item74748هو ابن العالم العامل الزاهد العابد المرحوم الشيخ صالح بن طعان بن ناصر بن علي الستري البحراني ( قدس الله تربته وعلّى في الجنان رتبته ) قال عنه العلامة البلادي صاحب ( انوار البدرين ) – وهو يمهد للدخول في ترجمة هذا العالم الكبير – قال :

" ولنختم هذا الباب بترجمة خاتمة العلماء الأطياب وصفوة الفقهاء الأنجاب شيخنا العلامة الامجد التقي النقي الأرشد الأروع ، الأحوط الأضبط سلمان دهره وأبو ذر عصره العالم العامل الفاضل الكامل العبد الصالح الرباني الشيخ أحمد " .

نعم ويواصل قائلاً :
" كان ( رحمه الله تعالى ) خلاصة علمائها الاخيار وبقية فقهائها الأبرار ، جامعاً لأنواع الكمالات ومحاسن الصفات والحالات ، في مكان مكين من الورع والتقوى والتمسك بالعروة الوثقى والسبب الأقوى ، في غاية من التواضع والإنصاف ، في نهاية حسن الأخلاق والعفاف والكرم الذي لم يزل بيته العالي مناخاً للوافدين والأضياف محبوباً عند العوام والخواص من ذوي الوفاق والخلاف ، لم أر في العلماء ممن رأياهم على كثرتهم في الجامعية للكمالات مثله ( أعلى الله في دار الكرامة محله ) " .
وما دام صاحب ( انوار البدرين ) قد تكفّل ترجمة هذا العالم بشيء من التفصيل فإني أكتفي بالنقل مع تصرّف هندسي طفيف في الألفاظ كما فعلنا في غير هذا من بعض التراجم تمشياً مع الأدب المعاصر ومن الله قصد السبيل .
قال صاحب ( أنوار البدرين ) :
" وكان ( رحمه الله تعالى ) من أهل ( سترة ) جزيرة من البحرين ، ثم انتقل مع والده إلى قرية ( المنامة ) وهناك درس عند السيد التقي النقي السيد علي ابن السيد إسحاق أكثر العلوم الحوزوية من ( النحو والصرف ومعاني البيان والتجويد والمنطق ) وغير ذلك حتى أذعن له بالفضيلة ، فبقي مدة سنتين بل أكثر لا يحضر عند أحد للدرس حيث لم يكن من هو أعلم منه في البحرين حينئذ ، اشتغل هذه المدة بالمطالعة والتأليف وأجوبة بعض المسائل التي كانت ترد عليه من قبل الطلبة والمؤمنين من أبناء الشعب وفي جانب آخر كان يدّرس كتاب ( شرح الباب الحادي عشر ) حول العقائد استمر في ذلك إلى أن منّ الله عليه بالتشرف لزيارة العتبات الطاهرة وتفضّل عليه بالوصول إلى التجف الأشرف ، فحضر دروس جماعة من فحول علمائها وأساطين فقهائها كشيخنا المحقق الشيخ مرتضى الأنصاري والفقيه التقي الشيخ راضي النجفي والفقيه الزاهد الأمين الشيخ محمد حسين والزاهد العابد التقي النقي سلمان الزمان الشيخ ملا علي ابن الميرزا خليل الطهراني النجفي ( رحمهم الله جميعاً ) .
ولما توفي الشيخ مرتضى الأنصاري كان الشيخ أحمد حاضراً عنده فرثاه بقصيدتين فريدتين يأتي الكلام عنهما .
ثم توجه إلى البحرين بعد وفاة والده والوالد المرحومين – وهو الذي كان السبب في إقامته بالنجف – عاد إلى البحرين ملآناً من العلوم والمعارف الإسلامية يهتف به في محافل أولي الكمال ويشار إليه بالبنان فأقام بالبحرين مدة ثلاث سنوات ، التفّ حوله العلماء والمؤمنون فقدم بهم إلى الأمام بتدريسهم الفكر الإسلامي وتأليف الكتب الدينية والعلمية وبسلوكه الذي كان مواظباً فيه على أنواع الطاعات والعبادات . بعدها سافر لزيارة الائمة الهداة والمقامات العاليات ثم رجع منها إلى القطيف وشرف أهلها به غاية التشريف وهناك أنعش الحوزة العلمية بتدريسه وتأليفه وكان على طاعة ذي الجلال ملازماً لمحاسن الخصال مرجعاً للناس وحالاً لمشاكلهم . ومنها سافر لزيارة مرقد ثامن الحجج الإمام الرضا (ع) ثم رجع إلى القطيف ثانية وصار يتردد منها إلى البحرين لإرشاد أهلها وإنقاذهم من هلكة الجهل ، إجابة لرسائل كثيرة وردته من أهل البحرين يلتمسون منه العودة .
وهكذا كان بين القطيف والبحرين يؤدي مهمته التبليغية إلى أن هتف به الداعي فأجاب أمر الملك العلّام وعرج بروحه المقدسة إلى دار السلام وجوار أوليائه الكرام في ليلة الأربعاء عيد الفطر ( أو ثانيه ) على الإختلاف في رؤية الهلال من السنة 1315هـ .
قبره الشريف عند قبر العالم الكبير ميثم البحراني في الحجرة المتصلة بالمسجد بقرية ( هلتا ) من ( الماحوز ) في البحرين . بوصية من الشيخ نفسه ، إذ كان قد رأى الشيخ ميثم في المنام قبل وفاته بأيام وكأنه ( عليه الرحمة ) يعاتبه على تركه الزيارة له والحال أنّه من قريب كان قد زاره ، ففسّر المنام بأنه قد طلب جواره وهكذا صار .
وشهد تشييعه على عظمته ، حيث لم يحصل لأحد من العلماء والملوك ما حصل له .
وقيل إنه اتفقت كرامات عند دفنه وبعد الدفن عند القبر في بعض الليالي والأيام .
ولفقده عطلت الأسواق سبعة أيام وأقيمت له من المآتم في ( البحرين ) و ( القطيف ) و ( لنجة ) و ( النجف الأشرف ) وغيرها من سائر بلاد الإسلام ما يزيد على ( مائة وخمسين ) مأتماً ومجالس فاتحة ألقيت فيها قصائد عديدة ورثاه الشعراء والخطباء " .
يقول صاحب ( أنوار البدرين ) عن هذا التشييع والإكرام :
" لم نرى مثل ذلك اتفق لأحد من مشاهير العلماء الأعلام والسلاطين والحكام ( قدس الله نفسه وطهّر رمسه ) " .
أقول وقد حدث مثله أو أكثر منه في عصرنا الحاضر عندما خرجت جماهير البحرين المؤمنة يوم 28/7/1985م لتشييع جثمان الشهيد الطاهر فضيلة العلامة السيد أحمد الغريفي ( رحمه الله تعالى ) وهذا دأب المؤمنين في كل مكان حيث العواطف الدينية تشدّهم نحو إحياء الشعائر الإسلامية وخاصة ما يكون فيها غضب الأعداء والحكومات الجائرة .
وعن مؤلفات الشيخ أحمد آل طعّان نختصر ما فصّله العلامة البلادي في ( أنوار البدرين ) :
منها كتاب ( زاد المجتهدين في شرح بلغة المحدّثين ) حول علم الرجال وأحوال الرواة والبلغة من تأليفات العالم الرباني الشيخ سليمان الماحوزي ومنها رسالة ( قرة العين في حكم الجهر بالبسملة والتسبيح في الاخيرتين ) مفصلة وله رسالة أخرى في نفس الموضوع مختصرة ورسالة ثالثة يناقش بها رأي معاصره الشيخ علي الستري أيضاً في موضوع حكم الجهر بالبسملة في الصلاة والتسبيح في الركعتين الاخيرتين من صلاة الظهر والعصر والعشاء والأخيرة من المغرب . ومن مؤلفاته كتاب ( شرح اللمعة ) حول الفقه والأحكام الإسلامية وله كتاب ( سلّم الوصول إلى علم الأصول ) والعلم بقواعد استنباط الحكم الفقهي من أدلته الثابتة وكتاب ( إزالة السجف عن موانع الصرف ) في علم النحو وكتاب ( إقامة البرهان على حلية الأربيان ) بحث حول حرمة وحلية ( الربيان ) المتداول أكله اليوم وله رسالة في حكم صلاة الذي يخرج من بلدة إقامته سمّاها ( منهاج السلامة ) كتبها رداً على بعض علماء الشيعة في البصرة حيث كانوا يردّون فتواه وفي ذلك قصة عجيبة لم يذكرها صاحب ( أنوار البدرين ) ولعله ذكرها في كتابه الذي أفرده عن حياة هذا العالم الجليل وقد سماه ( الحق الواضح في أحوال العبد الصالح ) ولا أدري هل مطبوع هذا الكتاب ام لا ؟ ومهما يكن من شيء فإن تأليف رسالة فقهية إستدلالية لإثبات صحة رأيه الفقهي هو بحدّ ذاته دليل قوته العلمية وثقته بنفسه واعتماده الحوار الحرّ مع من يخالفه الرأي .
ومن تأليفاته أيضاً كتاب عن ( الحبوة ) وهي عبارة عن ما يختص بالولد الأكبر من تركة الأب الميت الخاصة وقد جعل الشيخ أحمد آل طعان الكتب العلمية أيضاً من الأموال الخاصة الداخلة في ( الحبوة ) كما هو قول بعض العلماء السابقين وله رسالة في ( حكم الجمع بين الشريفتين ) أي الزوجتين من ذرية النبي (ص) وقد رجّح فيها قول ( صاحب الحدائق ) ( الشيخ يوسف البحراني ) بتحريم الجمع . وله بحث فلسفي علمي حول ( العقل وأقسامه ) . وله رسالة عن صوم يوم عاشوراء حيث رجّح القول بكراهة الصوم فيه . وله كتاب ( ملاذ العباد في أحكام التقليد والإجتهاد ) مبسوط جيد بذكر الأدلة والأقوال رجّح فيه جواز تقليد المجتهد الميت لوجود الدليل على ذلك ولكنه قال بمنع مثل هذا التقليد احتياطاً لدليل قاعدة الإشتغال التي تتفق عليها الأكثرية المطلقة من علماء الشيعة .
ومن مؤلفات هذا الشيخ الفقيه كتاب ( الدرر الفكرية في أجوبة المسائل البشرية ) مجلد واحد يجيب فيه الشيخ على أربعة أسئلة في علم أصول الفقه للسيد شبر البحراني . وله بحث في شرح فقرة من دعاء الكميل وهي فقرة :
" فهبني يا إلهي وسيدي ومولاي وربي صبرت على عذابك فكيف أصبر على فراقك وهبني يا إلهي صبرت على حرّ نارك فكيف أصبر عن النظر إلى كرامتك أم كيف أسكن في النار ورجائي عفوك " .
كتبه استجابة لطلب الشيخ حسن ابن الشيخ علي بن عصفور البحراني إلا أن الشيخ العصفور كتب بعض الإيرادات والإعتراضات على شرح الشيخ أحمد فكتب الشيخ بحثاً آخر يجيب على تلك الإعتراضات بروح موضوعية ونقاش هادف . وله أيضاً اجوبة مسائل كثيرة أرسلها إليه السيد باقر ابن استاذه السيد علي بن إسحاق البحراني على دفعات متعددة . وله أجوبة مسائل للفاضل العالم الشيخ محمد ابن الشيخ عبدالله ابن الشيخ أحمد البحراني كذلك متعددة . وله أجوبة مسائل للفاضل العالم الشيخ ضيف الله بن سيف وغير ذلك مما يبلغ مجلدين وهو يشير إلى مدى الحيوية العلمية آنذاك بين علماء البحرين وغير خافية على أهل العلم أن السؤال مفتاح المعرفة وأن البحث الموضوعي الهادف يختلف عن الجدال المحرّم في الإسلام ومن خلال الأخلاق تتبلور الأفكار والآفاق .
هذا ومن تأليفات الشيخ أحمد آل طعان ( عليه رحمة ربنا السبحان ) أيضاً كتاب اسمه ( الصحيفة الصادقية ) ويسمى أيضاً ( التحفة المحمدية للحضرة الجعفرية ) مجلد كبير جداً ، رتّبه كترتيب الكتب الفقهية المعروفة بدءاً من باب الطهارة ومهّده بأدعيتها وتوابعها ثم دخل في باب الصلاة ثم الصيام يستند في بحوثه إلى روايات الإمام جعفر بن حمد الصادق (ع) وما رواه على آبائه المعصومين (ع) بأتمّ تتبع وأحسن ترتيب فجزاه الله خير الجزاء . وله حواش على كتاب ( الميرزا الكبير ) في علم الرجال وكتاب رجال النجاشي أيضاً . وله كتاب ( قبسة العجلان في وفاة غريب خراسان ) ولتأليف هذا الكتاب قصة طريفة وخلاصتها أنه كان مع أصحابه عائداً من حج بيت الله الحرام وزيارة النبي وآله الكرام (ع) فحصل له عطال في مدينة جدة ، فقبل يوم واحد من استشهاد الإمام الرضا (ع) طلب منه المؤمنون أن يكتب عن ظروف شهادة الإمام ليقرأوه في المجلس هناك انتهازاً للوقت ، فخلال ساعات من اليوم صنّف هذا الكتاب العجيب ذاكراً فيه الروايات المتضمنة لمناقب الإمام وأحواله واستشهاده ومزجها بمت يناسبها من الأشعار الجيدة ارتجالاً ومن دون الإعتماد على مصادر حيث لم تكن معه في السفر ، فلما أكمل الكتاب وقرأ يوم شهادة الإمام الرضا (ع) عاد إليه بعد عودته إلى البلاد ليكتب الروايات بألفاظها إتقاناً للنقل عن أهل بيت النبي (ص) .
وكاد أن يلحق هذا الكتاب من حيث ظروف تأليفه بكرامات هذا الشيخ العظيم . وفي هذه العصور يقرأ الخطباء الحسينيون ذلك في كل من ( القطيف ) و ( البحرين ) و ( البصرة ) و ( لنجة ) ويعتبر من أحسن الكتب المؤلفة حول الإمام الرضا (ع) فجزاه الله خير جزاء وثواب .
وأما عن أشعار ومنظومات هذا العالم البحراني الكبير فله منظومة كبيرة في الأحكام الفقهية تبلغ ألفين وخمسمائة بيت وله منظومة عجيبة جيدة في علم الأصول ، نظم فيها كتاب ( الزبدة ) للشيخ البهائي وله منظومة ( الشكوك والسهو ) في مائة وخمسة وعشرين بيتاً وله منظومة في توحيد الله ولكنها غير تامة وله ديوان شعر في مدح ومراثي النبي محمد والأئمة من أهل بيته ( عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام ) جمعه بعض المؤمنين وطبعه بعد وفاته سمّاه بـ ( الديوان الأحمدي ) ولكنه لم يستوف جميع أشعاره الرائقة لعدم إحاطته بكلها ونحن إن شاء الله تعالى نذكر في ترجمته هنا أكثر ما أهمله إلا ما شذّ منها وضاع حفظاً لها عن الضياع وقصداً للإنتفاع .
فمنه قوله ( قدس سره ) في مدح أمير المؤمنين علي ابن ابي طالب (ع) :
قالوا : امدحنّ أمير النحل قلت لهم : *** مدحي له موجب نقصاً لمعناه
لأن مدحي له فرع بمعرفتي *** بذاته وهي سرّ صانه الله
فان أصفه بأوصاف الأناس أكن *** مقصّراً إذ جميع الخلق أشباه
وان أزد فوق هذا الوصف خفت بأن *** أتيه مثل غلاة فيه قد تاهوا
فدع مديحي ومدح الناس كلهم *** والزم مديحاً له الرّحمان أولاه
فكل من رام مدحاً فيه منحصرٌ *** لسانه عن يسير من مزاياه
ومنه قوله في الحثّ على الإنفاق :
يا فاعل الخير والإحسان مجتهداً *** أنفق ولا تخش من ذي العرش إقتارا
فالله يجزيك أضعافاً مضاعفة *** والرزق يأتيك أمثالاً وأبكارا
ومنه قوله ( أعلى الله مقامه ) في رثاء العلامة المحقق الشيخ مرتضى الأنصاري ( ره ) " من ذرية جابر بن عبدالله الأنصاري الصحابي ( رض ) صاحب المصنفات العجيبة " كالمكاسب " و " الرسائل " وغيرهما وقد كان من مشايخه وأساتذته كما تقدم وكان حاضراً في وفاته ضاعف الله حسناته وصفاته سنة 1281هـ فرثاه بهاتين القصيدتين البديعتين الفريدتين وقد أعجب بهما فحول الشعراء ومصاقع البلغاء وحدثني ( قدس سره ) أنّ السيد السند حجة الإسلام السيد أسد الله الأصفهاني ( ره ) كان مغرماً بهما غاية ونهاية وكان ( رحمه الله تعالى ) يستدعي الشيخ علي الحمامكي قارئ النجف الأشرف وهو الذي تولّى أنشادهما في الفاتحة لإنشادهما عليه ولا سيما النونية مراراً عديدة مقدار شهرين أو ثلاثة وهما هاتان أولهما الضادية وهي هذه :
لله سهمٌ سدّد يدُ القضا *** فأصاب كل الخلق حتى من مضى
بل قد طوى منشور دين المصطفى *** لمّا طوى نشر الإمام المرتضى
الكوكبُ الدُرّي الذي أنواره *** عمّت جميع الكون لمّا أومضا
أوما رأيت النجم ينبي أنه *** قد شاء مركزه الرفيع فقوّضا
عقدت عليه المكرمات نطاقها *** فالآن حقّ لعقدِها أن ينقضا
سندٌ عمادٌ قامت الدنيا به *** فاليوم حق لها انقلاب وانقضا
طودٌ عظيمٌ لا يقوم ببعض ما *** قد خاز يذبُلُ بل يضيقُ به الفضا
لولا محبّة نفسه لصعودها *** للخلد لم يقدِر على ان ينهضا
فاعجب لمِن كان المحكّم في القضا *** والحكم لم لا ردّ أحكام القضا
أتراه قد كرِهَ الدّنيّة فارتضى التّــــــــــــــــخليدَ في دارِ المعزّة والرضا؟
او انّ طبع العالم السفلي لم *** يك قابِلا لكمالِه فتنهضا
او انّ خالقه أحبّ لقاءه *** فأجابه وإلى رضاهُ تعّرضا ؟
فليبكه الذكرُ الحكيم لأنه *** قد أحكم الأحكام منه وفرّضا ؟
وليبكه كلُ الأنام لأنهم *** فقدوا أباً في برّهم متمحضا
واليك عزّ المصطفى والمرتضى *** بالمرتضى للمصطفى والمرتضى
يا شمسُ فانكسفي ويا بدرُ انخسف *** فتمام نوركما تصرّم وانقضى
وعليك يا دنيا العفا فتعطّلي *** فتمام زينتك النفسية قد قضى
يا كافل الأيتام أيتمت الهدى *** والدين والدنيا وأعوادَ القضا
أحييتنا واليوم أنت أمتّنا *** هل كنت رباً أم ولياً مرتضى ؟
لله نعشُك حيث يهوي دونه *** نعشُ السما والعرش عانقه رضا
تالله انّ المرتضى قد شبّ في *** قلب الورى لمّا مضى نار الغضا
أنىّ يبوحُ ضِرامها إلاّ اذا *** قد قام ( قائمنا ) الحسام المنتضى
فانهض إمام العصر قد عظُم البلا *** وعظيم بعدِك قلبُبنا قد أمرضا
وتلافنا قبل التلاف وثر على *** أهل الخلاف بمثل ما منهم مضى
ذبحوا الحسين على ظماً رفعوا الكريم *** على قناً والصدر منه رُضّضا
ذبحوا الرضيع وللحرائر قد سَبُوا *** سبُّوكم فعلوا الذي لا يُرضى
قادوا الإمام ابا الأئمة صاغِراً *** وجنين فاطِم أُمِّكُم قد أُجهِضا
يا سيدي ضاقَ الخناقُ متى أرى *** لجيادِ خيِلك في دماهم مَركضا ؟
صلى الإلهُ عليكم ما ذكركم *** قد طبّق الأكوان أو ارضاً أضا
وشقى ضريحَ المرتضى صوب الرضا *** ما نور مَفخَرِهِ على الدنيا أضا
هذا تمام الأولى ، والثانية هي قوله :
الله أكبر حلّ عقد الدين *** رمي الهدى فهوى على العرنينِ
والعلم اصبحَ لابِساً ثوب الأسى *** يحكي الحيا بالمدمع المهتونِ
والحقُ حقَّ عليه إظهار الأسى *** بسقوطِ عقد جمانه المكنون
ونضوب ماءِ حياتهِ شمس التُّقى *** عَلَم الهدُدى مُبديه بعد كمونٍ
ظِلُّ الإله على الأنام ومَن به *** يُبقي الأنام يتيمةَ التكوينِ
محيي دروس العلم بعد دروسها *** وكذا الأنام بعلمِه الميمونِ
سبّاقُ حلبات الفضائل كلها *** حلاّل كل عويصة بفنونِ
المرتضى للمصطفى والمرتضى *** فليبكياه بمدمع ٍ مسخونِ
لا غرو إن بكياه فهو اليهما *** خلف وبالتّخليف خير قمينِ
حَمّال اعباء الخلافة قائمٌ *** بالعدل في المفرض والمسنونِ
وليبكِه شرقُ البلاد وغرُبها *** وليستجدّا هيئةَ المحزونِ
فلقد نعى جبريلُ في أُفُقِ السما *** قد خرّ نجمُ الأولياء والدينِ
اليوم تأتي الأرضُ ننقُصها وقد *** باء الأنام بصفقة المغبون ِ
الله أكبر ما أتاح يد القضا *** من فادح قدح الهدى بشجون ِ
لولا بقيّة آل بيت محمد *** ( القائم ) الموعود بالتمكين ِ
ساخت بنا الأرض البسيطة بعده *** إذ كان حصناً من أشدّ حصون ِ
يا من قضى الإسلام لمّا أن قضى *** لا كان يومك في قضايا كوني
ترك الأنام تموج تطلب مورداً *** إذ غاب عنها مثله ذو النون ِ
قد حزّ ناصية العلوم مع العُلا *** يل حزَّ من ذا الدين كلَّ وتين ِ
يا بدر تمّ قد أضاءَ إلى الورى *** فاغتاله صرفُ الردى منون ِ
يا بحر علم فاضَ رشح عيابه *** فسقى القلوب عن الصدَّى بمعين ِ
إن يُمس ِ شخصك في اللّحود مغيباً *** فالعلم فينا منك غير دفين ِ
ناداك ربُّك فاستجبت نداءه *** فغدوت تبسم في حجورِ العينِ
فقسمت بينهما فروحك في السما *** والجسمُ للأرضين للتحصينِ
فاذهب جميلَ الذكر منشور اللوا *** واليك في الجنّاتِ خير قرينِ
وعليك تترى رحمةُ الباري متى *** مارنحت ريحُ الصبا بغصونِ
هذا آخرها ( قلت ) غير خفي على أهل الكمال والأدب ما فيهما من البراعة والبلاغة والطلاوة والحلاوة مع صدق المعنى ، لأن الشعر اكذبه أعذبه وانظر إلى البيتين الذين اولهما ( ولقد تسابقت السماء وارضها ) تجدهما احلى وأعذب ويستحق ان يكتبا بماء الذهب ، بل ربما كتبهما بذلك بعض أهل الكمال والأدب .
وقال ( قدس سره ) لما دفن الشيخ الأنصاري في باب القبلة من الصحن الشريف العلوي في الحجرة التي فيها العالمان العاملان ذوا الفضل والشرف الشيخ حسين نجف والعالم العامل الافخر الشيخ محسن خنفر تغمدهم الله وايانا برحمته وجمعنا واياهم والمؤمنين في دار كرامته مع محمد (ص) وعترته بحقه وآله وعترته وذريته صلى الله عليه وآله وعترته :
في بابِ قبلتنا مقامُ المرتضى *** من كان باباً للإمام المرتضى
فكفاهُ فخراً بحياتهِ *** ومماتِه بابٌ له حاز الرّضا
وقد كتب هذان البيتان في الكاشي في باب القبلة المذكور مما يلي الحجرة المذكورة وله ( قدس سره ) القصيدة العجيبة الفريدة التي جارى بها الملك أبا فراس بن حمدان ملك الجزيرة الموصل في ذم بني العباس وهي القصيدة المشهورة التي مطلعها :
الدّين مخترمُ والحقُ مهتضمُ *** وفي آلِ رسول الله مقتسمُ
وقد اقترحها عليه الأديب الحاكم الأريب الأسعد الشيخ أحمد ابن الشيخ مهدي ابن نصر الله آل أبي السعود القطيفي لما كان في البحرين وهو أيضاً شاعر زمانه وقد جاراه فيها فعمل شيخنا هذه القصيدة الفريدة التي مطلعها :
الحق نور عليه للهدى علمُ *** من أمه مستنيراً قادة العلمُ
وهي طويلة تقرب من مائة وخمسين بيتاً في غاية البلاغة والمعاني الجيدة منها قوله ( قدس سره ونور قبره ) :
يا حبّذا عترةٌ بدِىء الوجودُ بهم *** وهكذا بهم يُنهى ويختمُ
من مثلهم ؟ ورسول الله فاتحهم *** وسبطه العقد والمهديُ ختمهمُ !
فمن تولى سواهم إنّهم ندموا *** إذ في الممات على ما قدَّموا
ومنها قوله ( قده ) :
وهل أميةُ لا أمّت بمغفرة *** ولا نحت سوحها من رحمة ديمُ
تنوش عدب ذيول للهدى سُدِلت *** من الإله لها الأملاك تحترمُ
ومنها قوله ( تغمده الله برحمته ) في التخلّص إلى ذمّ بني العباس :
ولا كمثل بني العباس لا رقبوا *** إلاٍّ ولا ذمّة بل رحمهم جذموا
جنوا بمثل الذي تجني أميّة بل *** على طنابيرهم زادت لهم نغمُ
وهي طويلة جيدة جليلة ذكر بعض أبياتها في أول وفاة الإمام الرضا ( عليه السلام ) . ومن شعره قوله ( رحمة الله عليه وعلى آبائه وابنائه الطيبين ) في جواب بعض النواصب الذي قال :
تعالوا إلينا معشرِ الرَّفض إن تكن *** لكم همّةُ الإنصاف دينوا بديننا
مدحنا عليّاً فوق ما تمدحونه *** وسبّيتم أصحاب أحمد دوننا
فأجابه الشيخ أحمد بقوله :
تعالوا إلينا معشرَ النصبِ نبتهل *** وهذا كتابُ الله يحكم بيننا
مدحنا عليّاً بالذي الله خصّه *** ونلعن من باللَّعن قد خصّ رُّبنا
كمن فرّ عن زحفٍ وآذى نبيّنا *** بهجر ومن آوى طريدَ نبيِّنا
وشاهدُنا القرآن في آي لا تجد *** فهذا كتابُ اللهُ يخبرُ معلنا
ومنها قوله ( رحمه الله تعالى ) في تاريخ بناء مسجده الذي بجنب بيته في قرية ( القديح ) :
على التُّقى أسس هذا البنا *** وصار للناس به مأنسُ
عمّر بالذكر وفي طاعة *** تطيبُ من رؤيته الأنفسُ
نادى به تاريخُ إكمالهِ *** " يا مسجداً بالذكر قد أسّسوا "
وله ( أعلى الله مقامه ) لغز نحوي فقهي :
يا فضلاء الأدبِ *** من عجمٍ أو عربِ
ما قولكم في أجنبي *** مورث من أجنبي
حال وجود أقرب *** ذي نسب لم يحجبِ
جوابه له ( قدس الله روحه ونور ضريحه ) :
يا سائلاً لم يجبِ *** عن لُغزِ مستغرب
ذاك مريضٌ طلّقا *** زوجته على تُقى
أو ضرراً ومطلقا *** على خلاف حُقِّقا
فمات في هذا المرض *** لا مرض به عرض
بعد تمام العدّه *** ولم تُزوِّج بعده
وهي تمام الحولِ *** فاقنع بهذا القولِ
وله أيضاً ( أعلى الله مقامه وقدس نفسه وطيب رمسه ) لغز فقهي آخر :
أيا علماءَ العصر هل من مخبرِ *** عن أمرأةٍ حلّت لصاحبها عقداً
فان طُلقت قبل الدخول ففرضُها *** ثلاثةُ أقراءٍ تعِدُّ لها عدّا
وان طُلِّقت بعد الدخول ففرضُها *** بقُرء من الأقراء تأتي به فردا
وله أيضاً ( قدس سره ونور قبره ) لغز نحوي :
يا من ببحر النحو يجني الدُّرر *** ما مبتدا ليس له من خبر
وليس وصفاً لفظ نفي يلي *** ولا بالإستفهام شاع الخبر
أجابه صاحب ( أنوار البدرين ) :
يا أبحر العلم ومأوى الدُّرر *** وجامع المعقول ثُمّ الأثر
ذا مبتدا صدر بالنّفي في *** المعنى فألجأه لِحذف الخبر
إذا كان فيه فاعلٌ قد غنى *** عنه كما جاء ببعض الصُّور
تقول غيرُ ضاربٍ عبيدهم *** عبدكم وغير مرضيّ عمر
وله ( قدس سره ) غير ذلك مما تلف في حياته .
وقد رثاه شعراء زمانه وعلماء عصره الذين في بلاده وأهل أوانه بمراثٍ كثيرة نذكر ان شاء الله تعالى قليلاً من ذلك الكثير يستدل به على قدره الجليل الخطير . فقد قال أمير المؤمنين (ع) في عهده الكبير لمالك بن الحارث الأشتر النخعي : ( إنما ستدل على الصالحين بما يجري الله لهم على ألسنة عباده المؤمنين ) .
رثاه الشيخ عبدالحميد الإحسائي قائلاً في بعض أبياته :
اليوم شمس العلم قد تكوّرت *** وبدره المنير قد تحجّبا
كم ظهرت للدّين منه نصره *** رمى بها على الأعادي شُهُبا
وهذا يفسر مدى تأثير نشاطات الشيخ أحمد الستري ومواقفه الجهادية في نصرة الدين وتعرية الباطل وادحاض المعتدين .
قال الفاضل الحجة الشيخ حسن علي ابن الشيخ عبدالله بن بدر القطيفي في رثائه ( رحمه الله ) :
طرقتكِ يا أمّ العلومِ *** فقماء تذهبُ بالحلومِ
وأرتك في الظهر الكواكب *** فاقعدي جزعاً وقومي
وأتتك تنسف راسياتِ العلم *** بالريح العقيمِ
ونلُف ألوية الشريعة *** رأي عينك كالرقيمِ
خلعت على وجه الزّمان *** براقع الجهل الفحيمِ
فتغيّبت شمسُ الهداية *** في دُجا الليلٍ البهيم
بمصيبه أحللتها *** بفناء اندية العلوم
هتف النعي بمن وطا *** بنعاله هام النجوم
فرمى المكارم من قسيّ *** النعي مُبهمة الوجوم
سحبت أراقم نعيه *** قصداً لأفئدة الشهومِ
فغدوا ولا أيوب إلا *** وهو يعقوب الغمومِ
تذري الحشاشة أدمعاً *** حمراً أحر من الحميمِ
نسفت رواسي عزه *** بزعازع الخطبِ الجسيمِ
خطب له ذهب الأسى *** بحلوم أرباب الحلومِ
يا مزهراً بحنادس الأسحار *** بالذكر الحكيمِ
متململا يبدي الخشوع *** تململ الرجل السليمِ
أفديك كم سدلت يدُ *** الأشكال جنح دجا بهيمِ
فطويته ببيان شمس *** بيانك الشافي العظيم
وقطعت بالبرهان حجة *** كل أفاك أثيمِ
حتى إذا شاء الإله *** لقاك في دار النعيمِ
عرجت بك الروح الكريمة *** نحو بارئها الكريمِ
واقام جسمك في البسيطة *** ان تميد من الرجومِ
أفديك أحمد من جرت *** بثناه ألسنة الخصومِ
وأحقّ من لهجت له *** الأشراف بالذكر الحكيمِ
لم يبر ذاتك ربها *** إلاّ لإحياء العلوم
فأتيت تصدع بالبيان *** كما أمرت بلا بجومِ
***
آه ولمّا ان عزمت *** على الرحيل إلى النعيمِ
وأردت إهداء الأنام *** إلى الصراط المستقيمِ
أوصيت باب علومك الهادي *** إلى النهج القويمِ
مصباح ليل المشكلات *** إذا ادلهمّ على عليمِ
سمي علياً مذ علا *** شرفاً على هام النجومِ
ولئن جللت فجل في *** الإسلام فقدك من عظيمِ
فلقد تجلت شمس علمك *** في ابنك البر الكريمِ
ولئن رمى ركن الشريعة *** رزءُ فقدك بالهجومِ
فبها محمّد صالح *** لبناء هاتيك الثلومِ
فلثلجّنَّ فؤادها *** منه بأنفاس النسيم
ولتمسحن بكفّه *** سيّال مدمعها السجومِ
أعليّ أرباب العلا *** ومحمداً في كل خيمِ
سعدت بطول بقاكما *** الدنيا وأندية العلومِ
وممن رثاه أيضاً الحجة الزكي المؤتمن الشيخ علي ابن الحاج حسن الجشي قال :
رمى غايل البين نفس الهدى *** فهدّ قواها واركانها
رمى أحمداً فأصاب الورى *** جميعاً وأوحش ازمانها
فيا ناغياً أحمداً هل ترى *** لظى الخطب يا عم امكانها
أيخفي غروب شموس الهدى *** على ناظرٍ حلّ أكوانها
فدع نعيه فنفوسُ الورى *** تكاد تفارق جثمانها
فلله خطبٌ دهى العالمين *** فأصبح ذو اللّبّ حيرانها
فويحك يا دهر من ذا رميت *** أصبت من الخلق إنسانها
فذي المكرمات تصوب الحشا *** دموعاً لمن شاد بنيانها
وتلك المعالي عراها الأسى *** لمن عقدت فيه تيجانها
وتلك المفاخر قد ألحدت *** بقبر تضمّن عنوانها
ليهنك يا قبر من ذا حويت *** حويت العلم وعرفانها
حويت الهدى والتُقى والندى *** بمن فات في السبق أقرانها
حويت خليفة آل الرسول *** فطلت بعلياه كيوانها
فتلك المساجد قد اوحشت *** لفقد الذي في الدجى زانها
وتلك الشريعة تبكي على *** فقيد يبيّن برهانها
تكفل ايضاحها ميتاً *** تكفله حيٌّ تبيانها
فأودعها الكتب حفظاً لها *** واوصى الذي حاز عرفانها
علياً يقوم بأمر الإله *** يبيّن للخلق عنوانها
وخلف فينا حميد الخصال *** ومن بالتُقى فاق اقرانها
محمّدُ صالحُ نجم الفخار *** وعين المعالي وانسانها
هو الفرع من أحمدِ الصالحين *** فلا غرو ان طال كيوانها
هو الغُصن من دوحة المكرمات *** فيا سلّم الله أغصانها
وخلّد فينا الوصي الأمين *** ومن للعُلى شاد اركانها
أعترة أحمد من فيهم *** الخلائق تألف سلوانها
لكم أحسن الله فيه العزا *** وجاور في الخلد رحمانها
نعم … ذلك أحمد بن صالح آل طعان الستري … هو العالم العامل ، الشاعر الأديب المحبّ لآل محمد (ص) وكفاه فخراً ان يكون كذلك .
أبرز صفاته وعطائه :
التفقه والتأليف والهجرة والأخلاق والجهاد والشعر .
منقول: ملتقى شهداء البحرين