أشياء مفيدة بالمدرسة بدأوا بالنظر بصورة أكثر منطقية وعقلانية بالنسبة لموضوع تعليم البنات!
بعد عدة سنوات جاء تاجر اللؤلؤ المحرقي الذي عارض سابقاً وبشدة فتح مدارس البنات ليشتكي من عدم قبول بناته بمدرسة المحرق بسبب عدم التسجيل في الموعد المحدد لذلك، وعندما ذهبن إلى المدرسة في أول يوم دراسي لم يسمح لهن بالانتظام!!
أفهمته بأن هناك قائمة انتظار طويلة من الطالبات المستجدات يبلغ عددها مئة تلميذة وكلهن سجلن للدراسة قبل عدة أشهر.. ولذلك يتحتم على بناته انتظار دورهن… وانتهزت الفرصة لأسأله: أعتقد انك قلت في السابق إنك لن ترسل أحداً من بناتك إلى المدرسة أبداً فهل غيرت رأيك؟ فقال وهو يزأر ضاحكاً: هذا صحيح، ذلك ما كنت أعتقده في تلك الايام، أما الآن فإن جميع جيراني قد سمحوا لبناتهم بالذهاب إلى المدرسة، كما ان الشبان من أفراد العائلة يصرون على تعليم الإناث.
وعدت أسأله: إذن أنت الآن لا تعتقد بأن التعليم مؤذ ومخجل للناس؟
فرد مقراً بخطئه: لا، انني أرى أي ضرر من التعليم، لكنني أريد ان أسألك شيئاً يتعلق بزوجتك التي تجيد القراءة والكتابة، هل تعلمت هنا في البحرين، أم التحقت منذ صغرها بالمدرسة؟ فرددت عليه مؤكداً بأنها درست منذ الطفولة في بلادها مما جعله يطمئن تماما ويقتنع بصحة ما أقدمنا عليه.
يعود الفضل في بدء تعليم البنت في البحرين إلى مارجوري. وفي السنوات الأولى لم تشغل زوجتي منصباً رسمياً رغم اشتراكها الفعال ونشاطها فيما يخص شؤون المدارس، واستمر ذلك الوضع حتّى عام 1930 حيث عيّنها الشيخ مديرة لتعليم البنات.
ومنذ ذلك التاريخ صارت تعمل في هذه الوظيفة بدوام كامل، فتخرج من البيت صباحاً بعد تناولها الفطور وقلما ترجع قبل وقت الغداء، وفي بعض الأحيان لا تنجز عملها بالكامل قبل العصر..
كانت إحدى المواد التي أحبتها زوجتي كثيراً هي الخياطة والتطريز والتي أبدت الطالبات مهارة جيدة بها.
ففي كل عام دراسي، كان يقام معرض لأشغال الحياكة، وفي إحدى السنوات أُقيم هذا المعرض بقصر المنامة الذي أعاره الشيخ لهذه المناسبة وخصصت أيام معينة لزيارة الرجال وأُخرى لزيارة النساء، وقد حضر المعرض آلاف المواطنين.. وأتذكر ان الطوابير الطويلة للزوار البحرينيين والأوروبيين كانت تصطف قبل موعد افتتاح أبوابه لكي يكون لها الأسبقية في الدخول لشراء الملابس والاقمشة المطرزة المعروضة للبيع.
ولاقت ملابس النساء الداخلية وقمصان النوم إقبالاً كبيراً بين رواد المعرض!
مع حلول عام 1956، وهي السنة التي سبقت مغادرتنا للبحرين، بلغ عدد مدارس البنات تشرف عليها مارجوري ومساعدتها اللبنانية السيدة وفيقة ناير 13 مدرسة تضم أكثر من 4000 تلميذة و135 معلمة من ضمنهن 94 ممن تلقين تعليمهن بمدارس البحرين.
عموماً، كان تعليم الفتاة البحرينية مثمراً وسار بصورة هادئة قياساً لتعليم البنين!!
وفي ذلك العام أدى الطلاب والطالبات نفس الامتحان لأول مرة، واظهرت نتيجة الفترة الاخيرة حصول الطالبات على المراتب الاولى، والثانية والثالثة، والرابعة على مستوى البحرين، مما جعل دائرة تعليم البنين تصاب بالذعر الشديد، نظراً لوجود التنافس الحاد بين مدارس البنين والبنات!!
الزيادة المطردة لإيرادات النفط وضعت نهاية لمخاوفي إزاء الأوضاع المالية للدولة.. وبدا لي ان البحرين مقبلة على مرحلة جديدة من الإزدهار كالتي مرت بها قبل آلاف السنين، لكن انتقالها من بلد يعتمد على صيد اللؤلؤ والتجارة والزراعة إلى دولة منتجة للبترول، مع وجود مصفاة ضخمة، كانت في وقت ما رابع أكبر مصفاة في العالم، خلق لنا صعوبات ومشاكل لم نواجهها من قبل.. فالحياة في عصر ما قبل النفط كانت أحلى، حيث تسنى لي الوقت الكافي للاهتمام شخصياً بأُمور كثيرة وشعرت بأنني أقرب إلى الناس على خلاف السنوات التي تلت إكتشاف النفط وأنشأت فيها العديد من الدوائر الحكومية وتعاملت مع اللجان الكثيرة والمسؤولين البحرينيين والأوروبيين ووجدت نفسي أقضي معظم أوقاتي في حل المشاكل التي تحدث بين الموظفين!!
عصر كل يوم غالباً ما كنت أقود سيارتي بصحبة زوجتي إلى الريف. وفي الربيع، بعد انتهاء موسم الأمطار البالغ معدل سقوطها من بوصتين إلى 3 بوصات سنوياً، تكسو الاراضي البرية طبقة من الحشائش الخضراء فتضفي على تلك المناطق منظراً جميلاً جداً.. وعند غروب الشمس يلبس جبل الدخان وبيت الشيخ حمد الأبيض بمنطقة الصخير حلة بديعة من اللون الوردي المحمر الذي يشع بالدفء والجمال!! لقد حاولت مراراً رسم هذا المنظر لكن محاولاتي دائماً تفشل بسبب قصر الفترة التي يمكثها!!
في أحيان كثيرة نذهب إلى قلعة البرتغال الأثرية (قلعة البحرين) على الساحل القريب من المنامة التي يعتقد البحرينيون بأنها مليئة بالأشباح والتي شهدت الكثير من المعارك الحربية الرهيبة!!
في إحدى الصيفيات خيمت هناك بمحاذاة جدران القلعة ولقيت حينها معارضة وامتناع شديدين من قبل خدمي إحتجاجاً على فكرة النوم بالقرب جداً منها وحلفوا لي جميعاً بأنها مسكونة بالجن الذي سيظهر أثناء الليل!!
البرتغاليون اغاروا على الخليج في بداية القرن السادس عشر واحتلوا جزيرة هرمز الواقعة على الساحل الايراني والتي تنعم بالثروة الكبيرة والرفاهية العظيمة.
وإلى هذه البقعة من العالم الشبيهة بفص الخاتم الذهبي المرصع بالمجوهرات وفد التجار من الشرق لعرض بضائعهم الثمينة والتسوق في الاثواب الحريرية والاقمشة المصنوعة من الذهب والفضة والخمور والتوابل الشهية بالاضافة إلى كونها مستودعاً ضخماً للؤلؤ وتحوي أجمل الحمير الموجودة في العالم كله!!
مصدر اللؤلؤ هو البحرين، أما الحمير البيضاء فقد اشتهرت بها أوال في الماضي!!
في عام 1521 م احتل البرتغاليون البحرين بعد معركة دامية قتل خلالها حاكمها المحلي في ذلك الوقت. وقد قطع الجيش المنتصر رأس الحاكم وأخذوه إلى هرمز، وعلى إثر ذلك منح ملك البرتغال قائد الجيش لقباً عسكرياً رفيعاً يضاف إلى اسمه إلاّ وهو "رأس الملك" وذلك إعترافاً بما حققه من انتصار مظفر.
واستمر إحتلال البرتغاليين للبحرين حتّى عام 1602 رغم تكرار ثورات البحرينيين ضدهم والتي نتجت في إحدى المرات عن مقتل قائد الحامية البرتغالية.
في تلك الحقبة من الزمن كان البرتغاليون والبريطانيون والهولنديون والايرانيون يتصارعون من أجل الهيمنة على الخليج، وفي سنوات لاحقة إنضم الاتراك إلى هذه المجموعة وقاموا بمحاولة فاشلة للاستيلاء على البحرين.
وفي حادثة أخرى زار الأميرال التركي بيربج البحرين تصحبه ثلاث سفن محملة بالثروات المنهوبة من المدن الأخرى… وعند عودته غرقت احدى السفن في المياه القريبة من جزر البحرين.. ولم يعثر حتّى الآن على أثر لتلك السفينة، وعندما أقوم بجولات بحرية غالباً ما أنظر إلى قاع المياه الصافية وأتساءل عن احتمال عثور أحد غواصي اللؤلؤ يوم ما على بقايا هذه السفينة الضخمة والحاوية للصناديق البالية المليئة بالنقود الذهبية!!
في السنوات اللاحقة كنا نزور أعضاء بعثة إكتشافات مثيرة ومهمة والتوصل إلى حقيقة ان الإنسان كان يستوطن البحرين في العصر الـ (Palacolitchie) وهو البلد المذكور في اسطورة دلمون، المدينة التي جاء ذكرها في النقوشات البابلية والسومرية منذ ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد.
وتروي الاسطورة ان تجار دلمون كانوا ينتقلون بين العراق والهند حاملين معهم بالإضافة إلى الأشياء الأخرى "عيون الأسماك" وهو الاسم الذي كان يطلق في تلك الأيام على اللؤلؤ.
وحلو قلعة البرتغال وأسفلها اكتشفت بعثة الآثار جدران العاصمة القديمة للبحرين والتي اختار البرتغاليون موقعها لبناء قلعتهم.
في موقع آخر على شارع البديع عثرت البعثة على ثلاثة معابد بُني الواحد منها فوق الآخر أقدمها يرجع أصله إلى 2500 سنة قبل الميلاد، وفي إعتقادي انهم سيتمكنون قريباً من حل واحد من أهم الألغاز الأثرية المتبقية في العالم وهو هوية الاشخاص المدفونين بأكبر مقبرة في العالم والتي تضم نحو مائة ألف من القبور التلالية البالغة مساحتها أكثر من عشرين ميلاً مربعاً والواقعة في الطرف الشمالي لجزيرة البحرين.
أحياناً تحقق بعثة التنقيب الدنمركية إكتشافات مدهشة. ففي عام 1957 حفرت بعمق تحت أساسات قلعة البرتغال ووجدت غرفة صغيرة مبنية أعلنت البعثة أنها مكان دفن فيه شخص مهم، ربما يكون ملكاً.
ودعت المواطنين لحضور عملية فتح القبر وكانت هناك تكهنات وتوقعات مثيرة حول الكنز الذي قد يعثر عليه!!
وعندما فتح القبر دهش جميع الحاضرين من الاشياء التي وجدت بداخله وهي طقما حمام يشبهان جداً الطراز المستخدم حتّى الآن في دول الشرق الأوسط مع وجود مجرى حجري متصل بخزان ماء.
الفضوليون من الناس الذين شهدوا هذا الحدث قالوا ان أحد الحمامين مخصص للرجال والآخر للنساء. لكن البحرينيين اعتبروا ان هذا الإكتشاف أكثر جذباً من الآثار القديمة الأخرى التي تم العثور عليها، ودائما يأتون إلى القعلة في الباصات المكتظة بهم لمشاهدة أقدم طقم حمامات في العالم!!
في حوالي عام 326 قبل الميلاد كان أُسطول الاسكندر الاكبر يجوب الساحل الايراني بعد حملته على الهند. وقامت سفينتان تابعتان له بزيارة تايلوس وهو اسم البحرين في ذلك الوقت. وعقب مجيئي إلى هذه الجزيرة بسنوات قليلة وجد بعض الرجال الذين كانوا يحفرون جدولاً خلف منزلي على دورق (قارورة) فخارية مزينة بأشرطة نقش على أحدها كلمات أغريقية مبعثرة. وقضيت وقتاً طويلاً في محاولة فك رموز هذه الكلمات، لكن دون جدوى.
فيما بعد عندما عرضت هذه النقوشات على أحد العاملين بالمتحف البريطاني وضع الدورق جانباً ليقول ببساطة: أجل، أنها الأبجدية الأغريقية، وهي نوع شائع من الديكور اليوناني وضحكت حينها من نفسي لأنني رغم دراستي للغة اليونانية بالمدرسة لم أستطع التعرف على أحرفها!!
الفصل التاسع
عجوز ثرثارة تقودنا إلى جثة الفتاة
السلع اليابانية رخيصة الثمن جميلة المنظر، رديئة النوعية
سوق سوداء لبيع المشروبات الروحية!!
يولدن فيلقى بهم في أماكن القمامة!!
أحياناً أقوم بزيارة مراكز الشرطة بصحبة أُسرتي ونشرب القهوة مع أفرادها الذين يسعدون دائماً برؤيتنا، خاصة إذا كان إبننا الصغير "حمد" معنا.. وكان لإبننا صديق في مثل سنه، شديد السمرة إسمه "جوهر" وهو إبن أحد رجال الشرطة.. ونظراً لتعلق هذا الصبي الشديد بأسرتنا فقد عرف بين الناس بأنه "عبد إبن المستشار" أو " عبد حمد".
أيام الجمعة نتوجه غالباً إلى بستان قريب من الساحل حيث ننعم بالسباحة في البحر والمياه الارتوازية ونشعر بالانتعاش بالماء العذب بعد ملوحة البحر…
وأحياناً نذهب في رحلة إلى إحدى القرى حيث يدعونا القرويون إلى بيوتهم لارتشاف القهوة، ثم نجلس في المزرعة أو تحت ظلال البيت على حصير أو سجاد قديم ونتحدث عن محصول الرطب أو صيد اللؤلؤ في ذلك الموسم.
وكنت أتوقع أن أسمع أشياء جديدة أو مختلفة نظير تحملي الجلوس على سجادة وسخة لكنني عادة ما يخيب ظني!!
في تلك السنوات لم نكن نجد الاطفال والمراهقين، ذوي السلوك غير اللائق، الذين نراهم في جيل اليوم والذين يتزاحمون حول الاجانب (الاوروبيين) في القرى طلباً "للبخشيش" ويخّربون سياراتهم أثناء وقوفها دون سائقيها.
وفي رأيي ان تدهور سلوكيات وتصرفات هؤلاء الشباب مصدره الأوروبيون أنفسهم، فالكثير منهم لديهم معتقدات غريبة حول كيفية التعامل مع أناس ذوي أُصول عرقية مختلفة، فاما أن يعاملوهم بغطرسة وتكبر واما ان يكونوا ودودين وقريبين أكثر من اللازم معهم ولا يقبلون ان يرد الناس عليهم بنفس الدرجة.
والملاحظة التالية للورد مورلي تنطبق جيداً على الامريكيين والاوروبيين المتواجدين في البحرين… هذه الملاحظة تقول "إذا كانت التصرفات السيئة تعتبر خطأ في كل مكان، فإنها تعتبر جريمة في الاراضي المحلية"!!
وإذا تحدثنا عن المدن، خاصة المنامة نجد أن هناك آثاراً واضحة للتغير العمراني والمدني عندما نقارنها بمنظرها قبل عشرين سنة سابقة.. فقد استبدلت أكواخ النخيل والقش بالبيوت المبنية بالحجر وتم تحديث العديد من البيوت الكبيرة القديمة الطراز.. وترك السكان عادة بناء الأبراج الهوائية العالية التي تجلب الهواء العليل إلى داخل الغرف، واستخدموا المراوح الكهربائية بدلاً من ذلك.
كانت تكاليف المعيشة في تلك السنوات منخفضة وبدأت المتاجر والدكاكين باستيراد البضائع المتنوعة من الخارج خاصة اليابان لان السلع اليابانية معروفة برخص ثمنها وجمال منظرها ورداءة نوعيتها!! حتّى أن كلمة يابانية أصبحت تستخدم لوصف المرأة سيئة السمعة، وقد تعودت على سماع هذه الكلمة بهذا المعنى في المحكمة عند مناقشة قضايا النساء!!
في بداية مجيئي للبحرين نادراً ما كنت أرى بحرينياً يرتدي ملابس غربية. وفي احدى السنوات عندما عاد إبن أحد رجال الدين من قضاة المحكمة من زيارة قام بها إلى مصر وهو يرتدي البنطلون والقميص والمعطف، رفض أقاربه، الذين كانوا في استقباله، السماح له بالنزول قبل أن يبدل ملابسه ويعود إلى الزي العربي!!
وعندما بدأ الأهالي العمل في شركة نفط البحرين المحدودة (بابكو) وجدوا ان الثياب العربية غير ملائمة وخطرة ولا تناسب المهن التي يقومون بها، فنشطت تجارة جديدة في البحرين وهي تجارة الملابس المستعملة المستوردة من أوروبا!!
فلم يعد مستغرباً أن نشاهد بحرينياً بلباس أحد رجال الجيش في اوروبا الشرقية أو بالزي الرسمي لساعي البريد البريطاني!!
ومنذ ذلك الحين أصبحت البنطلونات والقمصان والمعاطف لباساً اعتيادياً لعمال حقل النفط في بابكو!!
التعليم، الإذاعة، تسهيلات السفر ووسائل الاتصال مع الاجانب المقيمين في البحرين وخارجها هي الأمور التي تستهوي المواطنين اليوم خاصة بين جيل الشباب المتعلمين بالمدارس والذين استكمل بعضهم دراسته الجامعية في الدولة العربية.
لقد نما هذا الجيل الجديد تحت رعاية حكومة مستقرة وتعود على وجود المدارس والمحاكم، والبلديات والمؤسسات الحكومية الاخرى التي لم توجد في عهد آبائهم.
ولا يبدو ان هذا الجيل يدرك ويستوعب جميع التغيرات والتطورات الجديدة التي حدثت للبحرين ويقوم بمقارنتها بما كانت عليه الحياة والظروف ببلده قبل عشر أو عشرين سنة خلت، لكنه يقارنها بالظروف التي تعيشها دول أخرى يسمع عنها عن طريق أجهزة "المذياع" المنتشرة الآن في بعض البيوت والمقاهي، ويقرأ عنها في الصحف والمجلات والكتب!
بعد استقرار أوضاع البلاد السياسية لم تقع جرائم كثيرة، وندر حدوث عمليات القتل، وعندما تقع عملية من هذا النوع فإنها غالباً ما تتعلق بالشرف، والنساء اللواتي يشوهن سمعة عائلاتهن! فقتلُ المرأة لهذا السبب أمر يبيحه معظم البحرينيين.. وبذاكرتي الآن قضايا مرتبطة "بذبح" شابات غير متزوجات بسبب كونهن حوامل، لكني لم اقابل أبداً حالة واحدة تم فيها قتل الزوجة لأنها خائنة!!
هناك جريمة أتذكرها دائماً، وقعت بمدينة الحد في جزيرة المحرق والتي ينتمي أغلب سكانها إلى قبيلتين عربيتين كبيرتين ولا زالوا يحتفظون بعاداتهم وطبائعهم القبلية رغم مرور أكثر من نصف قرن على استقرارهم فيها.. لقد وجدت صعوبة في التعامل مع هؤلاء السكان!! فقد وصلت إلى الشرطة اشاعة تقول ان فتاة من هذه المدينة اختفت فجأة، ولاحظت النساء اللواتي يعرفنها عدم وجودها وحين يسألن أقاربها عنها يحصلن على أجوبة غامضة ومتناقضة.. وصل الخبر إلى أسماع شرطة الحد وتم إبلاغهم بالموضوع حيث كنت قائداً للشرطة في ذلك الوقت ووجب علينا التحرك بحذر لأن التحقيق مع النساء من قبل الشرطة يؤدي في أغلب الاوقات للمشاكل، وحينما يعمل الناس بقيامنا بالبحث والتقصي الأمني فإن كل الأفواه تنغلق.
الفتاة المفقودة ـ وهي إبنة والدين فقيرين محترمين ـ عازبة ويعتقد بوجود علاقة حب تربطها بأحد الشبان.
وبعد جمع كمية كبيرة من الأقوال والمعلومات المتناقضة معظمها من إمرأة عجوز عرفت بثرثرتها في الحد وتربطها قرابة مع زوجة أحد رجال الشرطة، أرسلنا في طلب والد الفتاة، وعندما حضر سألناه عنها فأخترع قصة مفادها انها سافرت إلى السعودية لزيارة أهلها حيث كانت مريضة.
ولم أصدق رواية الرجل لأنني أعلم بعدم وجود أقارب لهذه العائلة في المملكة. فقررنا انتهاز الفرصة وتفتيش البيت وهي مهمة أشبه ما تكون بالامساك بمخبأ الزنابير (الدبابير) نظراً لكون البيت بمدينة الحد!!
في تلك الليلة، ودون أن نعطي عائلة الفتاة مجالاً للاستعداد والترتيب ذهبنا أنا وأحد الضباط برفقة ستة من أفراد الشرطة إلى هذه المدينة، ومشينا بهدوء وحذر شديدين داخل طرقاتها الضيقة الحالكة الظلام، ولم نشاهد أثناء سيرنا أي شخص حتّى وصلنا إلى البيت الموعود فطرقنا بابه… بعد دقائق قليلة سمح لنا بالدخول، وكان الأب وإبناه الإثنان وعدة نساء متواجدين بالمنزل.
تعابير الرجال وتصرفاتهم بدت لنا عادية جداً، ولم يظهروا الدهشة والاستغراب لزيارتنا، أما النساء المتدثرات بالكامل في ثيابهن فقد بكين لبعض الوقت، ولم يكن معنا أحد يستطيع التعرف على الفتاة في حالة العثور عليها، لكن العائلة لا زالت تكرر بأن الفتاة غادرت البحرين إلى السعودية وإتضح لنا عدم وجود أي أثر للفتاة سواء حية أم ميتة!
بعدها دخلتُ إلى غرفة صغيرة بالطابق الأرضي وشممتُ رائحة كريهة.. ولما سألت عن مصدرها أجابني احد الرجال بأنها رائحة المرحاض الواقع في فناء المنزل، ولكن تلك الرائحة كانت مختلفة مما جعلني أشك في الأمر. وجاء ضابط الشرطة البحريني، وبعد لحظات قال ان الفتاة مدفونة هنا. كانت هناك علامات تدل على ان الغرفة يسكن فيها أحد، كالملابس الملقاة على الفراش وأعقاب السجائر المرمية على الأرض.
أمرتُ بجلب أدوات الحفر كالفئوس والمجارف (الصخاخين) وبدأ شرطيان بحفر الأرض وأسفر عملهما عن الشئ الذي كنا نبحث عنه وهو جثة الفتاة. وظل أفراد العائلة من الرجال هادئين جداً أثناء استخراج الجثة، لكنني لم أستطع تحمل المشهد فخرجت انتظر انتهاء المهمة في الفناء.
خلال المحاكمة تبين لنا ان الفتاة قتلها رجل من العائلة لأنها "ارتكبت الفاحشة" والنساء كن على علم بمقتلها لكنهن لا يعرفن من هو القاتل، والدها ام أخوتها؟.
عمليات التحقيق والتحري التي قامت بها الشرطة عارضها أهالي الحد كثيراً بسبب تعاطفهم الكلي مع عائلة الفتاة، وحتى بعض "التقدميين" البحرينيين اعتبروا ان إراقة دم هذه الفتاة له ما يبرره.
الجنس عادة ما يكون هو الدافع وراء جرائم القتل، وأحيانا تكون الضحايا من النساء سيئات السمعة اللاتي يغتالهن العشاق بسبب الغيرة!! هؤلاء النساء كن يعرفن باسم "بنات الهوى" .. وكانت الحكومة تقوم بحملات تطهيرية مستمرة للبلاد من الغانيات وتسفرهن إلى بلادهن التي أتين منها عن طريق البحر!!
في أحيان كثيرة نجد أطفالاً حديثي الولادة مرميين وهم أحياء في الأماكن المخصصة للقمامة (المزابل) الموجودة بزوايا الشوارع أو نجدهم أمام المستشفى. ولدى مستشفى الارسالية الامريكية ملجأ للايتام حيث يوضع بعض هؤلاء الأطفال "اللقطاء" وتتم رعايتهم.. وعندما يبلغون السادسة يرسلون إلى المدرسة ثم يحصلون على عمل. البعض الآخر يتم الاعتناء بهم في المستشفى الحكومي وغالباً ما تتبناهم سيدات عاقرات أو ليست لديهم عائلة.
عندما اكتشف البترول في البحرين، إكتسب هذا البلد سمعة بين إمارات الخليج على انّه بلد جميع شوارعها مرصوفة بالذهب!! ووفد الخليجيون من الامارات الاخرى إلى البحرين بحثاً عن العمل آملين في جمع ثروة مالية خلال أشهر قليلة!!! وقد أصدرت نظاماً لمنح الجوازات للمواطنين وتنظيم دخول البلاد ومغادرتها، بعد فترة قصيرة من عملي بالبحرين، لذلك أصبح ممكناً لحد ما إحباط عمليات دخول الاجانب … لكن الكثيرين دخلوا البحرين بطريقة غير شرعية بعد اتفاقهم مع أصحاب القوارب والسفن على نقلهم في الليل إلى سواحل الجزيرة المهجورة نظير إعطائهم مبالغ كبيرة.
في بعض الحالات يتم إنزال المتسللين في مواقع بحرية ضحلة جداً وايهامهم بأنهم على ساحل البحرين، لكن عندما يرجع البحر إلى حالة المد يرتفع مستوى سطح المياه ويغرق العديد من هؤلاء المساكين الذين "ضُحك عليهم".
وأدى دخول الأجانب غير المرغوب فيهم إلى البحرين إلى زيادة عدد الجرائم فيها خاصة تلك المتعلقة بالحشيش وصناعة الخمور!
إن تداول الخمور حُرّم بشدة من قبل الشيخ حمد على أساس ديني، وقبل عشرين سنة كان جميع المواطنين تقريباً يمتثلون لهذا القرار.. أما اليوم فان الشباب البحريني يعارض القيود المفروضة على المشروبات الروحية.
وهم لا يعتقدون بأن هناك مبرراً لتعرضهم لعقوبات قاسية كالسجن مثلاً بسبب ضبطهم وهم يحملون زجاجة بيرة في صناديق سياراتهم، بينما تسمح كل من مصر والعراق وهما دولتان إسلاميتان بشراء وبيع الخمور بحرية ودون أي قيود.
كما يعارض هؤلاء الشباب أيضاً السماح للأوروبيين والأجانب بتناول هذه المشروبات وشرائها من شركة بريطانية عاملة في البحرين تقوم باستيرادها من الخارج. وربما يعتقد الناس الغربيون ان التحريم الديني لهذه المشروبات يجب ان يترك شأنه للافراد، لكن حكومات الدول الإسلامية تحرص على متابعة وتنظيم الحياة الدينية لشعوبها وذلك عكس الحكومات الغربية.
في السنوات الأولى لمجيئي للبحرين كنت أسمع بأن اثنين أو ثلاثة مواطنين فقط درجوا على عادة الشرب.. وعندما كثر عدد الأوروبيين بهذا البلد وأخذ البحرينيون يسافرون إلى الخارج، أصبح الخمر منتشراً بصورة أكبر.
واليوم هناك القليل من شبان العائلات الثرية الذين لا يشربون الخمرة، أما الباقي، فالبعض يشربها بإعتدال، والبعض الآخر باسراف والعديد رأوا فيها شيئاً جميلاً يخالفون به القانون، وصار في البحرين سوق سوداء لبيع المشروبات الروحية التي يتم تهريبها إلى الداخل أو تتسرب عن طريق الأجانب المسموح لهم بشرائها.
أما في المملكة العربية السعودية فالوضع يختلف، وقبل سنوات أصدر الملك عبد العزيز أمراً بمنع استيراد المشروبات الروحية، وأنطبق هذا القرار على شركة النفط الامريكية وعلى جميع السفارات الاجنبية!!
عندما أدعو البحرينيين إلى منزلي.. فانهم لا يتناولون الخمر ابداً، ولكنهم في بعض البيوت الاوروبية ومنازل المسؤولين الحكوميين البريطانيين يتشجعون على الشرب رغم معرفتهم بقرار المنع.
الطريف في الامر ان الكثير من هؤلاء المواطنين كانوا يعتقدون أن القيود المفروضة على المشروبات الروحية مبالغ في جديتها، وانها غير ضرورية… مع ان تحريمها جاء تطبيقاً للشريعة الإسلامية وهو القانون الذي تسير عليه البلاد.
في السنوات الاولى لمجيئي للبحرين كان "الشراب" الشائع هو العرق المقطر من التمور.. وكان لدى الشرطة أوامر بتنفيذ كل ما هو ممكن لمحاربة صناعته وبيعه ولعدة سنوات شننتُ حرباً ضد المشتركين في صناعته الذين كانوا أذكياء جداً في اخفاء حمولاتهم.
أحيانا كثيرة أذهب مع الشرطة في غاراتها على هذه المواقع وتفتيش البيوت والحدائق حيث يتم تقطير العرق.
والحقيقة انني استمتعت بهذه الغارات! فبعض عصابات الخمور كانت تختار أماكن لا تخطر على باب أحد لتخبئة بضاعتها!!
في احدى المرات وجدنا معملاً لتقطير العرق في المستشفى الذي يرقد به المختلون عقلياً (دار المجانين) يقوم بتشغيله أحد الحراس (النواطير)!
وفي مرة أخرى عثرنا على مخزن لزجاجات الخمرة تحت أحد الشوارع الرئيسية والمتصل بنفق ارضي إلى منزل بائع متجول سئ السمعة، وقد اكتشفنا هذا المخزن بطريق الصدفة عندما تم حفر الشارع.
البيوت المهجورة في القرى أيضاً مواقع مفضلة لهذه الجماعات حيث تخفى القنينات المحرمة في قاع الحفرة أو تدفن بحديقة المنزل!
الأفيون وهو أحد المخدرات كان محظوراً في تلك السنوات ويستعمله المقيمون الاجانب كالايرانيين والبلوش.. ومن السهل إخفاء الأفيون لكن من الصعب اكتشاف موقعه، ولذلك اعتمدنا كثيراً على تقارير المخبرين.
الافيون، الذي يشبه اعواد الشمع البنية اللون، كان يجلب للبحرين إيران ومعظم الاشخاص الذين يبيعونه ايرانيون.
في احدى المرات كنت أفتش منزلاً أعتقدت بوجود الافيون بداخل، وبعد ان عاينا البيت بأكمله لم نجد شيائً واصبح الوقت متأخراً من الليل، فنظرت إلى ساعة الحائط لكنها كانت متوقفة، وعن غير قصد استفسرت من صاحب المنزل عن جدوى الاحتفاظ بالساعة رغم انها لا تعمل، فلاحظت عند تحدثي معه تغير قسمات وجهه وارتباكه مما أوحى لي بفكرة قمت بتنفيذها فوراً… فتحت الساعة فوجدت أن أجزاءها الداخلية ازيلت تماماً وملا الحيز الذي تشغله بكميات من الافيون قيمتها تساوي مئات الجنيهات الاسترلينية.
كانت هناك شبكة قوية مرتبطة بالخارج لإدخال الأفيون إلى البلاد وتهريبه إلى أُوروبا، وتدفع في سبيل ذلك مبالغ كبيرة لرشوة أشخاصاً معينين لكي يساعدوها في عملياتها.
وينقل الافيون من إيران إلى الساحل المتصالح وهو الاسم الذي أطلق على امارات الخليج الست الصغيرة الواقعة على لاطرف الجنوبي الشرقي من الخليج العربي عندما عقدت معاهدة عامة مع الحكومة البريطانية في عام 1820 م، وقبل ذلك كانت المنطقة تعرف بـ "ساحل القراصنة".
ومن هذه النقطة يحمل الافيون في سفن شراعية إلى البحرين، وتعمل الشبكة على ان يتزامن وقت وصوله مع امكانية تهريبه إلى إحدى السفن المتجهة إلى أُوروبا أو أمريكا أو الشرق الأقصى.
أحياناً لا تنجح الخطة ويتحتم إخفاءه في البحرين حتّى موعد وصول سفينة أخرى إلى الميناء، والعصابة تملك سيارات و"لنشات" ومبان لحفظ الافيون، لكن الخطر يلاحقها دائماً عندما تريد نقل بضاعتها من مكان لآخر.
لقد ضبطت الشرطة عدة شحنات من هذه السلعة الممنوعة تبلغ قيمتها مئات الآلاف من الجنيهات، حيث اعتقل المهربون على ظهر السفينة وهم يقومون بتحميل البضاعة من قارب مجاور لها وقبض على الأشخاص الذين كانوا بالقارب، وقدموا للمحاكمة وتلقوا عقوبات بالسجن لسنوات طويلة.
لم يكن هناك تعاون من قبل عامة المواطنين معنا في محاولاتنا لإيقاف تجارة الأفيون، فالبحرينيون يعتبرون جهودنا تدخلاً غير ضروري في تجارة تجلب أموالاً كثيرة للبحرين.. وهم يرون ان الافيون لا يستخدمه الاهالي ولذلك لا يوجد مبرر للقلق بشأنه وإنما يتضرر الذي يتعاطونه في الدول الاخرى لأنه ليس موضع اهتمام بالنسبة للبحرينيين.
الفصل العاشر
قد يكون من حسن الحظ ان زيارات كبار الضيوف للبحرين لم تكن متكررة قبل عشرين سنة كما هي عليه اليوم عندما يعود أعضاء البرلمان البريطاني والصحفيين بعد قضاء يومين في البحرين وهم يزعمون بأنهم خبراء في شؤون الخليج العربي، فحتى عام 1937 كان معظم الشخصيات القادمة عبارة عن مسؤولين بارزين لحكومة الهند البريطانية أو ضباطاً كباراً في البحرين الملكية أو سلاح الطيران البريطاني حيث يتبادل الشيخ حمد المحادثات معهم ويدعوهم عادة إلى العشاء.
والمباحثات التي تدور في هذه المناسبات رسمية "دائما تكون متشابهة، تتطرق إلى الطقس في أوروبا وزيارة الضيف إلى البحرين واحيانا إلى الخيول والصقور".
في احدى المرات جاء لزيارة البحرين مطران الكنيسة الكاثوليكية الرومانية فأخذته لمقابلة الشيخ حمد.. كان هذا الرجل الايطالي مهيباً له لحية بيضاء ويرتدي ملابساً جميلة، وارتاح الشيخ لزيارته بسبب تحدثه بعض العربية.. واكتشف الرجلان ان عمرهما متساو، ولما سأل الشيخ المطران عن عدد أطفاله رد قائلاً بأنه لا يسمح لمطرانات (اساقفة) الكنيسة الكاثوليكية بالزواج!
وعندما كان الشيخ في زيارة للندن جاء لمقابلته بفندق هايد بارك اللورد كادمان رئيس شركة النفط الإيرانية البريطانية وتحدثا معا لمدة ساعة كاملة حول أسباب عدم تقدم شركته للحصول على امتيازات التنقيب في البحرين حيث كان موضوعاً من الصعب جداً توضيحه.
وقد ضاق الشيخ ذرعا بحديث هذا الرجل المتواصل والممل الذي وجب علي ترجمته الفورية له.
بعد انتهاء المقابلة طلب مني اللورد كادمان ان أحدد موعداً ثانياً لاستكمال تفسير وتبرير تصرف شركته، لكن الشيخ لم يجد وقتاً لذلك خلال زيارته.
مع نهاية عام 1937 زار الأمير سعود بن عبد العزيز ملك المملكة العربية السعودية حالياً (1959) البلاد.
وتصادف وقت زيارته مع الاحتفالات بعيد الجلوس للشيخ حمد، لذلك قمنا ببعض التعديلات والتغييرات الممكنة للزينات والديكورات لكي تخدم المناسبتين معا. ودعي الأمير إلى حفل غداء كبير بصحبة مرافقيه.
وفي أوائل السنة التالية سافر الشيخ ليؤدي مناسك الحج بمكة المكرمة وعين مجلساً للوصاية على العرش اثناء غيابه يتكون من شقيقيه الشيخ محمد بن عيسى والشيخ عبد الله بن عيسى بالإضافة إلى شخصي.
وقد كان السفر عن طريق البحر، واذكر ان السفينة توقفت لعدة أيام في البحرين لأن الخادم المسؤول عن إعداد القهوة والشاي نسي أمتعته ومعداته عندما كانت السفينة راسية في ميناء بومباي، ولم يبدأ السفر إلاّ عندما عادت هذه المعدات.
بعد عودة الشيخ من مكة، زارت البلاد الأميرة البريطانية أليس ومسؤول كبير في البرلمان البريطاني، وقضيا بضعة أيام في البحرين في طريق عودتهما من المملكة العربية السعودية.
لقد كانت الزيارة غير رسمية ومراسم الزيارة اقتصرت على حفلات غداء وعشاء مصغرة، وأقام الضيفان بمبنى المعتمدية البريطانية حيث استقبلهما المعتمد السياسي آنذاك "هود ويتمان" برفقة زوجته… وقد تخلى هذان المسؤولان عن صبغتهما الرسمية وأمضيا معظم وقتهما في التقاط الصور والتسوق في العاصمة.
وتعتبر الأميرة أليس أول عضو في العائلة الملكية البريطانية يزور البحرين وشعر الشيخ بخيبة أمل بسبب كون الزيارة خاصة ولا يستطيع إقامة حفل إستقبال شعبي كبير لتكريم الضيفين الملكيين، وكان سموه مبتهجاً ومسروراً جدا لان الاميرة هي أول امرأة تستعرض وتفتش حرس الشرف المحيط بقصره، فمثل هذا الامر لم يحدث أبداً بالبحرين في السابق!!
الملك عبد العزيز بن سعود زار البحرين في ربيع 1939 والتقيت به لأول مرة وأعجبت كثيراً بشخصيته، فقد كان رجلاً في غاية اللطافة وأعرب عن سروره الشخصي تجاهي.. وعندما عاد إلى المملكة أرسل لي هدية عبارة عن فرس وولدت هذه الفرس مهراً جميلاً لونه بني محمر وكنت ارتقي صهوته كل يوم لسنوات عديدة.
وقبل ان يصبح عاهلاً للمملكة، عاش الملك عبد العزيز بعض الوقت في البحرين، عندما كان في المنفى وحل ضيفاً على سمو الشيخ عيسى بن علي حاكم البحرين حينذاك ولم ينس أبداً الحفاوة الكبيرة التي لقيها في ذلك الوقت.
قبل وقت طويل من بدء الزيارة امضيت أغلب اوقاتي مع الشيخ حمد في مناقشة الترتيبات لها… وقد تم استضافة الزوار بقصر الشيخ سلمان الجديد في الرفاع الذي احاطت به الخيام لكي يشغلها المشاركون في الرقصات والفقرات الشعبية.
واقترحت على الشيخ ان يكون هناك برنامج مطبوع لزيارة الملك ابن سعود حيث ان هذا هو النظام المتبع في زيارات الملوك في اوروبا.. فوافق الشيخ على ذلك بعد ان بينت له ان زيارته إلى لندن كانت مبرمجة مسبقاً ولها جدول مطبوع.. ونجح اقتراحي وتم تنفيذ برنامج الزيارة بصورة حسنة جداً.
وصل الملك إلى البحرين عن طريق مدينة الخبر الواقعة على الساحل الشرقي للمملكة مستقلاً اللنش الجديد للشيخ حمد الذي اهدته إياه شركة النفط (بابكو) وصحبه اسطول ضخم من القوارب الحاملة للعلم السعودي الأخضر بداخلها اقارب الملك والمسؤولين وحوالي مئتي مرافق من اتباعه.
وجاء نجله الامير سعود برفقة مجموعة كبيرة قبل ان يصل الملك، أما الأمير فيصل، شقيق الامير سعود، فقد جاء عن طريق الجو قادماً من القاهرة.
والتقى العاهلان على طرف الرصيف (الفرضة) وتعانقا بحرارة تحت مظلة حمراء كبيرة الحجم احضرتها هدية للشيخ من انجلترا عند عودتي من اجازتي السابقة. سار موكب الاستقبال المكون من نحو خمسين سيارة تتقدمهم شرطة الخيالة التي ترفع الحراب الحاملة للاعلام المكونة من اللونين الاحمر والابيض، وأمام الموكب سارت الدراجات النارية الحمراء التابعة للشرطة ببطء بين الجماهير المحتشدة على جوانب الشوارع احتفاء بهذه المناسبة التاريخية، وقد أعرب كثير من الواقفين عن فرحتهم فألقوا بعباءاتهم (بشوتهم) إلى الشارع تكريماً للملك عبد العزيز.
وفي قصر المنامة تجمع أعضاء العائلة الخليفية الحاكمة لاستقباله بسبب صعوبة اجراء تلك المراسم بالميناء نظراً لكثرة المرتادين.
وارتدى الكشميرية التي تعتليها العقال الذهبية، اضافة إلى السيوف والخناجر المذهبة المرصعة بالاحجار الكريمة..
انطلقت البنادق ترحيباً بالضيف الكبير على فترات متقطعة حينما دخل الشيخ بصحبة الملك إلى القصر.
وأود أن أذكر بهذا الصدد أن هذه البنادق كانت هدية من الملكة فيكتوريا إلى الشيخ عيسى والد الشيخ حمد.
اما العاهل السعودي فقد ارتدى ملابس بسيطة تتكون من ثوب أبيض وبشت بني اللون وغترة بيضاء مخططة باللون الأحمر مثبت فوقها عقال ذهبي. وقد أحاط بالملك حرسه السمر بمعاطفهم القصيرة الملونة المزينة بخيوط ذهبية ووضعوا حول خصورهم الاحزمة العريضة المزودة بالخناجر الفضية وخرطوشات البنادق، بينما التفت حول أكتافهم احزمة لحفظ كرات الرصاص بداخلها…
كل فرد من حرس الملك تسلح بالرشاش تحت ذراعه وكنت متأكداً من ان هذه الرشاشات معبئة تماماً.
وسار جدول الزيارة بصورة حسنة واشتمل على بعض الفقرات الرائعة.
وقد أقام تاجر سعودي بارز جداً ومقيم بالبحرين مأدبة عشاء فخمة بقصره الواقع على قمة تل بمدينة الرفاع، وبلغ عدد المدعوين "600 شخص" جلسوا جميعاً لتناول الوليمة الضخمة المكونة من لحم الغنم (الغوزي) والارز والاطباق الاخرى.. وكان ضوء القمر ساطعاً كما لو كانت الدنيا نهاراً، وفرشت الساحة الواسعة للقصر بالسجاد الايراني النفيس.
لقد كانت تلك المأدبة اكبر وليمة عشاء شاهدتها طوال حياتي. ومما لفت نظري فيها ان الملك عبد العزيز كان يتكلم طوال فترة الاكل وهو على عكس ما يتبعه معظم البحرينيين.
في اليوم الثاني للزيارة وأثناء وجودنا بالسيارة دار نقاش طويل بين الملك من جهة وبين الشيخ حمد وشخصي من جهة اخرى، حول أمور السياسة في الخليج وأوروبا، أعرب خلاله الملك عن اشمئزازه لطريقة هتلر في التخلص من اليهود وقتلهم مع ان جلالته يكرههم بشدة.
وقال الملك: لقد كان من الافضل تجريدهم من ممتلكاتهم ثم تركهم أحياء.
وبالمناسبة فقد التقى الملك قبل مجيئه للبحرين بالسفير الالماني في بغداد الذي أكد له ان ألمانيا وإيطاليا قوتان لا تقهران!! وهي جملة شكك جلالته في صحتها.
كما تطرق الحديث إلى بعض المسائل العامة غير المتعلقة بالسياسة، ومن آراء العاهل السعودي الممتعة ان الحليب الطازج المحلوب مباشرة من البقرة هو دواء مثالي يستخدم كمسهّل ومطهر للبطن، كما نصح بعدم تناول السمك في الليل والاكتفاء بأكلها نهاراً.
بعض البحرينيين أخبروني سابقاً بأن تناول البطيخ جنباً إلى جنب مع السمك في نفس الوجبة يسبب الخطر للانسان!! لكنني كنت افعل هذا الشئ بصورة متكررة دون ان يحدث لي أية اعراض مرضية!!
اهل البحرين ممثلون بالفطرة!!
نخدر السمك… نصطاده .. ونأكله!!
أثناء زيارة الملك عبد العزيز للبحرين، حضر عرضاً مسرحياً قمت أنا بالاعداد له وترتيبه. هذا العرض كان عبارة عن نوع جديد من أنواع التسلية في البحرين.
ونظراً لروعته اعجب الجمهور الكبير الذي شاهده اعجاباً شديداً به وبحسن أداء الممثلين المشتركين فيه الذين كانوا من رجال الشرطة، وحرس المدن، بالاضافة إلى عدة مئات من تلاميذ المدارس، وأقيم العرض على الساحة المفتوحة أمام القلعة بالمنامة.. وقد رفعنا مستوى المدرج إلى علو ثلاثة أقدام استعداداً لهذه المناسبة.
المشهد الأول اشتمل على مسيرة وزحف للجنود حمل خلالهما الرجال والاولاد المصابيح اليدوية والفوانيس المربعة المختلفة الالوان على اعمدة خشبية طويلة.
اما المشهد الثاني، فكان أكثر طموحاً استخدمت فيه الاضاءة الغامرة الاصطناعية أول مرة في تاريخ البحرين لإنارة مساحة واسعة على نحو متناسق. وشاهدنا قرية بحرينية كاملة بدكاكينها ومسجدها وأشجار النخيل الكثيفة… بالاضافة إلى بئر تملا النساء الماء من داخله، وجزء من ساحل يحتوي على قوارب حجمها مقارب جداً للقوارب الحقيقية وهي تصطف بمحاذاته.. ينزل من القوارب قراصنة ويهاجمون القرية.
شاهدنا الخيول والجمال تستخدم باتقان وبراعة في هذه المسرحية، عدا جملاً واحداً اندفع نحو جمهور الحاضرين لكن الله ستر ولم يصب احد منهم بأذى!!
في المشهد النهائي رأينا كيف تم إحراق القرية بعد نهبها واختطاف النساء ـ اللواتي أجاد أدوارهن طلبة المدارس ـ على ظهور الخيول خلف الفرسان وهن يصرخن طلبا للاغاثة بأعلى أصواتهن.
أود أن أذكر هنا ان معظم البحرينيين لديهم قدرة واستعداد فطري للتمثيل، وبعض المسرحيات التي قام بتمثيلها طلبة المدارس كانت رائعة!!
ديكور المسرحية المعقد للغاية والملائم جداً لاحداثها كان من تصميمي، اما اللوحات المساعدة فقد رسمتها بالاشتراك مع الصديق ماكس ثورنبورج الامريكي الجنسية ومدير شركة النفط (بابكو) آنذاك، وقام بمساعدتنا شاب "روسي أبيض" من هواة الرسم.
لقد جاء هذا الشاب من العاصمة الإيرانية طهران ونزل بالمملكة العربية السعودية دون ان يكون لديه أي مبلغ مالي أو أوراق ثبوتية فتم احتجازه في السجن على الفور حيث قضى هناك بضعة أشهر قاسية.
وبطريقة ما نجح في الهروب من السجن وفر من المملكة ولجأ إلى الساحل البحريني فالتقطته الشرطة.
وعاش هذا الشاب لبعض الوقت في القلعة وعومل كضيف لا كسجين… ثم قمت بتشغيله في وظيفة سائق لكنه كان شارد الذهن طوال الوقت الامر الذي جعله خطراً على الشوارع!!
أخيراً اتصلت ببعض أبناء بلده في لبنان الذين تعرفوا عليه ونجحت في إرساله إلى بيروت.. ومنذ ذلك الحين لم اسمع أبداً أية أخبار أخرى عن هذا الشخص رغم استفساراتي المتكررة عنه!!
أما ماكس ثورنبورج فقد كان صديقاً حميماً للشيخ حمد الذي وهبه جزيرة صغيرة قرب قرية البديع الواقعة إلى الغرب من مدينة المنامة.
هذه الجزيرة لم تكن سوى قطعة رملية تغطيها كميات كبيرة من الاصداف والمحارات الصغيرة تسمى "الصبّان" ولذلك اطلق على هذه الجزيرة إسم "أم الصبّان" نسبة إلى هذا النوع من الاصداف.
حفر ثورنبورج بئرا ارتوازية وقام بزراعة الجزء الشمالي منها، وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، دأب هو وزوجته على قضاء عدة أشهر سنوياً بهذه الجزيرة واتخذاها كمنتج أو مصيب سياحي لهما.. حيث يعيشان في البيت الجميل الذي شيّداه ويقومان باستضافة وامتاع العديد من الامريكيين والبريطانيين القاطنين بالبحرين، كما يستقبلان زوار البلاد الراغبين في التعرف عليها مثل الدبلوماسيين والمسافرين الاجانب والكتاب أو مراسلي الصحف!!
نسيت أن أذكر ان البيت الذي يعيش فيه ثورنبورج وزوجته أبيض اللون، منخفض الارتفاع تكاد اغصان الاشجار تخفيه عن الانظار، ويقع وسط غابة من اشجار النخيل وجوز الهند، وتحيط بالممر الموصل له الازهار المتفتحة الحمراء والبيضاء الزكية الرائحة.
بعض نوافذ البيت تطل على البحر في اتجاه جزيرة "جّدة" الصخرية التي تعكس أشعة الشمس بحدة تجاه السماء أثناء الغروب.
السباحة في البحر المطوق للجزيرة والبركة الضخمة الواقعة على الشاطئ متعة كبيرة حيث يظلل البركة الاشجار، وبالقرب من البيت وحول الجزيرة يمارس الضيوف رياضة صيد الاسماك المشوقة.
في عام 1958 قرر ثورنبورج وزوجته انهما لا يستطيعان الاستمرار في امضاء بضعة اشهر كل عام بالبحرين، لذلك اعادا الجزيرة مرة أخرى إلى الشيخ سلمان الحاكم الحالي للبلاد. وسوف يتذكر الكثير من الناس الاوقات السعيدة وكرم الضيافة التي استمتعوا بها على ظهر جزيرة أم الصبان.
على مسافة لا تزيد عن الميلين غربي أم النعسان تقع جزيرة صغيرة ثانية اسمها "جدة" وهي لا تشبه أية بقعة أخرى في البحرين بسبب إمتلائها بالجروف (جمع جرف) المرتفعة الشديدة الانحدار والصخور الرمادية المصفرة الهائلة العدد التي تجعل المرء يعتقد بأنها تكونت نتيجة تعرض الجزيرة لهزة أرضية في يوما ما!!
من هذه الجزيرة تؤخذ الاحجار المستعملة في بناء القبور، وفي فترة لاحقة استخدمت أحجارها لبناء قلعة البحرين.. وعلى وجه أحد الجروف الناعمة وجدت نقوشات باللغة العربية يعود تاريخها إلى عام 1561 م !
وعندما قمت باستكشاف الجزيرة لاول مرة، لم يكن الماء الحلو متوفراً بها ولم يوجد بها إلاّ نخلة واحدة على الرمال الواقعة تحت مستوى الصخور، لكنني أحببت ذلك المكان لأن جوه الطف واقل رطوبة من المنامة وطرأت على بالي فكرة مفادها انّه لو تمكنا من الحصول على الماء العذب في هذه الجزيرة فسوف تكون مكاناً مناسباً يخصص للمساجين والمعتقلين الذين يقضون فترات طويلة من العقوبة… الذين كان عددهم قليلاً جداً في تلك الايام.
وقمنا بحفر بئر ارتوازية وفوجئنا بالتدفق الغزير للماء إلى ارتفاع يزيد عن 12 قدما ونوعيته أجود بكثير من ماء العاصمة. وأنشأت حجرات ومبان بسيطة لسكن المساجين وحرس الشرطة، وقد تم بناؤها من الاحجار الموجودة هناك، ومعظم الاخشاب التي استخدمت كانت من الاخشاب الطافية على الشاطئ.
فيما بعد تم إنشاء سجن كبير في الجزيرة العربية الجانب المستوى من الجرف والذي كان (مخزناً) للصخور في القرون السابقة.
بعد سنوات من إنشاء (جزيرة الشيطان) امرني الشيخ بتأجيل اجازتي الصيفية حتّى الشتاء، ووافقت على ذلك لكنني طلبت منه السماح لي ببناء منزل صغير في جدة كي أتمكن من اللجوء إليه أيام العطل الاسبوعية والهرب من المكالمات الهاتفية وطلبات المساعدة إلاّ في الحالات الطارئة!!
وقام السجناء ببناء المنزل تحت إشراف بناء بحريني وكان موقعه مرتفعاً على قمة صخرة كبيرة فوق الرصيف الصغير مع وجود ممر منحدر يؤدي إليه.
وللمنزل جدران حجرية سميكة ويبدو منظره على بعد كأنه قلعة سكوتلاندية مصغرة.. لقد كان مبنى بسيطاً يتألف من غرفة للجلوس تعلوها غرفة النوم ويصل بين الغرفتين سلم خرجي، اضافة إلى غرفة طعام صغيرة وحجرة أخرى على السطح وتطل النافذة الكبيرة لغرفة الجلوس على البحر أسفل الصخرة.. الجانب الآخر للمنزل يشرف على منظر الحديقة ويمتد إلى مياه البحر الزرقاء التي تفصل الجزيرة عن أرض البلد.
في المساء تضاء السماء في الجهة الغربية من الجزيرة بواسطة الوهج الناتج عن احتراق الغاز في حقول النفط السعودية القريبة لسواحل البحرين.
وتحلق طيور البحر حول قمة البيت وفي أيام الربيع تشدو طيور القبرة البرية بالغناء وقت الصباح.
وجدة هي مكان حافل بالكثير من الطوير التي تبني اعشاشها وتفرخ هناك. وفي الشتاء تهب الرياح على الجدران وكنا نشعر بالسرور عندما نتدفأ حول النار المشتعلة من موقد الخشب المفتوح الذي يرسل لهيباً أصفر جميل المنظر.
تعودت على العمل في الحديقة مع السجناء، رغم ان بعضهم صدر عليه الحكم من قبل المحكمة التي اشارك أنا في هيئتها ولا تبدو عليهم علامات الحقد أو التذمر تجاهي، كما لم يشعروا بالاستغراب لكوني مستشار حكومة البحرين وقائد الشرطة لإشتغالي في حديقة مليئة بالمعتقلين!!
ومع مرور السنوات صنعنا بستانا بديعا يحتوي على النخيل التي تتخللها الزهور، الشجيرات الموردة، والأشجار المرجانية، الرمان ونباتات الخبيزة والفلين واللنتافة ذات الازهار الصفراء والبرتقال العطرة.
وبنيت بركة سباحة واسعة في البستان يظللها سبعة أنواع مختلفة من الاشجار وزهور الياسمين العبقة الرائحة النامية حولها.
وبعد ان أمضي نصف وقت الصباح بالبحر، امكث وقتاً طويلاً في السباحة بالبركة. وعلى جانب الرصيف البحري تكثر الأسماك التي يصطادها السجناء بالشباك أو بالسنارات، وحينما يكون الصيد وفيراً يضعون السمك تحت أشعة الشمس لتجفيفه وعمل "المالح" أو "الاحلة" كما يسمى في البحرين.
في احدى السنوات جلبت حربة لصيد السمك من كشمير بالهند ونجحت في اصطياد الاسماك الضخمة إلى ان تكسر نصلها عند اصطدامها بصخرة مرجانية صلبة.
ودأب المساجين على المجئ والانصراف من المطبخ وهم يحضرون الخضراوات من الحديقة أو الأخشاب المستعملة في اشعال النيران أو أكوام الزهور المربوطة في باقات عبيرة الشذى لوضعها في المنزل.
وفي يوم ما، بينما كنت استحم في بركة الحديقة، جاء الي سجين كبير السن من الذين يعملون فيها وأدخل إلى الجزيرة بسبب تورطه في عملية تهريب للاسلحة، وتحدث الي بصوت حاد جداً لأنني تركت ساعتي وخاتمي على صخرة قرب خزان المياه.
وقال لي ناصحاً: ينبغي إلاّ توضح معداتك (أغراضك) الشخصية الثمينة في أي مكان هنا، لأن بعض الناس على هذه الجزيرة ليسوا أمناء!!
مرتان أو ثلاث في كل صيف خلال أيام الحر الملتهبة أذهب في رحلات لصيد الأسماك مصطحباً بعض رجال الشرطة والسجناء معي حيث يتنافسون على الفوز بمرافقتي للابتعاد عن روتين السجن اليومي الذي يشتمل على قطع الاحجار، ونسج الأقمشة وأعمال الفلاحة بالحديقة. وعادة ما نتوجه إلى جزيرة "البينة" وهي قطعة أرض رملية منخفضة تتوسط "جدة" والساحل السعودي، وأحياناً نبحر إلى جزيرة واسعة أخرى بالقرب من سواحل البحرين حيث يمتلك الشيخ منزلاً فيها مبنياً على دعامات فوق سطح البحر. هذه الجزيرة كانت مليئة بالغزلان والارانب البرية والظبيان السوداء، وتوجد فيها أشجار التين اللذيذ.
أول مرة خرجت فيها لمثل هذه الرحلات البحرية، تصورت انها ستكون رياضة مملة جداً، لكنني وجدت أنها على النقيض جداً من ذلك. وقبل ان اغادر "جدة" يقوم الرجال باعداد "طُعْم السمك" وهي المادة المستخدمة في اصطياده والتي تتكون من سراطين البحر والأسماك الصغيرة المخلوطة مع الطحين والبذور الجافة لزهرة الليلك الإيرانية المسحوقة جميعها لتكّون عجينة لزجة لها رائحة مميزة.
وعندما نصل جزيرة "البينة" نلقي مرساة "اللنش" ونقفز إلى البحر ونسبح حتّى الشاطئ الرملي الابيض حيث اقف في عرض الماء المالح الذي يغطي نصف جسمي وأراقب عملية الصيد.
ويبدأ الرجال الحاملين معهم اواني "طعم السمك" بخوض المياه ونثر كميات كبيرة منها على مساحة واسعة من السطح، ثم ينضمون الينا على الشاطئ.
وبعد الانتظار لمدة عشرين دقيقة تقريباً نرى طيف السمك الفضي وهو يقترب من مكان "الفخ" وبعد فترة طويلة قليلاً نشاهد بوضوح اسماكاً كثيرة تندفع في دوائر أو تغدو وتجئ وتنزلق بسرعة في سطح الماء.
وما هي إلاّ لحظات أخرى حتّى يحيط بالجزيرة من جميع جوانبها الاسماك المتحركة بطريقة تولد على ذعرها. ثم يدخل الرجال إلى البحر فيخوضون ويسبحون فيه ويغوصون إلى اسفله وهم يصطادون الاسماك إذا استطاعوا ذلك بأيديهم العارية.
ورغم كون السمك مخدراً إلاّ ان الامساك به لم يكن أمراً سهلاً، وحينما أحاول اصطياده تضرب السمكة يداي بزعانفها الحادة وتتخلص منا بسبب كونها ملساء مما يجعل القبض عليها صعباً.
بعض الرجال يقومون بصيد السمك من خلال زورق بخاري مربوط إلى "اللنش" حيث يجلسون في موقع مرتفع عن سطح الماء ويرشدون الصيادين داخل البحر عن مكان تواجد الأسماك الكبيرة.
بعد حوالي نصف ساعة يسترجع السمك حالته وحواسه الطبيعية ويشفى من المخدر المأخوذ من بذور زهرة الليلك الإيرانية المعروفة في البحرين باسم "سم السمك"!!
بعد الانتهاء من عملية الصيد تكون ارضية الزورق البخاري مليئة بالاسماك من جميع الاحجام والانواع، بالاضافة إلى أعداد أخرى قابعة على ظهر "اللنش" أثر إلقائها إلى هناك بواسطة الصيادين.
ثم نتسلق إلى "اللنش" للاستراحة وشرب القهوة التي تسبق وجبة من السمك الطازج الذي يجري طهيه والتلذذ بأكله وهو أحسن بكثير من الاطعمة البحرية الغالية الثمن التي تقدمها المطاعم والتي لا تستطيع منافسة مذاق اسماك جزيرة البينة!!
لقد درجت على إخبار ضيوفي الذين يتناولون العشاء معي بأن معظم الأسماك التي يشترونها من السوق "مخدرة" وحالما يسمعون ذلك حتّى تنتابهم الدهشة ويتركون السكاكين والأشواك المستخدمة في الأكل تعبيراً عن قلقهم، إلى ان أأكد وأُطمئنهم على إنني تعودت على أكل السمك "المخدر" لعدة سنوات ومع ذلك لم أصب قط بأي أذى!!
الفصل الحادي عشر
شهود على وثيقة مغلقة!!
أحد المحافظين البريطانيين يطبق مشروعا اشتراكيا!!
خلال سنوات الحرب العالمية الثانية، وبالتحديد في عامي 1939 و1940، لم تتأثر البحرين كثيرا بآثارها وذلك رغم الارتفاع الحادي في مستوى المعيشة وشحة بعض السلع المستوردة.
وفي أثناء الحرب العالمية الاولى التي بدأت عام 1914 شهدت البحرين ازدهاراً في تجارة اللؤلؤ حيث أقبل الاوربيون على شرائه لانهم اعتبروه استثمارا جيدا ويمكن حمله بسهولة، لذلك تمنى طواويش اللؤلؤ ان يتكرر هذا الأمر اثناء الحرب العالمية الثانية، لكن هذه الصناعة لم تنتعش مرة أخرى… ولحسن الحظ، حينما اصبحت الحرب وشيكة الوقوع نجحت في استيراد كميات كبيرة من الارز من مدينة رابخون الهندية تكفي لسد احتياجات البحرين لعدة أشهر، وقبل نفاذ هذه الكمية طرحت نظام توزيع ومراقبة اسعار المواد الغذائية الضرورية كالرز، الطحين، السكر، والشاي.
ونجح هذا النظام نجاحاً عظيماً لدرجة جعلت التهريب مشروعاً مربحاً للغاية.. حيث أخذ بعض التجار في تهريب السلع الضرورية إلى دول الخليج المجاورة (والتي لا يوجد بها نظام مشابه لمراقبة كميات وأسعار المواد الغذائية) مما أدى إلى ارتفاعها الشديد هناك !
وفي البحرين، كما في الدول الخليجية الأخرى، جمع بعض التجار ثروات جيدة من السوق السوداء على الرغم من العقوبات الصارمة التي تلحق بمن يتعامل من خلالها.
وحتى اليوم، لا تتعجب وأنت تسمع مواطناً بحرينياً يقول لك وهو يشير بيده إلى بعض البيوت الفخمة في المنامة أو في القرى؛ هذا المنزل بناه صاحبه من أرباح السوق السوداء!!
نظام التوزيع بالحصص كما قلت نجح نجاحاً مدهشاً، لأنه انطوى على درجة كبيرة من التنظيم.
الأمر الذي دفعني إلى تأسيس دائرة حكومية لمراقبة المواد الغذائية تحت رئاسة دي جرينير مدير الجمارك، والتي استمرت في العمل لعدة سنوات عقب انتهاء الحرب.
ولقد لاقى النظام تأييداً من غالبية الناس، عدا بعض التجار الذين تحسروا لعدم جنيهم للمبالغ الطائلة في الوقت الذي تمكن تجار امارات الخليج الاخرى تحقيق ذلك بسبب عدم تطبيق اجراءات للحد من هذا الاستغلال.
ففي ظل هذا النظام تبين للمواطنين العاديين بالبحرين انهم يحصلون على نفس المعاملة التي يلقاها الآخرون دون النظر إلى طبقتهم الاجتماعية، لونهم، أو ثروتهم، ولم يتوانوا قط في الابلاغ عن حالات رفع السعر من قبل التاجر أو اكتشافهم لتخزينه للمواد الغذائية لكي يبيعها في وقت آخر بسعر أعلى، وقد ساعدني هذا على ادخال خطة جذرية نالت الدعم الشعبي.
بعض التجار الكبير كانوا متعاونين مع الحكومة، لكن معظمهم اعتبروا الربح المعقول جدا الذي تسمح لهم به قليلاً، بعد فترة من الزمن اضطرت الحكومة، بدلاً من إستثمار فائض الايرادات في صندوق احتياطي الدولة، إلى الشراء المباشر للسلع الضرورية التي تحتاجها البلاد وبيعها في محلات (دكاكين) خاصة لحملة البطاقات.
وتعوّد اصدقائي ان يضحكوا حينما يقابلونني ويبدون استغرابهم من ان الشخص المتعصب جدا لحزب المحافظين البريطاني والمقاوم للتغيير والاصلاح (وهو أنا) يطبق مشروعاً اشتراكياً بحتاً!!
مع بداية 1941 أُجري أول احصاء سكاني في البحرين، وتم تنفيذه بنجاح، وساعدنا ذلك على تطبيق نظام ضبط المواد الغذائية بكفاءة أكبر… إلاّ اننا واجهتنا صعوبات عديدة اثناء التعداد.. فالكثير من الناس اعتقدوا ان ذلك كان مقدمة لفرض الضرائب عليهم، وظن آخرون بأن جميع الرجال والشباب اللائقين صحياً وجسمانياً سوف يرسلون للعمل كجنود في أوروبا!! كما انتشرت إشاعة مفادها انّه لن يسمح للنساء بولادة أي طفل إلاّ داخل مستشفى الحكومة!! ولم ينظر أحد إلى فائدة هذه الخطوة الهامة مستقبلاً.
وبعد ان تجولت في القرى وشرحت لكل فرد ان هدف الاحصاء السكاني ببساطة هو معرفة عدد سكان البحرين من أجل التخطيط لتوفير الغذاء لهمن سحب الأهالي معارضتهم وتمت عملية التعداد طوال مساء يوم 21 يناير 1941.
وفي تلك الليلة بدت مدن وقرى البحرين اشبه ما يكون بالمدن الميّتة (أي دون حركة) باستثناء مجموعات صغيرة من الرجال تجوب المنازل بكل شارع حاملة بين أيديها الدفاتر والاوراق والفوانيس!!
وقد أمضيت الليلة فوق صهوة حصاني متنقلاً من شارع لآخر ومن قرية لاخرى لمتابعة تطورات العملية، ولم نقابل أية مشكلة أو ما يمنع سير العمل.
وشاعت بين المواطنين كلمة "بطاقة" التموين أو البطاقة التي بموجبها يعطي كل فرد ما يستحقه من أرز، سكر، شاي، أو طحين الدقيق.
وبعد إنتهاء الحرب دهشت زوجتي مارجوري كثيراً لاطلاق هذا الاسم (أي البطاقة) على طالبات المدرسة السمراوات اللون، وفيما عدا ذلك فهذه البطاقات ليست هي الشئ الذي يرغب الناس في تخليده بذاكرتهم.
لبضع سنوات، لم تكن حالة الشيخ حمد الصحية تسير على ما يرام، الشئ الذي بث القلق بين نفوس من يعرفونه عن قرب..
وحينما زار الشيخ بريطانيا عام 1936، اقنعته بعرض نفسه على طبيب مختص فشخّص المرض الذي يعاني منه وهو (السكّري) الكثير الانتشار في البحرين بسبب احتواء الوجبة اليومية للبحرينيين على كميات كبيرة من الارز والتمر والتي تساعد على تفاقم هذا المرض.
ونصح الطبيب الشيخ بأخذ حقنات من الانسولين يومياً فوافق على ذلك.
واوكلت هذه المهمة إلى واحد من خدمة الشباب بعد تدريبه على كيفية حقن الأبر.
في طريق العودة إلى البحرين وركوبنا للقطار المتوجه إلى اسطنبول، اعترت الخادم حالة عصبية وادعى انّه لا يستطيع غرز الحقنة في ذراع الشيخ… وتداركت أنا الموقف وقمت بهذا العمل رغم انني لم أمارسه أبداً طوال حياتي.. والحمد لله انّه عندما غادر الشيخ اسطنبول عاد الخادم إلى طبيعته ولم يتهيب منذ ذلك اليوم من العمل كممرض!!
في فبراير 1940 قرر الشيخ حمد بعد فترة طويلة من التفكير والمشاورة معي، ان يعيّن خليفته بكتابة وثيقة سرية لا يتم فتحها إلاّ بعد وفاته.
وقد لجأ الشيخ إلى هذه الطريقة، بدلاً من الافصاح العلني عن ولي العهد.. حتّى لا يخلق الشقاق والنزاعات داخل العائلة الحاكمة.
فولي العهد في إمارات ودول الخليج الاخرى ليس بالضرورة هو النجل الأكبر للحاكم، بل الرجل الافضل والأنسب لادارة شؤون الدولة في نظر مجلس العائلة الذي يقرر هوية ذلك الشخص المؤهل لهذا المنصب.
وبالرغم من ذلك، طرأت تغيرات على تقاليد العديد من الحكام والملوك، حيث يقومون بتعيين خليفتهم اثناء سنوات حكمهم قبل وفاتهم، فعيّن الملك عبد العزيز آل سعود نجله الأكبر، الأمير سعود، ولياً للعهد في عام (1959) وعين الشيخ سلمان الأمير الحالي للبحرين (1960) ابنه الأكبر الشيخ عيسى ولياً للعهد.
.. وبالنسبة لإمارة قطر قام حاكمها الشيخ عبد الله بتسمية نجله الثاني الشيخ حمد كخليفة له، وذلك قبل ان يتنازل عن العرش، ولكن بسبب وفاة الشيخ حمد، تسلّم الشيخ علي، الابن الأكبر زمام الحكم في البلاد.
اربعة اشخاص فقط كانوا على علم ومعرفة بقرار الشيخ حمد وهم: أنا وهوج ويتمان، المعتمد السياسي البريطاني، سكرتيري الهندي كيه. بي نارايان، وعبد الله بن جبر سكرتير الشيخ وأمين اسراره.
وكتب نارايان الوثيقة تاركاً مساحة اسفلها لتوقيع الشيخ والشهود عليها لكي يتم طيها وحفظها بعد ذلك!!
وبالمناسبة، هذا السكرتير عمل معي لفترة تبلغ ثلاثين سنة تقريبا ونال ثقة الشيخ بل وقد كان على دراية بأمور كثيرة من مواضيع الدولة وخلفياتها.. وفي يوم جمعة، بينما كان مكتبي مغلقاً، ولم يكن هناك مواطنون بانتظاري أو حول مبنى المكتب، ارسلت في طلب كل من الشيخ راشد بن محمد آل خليفة، عم الشيخ حمد (والد زوجته) وهو أحد أعمدة العائلة الحاكمة، وإلى قاضي الطائفة السنية الشيخ عبد اللطيف، وإلى قاضي الطائفة الشيعية الشيخ عبد الحسين الحلّي الذي تربطني به علاقة صداقة شخصية، لكي يأتوا إلى منزلي لأمر "هام جداً".
وقد جاء القاضيان معاً بالصدفة، وبدون ترتيب!