يقتضى إغلاق ملف حركة 1938 استعراض مجموعة من النقاط أهمها كيفية دخول الشيخ سلمان بن حمد على خط الحركة بعد تطورها والأمر الثاني تحليل أسباب النهاية غير المربحة.
ارتباط حركة 1938 بالشيخ سلمان بن حمد
في خصوص الأمر الأول المتعلق بدخول الشيخ سلمان بن حمد
وحضوره بعض اجتماعات القيادة السياسية للحركة، فتوجد مجموعة كبيرة من الوثائق السياسية التي يصعب نشر بعضها هنا وهي وثائق تؤكد الدخول المتأخر له على خط الحركة. فقبل ظهور الحركة العلني كانت العائلة الحاكمة تعيش قلق ولاية العهد خصوصا بعد ظهور أعراض المرض على الشيخ حمد بن عيسى. وكانت الأسماء المطروحة مختلفة التوجهات،إلا أن أغلبها لم يكن يحظى بتأيد شعبي وبالأخص من قبل البحارنة. فالشيخ سلمان بن حمد لم يكن مؤيدا من قبل البحارنة وكانت لهم معه عدة خلافات تتعلق أساسا بالقضاء وانتشار الفساد في أجهزة المحكمة المشكلة حديثا سنة 1929. أما الشيخ عبدالله بن عيسى عم الحاكم فكانت علاقته بالبحارنة موضع شك وريبة نظرا لكثير من القضايا التي ارتكبها إبان عهد حكم والده الشيخ عيسى بن علي وقد ذكر الميجر ديلي في تقريره سنة 1923 عدد من القضايا الأخلاقية التي ارتكبها الشيخ عبدالله في حق بعض العوائل . بدورها كانت الإدارة البريطانية غير راضية على تولية أيا من الاثنين وتطمح إلى أن تكون ولاية العهد لصالح أحد أبناء الشيخ حمد الصغار .مهما يكن فإن نشؤ الاختلاف داخل العائلة الحاكمة وصعوبة حسمه آنذاك مرر ولاية العهد بصورة تشوبها رائحة الخداع وبحسب بلجريف فإن الشيخ حمد جمع بعض الأعيان من الشيعة والسنة وجعلهم يوقعون على وثيقة لا يعلمون ما تحتويه من قبولهم وموافقتهم على تولية الشيخ سلمان بن حمد ولاية العهد وإقصاء الشيخ عبدالله بن عيسى وأبناء الشيخ حمد الآخرين. وكانت هذه هي المرة الأولى التي تحسم العائلة الحاكمة مسألة ولاية العهد وتحولها إلى قانون رسمي ينص على التوريث للأبن الأكبر للحاكم.
وفق هذه المعطيات، يمكننا فهم الأسباب التي جعلت الشيخ سلمان بن حمد يحاول الدخول في تحالف مع قادة حركة 1938 فهو مضطر أن يكون قريبا من القاعدة الشعبية لضمان تسميته لولاية العهد في حالة حدوث انقلاب عائلي من قبل الشيخ عبدالله بن عيسى، ومن جهة ثانية فقد كانت علاقته مع بعض الأطراف السنية جيدة جدا لذا حاول استثمارها لمعرفة أهداف وتطلعات حركة 1938.
وفي الواقع فإن مسألة ولاية العهد كانت سببا قويا لجعل بعض أفراد العائلة الحاكمة لأن يقومون بخطوات تجلب له التأييد الشعبي وهذا جانب يؤكد على قوية الرأي الشعبي والجماهيري في إضفاء طابع الشرعية على الحاكم، وبحث كل الحكام إلى نيله ليس لوجود قناعة بناء الشرعية على قاعدة الرضا الشعبي، وهو ما كانت حركة 1938 وما تلاها من تحركات سياسية تطمح إلى تثبيته، بل لأن هناك خلافا وعدم حسم داخل العائلة الحاكمة، فقد وجدت مثل هذه الخلافات سنة 1869 وفي سنة 1923 وفي سنة 1938 وسنرى أنا تتكرر في سنة 1954 وبصور مختلفة لكنها تحت المبدأ نفسه في عام 1999. تسلسل الأحداث واستمرار اللجوء إلى الاستقواء الشعبي يدلنا على أن الاستعانة بالرأي الشعبي عادة ما تحدث في ظل تصدع داخلي ويكون الاحتماء به وسيلة من ضمن وسائل عديدة لحسم المنافسة الداخلية التي سرعان ما تزول ويزول معها تقوية الرأي الشعبي أو الاحتماء به.
ومهما يكن فإن مطالب حركة 1938 كانت مطالب متقدمة وذات سقف عالي جدا وقد رأينا أن جميع أفراد العائلة الحاكمة كانوا ينظرون إلى مطلب المجلس التشريعي على أنه بداية زوال حكم العائلة الحاكمة وفي أفضل الحالات تمثل الاستجابة لهذا المطلب إضعافا لنفوذهم، وهذا الموقف الموحد لم يكن غائبا عن ذهن قادة الحركة، من هنا حاول بلجريف الضغط على قادة الحركة لوضع حد منخفض لمطالبهم السياسية، وبطريقة لا تخلو من الخداع واللعب على أوتار طائفية وفؤية استطاع إحداث ثغرة واسعة داخل صفوف قادة الحركة. فقام باعتقال القادة من أهل السنة وأبقى قادة الشيعة للإيحاء بأن الشيعة دخلوا في تفاوض سري وتنازلوا عن مطالب الحركة، كما قام وبالتعاون مع الحكومة المحلية بقمع أي تحرك سياسي كالمظاهرات الاحتجاجية والتعامل مع المحتجين بطريقة عنيفة وصل صداها إلى مجلس العموم البريطاني لمعرفة أسباب العنف السياسي المستخدم ضد المتظاهرين في البحرين.
التمعن في إستراتيجية بلجريف التي أسسها سنة 1938 ستعطينا فهما دقيقا لما سوف يتخذ من خطوات وطرق لمواجهة أي تحرك سياسي وهو ما سنأتي عليه لاحقا، وباختصار فقد استطاع بلجريف تفتيت المطالب السياسية وخفض سقفها إلى مطالب إدارية تحت حجة إمكانية التفاوض وإمكانية العمل من خلالها في الوقت الراهن والإرجاء للمطالب السياسية العليا خصوصا تشكيل المجلس التشريعي المنتخب والدستور العقدي.
أسباب نهاية حركة 1938
قبل أن تظهر حركة 1938 في البحرين ظهرت حركات مشابهة لها في المطالب والأسلوب والأدوات في كل من الكويت ودبي واستطاعت الحركة في الكويت أن تحقق انجازا مؤقتا تمثل في إنشاء المجلس التشريعي ووضع أول دستور عقدي بين عائلة آل صباح والتجار الكويتيين، ورغم حالة الانقلاب التي لحقت بهذا الانجاز إلا أن أثر الحركة ظل مرتكزا أساسيا في المشهد السياسي الكويتي لحد الآن وهو قيام العلاقة بين الشعب والعائلة الحاكمة على أسس الشراكة. أما في البحرين ودبي فقد انتهت الحركة من دون أن تنجز أهم مطلب لديها وهو تشكيل المجلس التشريعي المنتخب، رغم النتائج الإيجابية التي واكبت الحركة في البحرين.
التجارب السياسية تعلمنا بأن تنازل السلطة السياسية عن امتيازاتها وعن احتكارها لعملية توزيع الثروة ومصادر القوة، لا يتم ببساطة وأن مثل هذا التنازل لا يكون إلى عبر سلسلة طويلة من المقاومة والاستمرار في المطالبة. فقد ظل مطلب المجلس التشريعي مطلبا وطنيا قرابة السبعين سنة، وظلت السلطة ترفض الاستجابة لحق المواطنين في تشكيل حكومتهم لأكثر من تلك المدة. وفي الوقت الذي كان المواطنون قد حددوا خيارهم الاستراتيجي بشكل واضح ودقيق عبر انتهاج الأسلوب السلمي في المطالبة بالحقوق السياسية، مقابل ذلك كانت السلطة تتأرجح في طرق استجابتها وتحديد أولوياتها فتارة يكون العنف والإكراه وتارة اللعب بحبال الطائفية وثالثة من خلال الزبائن والوسطاء وفي مرات محدودة تكون لغة القانون والحوار وسيلة أخيرة لسد الطرق أمام المطالبات الحقوقية والسياسية.
ما من شك أن عنف السلطة كان له الدور الحاسم في إنهاء حركة 1938 والأثر المهم في حالة البحرين هو وقوف المعتمد السياسي والمستشار البريطاني والشيخ الحاكم في خندق واحد وهو خندق الرفض المطلق وسعوا جمعيا لمقاومة الضغط المحلي ممثلا في مطالب الحركة ومقاومة ضغط المقيم السياسي الذي كان يؤيد إدخال بعض الإصلاحات الديمقراطية مثلما جرى ذلك في الكويت. لقد استطاع فريق الرفض المكون من المستشار والمقيم والحاكم في أن ينهي حركة 1938 ويؤجل مطالبها وأن يعيد ترتيب أوراقه الداخلية بما يضمن لهم مزيدا من القوة والنفوذ.
استراتيجيات الرفض والحصار
تدلنا تفاصيل حركة 1938 على أن الكثير من هذه الاستراتيجيات التي اتبعتها السلطة لمحاصرة مطلب المجلس التشريعي والدستور العقدي ويمكننا هنا استخلاص أربع استراتيجيات تلجأ إليه السلطة لمواجهة أي مطلب المجلس التشريعي ومطلب الدستور العقدي وهي:
إستراتجية العنف |
إستراتيجية الطائفية |
إستراتيجية التشطير |
إستراتيجية القانون واللعبة الديمقراطية |