ttttt2مذكرات بلجريف
مستشار حكومة البحرين سابقاً
تأليف: السير تشارلز بلجريف
ترجمة: مهدي عبد الله
الطبعة الاولى 1411 هـ ـ 1991 م

والشيخ عبد الحسين عراقي الجنسية يرجع اصله إلى مدينة الحلّة وهو رجل كبير في السن، ذكي، يحب الفاكهة والهزل، ويرتدي دائماً عمامة بيضاء حجمها كبير، وعباءة (بشت) اسود اللون، وله لحيّة سوداء مصبوغة ومزينة.
أما الشيخ عبد اللطيف فهو رجل قصير القامة صغير الحجم يرتدي ثوباً أبيض ونظارة وهو سريع الاهتياج يرفع صوته عاليا عند إثارته!!
وصل الشيخ حمد قبل الموعد المحدد، وجلس في غرفة الجلوس حيث قرأ عليه نارايان الوثيقة التي درس تفاصيلها بعناية. وأخيراً جاء الشيخ راشد وهو يتوكأ على عكازه، تجاعيد السن كانت بادية بوضوح على وجهه ولحيته تشع باللون الاحمر.. ورغم ضعف بصره إلاّ انّه رفض ارتداء النظارات!!
ثم توجهنا جميعنا إلى "غرفة الشرفة" وهي تسمى غرفة مجازاً لانني بنيت شرفة واسعة جداً من جهة الشمال يمكن الجلوس فيها والنظر إلى الحديقة والبحر من خلفها!
شعر الرجال الثلاثة بتلهف وفضول شديدين حينما أُبلغوا بأن المطلوب منهم فقط هو الشهادة على توقيع الشيخ فوق وثيقة.
وبعد ان وقّع الشيخ حمد على الوثيقة، حُوّلت إلى الشيخ عبد اللطيف الذي أخذ يتمعّن لفترة طويلة على الجزء المطوي منها كأنه يأمل ويتمنى أن تكتشف نظارته ما هو مكتوب بداخلها قبل ان يوقع عليه، ثم وقع الشيخ عبد الحسين بعده.
أما الشيخ عبد الله بن جبر فأخذ يراقب كل رجل وينحني فوقه للتأكد من عدم قلبه للوثيقة أثناء التوقيع لقراءة محتواها!!
وحالما تم الانتهاء من عملية التوقيع والشهادات على التوقيع استدار الشيخ عبد اللطيف إلى الشيخ حمد وهو يقول: الآن بعد الانتهاء من هذا الأمر، هل لك ان تخبرنا مضمونه؟
فاعترضه عبد الله بن جبر قائلاً: أيها القاضي، أخبرنا عن موضع خطبة الجمعة التي ألقيتها على جموع المصلين اليوم!! فانفجر الشيخ حمد ضاحكاً من اثر حديث عبد الله إلى القاضي، واعتبر ذلك انقاذاً له من الإجابة على سؤاله، بينما كان تعليق الشيخ عبد الحسين الحلي المرح دائماً:
بالتأكيد انّه موضوع هام جداً يخص الدولة، ولا يحق لنا الاستفسار عنه.
ثم أُحضرت القهوة بعد ذلك، وغادر الشيخ المنزل مشيراً عليّ بكتمان محتوى الوثيقة التي يوصي فيها بتعيين نجله الاكبر الشيخ سلمان كخليفة له.. وقمت بحفظ هذه الوثيقة في البنك.
ولم اسمع أبداً أي حديث عن الوثيقة التي وقعت في منزلي ذلك الصباح قبل اليوم الذي توفي فيه الشيخ، فالشهود الثلاثة التزموا جميعاً الصمت حولها!!
الشيخ سلمان… رشحته العائلة وأيدته الوثيقة
بالرغم من ظروف الحرب القاسية، إلاّ ان البحرين استمرت في النمو والتقدم بشكل بطئ.. وذلك نظراً لصعوبة الحصول على مواد البناء من الخارج.
فقد أفتتح قسم النساء بمستشفى السلمانية تحت رعاية حرم الشيخ حمد في عام 1940، كما تواصل العمل لإنشاء الجسر المتحرك الذي يربط بين المنامة والمحرق، لكن لم يتم الانتهاء منه إلاّ في بداية 1942 بسبب الاستيلاء على شحنتين من الحديد تعرضنا لعمل عدائي بعد ارسالهما من بريطانيا إلى البحرين عن طريق البحر!! كما قمت بتوظيف مدير انجليزي للتعليم الذي مهد لقيام المدارس الثانوية بالبلاد، وعينت شخصاً إنجليزياً آخراً مديراً للمدرسة الصناعية.. ولقد كانت هذه المدرسة ولا تزال مصدراً للمشاكل .. حيث ينظر الطلاب البحرينيون إلى الاعمال اليدوية على انها تحط من قدرهم ولا تناسبهم!!
واستقدمت طبيبة اسكوتلندية وعدداً من الممرضات المدربات للعمل بمستشفى النساء، أما الدكتور سنو المدير الحالي للمستشفى (1959) فقد جاء إلى البحرين في فترة لاحقة قبل افتتاح الجزء الخاص بالرجال.
في البداية واجهتنا صعوبة في اقناع السناء البحرينيات بالعلاج داخل المستشفى والبقاء لعدة أيام بين جدرانه رغم اقبالهن بالآلاف على العيادات والمستوصفات الخارجية!!
ويمكننا ان نلحظ اليوم التغير الكبير الذي حدث لعقلياتهن عندما نعلم ان مستشفى الولادة الجديدة يستقبل شهرياً 120 طفلاً جديداً تضعهن الأمهات داخل أجنحته.
وقد افتتح الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة حاكم البحرين الحالي هذا المبنى الرائع في عام 1958.
مع ذلك.. ففي هذا المبنى الحديث ـ أيضاً ـ كانت تقع بعض الحوادث … أذكر منها اننا في احدى المرات، اثناء نقل سيدة قروية إلى غرفة المخاض، تعطل المصعد الموجود به.. وكانت تصحبها ممرضة هندية!! ولقد استمر تعطل المصعد لمدة ساعة تقريباً تم خلالها ولادة الطفل بعناية على يد الممرضة!!
العجيب ان الأم التي لم تدخل مستشفى الولادة من قبل، لم يظهر عليها أي أثر للدهشة لأنها اعتقدت أنها وضعت مولودها في المكان المخصص للولادة!!
في السنوات الأولى للحرب العالمية الثانية، لم يهتم البحرينيون كثيراً بمجرياتها ووقائعها الرهيبة في أوروبا، والقليل منهم أ درك القضايا الهائلة المحيطة بهان وذلك رغم وصول الصحف والدعايات الاعلامية إلى البحرين.
فإذاعة برلين كان لها بعض التأثير السياسي حيث يصغي المواطنون كل يوم إلى صوت المذيع المعروف يونس بحري باسلوبه الذي نال إعجابهم، إلاّ انهم يستمعون ـ أيضاً ـ إلى الإذاعة البريطانية B.B.C المملة جدا لغرض الحصول على المعلومات الدقيقة.
ولم تكن الحكومة تسمح بفتح أجهزة "الراديو" في المقاهي والأماكن الامة على محطات الدول الاعداء، لكن لعلمها انها لا تستطيع ارغام الناس على ذلك، لم تحاول منعهم من الاستماع إليها داخل بيوتهم… ونتيجة لذلك كان القريون يصدقون أية إشاعة إعلامية إليها داخل بيوتهم… ونتيجة لذلك كان القريون يصدقون أية إشاعة إعلامية سياسية مباشرة بسبب عدم وجود الكهرباء عندهم… أما اليوم فالطاقة الكهربائية متوفرة في كل قرية تقريبا.
عندما اشتعلت الحرب أعلن الشيخ حمد وقوف البحرين إلى جانب الحلفاء، وتبرع بمبالغ سخية لصالح المجهود الحربي كما شارك في الصندوق الذي أنشئ في الخليج من أجل شراء طائرات حربية نافثة اللهب، ووفر التسهيلات وقدم المساعدة بكل طريقة ممكنة.. وكانت الفترة حرجة جدا بالنسبة للأوربيين القاطنين في البلاد، والكثير من الشبان أرادوا العودة إلى دولهم والانخراط في الجيش، لكنهم أبلغوا بالحاجة لبقائهم في البحرين لاستمرار صناعة النفط.
كانت هناك أيضاً درجة من الاحتكاك بين الامريكيين والبريطانيين، لكن هذا الأمر لم يقلق الحكومة بصورة مباشرة… وحينما سقطت فرنسا في يونيو 1940 بعثت برقية إلى مارجوري للمجئ مع ابننا حمد إلى البحرين، فغادرا بريطانيا عن طريق البحر مستقلين السفينة ستراثنافر واستغرقت الرحلة للوصول إلى جزيرة سيلان وأكثر من شهر تعرضت خلالها لقصف القنابل وملاحقة الغواصات لها.
لقد كانت تجربة مروعة لهما!!
ولما وصلت السفنية إلى كراتشي نُقل ولدي الذي بدت عليه آثار مرض الحصبة خلال رحلة القطار الطويلة من جنوب الهند إلى مستشفى محلي لمعالجة الحمى يقع بسوق كراتشي وهو مكان غير صحي، وحاولت جاهداً بصفتي قائداً للشرطة في البحرين إدخال ابني إلى المستشفى العسكري في كراتشي وفعلاً نجحت في هذه المهمة وسافرت إلى هناك لملاقات أسرتي.
غادر هوج ويتمان المعتمد السياسي البريطاني البحرين إلى دلهي في أغسطس من نفس العام وأصبح وزيراً للخارجية لحكومة الهند البريطانية.. وقد أسفت جداً مع كثيرين على رحيله، فهذا الرجل، إضافة إلى السيد أي . بي . ويكفيلد (الذي اشتغل بالبحرين فيما بعد ثم انتقل إلى دلهي) كانا صديقين حميمين جداً، ولقد عملا الشئ الكثير للابقاء على إسم البحرين في خارطة العالم وساعدا الحكومة في الحصول على امدادات الطعام من الهند.
في شهر اكتوبر وقعت غارة جوية ليلية على البحرين شنتها طائرة إيطالية قادمة من جزر الدوديكان.. وبعد إلقائها بعض القنابل على البلاد وقنبلة أو قنبلتين أخريين على المملكة العربية السعودية، طارت عبر الصحراء والبحر الاحمر إلى مستعمرة شرق أفريقيا الإيطالية.
والعملية كرحلة جوية كانت إنجازاً ممتازاً، أما كغارة حربية فإنها فشلت تماماً حيث ارادت الطائرة قصف مصفاة النفط (معمل التكرير) الذي يتوهج بالأنوار مثل شجرة الكريسماس، لكن القنابل سقطت في الصحراء على مكان بعيد نسبياً عنها.
معظم سكان المنامة لم يعلموا شيئاً عن الحادث حتّى صباح اليوم التالي، وعندما عرفوا الخبر صاروا ساخطين أكثر من كونهم مذعورين.
وهذه الغارة كانت بمثابة الاشارة الضوئية لجميع النساء والاطفال الامريكيين لمغادرة البحرين، وقد فعلوا ذلك دون تأخير!!
دعايات الأعداء روجت إشاعة تقول ان الغارة قامت بها طائرة بريطانية على شركة النفط الامريكية في البحرين بهدف جر الولايات المتحدة إلى الحرب، وربما اختلقت الدولة المعادية هذه الرواية لكي تغطي فشلها في الهجوم!
بعد انتهاء الحرب أصدر الضابط الإيطالي القائد للغارة الجوية كتاباً أوضح فيه ان المهمة الموكل بها هي عملية يائسة لأن الزعيم موسوليني لا يريد ان يتراجع أبداً!!
إثر الغارة قامت الحكومة بفرض نظام اطفاء الأنوار والتعتيم الليلي ووجدنا صعوبة في تطبقيه لأنه من غير المستحب ارغام الناس الجالسين في غرف بيوتهم ليلاً على اغلاق النوافذ ومن كمية الهواء القليلة من النفاد إلى الداخل بواسطة الستائر التي تحجب الضوء والهواء عنهم.
مع استمرار الحرب اصبحت العلاقات بين دار الاعتماد البريطاني والحكومة تشوبها المشاكل.
اثنان من السياسيين البريطانيين العاملين في البحرين كان اختيارهما غير موفق من قبل حكومتهما .. ربما لعدم توفر النوعية الجدية خلال سنوات الحرب!!
ذات مرة وقعت حادثة كان بطلها المقيم السياسي البريطاني في البحرين الذي اعتاد كتابة الملاحظات في دفتر صغير اثناء حديثه مع البحرينيين ـ الذين يتضايقون لذلك كثيراً ويعتقدون أنه يكتب أشياء تنتقص من قدرهم أو تسئ اليهم، كما ان هذا الرجل نما عنده شعور بأن كل شخص في البحرين هو معادٍ لبريطانيا!! وهذا غير صحيح.
وقد تحملتُ بصبر وزر هذه المشكلة ـ كغيرها ـ وقمت بحلها بهدوء!
الحادثة الاخرى التي أتذكرها تتعلق بشارة الكنيسة الكاثوليكية التي أهداها البابا للشيخ حمد، فقد عُرف الشيخ بعقله المتنور والمنفتح في قضايا الدين وكان يشجع على ان يمارس كل فرد عقيدته الخاصة في البحرين بشرط عدم التدخل في دين الدولة (الإسلام) ..
وأعطى سموه ترخيصاً ببناء كنيسة كاثوليكية رومانية في البحرين ومنح الجالية المسيحية قطعة أرض بالمنامة لهذا الغرض.
وعندما أبديت رغبتي في إنشاء كنيسة انجليكية أعطانا الشيخ سلمان أرضا قرب القلعة (مبنى الشرطة) وأقمنا عليها كنسة القديس سانت كريستوفر ومقرا لإقامة القسيس.
وتقديراً من البابا لمكرمة الشيخ حمد منحه وسام الفارس وهي درجة كهنوتية وفق الطقوس الكاثوليكية لتسليم الوسام إلى الشيخ لكن السلطات البريطانية رفضت ذلك، فعاد المطران إلى بلاده مستغرباً لما حدث ومستنكراً عدم السماح له بتقليد الشيخ هذه الشارة أو الوسام البابوي الهام.
وحاولت جاهداً ان استوعب سبب تصرف بريطانيا بهذا الاسلوب القبيح لكن دون جدوى.
على العموم، بعد مرور فترة لا بأس بها على هذه الحادثة سحبت السلطات البريطانية اعتراضها وتم تسليم الشيخ تلك الشارة.. وشيئاً فشيئاً أخذت الأمور تعود إلى مجاريها بعد بعض التحركات والتعيينات الجديدة في دار الاعتماد البريطاني.
الذكرى العاشرة لتنصيب الشيخ حمد احتفلنا بها في 16 فبراير 1942، بعد ان تأجلت لبضعة أيام بسبب الأمطار الغزيرة التي اجتاحت البحرين وملأت ساحة الاستعراض بالقلعة والمساحة المفتوحة أمام القصر!
وعندما تسقط الامطار فانها تسبب الفيضانات لأن غالبة شوارع المنامة لا يزيد ارتفاعها عن القدمين فوق مستوى سطح البحر، كما ان المجاري التي تستخدمها في البلاد الآن لتصريف مياه الأمطار لم تكن موجودة في ذلك الحين.
وكان هناك عرض عسكري لشرطة الدولة في قصر الشيخ احتفالاً بهذه المناسبة.
لكنها كانت مناسبة حزينة، الكل شعر فيها بالقلق والضيق ازاء اخبار الحرب… وبأن الشيخ حمد ـ كما دونت في مفكرتي ـ متعباً مريضاً كما تلبدت السماء بالسحب السوداء الثقيلة والهواء الرمادي العاصف الذي خيم على المدينة مما جعل مشهد العرض العسكري كئيباً لا يميزه سوى قبعات الشرطة القرمزية اللون!!
بعد يومين لاحقين، تم ايقاظي في الصباح الباكر من قبل شخص ارسل لإبلاغي بأن الشيخ قد تعرض لنوبة قلبية بمقره الشتوي الذي يسكن فيه للصيد والقنص بمنطقة الرميثة الواقعة على التلال في الطرف الجنوبي من البحرين، فإرتديت ملابسي على الفور وقدت سيارتي مسرعاً إلى ذلك المكان… وعندئذ شاهدت منظراً حزيناً، فقد اعتدت عندما أذهب لزيارة الشيخ ان أرى حركة وجلبة وضوضاء، والخدم يدخلون ويخرجون من المنزل باستمرار، والسيارات تأتي وتروح إلى المبنى، كذلك الجمال والحمير ترعى وتلهو في الوادي الواقع بين التلال.
لكن في ذلك اليوم، ورغم وجود معظم أفراد العائلة والخدم والاتباع، إلاّ ان الصمت والسكون كانا يخيمان على المشهد ولا يقطعهما إلاّ نحيب بعض الرجال في فترات متقطعة.
رأيت الشيخ مرتين كان خلالهما فاقد الوعي مستلقيا في غرفة داخلية بمنزله يعاين حالته كل من الدكتور سنو والدكتور هاديسون من مستشفى الإرسالية الأمريكية، إضافة إلى الدكتور هولمز الطبيب المسؤول في مستشفى الملكة فيكتوريا التذكاري لسنوات طويلة والذي صادف تواجده في البحرين مع هذا الحادث.
أخذ الأطباء الثلاث يتناوبون على فحص الشيخ ومراقبته، ولكن كان هناك القليل الذي يستطيعون فعله!!
في المساء توجهت إلى منزلي وذهبت زوجتي مارجوري إلى المحرق للوقوف بجانب حرم الشيخ التي لم تبلّغ إلاّ بمعلومات قليلة جداً عن حالة زوجها.
ولم تتحسن حالة سمو الأمير في اليوم التالي، وجاء الشيخ عبد الله شقيق الشيخ حمد الي عصراً وأقترح علي ان أطلب من الاطباء إستخدام العلقات الطفيلية، فذهبت مع زوجتي إلى أحد العيون الطبيعية بعد الغروب وحصلنا على بعضها بصعوبة شديدة وأرسلناها إلى منزل الشيخ.
توفي الشيخ حمد عصر اليوم الثالث. كنت أنا وسكرتيري الهندي نارايان في طريقنا بالسيارة إلى الرميثة حينما قابلنا موكباً طويلاً للسيارات القادمة من الشارع المنحدر المخترق للصخور نتقدمه سيارة بداخلها الشيخ سلمان نجل الشيخ حمد، الشيخ محمد بن عيسى والشيخ عبد الله بن عيسى شقيقاه.
أصبت في تلك اللحظة بارتباك ممتزج بالقلق الشديد لأن الوثيقة السرية التي كتبها الشيخ لم تكن عندي، فقد أودعتها البنك… وهو المكان الأمين الحافظ لها.. وقلت لنفسي من المفروض أن أقوم بسحبها من البنك عندما علمت بسوء الحالة المرضية للشيخ، ولكن لأن ذلك اليوم صادف يوما لجمعة فإن البنوك لا تفتح والمدير لا يتواجد، كما أنني حاولت العثور عليه فلم أجده.
توقفت السيارات وخرج الشيوخ الثلاثة منها، وجاءوا الي لينفردوا بي في ركن بعيد من الشارع.
وأبلغوني انّه فور وفاة الشيخ حمد اجتمعت العائلة الحاكمة واختارت بالاجماع الشيخ سلمان خليفة له وأميراً جديداً للبحرين.
وقد سرني هذا الخبر لعدة أسباب أهمها أن الاختيار هو نفس رغبة الشيخ التي كتبها في وصيته.
أدرت سيارتي وانضممت إلى موكب السيارات العائدة حيث توجهنا نحو مقبرة الرفاع الواقعة في السهل المنخفض للمدينة.
وتمت مراسم الدفن التي شعرت خلالها بالحزن الشديد لأول مرة في حياتي حيث كنت معجباً جداً بهذا الرجل وقد فقدت صديقاً عزيزاً لازمته لأكثر من خمسة عشر عاماً متواصلة.
واحتشدت المئات من النساء المتشحات بالسواد فوق الجبل المحيط بالوادي وهن يجهشن بالبكاء والعويل بينما إنتحب الكثير من الرجال المشاركين بعبارات الاسف واللوعة لفقدان الامير.
ووقف الرجال للصلاة على الفقيد الراحل، أما أنا فقد أسرعت بسيارتي إلى البيت وبذلت جهداً كبيراً حتّى حصلت على الوثيقة التي لم تعد لها أهمية خاصة الآن.
ثم رجع إلى مقر الشيخ سلمان بالرفاع، وكان سعيداً لمعرفته برغبة والده التي اتفقت مع رغبات باقي أفراد عائلة آل خليفة.
ونظراً لوجود بعض الأشخاص في مجلسه، أخذني ال%D