Bahrain66العصفورين وقصة 150 عاماً غامضة في تاريخ البحرين والظروف الطبيعية بالبحرين مستقرة للقبائل الراحلة من البوادي

البيئة البحرية بجزر أوال ولدت طبقة من السكان لها ثقلها في الحياة الاقتصادية

توطئة في السمات العامة لبلاد البحرين

استقرار بني عامر في البحرين

علاقة بني عامر بقرامطة البحرين ونشاطهم في هذه الفترة

علاقة بني عامر بالعيونيين

قيام إمارة العصفوريين العامرية

علاقة إمارة العصفوريين بالسلغريين (اتابكة فارس)

علاقة إمارة العصفوريين بمماليك مصر ومغول العراق وإيران

علاقة العصفوريين بالطيبيين حكام فارس وجزيرة قيس

علاقة العصفوريين بمملكة هرموز

نهاية الإمارة العصفورية

البيئة البحرية بجزر أوال ولدت طبقة من السكان لها ثقلها في الحياة الاقتصادية

إن ما يثير دهشة وحيرة المتتبع لتاريخ شبة الجزيرة العربية ذلك الغموض الذي يكتنف حقبة من تاريخ المنطقة الممتدة من كاظمة شمالاً لتنتهي جنوباً بعمان الشمالي ويدخل ضمن ذلك سلسلة من الجزر الواطئة والواقعة في الخليج العربي والمجاورة للساحل والمحاطة ببحر ضحل مملوء بالحواجز الرملية وقد استقرت في قاعة أشهر مغاصات اللؤلؤ الطبيعي في العالم من حيث الجودة والإنتاج ، وأكبرها حجماً وأوسعها شهرة جزيرة أوال (البحرين) .

أما النهايات الغربية لهذه الرقعة الجغرافية ، المعنية بالبحث فتتصل باليمامة ، اتفق البلدانيون العرب الأوائل على إطلاق اسم بلاد البحرين على هذه الرقعة ، وهي بهذا الاتساع والامتداد تشمل في الوقت الحاضر دول شرق الجزيرة العربية كافة ، ابتداء بالكويت وانتهاء بعمان الشمالي ، فتاريخ بلاد البحرين هو في الواقع يشكل جزءا رئيسياً وهاماً من تاريخ دول شرق الجزيرة العربية كافة .

إن هذا الاتساع والامتداد لبلاد البحرين وعدم وجود موانع طبيعية تفصلها عما يحيط بها ويجاورها ويصعب اجتيازها ، قد أدى إلي ارتباط تاريخها ارتباطاً عضوياً ووثيقاً بتلك المناطق عبر العصور المختلفة. وهذه الحقيقة تستلزم من الباحث المدقق الذي يحاول التصدي لإماطة اللثام عن الغموض الذي يكتنف تاريخ شرق الجزيرة العربية خصوصاً وتاريخ الخليج العربي عموماً بأن لا يكتفي بمصادر وأحداث المنطقة وحدها بل عليه أن يجول بناظريه نحو المناطق المجاورة ليستوعب أحداثها وينقب في مصادرها الخاصة والعامة .

والواقع فإن منطقة الخليج العربي ليس اصطلاحاً جغرافياً يدل على رقعة محدودة من سطح الأرض فحسب وإنما يشير كذلك إلي لون معين من الحياة ، فهي تغري الباحث في التاريخ الحضاري بدراستها كمنطقة متحدة داخلياً إذ أنه بالرغم من المؤثرات الخارجية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تعرضت لها عبر العصور فإنها كانت بوتقة انصهرت فيها هذه المؤثرات المتنوعة وبقيت تمتلك وحدتها الداخلية في البناء والتنظيم، فموجات الهجرات البشرية المتبادلة بين سواحلها من جهة، وكذلك فيما بينها وبين السواحل المحيطة بالبحار العربية والتي كانت تجري تحت ضغط الظروف الطبيعية والحاجات البشرية المتبادلة هي من عوامل وحدتها وبالرغم من وجود المغريات لدراسة الخليج العربي كوحدة فان هناك اعتبارات اجتماعية وتاريخية وسياسية تدعو الباحث لإبراز خصوصيات الدول الذي لعبه كل جزء من أجزائها عبر مختلف العصور وبشكل متميز .

إن بحثنا هذا ما هو في الواقع إلا الحلقة الأولى من سلسة دراسات تتناول تاريخ الخليج العربي في العصر الوسيط والحديث ، وسوف يكرس لإبراز الصورة المميزة لتاريخ بلاد البحرين للفترة الممتدة منذ مطلع القرن الحادي عشر حتى مطلع القرن السادس عشر ، وهي من أشد فترات المنطقة غموضاً الأمر الذي حمل الباحث النجدي سليمان الدخيل على القول بأنه يشكل على المؤرخين الوقوف على حوادثها ووقائعها في أوقاتها. ومع بروز الأهمية الإقليمية والدولية لمنطقة الخليج العربي في عصرنا الحاضر وظهور الكيانات السياسية المستقلة فيها، ازداد الاهتمام بتاريخ المنطقة وأخذت تظهر دراسات عديدة وبلغات مختلفة إلا أن الباحثين قد أحجموا حتى الآن عن ارتياد هذه الفترة أو أنهم مروا بها مروراً عابراً لسبب رئيسي هو قلة مصادرها إن لم تكن ندرتها ولإدراكهم أيضا مدى الجهد المضني الذي يحتاجونه لجمع شتات المادة المتناثرة هنا وهناك والتقاط الإشارات من المصادر النادرة وبلغات متعددة .ولقد عبر الأستاذ أبو حاكمه عن أسفه لعزوف الباحثين عن محاولة الكشف عن تاريخ الخليج العربي خلال العصور السابقة لعصرنا هذا ووصف دراستهم التي ظهرت حتى الآن بأنها دراسات عصرية لا تتجاوز ((عصر النفط)) إلا قليلاً . إن هذه الفجوة في معلوماتنا عن تاريخ الخليج العربي تشكل نقطة ضعف كثيراً ما استغلت للتشكيك بالهوية القومية والتاريخية للسواحل العربية ولترديد ادعاءات سياسية وقومية فيها، كما رسمت صورة تاريخية للمنطقة بنيت أساساً على تجاهل دور العرب في صنع أحداثها لكي ينسجم ذلك ومثل هذه الادعاءات وعلى الرغم من أن مثل هذه الادعاءات قد خفت إلي حد كبير فان أثارها الثقافية لا تزال باقية ، الأمر الذي يستلزم التصدي لموضوعية لرسم صورة أقرب إلي وقائع التاريخ للتجاوز الصورة المنحازة التي رسمت لتاريخها .

توطئة في السمات العامة لبلاد البحرين

قبل التطرق لتاريخ بلاد البحرين خلال الفترة المنوه عنها سابقاً، يستحسن أن نشير ولو إشارة موجزة جداً إلي المظاهر العامة لبيئتها الطبيعية والتي أثرت أعمق الأثر في حياتها وطبعت تاريخها السياسي و الاجتماعي والاقتصادي بطابعها، وأول هذه المظاهر سعة رقعتها الزراعية بالمقارنة مع كثير من مناطق جزيرة العرب، حيث تتوفر فيها المياه الغزيرة والعيون التي تجري مياهها على سطح الأرض .

إضافة إلي قرب مياهها الباطنية من سطح الأرض، وهذا العامل ساعد على امتداد الرقعة الزراعية فيها والتي كانت في العصور الماضية أكثر اتساعا مما هي عليه اليوم، ويستدل على ذلك أولا من كثرة أسماء القرى والمستوطنات المأهولة بالسكان والتي أورد ذكرها البلدانيون العرب .إلا أن كثيراً منها قد اختفى من خارطة الإقليم في الوقت الحاضر، وثانياً أن الأبحاث الحديثة قد أيدت أيضاً اتساع الرقعة الزراعية في الماضي . لقد وفرت هذه الظروف الطبيعية المستلزمات الضرورية لقيام حياة مستقرة تعتمد على الفعاليات الزراعية وسد الطلب على المنتجات الزراعية لكل من سكان البوادي وأسواق الخليج العربي ، بل وتصدير ما يفيض عن ذلك وخصوصاً التمور إلي السواحل المطلة على البحار العربية والمحيط الهندي .

إن هذه البيئة الزراعية قد فرضت وجود نشاط اقتصادي ذي أوجه متعددة وقيام علاقات إنتاجية وتركيب اجتماعي في المنطقة يختلف في كثير من خصائصه عما حوله من بوادي . ففي مثل هذه البيئة يفترض سعي سكانها لإقامة سلطة تعمل على توفير الأمن والنظام وحمايتهم من خطر سكان البوادي المتربصين دائماً بالمنطقة، وكذلك الإشراف على توزيع المياه وحماية مصادرها من الاندثار وتنظيم العلاقة بين المستثمرين والمنتجين وأوجه النشاطات الاقتصادية الأخرى، وكل ما ينشأ عنها من علاقات اجتماعية وقانونية، الأمر الذي يستلزم وجود أجهزة متخصصة وقوه رادعه. إن السلطة التي تقوم في مناطق الاستقرار من بلاد البحرين سوف يكون من أهدافها الإستراتيجية الثابتة التطلع لتحقيق صلة وثيقة بالبيئتين المجاورتين. وأن تسعى لإقامة هذه الصلة إما بطريق الإخضاع المباشر أو بإقامة التحالفات القائمة على أساس المنافع المشتركة .

وكثيراً ما ينشأ عن ذلك حرب مع سكان هاتين البيئتين. إن نجاحهما في ذلك سوف يحقق ربط طرق التجارة البحرية بطريق التجارة البرية ، الأمر الذي ينتج عنها نفع اقتصادي كبير لمناطق الأرياف ويحقق الاستقرار السياسي والاقتصادي فيها والنقطة الأخيرة والجديرة بالإشارة هنا هي أن سكان المناطق الزراعية نظراً لارتباطهم بالأرض وبالملكيات الثابتة هم أطوع للحكام وأسهل خضوعاً للسلطة بل واستغلالاً من قبلها ومن قبل طبقة الملاكين ، وهذا على عكس الحال في البيئتين المجاورتين البحرية والصحراوية .

أما المظهر الثاني لبلاد البحرين فهو البيئة البحرية، إذ أن طول سواحلها الممتدة على الخليج العربي وكثرة تعاريجها أدى لأن يلعب سكانها دوراً مؤثراً في كافة أوجه النشاط التي تحدث في المنطقة كما أنها اصطبحت من المناطق التي تستقبل التأثيرات من خارج حدودها عن طريق سواحلها وجزرها. ونظراً لكون المناخ والبيئة الصحراوية هي السائدة في بلاد البحرين فان الأمر قد أدى لأن تصبح بيئة طاردة لسكانها نحو البيئة البحرية المجاورة والتي هي أكثر غني وضماناً فيما تغله من ثروة سميكة في مياهها ومن لؤلؤ في أعماقها ومن فرص للربح في النشاط التجاري مع الخارج، ومما هو جدير بالذكر هنا أن النشاط الاقتصادي لسكان السواحل والجزر في حرفتي صيد الأسماك واستخراج اللؤلؤ يتزامن مع النشاط الاقتصادي لسكان الأرياف في بلاد البحرين في جني محصول التمر. على أن هناك وجه شبه بين حياة سكان البيئة البحرية والبيئة الصحراوية فإذا كان البدو ينتقلون مع قطعانهم من مكان إلي أخر طلباً للماء والكلأ فان عرب السواحل والجزر ينقلون هم أيضا من مكان إلي أخر عندما تضطرهم الظروف إلي ذلك ووسيلتهم هي سفنهم التي يحملون فيها أهم ممتلكاتهم . فالسفينة لديهم كوسيلة للحياة في عالم البحار تحتل نفس الأهمية التي تحتلها الإبل لدى البدو . فإن كانت الطبيعة قد سخت على عرب البادية بهذا الحيوان العجيب الذي أطلق عليه جوازا بسفينة الصحراء، فإن المعارف البحرية المتميزة لعرب السواحل قد هدتهم لصنع السفن الشراعية وتطويرها بما يتناسب وحاجاتهم في النشاط البحري فطبعوها بطباعهم وحققت لهم بذلك امتدادا جغرافياً وبشرياً وحضارياً يفوق كثيراً رقعتهم الجغرافية، فكانت استجابتهم لتحدي الطبيعة البحرية استجابة مناسبة جداً تنم عن عبقرية فذة بالمقاييس الحضارية لعصرهم فأكسبتهم بذلك تفوقاً متميزاً في النشاط البحري ولقرون طويلة جداً .

إن البيئة البحرية لبلاد البحرين قد ولدت طبقة من السكان لها ثقلها في الحياة الاقتصادية والسياسية ، لا يجوز للباحث في تاريخ المنطقة إغفالها كما أنها أفرزت زعامات تعتمد في مراكزها على قوتها الاقتصادية الناتجة عن سيطرتهم على قطاعات واسعة وهامة من النشاط الاقتصادي وهؤلاء هم تجار اللؤلؤ وأصحاب السفن ويسندهم عدد كبير من الأتباع الذين يدينون لهم بالولاء نتيجة لتبعيتهم الاقتصادية لهذه الزعامات وهؤلاء صيادو الأسماك واللؤلؤ والعاملون في السفن التجارية .

إن هذه القوة المنتجة اقتصادياً تشكل في الواقع قوة عسكرية احتياطية كثيرا مازجها هؤلاء الزعماء في صراعاتهم السياسية. فكثير من الأحداث التاريخية التي مرت بها منطقة الخليج عبر عصورها المختلفة لا يمكن فهمها فهما سليما من دون الانتباه إلي الدور الذي لعبته هذه القوى في صنع الأحداث في المنطقة.

أما المظهر الثالث والأخير للبيئة الطبيعية لبلاد البحرين والتي لها التأثير الأعمق فهي البيئة الصحراوية السائدة في الإقليم والتي فرضت نمطاً من الحياة الاجتماعية، هي الحياة القبلية والتي طبعت التاريخ السياسي والاجتماعي والاقتصادي للمنطقة بطباعها حتى العصر الحديث، مما حدا بأحد المتخصصين بمنطقة الخليج العربي إلي القول بأن من الخطأ أن نعزو الخلافات حول الحدود في شرق الجزيرة العربية إلي سبب رئيسي هو اكتشاف النفط بل يجب الانتباه إلي عامل أخر لا يقل عنه خطورة يسبق اكتشاف النفط إلا وهو الطبيعة القبلية للمجتمع العربي في المنطقة وما يتمسك به من مفاهيم حول حدود السيادة الإقليمية والمستمدة من تراثه القبلي .

إن الظاهرة الرئيسية للبيئة الصحراوية هي فقرها وعجزها عن سد احتياجات سكانها خصوصاً عندما تتزايد أعدادهم ويحدق نقص خطير في مراعي القبائل لذل فهي بيئة طاردة نحو المناطق الأكثر غنى من بلاد البحرين وهي البيئة البحرية والزراعية الأمر الذي يعرض هاتين المنطقتين دائماً لضغط سكان البادية وتوغلهم فيها ويزداد توغلهم كلما أحسوا بضعف السلطة السياسية في هاتين المنطقتين، ويميل قسم منهم إلى الاستقرار ولقد أوضحت دراسة بارث عن البداوة أن الذين يميلون إلي الاستقرار من بين البدو هم الأكثر غنى وكذلك فقرا .

على أن الأفراد الذين لهم ثقلهم بين القبائل بالرغم من استقرارهم وامتلاكهم الأراضي فإنهم يبقون على صلة بقبيلتهم ويحافظون على نفوذهم فيها، وهم بذلك يشكلون همزة وصل ما بين البدو والسكان المستقرين وما بين القبيلة مناطق الاستقرار، وربما يكون استقرار بعض زعماء القبائل بتشجيع من السلطة القائمة في المدن. واستقرار هؤلاء هو في الواقع أضعاف لهذه السلطة لأنهم سوف يكونون جاهزين للعمل كوسطاء مع قبائلهم .

والنقطة الأخيرة التي يجب ذكرها هنا في العلاقة ما بين سكان البادية والسكان المستقرين هو أن عرب البادية في بلاد البحرين يسيطرون دائماً على طرق القوافل التجارية البرية والتي تبدأ عادة أو تنتهي بالموانئ الواقعة على ساحل الخليج العربي. لذا فهم كثيراً ما يحاولون السيطرة على هذه الموانئ التجارية ليمدوا منها سيطرتهم أيضا على الطرق البحرية فتقوم حالة من التعايش ما بين طرق القوافل البرية والطرق البحرية وما بين البدو الذي يسيطرون على الطرق البرية وسكان السواحل والجزر في الخليج العربي الذي يديرون الطرق البحرية .

من هذا ندرك أن القوى القبلية كانت تلعب أدوارا خطيرة كلما سمحت لها الظروف العامة بذلك.

والواقع فان التفاعل مابين البداوة والاستقرار ومابين القبيلة والدولة يمثل احد المظاهر الأساسية لتاريخ شرق الجزيرة العربية خصوصا وتاريخ الوطن العربي عموما. أن هذه السمات البارزة للبيئة في بلاد البحرين وما أفرزته من نتائج قد أوردناها توطئة تساعدنا على تفهم أكثر الوقائع التي سوف نتعرض إليها في الصفحات اللاحقة.

استقرار بني عامر في البحرين

يلاحظ الدارس لتاريخ الخلافة العباسية في فترة ضعفها أن القوى القبلية قد أخذت تلعب أدوارا سياسية رئيسية ضمن مناطق مختلفة من العراق والجزيرتين العربية والفراتية بحيث لا يملك للباحث تجاهلها .

وقد نجحت بعض هذه القوى القبلية في تكوين كيانات سياسية خاصة بها كالحمدانيين وبني عقيل وبني أسد والمنتفق وخفاجة، إلا أنه بظهور الوصاية السلجوقية على الخلافة العباسية أخذت هذه الكيانات تختفي من الخارطة السياسية الواحدة بعد الأخرى .

ومع نهاية القرن السادس للهجرة /الثاني عشر للميلاد ومطلع القرن السابع /الثالث عشر كانت خارطة القوى القبلية المؤثرة في الحياة السياسية قد تغيرت عما كانت عليه في السابق .

ويورد لنا القلقشندى (ت 828/1418) خارطة للتوزيع القبلي في حدود النصف الأول من القرن السابع الهجري / الثالث عشر للميلاد معتمداً فيما يورده من معلومات عن هذه القبائل في هذه الفترة وما بعدها على مؤلفين متأخرين لمعلوماتهم أهمية خاصة .

ومن ابرز هؤلاء ابن سعيد المغربي (685/1286) والحمداني المعروف بابن زماخ المتوفي في مطلع ق 8/14 ، وابن فضل الله العمري (ت 749/1348) وأخيرا ابن خلدون (ت 808/1405) والذي يهمنا من هذه المعلومات هو ما يتعلق منها ببلاد البحرين .

أن روايات هؤلاء جميعاً تكاد أن تتفق تمام الاتفاق على إن القبيلة التي كانت تمتلك زمام السلطة السياسية خلال القرنين السابع والثامن / الثالث عشر والرابع عشر في كل من البحرين واليمامة هي قبيلة بني عامر بن عقيل .

فمن هم بنو عامر وما هو دورهم في الأحداث قبل هذا التاريخ وبعده؟ للإجابة على هذا السؤال سوف نعود القهقري بضعة قرون إلي الوراء لنستعرض جوانب من تاريخ بلاد الوراء بما له من علاقة ببني عامر .

تجمع المصادر على أن بني عامر ينتسبون إلي بني عقيل بن كعب بن ربيعه بن عامر بن صعصعة من العدنانيين، وان بطون بني عقيل المشهورة هم بنو عبادة وبنو المنتفق وبنو خفاجة وبنو عامر .

وكان العراق وبلاد البحرين أحد المواطن الرئيسية التي استقرت بها هذه البطون، بعد أن غادرت موطنها في نجد ، وقد لعبت هذه البطون أدوارا مهمة في هذه الإقليمين وكثيرا ما أطلق اسم بني عقيل على بطن أو أكثر من هذه البطون ، الأمر الذي يثير بعض الأشكال للباحثين في التمييز بين الفرع والأصل وهذا ما يحدث كثيرا عندما يشار لبني عامر في البحرين ببني عقيل . ويبدو أن ذلك راجع إلي تجاورها في المسكن واختلاطها بعضها ببعض .

إن من الأجدى عند دراسة القبائل أن نميز ما بين الاتحادات القبلية وبين زعامة هذا الاتحاد إذ إن بعض العشائر والبطون والأفخاذ كثيراً ما ترتبط بهذا الاتحاد أو تنفصل عنه تحت ضغط الظروف السياسية والطبيعية والاجتماعية .

وفي الحقيقة فان اسم بطون بني عقيل قد ارتبط ببلاد البحرين منذ أن انتقلوا إليها من مواطنهم في أواخر القرن الثالث/التاسع على رأي رنز ، حيث عاشوا جنباً إلي جنب مع قبائل كثيرة مثل بكر بن أوائل وتميم وعبد القيس وبني سليم ، وكان ابرز هذه القبائل القبيلتين الأخيرتين .

أن ترتيب الأحداث يشير إلي أن بطون بني عقيل عندما غادرت مواطنها الأصلية في نجد استقرت في البحرين حيث كانت هذه البلاد تحكم من قبل القرامطة، أو أنهم انتقلوا إليها مع ظهور حركة القرامطة بعد أن تحالفوا معهم، فإبن الأثير يذكر في حوادث سنة 286/899 أن أبا سعيد الجنابي مؤسس دولة قرامطة البحرين قد لقى مؤازرة وتأييد هذه القبائل كذلك منها عقيل عامر، والي هذه المؤازرة يعود نجاحه . إما ابن خلدون فيروي انه عندما قامت فتنة القرامطة بالبحرين صار كل بني سليم والكثير من بني عقيل حلفاء وجنود لأبي طاهر سليمان ابن أبي سعيد الجنابي الذي خلف أباه في حكم قرامطة البحرين في حدود عام 303/915 – كما انه قال في موضع أخر بأن القرامطة كانوا يستنجدون بعرب البحرين على أعدائهم ويستعينون بهم في حروبهم .

والواقع أن هجمات قرامطة البحرين المتكررة على عمان وبلاد الشام وأرياف العراق خلال القسم الأكبر من القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي يمكن اعتبارها من بعض الوجوه هجرات قبلية رافقها تسلل واستقرار بعض بطون بني عقيل في هذه المنطقة .

فالروايات المتواترة تشير إلي ظهور نشاط بني عقيل في حدود هذا التاريخ. فبنو خفاجة كانوا قد استقروا في خلال هذا القرن على إطراف الفرات الأوسط حيث تصاعد نشاطهم إلي درجة كبيرة في القرون اللاحقة . يضاف إلي ذلك ظهور نشاط المنتفق بجوار البصرة بقيادة زعيمهم الأصفر اعتبارا من عام 378 ، إما بنو عباده وبنو مالك من بطون عقيل في الموصل والجزيرة في حدود عام 380/990 إلي هذا الفرعين بعد أن استطاعوا انتزاع هذه المناطق من أسرة بني حمدان من قبيلة بني تغلب إلا انه بعد القضاء على دولتهم في الموصل عام 489/1096 عادت هذه البطون أو على الأقل الغالبية العظمى منهم إلى جنوب العراق حيث استقروا ما بين البصرة وواسط والكوفة فعاشت عبادة متجاورة في المسكن مع بني المنتفق.

وبمتابعة النشاط القبلي الذي كان يرافق نشاط قرامطة البحرين نجد أن بني هلال بن عامر بن صعصعة وبني سليم قد استقر قسم منهما في بلاد الشام ضمن دائرة النفوذ القرمطي هناك . إلا انه بعد أن استطاع المعز لدين الله الفاطمي (341-365/953-75) انتزاع بلاد الشام من القرامطة ، قام بنقل أتباعهم من بني هلال وسليم وانزاهم ببلاد الصعيد .

أمام مصير القسم الأكبر من بني سليم في بلاد البحرين ، فانه بعد ضعف قرامطة البحرين وارتخاء قبضتهم على البلاد خلال القرن الخامس/الحادي عشر ، اتحدت عبد القيس مع بني عامر اد بطون عقيل ضد بني سليم وأخرجوهم من البحرين ومعهم قسم من بني المنتفق (الخلط) فغادروها إلي أفريقيا (تونس) .

إن ابن خلدون حينما يتابع نشاط بطون عقيل المختلفة، يمتاز عن القلقشندي بدقة نسبية في التميز بين هذه البطون فهو يذكر انه بعد نزوح سليم والمنتفق (الخلط) إلي أفريقيا بقيت في جهات بلاد البحرين سائر بني عقيل، إلي أن استطاع احد بطونهم وهم بنو عامر أخوة المنتفق أن يتغلبوا على بني أبي الحسين (العيونيون) وينتزعوا الملك منهم في بلاد البحرين وعمان .

بقي أن نضيف ملاحظة أخيرة إلي ماذكرة ابن خلدون من أن بني عامر يعيشون إلي الجنوب من البصرة إلي جوار أخوتهم المنتفق فانه قصد بذلك بأن مساكنهم تمتد من جنوب البصرة حتى البحرين ، وقد استندنا في ذلك إلي ما أورده سابقا من نصوص والي ما سوف نورده حول مواطن بني عامر . كما انه من الممكن أن نشير إلى عدم وجود تعارض بين ما ذكره ابن خلدون هنا من أن مواطن المنتفق في البصرة هي إلي جوار بني عامر وبين ما ذكره في موضع أخر من أن بني المنتفق قد انتقلوا أفريقيا (تونس) وعرفوا هناك بالخلط . إذ أن ابن خلدون قد قصد بذلك إلي أن قسما من المنتفق قد انتقل إلي أفريقيا أما القسم الأكبر فقد استقر بجهات البصرة وقد بقوا في هذه الأماكن دون تغيير كبير حتى العصور الحديثة .

والواقع أن بطون بني عقيل وعلى وجه التخصيص المنتفق وعامر واللذان امتدت ديارهما من البصرة حتى اليمامة وعمان كانوا متداخلين فيما بينهم وكان طبيعياً أن تقوم بينهم صلات التعاون والتناحر على حد سواء .

أن هذا التقارب في الأصل والموطن هو الذي حمل البعض على أن يطلق اسم احد البطون على الأخرى أو أن يستعمل اسما جامعا لكافة هذه الفروع في هاذ الامتداد الجغرافي والقبلي المتصل وهذا ما عبر عنه ابن فضل الله العمري في القرن الثامن الرابع عشر حينما قال بان عرب عقيل وبطونها من عامر والمنتفق وغيرهما يعبر عنهما بعرب البحرين .

علاقة بني عامر بقرامطة البحرين ونشاطهم في هذه الفترة

إن استعراضنا لنشاط بني عامر في هذه الفترة سوف يكون من أهدافه الأولى تأكيد وجود الصلة الوثيقة التي كانت تربطهم ببلاد البحرين ثم إضعاف أن لم يكن نفى الفكرة القائلة بأن ظهورهم فيها ونشاطهم كان مرتبطاً اشد الارتباط بسقوط دولة بني عقيل في الموصل والجزيرة عام 489/1096 إذ أن الأحداث التي سوف نوردها ولعب فيها بنود عام دوراً رئيسيا قد وقعت قبل تاريخ سقوط دولة بني عقيل. على أننا لا نستطيع أن نقطع بعدم وجود صلة بين تصاعد قوتهم وعودة بطون بني عقيل من جهات الموصل إلي جهات البصرة .

لقد سبقت الإشارة إلي ما رواه كل من ابن الأثير وابن خلدون عن قيام تحالف بين قرامطة البحرين وبعض القبائل، والتي كان من بينها بنو عقيل ، وغني عن القول بأن هذا التحالف لا يقتضي بالضرورة وجود اتفاق تام في الأهداف والمبادئ بين الطرفين إذ ليس هناك ما يشير إلي أن هذه قد تقبلت معتقدات القرامطة، كما انه ليس هناك من دليل على أن الزعامة القرمطية كانت تقيم تحالفاتها على أسس عقائدية دائما، بل أنه من المؤكد أن مثل هذه التحالفات قد قامت نظرا لوجود نقاط التقاء سياسية واقتصادية وعسكرية بين الطرفين . إن إقليمي البحرين واليمامة هما من الأقاليم التي تكررت فيها الحركات الخارجة على السلطة المركزية في بغداد قبل ظهور القرامطة، وأن البعض من هذه الحركات كان ذا أهداف وبمادىء سياسية ودينية معينة ، وقد ساهمت بعض قبائل هذه الأقاليم في هذه الحركات خصوصاً قبائل عبد القيس . وبالرغم من فشل هذه الحركات إلا أنها بالتأكيد قد تركت أثارا في نفس وعقول السكان وان اقل ما يمكن أن يقال في ظاهرة التمردات المتعددة في هذه المناطق هو وجود الكراهية للسلطة المركزية وزادها كرها الحملات العسكرية التي جردت ضدها وما يرافقها عادة من تنكيل وبطش ، الأمر الذي جعل السكان على استعداد لتأييد كل خروج على هذه السلطة كلما أتيحت لهم الفرصة لذلك. وفي تقديرنا أن العامل الرئيسي الذي يدفع القبائل للتعاون مع الخارجين على السلطة المركزية هو حالة الفقر المدقع التي يعيشها أفرادها نظرا لفقر بيئتهم وعجزها عن سد متطلباتهم وما ينشأ عن هذه البيئة من قيم بدوية ومفاهيم سياسية يتساءل أمامها أي وازع حتى الوازع الديني لذا فهم ينظرون إلي سكان المناطق الحضرية نظرة فيها الكثير من الازدراء والحق ، لما يتمتع به هؤلاء من رفاء نسبي في العيش مقارنة بحياتهم البائسة. كما أنهم ينظرون إلي المناطق الحضرية على أنها المجال الحيوي لنشاطهم ولسد احتياجاتهم المادية، بصورة سليمة أو حربية، فعيشهم في أطراف سيوفهم كلما اضطروا إلي ذلك.

ومن هنا كان التقاء هذه القبائل التي تغلب عليها البداوة في عيشها أو في قيمها مع الزعامة القرمطية التي قد تتيح لهم فرصة للكسب. أما القرامطة فقد كانوا يرون بالتأكيد في هذه القبائل القوة العسكرية الأساسية التي يمكن بواسطتها تحقيق أهدافهم أو بعضها دون أن تكلفهم أعباء مالية باهظة فهاجموا بواسطتها مناطق واسعة من الهلال الخصيب ومصر والجزيرة العربية وتحقيق للطرفين فوائد مادية وسياسية واضحة، على أنه يجب أن نستدرك فنقول انه لا يمكن أن نتوقع أن تسير العلاقة بين هذين الطرفين بشكل متوافق ولمدة طويلة .

إذ لا بد أن تثور المنازعات فيما بينهم لسبب أو لآخر وقد ألمح ابن خلدون إلي ذلك حيث قال : كان القرامطة يستعينون بعرب البحرين في حروبهم وربما يحاربونهم ويقاطعونهم في بعض الأوقات وكلما ظهرت بوادر ضعف السلطة تزايدت هذه التمردات ، وإذ كنا قد اشرنا فيما سبق إلي اضطرار بعض القبائل المتحالفة مع القرامطة لعدم توفر الدليل الواضح الذي يؤثر ذلك إلا إننا نملك بعض الأمثلة الواضحة على خروج بعض حلفاء القرامطة عليهم خصوصاً في فترة ضعفهم وارتخاء قبضتهم على البلاد حيث أصبحوا تحت رحمة حلفائهم .

إن ما يعنينا هنا من هؤلاء الحلفاء هم بنو عامر ومن يمت إليهم بصلة نسب قريب ونتابع هذا النشاط حتى نجاحهم في الاستيلاء على السلطة في بلاد البحرين .

يقول ابن الأثير انه في سنة 378/988-89 قام زعيم المنتفق المعروف بالأصفر (ويرد تارة باسم الاصيفر) – وهو لقب له فيما يبدو وليس باسمه الحقيقي – بحشد جموع كثيرة وحارب القرامطة وانتصر عليهم وأوقع بهم خسائر كبيرة ثم حاصرهم بالاحساء حيث تحصنوا ، فلما امتنعت عليه زحف إلي القطيف فاكتسحها واخذ ما فيها من عبيد وأموال تعود للقرامطة ثم انسحب إلي البصرة .

إن ابن الأثير لم يعطنا أيه تفاصيل عن الموضع الذي تحرك منه الأصفر، فلا نعلم أكانت البصرة هي المكان الذي تحرك منه واليه عاد أم أن ذهابه إلي حدود البصرة كان خشية من أن ينتقم منه؟ ومهما يكن من أمر فان زعيم المنتفق كان يقوم بنشاطه في مناطق يعتبرها القرامطة واقعة تحت نفوذهم . والدليل على ذلك انه عندما قام معز الدولة ومعه الخليفة المطيع بالله بالزحف على البصرة عام 336/947-48 لانتزاعها من أبي القاسم البريدي وسلكوا إليها طريق الصحراء احتج قرامطة البحرين على ذلك معتبرين هذا العمل خرقاً لحرمة أراضيهم التي لا يمكن سلوكها بدون أذنهم وقد دفعهم هذا الانتهاك لأراضيهم للانتقام بالتعاون مع ابن الوجيه صاحب عمان في الهجوم على البصرة عام 341/952-53 . فزعيم المنتفق الأصفر كان نشاطه مستمراً في هذه البادية ما بين البصرة والبحرين حتى وفاته ، يعترض طريق الحاج ويرغم البويهيين على أن يدفعوا له مبالغ معينة لقاء عدم تعرضه للحاج ، ومن الجدير بالذكر أن مثل هذه الأعمال كانت في السابق موكولة للقرامطة .

وان بروز نفوذ المنتفق في هذه الفترة وفي بادية البصرة دليل واضح على انكماش نفوذ القرامطة .

أما الرحالة الشهير ناصر خسروا فانه يذكر لنا انه خلال وجوده في الاحساء عام 443/1051 شاهد أميرا عربياً يحاصرها وانه قد مضى على حصاره لها سنة كاملة وقد قال له الأمير العربي انه يعتزم الاستيلاء على الاحساء لأن أهلها لا دين لهم . على أن الرحالة خسروا لم يذكر لنا اسم القبيلة المتمردة أو زعيم هذه القبيلة إلا أنها إشارة مهمة تدل أيضا على تداعي سلطة القرامطة وخروج بعض القبائل عليهم وأعقب هذه الأحداث بقليل قيام احد الأثرياء العرب في جزيرة البحرين الملقب بأبي البهلول واسمه العوام بن محمد بن يوسف الزجاج بالاستيلاء على جزيرة أوال (البحرين) عام 450/1068 ، ولقد سارع القرامطة بالاستعانة ببني عامر وبعض بطون عبد القيس ، إلا أن العوام انتصر عليهم في معركة بحرية وأعلن استقلاله في الجزيرة وولاءه للخليفة العباسي . ثم ثار على القرامطة بنو محارب أحد أقوى بطون عبد القيس بزعامة ابن عياش الذي انتزع القطيف منهم في العقد السادس من القرن الخامس / الحادي عشر ثم مد ابن عياش سيطرته على جزيرة أوال منتزعا إياها من العوام ومن المحتمل جدا أن بني عامر كانوا هم القوة الرئيسية إن لم تكن الوحيدة من بين حلفاء القرامطة التي بقيت إلي جانبهم حتى النهاية. أن دي غوية الذي كتب عن نهاية قرامطة البحرين معتمدا على الشروح والتعليقات الفنية لمخطوطة بومبي . ذلك بان بني عامر كانوا قد فرضوا على القرامطة أن يدفعوا لهم جزءا من حاصلات بلاد البحرين مقابل الحماية أو الخفارة ، والخفارة أو الحماية نظام كان معروف عند العرب قبل الإسلام بقرون عديدة وقد ظل موجودا حتى وقت قريب ، وهم يعتبرونه حقاً من حقوقهم وكان عدم الإقرار لهم بهذا الحق يعرض القوافل التجارية ومناطق الاستقرار لهجماتهم إن اعتراف القرامطة لبني عامر بهذا الحق هو موقف يبدو سليماً من جانبهم لأنه يخفف عنهم أعباء أمنية ومالية كبيرة ، ويؤمن سير القوافل التجارية مقابل نفقات قليلة تدفعها السلطة والتجار ، إلا أنه من الوجهة الثانية يعكس ضعف القرامطة وعجزهم عن القيام بهذا العبء أمام قوة بني عامر .

علاقة بني عامر بالعيونيين

لقد تلا الأحداث التي أشرنا إليها سابقاً والتي هي مؤشر على ضعف وتداعي قوة القرامطة قيام عبد الله بن على العيوني الذي ينتمي إلي عبد القيس بمحاولته الناجحة في إنهاء حكم القرامطة من بلاد البحرين مستعينا بسلطان السلاجقة أبي الفتح ملكشاه الذي أرسل له قوة كبيرة بقيادة أرتق بك ، فتم له انتزاع القطيف أولا من ابن عياش عام 467/1074 ثم تلا ذلك انتزاعه للاحساء من القرامطة في حدود عام 469/1076-1077 وأقام حكومة فيها تدين بالتبعية للخلافة العباسية في بغداد .

ومما هو جدير بالملاحظة أن بني عامر وقفوا إلي جانب القرامطة في محنتهم هذه فقاتلوا جنود العباسين كما قاتلوا جنود عبد الله بن على العيوني .

أن قيام سلطة العيونيين الجديدة في بلاد البحرين لم تمنع بني عامر من محاول فرض نفوذهم عليها ومطالبتهم بأن يدفعوا لهم مثلما كان يدفع لهم القرامطة ، لذا فقد شهروا سلاحهم ضد الأمير عبد الله بن على العيوني الذي كان قد قطع عنهم ما كان يدفعه لهم القرامطة من عوائد وجرايات إلا أن الأخير تصدي لهم بقوة وعنف وأوقع بهم هزيمة كبيرة وخسائر فادحة الأمر الذي اضطر قسماً منهم إلي اللجوء إلي قبيلة المنتفق بجواره البصرة .

على أن نشاط بني عامر لم يتضاءل أو يضعف بعد قيام حكم العيونيين واتجاه سلطة العيونيين نحو الانحدار التدريجي بل أننا نستطيع أن نقول إلا فترة قصيرة ثم أخذ يتزايد بشكل ملفت للنظر وبصورة طردية يتناسب أنهم كانوا أحد العوامل الرئيسية في أضعاف سلطة العيونيين وان ما سوف نورده من وقائع يؤيد ما ذهبنا إليه .

فابن الأثير يذكر في حوادث عام 483/1090 أن زعيم بني عامر قد قام على رأس عشرة الآف رجل بالزحف من الاحساء نحو البصرة ونهب المدينة نهباً شنيعاً وأحرق بعض مواضعها الأمر الذي حمل السلطة ببغداد على الإسراع في إرسال نجدات كبيرة لإنقاذ المدينة المنكوبة .

أن هذا الحادث يعكس لنا أن بني عامر قد اصبحوا سادة البادية ما بين البصرة وبلاد البحرين وهذا ما يؤيده أيضا وصف الشريف الإدريسي (ألف كتابه في حدود عام 548/1153) لبادية البحرين حيث قال .. ( ويتصل بالقطيف إلي ناحية البصرة بر متصل لا عمارة فيه ، أي ليس فيه حصن ولا مدينة وإنما به اخصاص القوم من العرب يسمون عامر ربيعه)

ومهما يكن من أمر فان أشعار ابن المقرب العيوني (ت في حدود عام 630/1232-23) طافحة بالإشارة إلي نشاط بني عامر والي الصدمات التي كانت تحدث فيما بينهم وبين الحكام العيونيين وكثيراً ما حاصروا واحات القطيف والاحساء تحت قيادة زعيمهم غفيلة (أو عقيلة) فقد كان بنو عامر يصرون على أن يدفع لهم العيونيون من الأموال مثلما كان القرامطة يدفعونه لهم .

إلي أن نجحوا في النهاية في أرغام العيونيين على الإقرار لهم بذلك . لذا فقد وصف ابن المقرب في إحدى قصائده بلاد البحرين بأنها أرض عامر لأنهم أهل البادية وأصحاب خفارتها .

أن خضوع الحكام العيونيين لمطالب بني عامر مؤشر واضح على عجزهم عن إخضاعهم بالقوة لذا فقد فضلوا اتباع سياسة الترضية معهم . وان ذلك يمكن أن يترجم على أن بني عامر قد أصبحوا يتحملون مسئولية حماية أرياف البحرين وقوافل التجار والحجاج مقابل مبالغ معينة يحصلونها من المزارعين والتجار والسلطة الحاكمة. الأمر الذي جعلهم على صلة مباشرة بهؤلاء جميعاً مما سوف يمكنهم في المستقبل من تطويرها إلي علاقات ذات طبيعة سياسية أيضا.

كما انه من الجهة الأخرى أصبح زعماء بني عامر في وضع مادي مكنهم من كسب ود زعماء القبائل الصغيرة عن طريق العطايا والهدايا لكي يعترف هؤلاء بزعامة بني عامر وعدم التعرض من جانبهم إلي طرق القوافل وكل ذلك كان يؤدي إلي تزايد الدور الذي يلعبه بنو عامر في حياة بلاد البحرين .

ولعل ما أورده كل من ابن الأثير وابن خلدون يعكس مدى تزايد قوة بني عامر في نهاية القرن السادس/الثاني عشر فقد ذكر بأنه في سنة 588/1192 قام بنو عامر بقيادة زعيمهم عميرة ( بن سنان بن عقيلة بن شبانه ) بمهاجمة البصرة ونهبها ، وعندما تقدمت قبيلتنا خفاجة والمنتفق لصدهم تمكنت عامر من هزيمتهم ، وقد تكرر هذا الهجوم عام 593/1196-97 . إن هذه الهجمات يمكن اعتبارها من بعض الوجوه مؤشرا على ضعف العيونيين الذين كان قد أوكل إليهم الخليفة الناصر لدين الله حماية أرياف البصرة وطريق الحاج .

لقد أشرنا فيما سبق عند الحديث عن سمات البيئة في بلاد البحرين إلي أن البدو يأخذون بالتغلغل التدريجي في مناطق الاستقرار في ظل ظروف معينة ، وكما أوضح كوبر فان أي شيء يضعف الحكومة في مناطق الاستقرار ينتج عنه تغلغل البداوة ومن بين الذين يستقرون منهم بعض أفراد الأسر التي تتزعم القبائل إلا أنهم يحافظون على صلتهم بقبائلهم ، وبحكم استقرارهم يكونون على صلة بالزعامات المؤثرة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في مناطق الاستقرار وبما يدور بينهم من منافسات وصراعات فينجرون إلي الاشتراك بها بطريقة أو أخرى مرتكزين في قوتهم على قبائلهم .

وتنطبق هذه الصورة بوضوح على بني عامر منذ النصف الثاني من القرن السادس خصوصا بعد أن أصبحوا يشكلون جزءا أساسيا من سكان البحرين ، وكانوا القوة التي ارتكز عليها الحكام العيونيون في المحافظة على مناطق الاستقرار وطرق القوافل من هجمات البدو .

ولقد ازداد ارتباط بني عامل بالأسرة العيونية الحاكمة بالبحرين وذلك عن طريق المصاهرة التي من الواضح أن دوافعها كانت سياسية ، فازداد اتصالهم بالحكام العيونيين واشتركوا في الصراعات التي كانت تدور فيما بينهم فكانوا يمنحون تأييدهم إلي هذا الحاكم أو ذلك بحسب مصالحهم . ومما هو جدير بالملاحظة هنا أن بني عامر أخذت تظهر بين أفخاذهم زعامات متعددة وينتسب كل فخذ إلي زعيمة فهناك الشبانات نسبة إلي زعيمهم شبانة والقديمات نسبة إلي زعيمهم غفيلة أو عقيلة وكل فخذ أو أكثر كان يمنح ولاءه لزعيم من زعماء العيونيين المتقاسمين حكم البلاد .

إلا أنه من الواضح أن قوة بني عامر الرئيسية كانت تتركز في يد أسرة عميرة بن سنان بن غفيلة . فمصادرنا تشير إلي أن زعيم بني عامر راشد بن عميرة أخذ يلعب دوراً هاماً في الحياة السياسية ، فقد اشترك مع أحد أفراد الأسرة العيونية الطامح في السلطة المدعو غرير بن الحسن في اغتيال الحاكم العيوني محمد بن أبي الحسين مقابل حصول راشد على جميع أموال الحاكم الموجودة في القطيف وأوال بالإضافة إلي حصوله على عدد من السفن والدنانير التي سوف تدفع له سنوياً .

وقد تم تنفيذ المؤامرة وتولى غرير بن الحسن السلطة إلا أن الفضل ابن القتيل سارع إلى الاستعانة بخالة الحسين بن المقداد بن سنان زعيم أحد أفخاذ بني عامر . كما طلب الفضل المساعدة من الخليفة العباسي الناصر لدين الله (575/1180-622/1225) فأنجده بها . ولما نجح الفضل في استلام السلطة قرب إليه قسماً كبيرا من بني عامر الذي أخذوا يمارسون نفوذا كبيرا عليه، فمنحهم ما أرادوا بأن أقطعهم البساتين في أوال والعيون الجارية بما تسقيه من النخيل والأراضي وقسم عليهم جميع مناطق صيد الأسماك. كما ملكهم السفن التجارية وسفن الغوص وما فيها من الغاصة . وأخذوا يتوارثون ذلك .

وقد أوضح الشاعر ابن المقرب في إحدى قصائده بأن بني عامر قد أصبحوا يملكون كل شيء ويلبسون الحرير ويركبون الخيول المطهمة ويأكلون أحسن الطعام .ولعل القصيدة التالية لأبن المقرب العيوني تعبر أصدق تعبير عن مدى تغلغل بني عامر في الحياة الاقتصادية والسياسية في بلاد البحرين ، وتعكس مدى الخطر الشديد الذي أصبح يهدد المستقبل السياسي للأسرة العيونية الحاكمة .

أخـــــــذوا الحســـــــا من الكثيـــــــب إلى محـــــــا

ديـــــــث العيـــــــون إلي نقـــــــا حلـــــــوان

والخـــــــط من صفـــــــواء حازوهـــــــا فمـــــــا

ابقـــــــوا بهـــــــا شبـــــــرا إلي الظهـــــران

والبحـــــــر فاستولـــــــوا على ما فيـــــــه مـــــــن

صيـــــــد إلـــــــي در إلـــــــي مرجــــــــان

ومنـــــــازل العظمـــــــاء منكـــــــم أصبحـــــــت

دوراً لهـــــــم تكـــــــرى بـــــــلا اثمـــــــان

وأمـــــــض شيء للقلـــــــوب قطائـــــــع

بالمـــــــــــــروزان لهـــــــم وكرزكـــــــــان

ومهما يكن من أمر فان هذا التغلغل الواسع لبني عامر في المرافق الاقتصادية للبحرين سوف تنشأ عنه بالتأكيد سيطرة سياسية . لأن كل سيطرة اقتصادية سوف يعقبها حتما سيطرة سياسية. على أن الذي يجدر بالذكر هنا هو أن ضعف وتداعي الدولة العيونية في بلاد البحرين ليس منشأة الضغوط الداخلية فحسب، بل كانت هناك ضغوط خارجية تعرضوا لها صادرة من جزيرة قيس التي حلت محل سيراف كمركز تجاري رئيسي في الخليج العربي.

وقد استطاع ملوكها من بني قيصر بعد عدة هجمات على سواحل وجزر البحرين ، فرض شروط معاهدة لم تكن لصالح العيونيين ، إذ أصبح بموجبها لملوك بني قيصر جزء كبير من واردات بساتين القطيف والاحساء ومن واردات مغاصات اللؤلؤ بالبحرين فحرموا بذلك الدولة العيونية من جزء كبير من واردتها .

إضافة إلي تحكم قيس بتجارة الخليج العربي ، ومما هو جدير بالإشارة هنا أن وصف ابن المجاور لجزيرة البحرين أوال في حدود هذه الفترة يدل على ازدهار حياتها الاقتصادية ، إذ يقول بأن أهلها شبه البحر في كرمهم وأن جزيرة أوال بها ثلاثمائة وستين قرية أمامية المذهب ما خلال قرية واحدة ، وليس هناك أجود من لؤلؤها .

قيام إمارة العصفوريين العامرية

أن حالة التمزق والتداعي الذي أخذ يهدد إمارة العيونيين بالسقوط منذ مطلع القرن السابع /الثالث عشر ، قد أثار كما يبدو حالة قلق واسعة بين أعيان بلاد البحرين، بعد أن أدركوا تمام الإدراك عجز الحكام العيونيين بما هم عليه من الضعف عن حماية الأمن .

الأمر الذي سوف يعرض أموالهم ومصالحهم التجارية للخطر من قبل بني عامر إذا لم يسارعوا لكسب رضاهم، فأخذ أغنياء البحرين وأعيانهم يتسابقون إلي إرضائهم بالأموال والهدايا ويقيمون معهم صلات شخصية وثيقة. بل ويتواطئون معهم ضد العيونيين وعلى رأس هؤلاء المتواطئين كان إبراهيم بن عبد الله بن أبي جروان ابرز أعيان الإحساء وأثريائها . وقد عاتبه على ذلك الشاعر ابن المقرب العيوني المعاصر للأحداث بقصيدة جاء فيها :

أتـــــــراك ترضـــــــى أن يحـــــــدث جاهـــــــل

أو عالـــــــم مـــــــن نـــــــازح أو دان

فيقـــــــول كـــــــان خـــــــراب دار ربيعـــــــه

بعـــــد العمـــــار بنوابـــــي جــــــروان

عربيـــــــة شهـــــــدت بهـــــــا الثقـــــــلان

وقد تطور الأمر أخيرا إلي اتفاق معظم أعيان الإحساء ووجوهها على تسليم السلطة في البلاد إلي زعيم بني عامر المحنك الشيخ عصفور بن راشد بن عميرة ، فاتصلوا به واتفقوا معها على خطة يقوم بموجبها بمحاصرة الإحساء على أن يقوموا بدورهم بخذلان الحاكم العيوني الأمير الفضل بن محمد بن مسعود وإقناعه بعدم جدوى مقاتلة بني عامر بل عليه أن يسترضيهم وان يفتح لهم أبواب أسوار الإحساء. وفي حالة نجاح هذه الخطة فقد اشترط زعماء الإحساء على الشيخ عصفور بأن يكتفي بالاستيلاء على أملاك الأسرة العيونية جميعها وان لا يتعرض لغيرها من الممتلكات.

وقد تم تنفيذ الخطة بنجاح وقبض الأمير عصفور على الأمير العيوني الفضل بن محمد وطرده من الإحساء بعد أن كان قد استولى على كافة أموال أسرته وكف عن أموال الآخرين وهكذا تم لنبي عامر الاستيلاء على السلطة في الإحساء وإنهاء حكم الأسرة العيونية فيها وبذلك استطاعوا أن يحققوا الخطوة الأولى والاهم لكي يتموا سيطرتهم على كافة بلاد البحرين على أن مصادرنا لا تسعفنا بتاريخ محمد لاستيلاء الأمير عصفور بن راشد بن عميره العامري على السلطة في الإحساء لكن الشيخ محمد بن عبد الله العبد القادر الذي إلف كتابا في تاريخ الإحساء قد ذكر بأن ذلك قد تم في العقد الرابع من القرن السابع .

ومن الواضح كما سوف نرى بأن هذا التاريخ الذي حدده الشيخ العبد القادر قد قصد به تاريخ استيلاء العصفوريين على كافة بلاد البحرين ، والذي نميل إليه أن ذلك قد تم على فترات وان تاريخ استيلاء الشيخ عصفور على الإحساء هو حدود العقد الثاني من القرن الثالث عشر ولقد استندنا في تقرير ذلك إلي قائمة الحكام العيونيين ومدة حكمهم في كل من الإحساء والقطيف وأوال والتي أوردها صاحب المخطوطة التيمورية والذي كان معاصرا للأحداث كما يفهم من إشاراته .

بعد أن استولى الأمير عصفور بن راشد بن عميره بن سنان على واحات الإحساء، أصبحت تواجه إمارته الفتية مسئوليات متعددة، وأهمها هي أولا حمايتها من الأخطار المحتملة من بقايا الإمارة العيونية في كل من واحات القطيف وجزيرة أوال وثانياً الخطر المنبعث من مملكة جزيرة قيس التي تملك أسطولا بحريا وتجاريا قويا يتحكم بتجارة وسيادة الخليج العربي، وإذا كان من الصعب حسم العداوة ما بين بني عامر والعيونيين إلا عن طريق القوة، فانه من الممكن جدا إقامة علاقات حسنة مع بني قيصر ملوك جزيرة قيس خصوصا فيما إذا اعترف لهم بحقوقهم في جزء من واردات بساتين الإحساء كانت قد ضمنتها لهم المعاهدة المعقودة سابقا بينهم وبين حاكم الدولة العيونية الأمير الفضل الذي كان قد أطاح بحكمه العصفوريون. وإذا ما تحقق ذلك فان الإمارة العصفورية الناشئة سوف تستطيع المحافظة على منفذها على الخليج وهو ميناء العقير الذي لا يمكن لها الاستغناء عنه في صلاتها ما بين داخل الجزيرة العربية والعالم الخارجي. كما انه من الجهة الأخرى ربما سوف يتمكن الأمير عصفور بن راشد من تحييد بني قيصر فيما إذا حاول الاستيلاء على بقايا ممتلكات العيونيين .

ومن المرجح جدا إن مثل هذه العلاقة الحسنة ما بين الطرفين قد تحققت بما يفهم من كلام ابن المجاور (ت 690/1291) وكما يستدل من وصف المؤرخ العثماني أحمد منجم باشي (ت1113/1702) للأمير عصفور انه مقدم أمراء الملك جمشيد ملك جزيرة قيس فهذا وصف للأمير عصفور بن راشد يحمل في طياته دلالات معينة هي وجود علاقة حسنة بين الطرفين، ومهما يكن من أمر فإن منطق الأمور يقودنا إلي مثل هذا الاحتمال، إذ أن ملوك بني قيصر بالإضافة إلي أنهم سوف يضمنون حقوقهم في جزء من وإرادات الإحساء فان قوة الأمير عصفور هي أحد الضمانات المهمة لاستمرار حصولهم على جزء من واردات أوال والقطيف من العيونيين، إذ يمكن استخدام هذه القوة للضغط من الداخل على العيونيين في سبيل هذا الهدف .

ومهما يكن من أمر فإننا نجهل بشكل دقيق الكيفية التي تم بها انتقال القطيف إلي حكم بني عامر، وكل ما نعرفه أن صاحب المخطوطة التيمورية قد ذكر بأن أخر حاكم عيوني هو الأمير محمد بن محمد بن أبي ماجد كان قد غادر القطيف في حدود عام 630/1231-32 أو قبلها بقليل وان حكمه قد اقتصر بعدها على جزيرة أوال أما وصاف الحضرة (ت 735/1334-35) فانه كان أكثر وضوحاً عن مصير القطيف بعد مغادرة الحاكم العيوني الأمير محمد بن محمد لها فحين تعرضه للحديث عن استيلاء الأتابك أبو بكر السلغري على جزيرة أوال قال بأن القطيف كان يحكمها آنذاك أقوى شيوخ العرب وأوسعهم نفوذا هو أبو عاصم بن سرحان بن محمد بن عمر(عميره) بن سنان. ومما لا شك فيه بأن أبا عاصم هذا ما هو إلا أحد زعماء بني عامر وقريب الصلة بالأمير العصفور .

والسؤال الذي قد يثار هو كيف استولى العصفوريين على السلطة في القطيف وهل أبو عاصم بن سرحان كان يحكم القطيف نائبا عن قريبه الشيخ عصفور بن راشد أم أنه كان مستقلاً عنه تمام الاستقلال؟ والذي نميل إليه هو أن الصلة وثيقة بين الاثنين وأن الأمير عصفور كانت زعامته معترفا بها بين كافة أفخاذ بين عامر، ونستدل على ذلك من الأحداث التي سوف تتلو مقتل الأمير أبي عاصم حيث أن الشيخ عصفور أخذ يحكم القطيف مثلها مثل باقي بلاد البحرين من دون أن تثور في وجهة معارضة قبلية. من الواضح إذا أنه في حدود نهاية العقد الثالث من القرن السابع / الثالث عشر تمكن بنو عامر من بسط سيطرتهم على معظم بلاد البحرين باستثناء جزيرة أوال كما أن سيطرتهم قد امتدت إلي اليمامة وعمان أيضا .

قال أن سعيد المغربي الذي كان قد زار المشرق العربي مرتين ، الأولى بين عامر 648-652/1245-1254 والثانية عام 666/1267 وهو يصف بلاد البحرين بأن (بين القطيف واليمامة مجالات بني عامر ولم يبق معهم لأحد من العرب عز في بلاد اليمامة والبحرين، ومنهم الآن ملوك الصقعين، ثم وصف بني عامر في موضع أخر فقال بأنهم عرب اليمامة والبحرين .

والواقع فان الروايات عن نفوذ بني عامر في القرن السابع / الثالث عشر والتي ترد عند ابن فضل الله العمرى وابن خلدون والقلقشندي كلها منقولة عن ابن سعيد المغربي وهي تتشابه إلي حد كبير لفظاً ومعنى. فهم ينقلون قوله سألت أهل البحرين في سنة 651/1254 حين لقيتهم بالمدينة النبوية عن البحرين فقالوا "الملك فيها لبنى عامر بن عقيل ، وعصفور وبنوه هم أصحاب الإحساء دار ملكهم".

كما ترد رواية عن ابن سعيد المغربي تتعلق بنفوذ بني عصفور في اليمامة فهم يقول "سألت عرب البحرين لمن اليمامة اليوم؟ فقالوا للعرب من قيس عيلان وليس لبنى حنيفة بها ذكر".

ولعل النص التالي الذي يروي عن أبي سعيد هو أكثر وضوحاً ، فعند حديثه عن بني عامر قال "ولمكوا ارض اليمامة من بني كلاب ، وكان ملكهم فيها لعهد الخمسين والستمائة عصفور وبنوه" ومما هو جدير بالذكر أن ابن خلدون ينفرد بأن بني عصفور غلبوا أيضا على عمان .

علاقة إمارة العصفوريين بالسلغريين (اتابكة فارس)

قبل التعرض لعلاقة العصفوريين باتابكة فارس من السلغريين، يجدر بنا أن نثبت ملاحظتين هامتين تتعلقان بمجمل الأوضاع العامة في الخليج العربي في الربع الثاني من القرن السابع/الثالث عشر .

فالملاحظة الأولى هي أن بلاد فارس أخذت تتعرض في هذه الفترة لهجمات الخوارزمين الذين كانوا قد غادروا بلادهم على اثر الهزائم القاسية التي ألحقها بهم المغول. ثم ما لبث أن ظهر خطر المغول بعد اختفاء الخوارزميين من المسرح بقليل فانتشرت هجماتهم في رقعة واسعة من إيران. وقد ولدت هذه الهجمات المتكررة تخريبات واسعة واضطرابا في الحياة السياسية والاقتصادية والأمنية في إيران ووصل أثره إلي مياه الخليج العربي وسواحله الشرقية وفي مثل هذا الجو من الخوف والهلع يمكن لنا أن نتصور اندفاع سيل من المهاجرين نحو المناطق الأكثر أمنا من الخليج . ولما كانت الجزر والشواطئ العربية بعيدة نسبيا عن مراكز الخطر فهي أكثر أمنا. لذا فأن قسما من المهاجرين كان لابد له أن يندفع للاستقرار فيها وإذا ما توقعنا أن نسبة مهمة من المهاجرين كانوا من التجار والأثرياء الذين هم من أكثر الطبقات شعوراً بالخوف فإننا نستطيع أن نقول بان إمارة العصفوريين قد تعزز مركزها الاقتصادي والسياسي باستقبالها لمثل هؤلاء المهاجرين .

والملاحظة الثانية هي أن الإمارة العيونية التي أصبحت ممتلكاتها قاصرة على القطيف وجزيرة أوال ثم بعد ذلك على جزيرة أوال فقط كانت تعاني ضغطا شديداً في الوقت الذي كان تحت سلطانها أثمن ثروة في الخليج وهي مغاصات اللؤلؤ ومثل ذلك يمكن أن يقال عن ملوك جزيرة قيس من بني قيصر .

أن مجمل هذه الأوضاع في الخليج العربي كان لابد أن تحرك الزعماء الطموحين للاستفادة منها في الحصول على أفضل غنيمة. وكان اسبق هؤلاء أمير هرموز سيف الدين أبو النظر، إذ استطاع في جمادى الآخرة عام 626/مارس 1229 الاستيلاء على جزيرة قيس بعد أن تمكن من قتل الملك سلطان قوام الدين أخر ملوك بني قيصر. وبعد أن تم لأمير هرموز ذلك أرسل نوابه إلي جزيرة البحرين حيث طالبوا حكامها العيوني الأمير منصور بن علي بان يدفع لهم من واردات البحرين مثلما كان يدفعه لبني قيصر على اعتبار أن أمير هرموز أصبح الوارث لكافة ممتلكات وحقوق ملوك قيس بعد أن أدخل قاعدتهم الرئيسية تحت سلطانه .

وقد اضطر الأمير العيوني على الإقرار لأمير هرموز بهذه الحقوق .

إلا أنه بعد وفاة اتابك فارس الأمير سعد بن زنكي بن سنقر بن مودود السغري عام 628/1230/31 خلفه في الملك ابنه أبو بكر (628/1230-658/1260) فثار نزاع بينه وبين أمير هرموز سيف الدين أبو النظر، ويعلل لنا زكريا القزويني سبب ذلك بأن سكان جزيرة قيس وبسبب ظلم أمير هرموز لهم قد استغاثوا بأبي بكر السلغري في حين أن غفارى القزويني (ت 975/1567-68) ومنجم باشي يعللان أسباب هذا النزاع بخروج أمير هرموز عن فروض الطاعة والخضوع التي كان يؤديها سابقاً للسلغرين وذلك بعد وفاة اتابك سعد ، مما حمل الأمير الأتابك أبو بكر على أن يحشد ضده جيشاً كبيراً مستعيناً بأصحاب السفن من أتباع بني قيصر والذين لابد أن يكون القسم الأكبر منهم من العرب. وقد استطاع أبو بكر في محرم 628/تشرين الثاني 1230 انتزاع جزيرة قيس من أمير هرموز. وبعد ذلك سعى أبو بكر لأن يبسط نفوذه على كافة المناطق التي كان لبني قيصر نفوذ عليها فقام بإرسال عماله الي جزيرة أوال ليطالبوا حكامها العيوني بأن يدفع له مثل ما كان يدفعه لبني قيصر سابقاً ولأمير هرموز لاحقاً .

ولكن الأموال التي تجبى في هذه المرة كانت تتم باسم حقوق الخلافة العباسية في بغداد وان أبا بكر نائب عنه وقد خضع الأمير العيوني لهذه المطالب. ومما يجدر ذكره هنا أن صاحب المخطوطة التيمورية كان من بين موظفي الاتابك الذين كانوا يتولون الإشراف على جباية حقوقه في جزيرة أوال .

على أن الأتابك أبا بكر السلغرى لم يكتف بما حصل عليه من العيونيين بل تطلعت نفسه للسيطرة المباشرة على جزيرة أوال، وربما كان قد حصل على تأييد وتشجيع في خطته هذه من الأمير عصفور بن راشد، فأرسل ضدها حملتين بحريتين احدهما عام 630/1232-33 والثانية عام 633/1235-36 إلا أن الأمير خلف منصور بن علي في الحكم قد استطاع ببسالة صد هاتين الحملتين .

إننا نميل إلى الاعتقاد انه في حدود هذه الفترات بالذات قام بنو عامر بالاستيلاء على القطيف مستغلين الظروف الصعبة التي أخذت تمر بها الإمارة العيونية وهي تواجه أطماع السلغرين .

ومهما يكن من أمر فان الاتابك أبا بكر قد اعد حملة بحرية كبيرة عام 636/1238-39 اشترك فيها عدد كبير من العرب استطاع من خلالها الاستيلاء على جزيرة أوال وقتل أخر حكام العيونيين الأمير محمد بن أبي ماجد ثم نهبت أمواله وأموال أسرته وتعرضوا لتنكيل شديد وبذلك يكون حكم العيونيين قد زال من جميع بلاد البحرين وأن الأمير الجدير بالانتباه هنا أن وصاف الحضرة قد سكت تماماً عن الحملات الفاشلة التي قادها أبو بكر ضد عرب البحرين كما انه حدد ذا الحجة من عام 633/آب 1235 كتاريخ لاستيلاء أبي بكر على جزيرة أوال ، وعنه أخذ هذا التاريخ جميع الكتاب المعاصرين الذين قد أشاروا إلي هذه الواقعة .

أن سبب متابعتهم لوصاف يعود إلي عدم اطلاعهم على ما أورده صاحب المخطوطة التيمورية بخصوص هذه الوقائع والتواريخ التي ذكرناها. لقد رجحنا أقوال الأخير لأنه معاصر للأحداث بل في موقع الأحداث ، فهو أحد الموظفين الذين عملوا في جزيرة أوال في خدمة أبي بكر السلغري. في حين أن وصاف قد ألف كتابه سنة 728/1328 أي بعد حوالي القرن من وقوع هذه الأحداث.

ويعطينا الوصاف بعض المعلومات المفيدة عن علاقة اتابكة فارس بالخلافة العباسية حيث قال بأنه بعد الاستيلاء على أوال والتي يسمونها البحرين ثبتت في ديوان الخليفة المعتصم بالله، وفي كل سنة يكتب دخلها وخراجها ويرسل به إلي بغداد مع معتمد الخليفة في أوال ثم يضيف القول أيضا بأن الاتابك أبا بكر السلغري بعد أن انتهى مباشرة من أوال اعتزم الاستيلاء على القطيف، إلا أن مناعة تحصيناتها وقوة العرب الذين يحكمونها وكثرة عددهم جعلته يؤجل تنفيذ هذه الخطة لحين استكمال الاستعداد الضرورية لمثل هذه الحملة. إلا أنه من المحتمل أن لهذا التردد والتأجيل علاقة بالأخطار التي أخذت هجماتهم تنتشر في مناطق عديدة من إيران، على الرغم من انه – وكما يذكر الجويني كان قد سبق له أن أرسل أخاه تهتمن وهو يحمل هدايا ثمينة. إلي اوكتاي (ت 639/1231) الذي تولى حكم المغول بعد وفاة جنكيز خان. ومن الواضح أن الاتابك كان بذلك يحاول استرضاء المغول لتحاشي خطرهم عن بلاده .

بعد مرور أكثر من خمس سنوات على استيلاء الاتابك أبي بكر السلغري على جزيرة أوال، سنحت له الفرصة ، كما يبدو، لاحتلال بعض موانئ ساحل بلاد البحرين، ففي ربيع عام 641/ ربيع 1244 جرد حملة كبيرة استطاع بها الاستيلاء على قلعة جزيرة تاروت، وقت أكبر شيوخ بني عامر فيها وهو أبو عاصم بن سرحان بن محمد بن عمرو (عميرة) بن سنان والذي كان كما يبدو حاكما لمنطقة القطيف . إذ أن وصاف قد نعته بأنه كان "من وجوه العرب ومشايخهم ومن أرباب المجد الشامخ والكرم الباذخ" وكنتيجة للانتصار الذي أحرزه الاتابك في معركة تاروت استطاع الاستيلاء على مدينة القطيف وواحاتها. كانت خطة الاتابك ترمي إلي حكم هذه المناطق حكماً مباشراً ، فوضع لهذا الغرض حاميات عسكرية فيها.

إلا أن وجود هذه القوات الأجنبية قد أثار غضب واستياء بني عصفور، فأخذوا يشنون الهجمات المتكررة ويضايقونها الأمر الذي حمل الاتابك أبا بكر على أن يقوم باستبدال هذه الحاميات كل سنة بغيرها، ويزيد من دعمها وتقويتها لكن ذلك كما يبدو لم يخفف الضغط على قواته من أزمتها وأعبائها المالية. لذا فقد لجأ إلي استرضاء العصفوريين بأن أخذ يدفع لشيوخهم اتاوه سنوية مقدارها اثنا عشر ألف دينار مصري، على أن يكون وقت دفع هذا المبلغ عند جني محصول نخيل واحات القطيف وفي مقابل ذلك يكف العصفوريين عن التعرض للإدارة السلغرية .

ولقد كان بنو عصفور وفي أحيان كثيرة يلجأون إلي التهديد باستعمال القوة كلما شعروا بوجود تلكؤ، من قبل السلغريم في دفع هذه الاتاوه بل أن شيوخ بني عصفور كما يبدو لم يكتفوا بمبلغ الاتاوه السنوية المقررة لهم. إذ يروي لنا وصاف حكاية تعكس بعض متاعب الإدارة السلغرية وهو ينقل ما يرويه عن احد موظفي الاتابك الذين كانوا يعملون في جباية الرسوم في ميناء القطيف. ومفادها انه في بعض الأحيان يقوم بعض الشيوخ بإرسال احد أتباعه إلي موظفي الاتابك في ميناء القطيف يطالبهم بأن يدفعوا له مبلغا من المال مع بعض السلع وعندما يظهر هؤلاء الموظفون تلكؤا في دفع ما يطلب منهم، يتم إرغامهم على الدفع عن طريق التهديد باستعمال القوة ضدهم ويضيف وصاف إلي ذلك القول بأن عرب البحرين كانوا ينظرون إلي ما يدفع لهم من إتاوة، كحق من حقوقهم الثابتة، وإنها بمثابة الفدية لقاء قبولهم ببقاء اتابكة في بلادهم .

في ضوء التجربة الصعبة التي مرت بها الإدارة السلغرية في بعض أجزاء بلاد البحرين والتي استمرت لمدة تزيد على العشر سنوات ونتيجة للأخطار الخارجية التي أخذت تهدد دولتهم، وبغية التخلص من بعض هذه الأعباء والاستعداد لمواجهة أخطار محتملة تكون أشد من سابقتها، قام الأمير أبو بكر بن سعد السلغري بتسليم السلطة في بلاد البحرين للعصفوريين مقابل قيامهم بدفع مبالغ معينة من الأموال سنوياً إلي خزينة الاتابكة في فارس. وقد أورد ذكر زعيمي بني عامر اللذين تم تسليم السلطة إليهما. وهما عصفور بن راشد بن عميرة ومانع بن على بن ماجد بن عميرة ، كما أنه أورد ذكر تسليم القطيف إليهما وسكت عن جزيرة أوال في حين أننا نجد أن كلا من القاضي أحمد غفاري ومنجم باشي قد ذكر اسم الأمير عصفور بن راشد فقط، أما المناطق التي كانت قد سلمت إليه، فعندهما أنها قد شملت كلا من القطيف والبحرين وعمان (صحار) والحسا.

ومعنى ذلك أن سلطة إمارة عصورة العامرية قد أخذت تشمل على كافة بلاد البحرين بما فيها أوال ، إضافة إلي أجزاء من نجد (اليمامة) ومن عمان. ومما يجدر ذكره هنا أن اسم عمان كان قد ذكرها ابن خلدون أيضا كجزء من ممتلكات إمارة العصفوريين.

وان مؤلفات العصر الوسيط كثيراً ما تطلق عبارة عمان لتعني بها ميناء صحار. لذا فمن المرجح أنه قد استعمل هنا بهذا المعنى. أن التاريخ الذي أعطاه وصاف لاستقلال بني عامر بالسلطة في كافة بلاد البحرين هو عام 654/1256 ، وهذا التاريخ يتعارض بعض التعارض مع ما رواه ابن سعيد المغربي والذي سبق الإشارة إليه – من أن السلطة في بلاد البحرين كانت في عام 651 لعصفور وبنيه وان قاعدة ملكهم هي الحسا. وللتوفيق بين ما رواه كل من وصاف وابن سعيد،

نرى أن هناك احتمالين : فالاحتمال الأول هو أن وصاف ربما لم يكن دقيقا في هذا التاريخ الذي ذكره حول تسليم السلطة في بلاد البحرين لعصفور بن راشد والاحتمال الثاني هو أن رواية ابن سعيد يجب أن تفهم على أن المقصود بها أن سلطة الشيخ عصفور كانت تشمل على كافة بادية البحرين وأن منطقة الاستقرار التي تحت حكمه المباشر هي واحات الاحسا فقط .

حيث اتخذ منها قاعدة لنفوذه ، وأن عدم إشارة ابن سعيد لكل من جزيرة أوال والقطيف في روايته ، قد يعني إنهما كانتا خارج سلطة الشيخ عصفور.

والواقع فان رواية وصاف حول تسليم القطيف إلي الشيخ عصفور تتضمن الاعتراف بأنه صاحب النفوذ الأول في معظم بلاد البحرين .

بقيت نقطة أخيرة يجدر مناقشتها وهي تتعلق بمدى اتساع نفوذ السلغريين في بلاد البحرين. إذ أن كلا من المستوفي القزويني ألف كتابة عام 740/1340 وحاجي خليفة (ت1067/1657) كانا قد ذكرا بان أبا بكر قد استولي على الإحساء إضافة إلي القطيف وأوال في حين أن وصاف الحضرة والذي كان عصره أقرب لعهد الاتابك أبي بكر من عصرهما، لم يذكر اسم الحسا ضمن المناطق التي استولى عليها. يضاف إلي ذلك أن ابن سعيد المغربي قد ذكر في رواتيه التي مرت بنا سابقاً بأنه في عام 651/1253 – 54 ، كانت الحسا قاعدة نفوذ الشيخ عصفور بن راشد في البحرين، ومعنى ذلك إنها تحت سلطته قبل التاريخ المذكور وقبل التاريخ الذي حدده وصاف لانسحاب السلغرين من بلاد البحرين .

للتوفيق بين هذه النصوص يمكن القول بأن الحسا لم تخضع لحكم الاتابك بشكل مباشر وإنما بقيت تحت حكم الشيخ عصفور والذي ربما كان يعترف بتبعية اسمية للسلغريين .

ومهما يكن من أمر فلا بد لنا أن نشير إلي الأسباب المحتملة التي كانت تكمن خلف انسحاب السلغريين من بلاد البحرين في هذه الفترة وتسليمها إلي الأمير عصفور بن راشد، إذ لا يمكننا أن نعزو ذلك إلي المتاعب العسكرية والمالية التي واجهتهم في حكمها فحسب، بل يمكن أن تعزى إلي عوامل لا تقل عنها أهمية وهي : أولا الزحف المغولي المدمر في داخل الأراضي الإيرانية بقيادة هولاكو خان. كما وجدت أيضا عمله برونزية تعود إلي السلغرين ، وهي لا تحمل تاريخاً ولا اسم الحاكم الذي ضربت باسمه .

ومهما يكن من أمر فان اكتشاف هذه النقود في جزيرة البحرين، يدل على وجود صلات كثيرة وربما سياسية أيضا ما بين إمارة العصفوريين وبلاد فارس.

علاقة إمارة العصفوريين بمماليك مصر ومغول العراق وإيران

بتدمير المغول لمركز الخلافة العباسية في بغداد عام 656/1258، ثم سيطرتهم على معظم أجزاء غيران والأناضول تكون الحضارة العربية الإسلامية عموماً، والمشرق العربي خصوصاً قد دخلا مرحلة جديدة وحرجة للغاية ولفترة طويلة نسبياً فقد كان من نتائج هذا الاحتلال المغولي أن تغيرت الخارطة السياسية لمنطقة واسعة من العالم الإسلامي، إذ اختفت كيانات سياسية تماماً، وبرزت كيانات سياسية جديدة ومن هذه الكيانات السياسية التي ظهرت وقدر لها أن تلعب دورا مهما في تاريخ المشرق العربي دولة المماليك في مصر وقد برزت أهميتها السياسية والعسكرية بسرعة بعد نجاحها في توحيد سوريا ومصر في دولة واحدة، مثلما كانتا في معظم الفترات التاريخية السابقة. كذلك في استمرار تصديها للخطر المغولي، وتولى دور القيادة في هذا السبيل.

أن تجاور هاتين الدولتين – دولة المغول الايلخانيين في إيران والعراق ودولة المماليك في مصر والشام – وتصدى إحداهما للأخرى أدى إلي أن يقوم بينهما صراح عسكري وسياسي وثقافي واقتصادي لفترة طويلة، مما دفع كلا منهما لكسب الأنصار والحفاء وحشدهما لمواجهة الطرف الأخر .

أن إحدى القوى المهمة التي توسل كل طرف لكسبها إلي جانبه وزجها في الصراع الدائر بينهما هي القوى القبلية، وذلك لما تتمتع به هذه القوى من أهمية عسكرية واقتصادية، إذ كانت مساكنها تتأخم أرياف العراق والشام وتتحكم بطرق القوافل التجارية وقوافل الحجاج ومن هذا الموقع يكون بإمكانها أن تقدم خدمة عسكرية واقتصادية لأحد الجانبين أو كليهما.

وقد يكون العكس إذ قد تلحق ضررا لأحدهما أو كليهما، ومن ابرز هذه القوى القبلية الفضل الذين كانوا يبسطون زعامتهم على قبائل طي القوية إضافة إلي قبائل كثيرة كانت منضوية تحت لوائهم، فنفوذهم كان يمتد إلي بوادي الشام وأجزاء واسعة من البوادي الغربية للعراق وكذلك إلي أجزاء من نجد

ومن القوى القبلية المهمة أيضا قبليتا عبادة وخفاجة أصحاب النفوذ الواسع في معظم غرب ووسط وجنوب العراق. ثم أخيراً قبيلة بني عامر والتي تبسط نفوذها في المنطقة الممتدة من جنوب البصرة حتى عمان الشمالي ثم يمتد غربا إلي أجزاء من نجد.

أن الدارس لموقف هذه القوى القبلية من القوتين الكبيرتين المتصارعين يلاحظ أنها كانت متقلبة في ولائها نحوهما وذلك تبعا لظروفها وما تأمل الحصول عليه من منافع من كل منهما .

فهدف القبائل الذي يهمها قبل كل شيء هو الحصول على اكبر قدر ممكن من المغانم. إلا أن المماليك كانوا في معظم الأحيان هم الفائزون بولاء هذه القبائل. ومهما يكن من أمر فأننا معنيون بالدرجة الأولي بمتابعة علاقة العصفوريين بهذه القوى، وحديثنا سوف يقتصر عليهم بقدر ما تسعفنا به المصادر.

وقبل كل شيء يجب القول أن المصادر لا تسعفنا لكي نقرر بدقة الموقف الذي اتخذه العصفوريون. من ظهور النفوذ المغولي في كل من إيران والعراق، بالرغم من أننا نميل إلي الافتراض بأن العصفوريين لم يأسفوا كثيراً لزوال دولة بني العباس وسبب هذا الافتراض أن العباسيين قد كانوا سند قوياً للعيونيين الذين كانوا يعترفون بتبعيتهم للخلافة العباسية .

ولابد أن زوال الإمارة العيونية على يد الشيخ عصفور قد أدى إلي توتر علاقاتهم بالعباسين، ولعل ذلك خلق خشية لدى بني عصفور من احتمال انتقام العباسيين، من جهة ومن الجهة الأخرى فان الخصم الأخر للعصفوريين وهم السلغريون الذين كانوا قد فرضوا سيطرتهم لفترة محدودة على أجزاء هامة من بلاد البحرين – هم أيضا أتباع للعباسيين ويعترفون بسيادتهم، وكانوا قد فرضوا نفوذهم على الخليج باسم الخلافة العباسية. فالغزو المغولي فضلا عن كونه قد أزال خطر العباسيين عن بني عصفور فانه أيضا قد أدى إلي إضعاف نفوذ السلغريين في الخليج إلى حد كبير. الأمر الذي ربما أدى إلي شعور بني عصفور بنوع من الارتياح، رغم الأخطار المحتملة على بلادهم من قبل المغول. هذا وكنا قد افترضنا سابقاً بأن إمارة العصفوريين ربما تعزز مركزها الاقتصادي والسياسي بتقاطر سيل المهاجرين من العراق وإيران خصوصا من طبقة التجار وأصحاب الأموال الهاربين فزعا من الخطر المغولي المحيق بها، وربما تعزز هذا المركز أكثر بظهور الصراع المغولي المملوكي .

على أن الأمر الذي لا لبس فيه، هو نشوء علاقة جديدة ما بين بني عصفور وسلطنة المماليك في مصر. فالقلقشندي ينقل عن الحمداني المعاصر لما يرويه قوله، بأن بني عامر قد (وفدوا على السلطان بالديار المصرية في دولة الظاهر بيبرس 658/1259 – 676/1277 ) صحبة مقدمهم محمد بن أحمد بن العقيد "العقيدي" بن سنان بن غفيلة "عقيلة" بن شبانه بن عامر وعاملوه بأتم الإكرام وأفيض عليهم سابغ الإنعام، ولحظوا بعين الاعتناء على انه لدينا ما يدل على أن هذه العلاقة الحسنة قد أصابها بعض الفتور بعد وفاة السلطان بيبرس فبتجدد الصراع على نطاق واسع وفي كافة الميادين بين المغول والمماليك قام آل فضل وآل مرا حلفاء المماليك بمهاجمة عرب البحرين عام 684/1285 – مثلما هاجموا المغول ونهبوا أموالهم وقتلوا عدد من رجالهم وكان من بينهم احد زعمائهم المدعو على بن ماجد أن هذا الهجوم على بني عصفور ربما كان قد تم بتوجيه من المماليك لأنهم كانوا قد حالفوا المغول على أن تطور الأحداث كان قد أرغم الطرفين على إعادة توثيق علاقتهما. فالمغول كانوا قد سعوا لا للتحكم بطرق التجارة البرية عبر اوراسيا فحسب، بل كانوا راغبين بالسيطرة أيضا على الطرق البحرية الرئيسية التي تربط البحر الأحمر والبحر العربي والخليج العربي بالصين والهند. فقد أرسل اليلخان أرغون، البوذي المتعصب (1284-91) في عام 689/1290 يطلب مجيء مائتين من الجنويين إلي بغداد على أن يعملوا في نهر دجلة هذا وقد صادف في الوقت ذاته وجود سبعمائة شخص من الفرنط (من اطنى غربي أوربا في بغداد، وصلوها عن طريق البحر، معتزمين قضاء فصل الشتاء فيها. فما كان كم الايلخان أرغون إلا أن طلب منهم صنع سفينتين من نوع قادرغه (غراب Gallery) ، والتي هي من السفن التي تسير بالأشرعة والمجاديف وتستعمل للأغراض التجارية والحربية. ويمكن لكل سفينة من هذه السفن أن تحمل ما بين 100 – 1200 شخص، أما طولها فيتراوح ما بين 100 إلي 200 قدم. وكان هدف الايلخان من صنع هذه السفن هو تسيرها في الخليج العربي والبحر العربي لعرقلة المواصلات التجارية ما بين الهند ومصر.

إلا أن هذه الخطة لم يكتب لها النجاح نظرا للنزاع الذي ثار بين الجنويين من بحارة السفينتين وتنفيذ الخطة المرسومة لهما .

ومن الطبيعة أن يدرك المماليك مدى الأخطار التي تهدد تجارتهم من جانب المغول فيراقبوا هذا النشاط ويعملوا على التصدي له وإفشاله فالسلطان قلاوون كان قد أرسل عام 682/1283 وكذلك عام 687/1288 برسائل إلي التجار في الهند والسن والصين وسيلان واليمن، يدعوهم فيها للقدوم بتجارتهم إلي مصر والشام ويعدهم بحسن المعاملة

لقد كان الصراع كما أسلفنا – ما بين المغول والمماليك يتخذ أشكالا مختلفة ويقع على محاور متعددة ولم يترك أي طرف فرصة لضرب الطرف الأخر واضعافة إلا اهتبلها فأبوا الفدا (ت 732) المؤرخ المعاصر للأحداث يذكر بأنه من إمارة مكة ولجأ إلي السلطان المغولي أو لجايتو خدابنده محمد بن أرغون (703/1304-716/1316) في بغداد واستنجد به لإعادته إلي مكة ومبدياً استعداده في مقابل المساعدة التي تقدم إليه لأن يعلن تبعية مكة لسلطنة المغول في العراق وإيران .

فما كان من السلطان خد أبنده محمد إلا أن رحب بذلك معتبرا إياها فرصة ثمينة لتوجيه ضربة موجعة لهيبة وسمعة سلاطين المماليك في العالم الإسلامي وان يحل المغول محلهم في هذا النفوذ. وعليه فقد جهز السلطان خدابنده عام 716/1316 الشريف حميضة بقوة تتألف من عشرة الآف مقاتل من المغول والعرب وأسندت قيادتها إلي الأمير طالب الدلقندي الحسيني نائب المغول في البصرة. وقد سارت الحملة إلي مكة سالكة الطريق عبر بلاد البحرين. أن سلوك هذه القوة عن هذا الطريق ليعكس اطمئنان المغول من عدم تعرضها لهجوم قبائل بني عامر. والواقع فان بلاد البحرين في هذه الفترة كانت قد أصبحت تدين بالتبعية لأسرة الطيبيون في نفس الوقت يحكمون في معظم هذه المناطق باسم المغول، كما يقومون بدفع مبالغ سنوية إلي زعماء العصفوريين لتسكينهم ولكي يقفوا إلي جانبهم عسكريا عندما تدعوا الحاجة لذلك .

ومن خلال هذه العلاقات المتشابكة التي يرتبط بها العصفوريون يمكن لنا أن نعلل السبب في عدم تعرض هذه القوه لهجومهم عند وصولها إلي القطيف، أن لم يكن هناك سبب أخر كالخشية من هذه القوة الضخمة نفسها .

لقد أثارت أنباء الاستعدادات التي تجري لإرسال هذه الحملة ضد مكة، ذعرا شديدا لدى السلطان المملوكي الناصر محمد قلاوون خصوصاً إذا ما عرفنا بأن السلطان المغولي خدابنده محمد كان ينتمي إلي المذهب الشيعي، الأمر الذي ادخل عنصرا جديدا في الصراع ما بين القوتين. لذا فقد سارع السلطان الناصر قلاوون بإرسال الأوامر إلي قبائل طي وأمرائهم من آل فضل بأن يهاجموا القوة المتجهة نحو مكة، كما أرسلت الأوامر لإثارة كافة القبائل العربية للتحرك ضد هذه الحملة خصوصا قبائل جنوب العراق . وربما تم الاتصال أيضا بالعصفوريين .

ومهما يكن من أمر فان هذه الحملة قد أصيبت بكارثة كبيرة. فعند وصولها إلي القطيف وصلتها الأخبار بوفاة السلطان خد أبنده وبأن على رجال الحملة أن يتفرقوا وقد هيأت هذه الظروف فرصة جيدة لقبائل طي – التي كانت قد وصلت البصرة في أثر الحملة وانضمت إليها قبائل البصرة – لكي تهاجم هذه الحملة في طريق تراجعها فأوقعت بها خسائر مادية كبيرة وقد وصف ما غنم من هذه الحملة من أموال (( بأنه شيء عظيم)) على أننا لا نستطيع أن نقرر الموقف الذي كان قد اتخذه بنو عصفور من الحملة وهي تواجه هذا المصير فهل شاركوا في الهجوم عليها أم لا ؟ والذي يبدو أن غالبيتهم قد وقفوا على الحياد تاركين الحملة تلاقي مصيرها ومعنى ذلك أن التزاماتهم العسكرية تجاه الطيبيين غير ملزمة لهم بمساعدة المغول .

على أن مواقف العصفوريين قد اصبحت أوضح من السابق فيما وقع من أحداث لاحقه فأبو الفدا يذكر بأنه حين اظهر الأمير مهنا أمير طي في بلاد الشام والعراق عصيانه على السلطان الناصر قلاوون وقيامه بتهديد أرياف الشام وطرق التجارة التي تربطها بالعراق. ثم قيام أخيه فضل بن عيسى بالذهاب إلي بغداد والالتجاء بالسلطان المغولي أبي سعيد بن أولجايتو (1316-35) الذي رحب به كثيرا واقطعة البصرة فما كاد الأمير فضل بن عيسى الطائي يستقر في البصرة وأتباعه حتى قام بنو عصفور عام 718/1318 بمهاجمته وطردوه من البصرة . فسارع أخوه الأمير مهنا لنجدته وتوجه صوب بني عصفور ، إلا انه يدخل في معركة معهم ، وقد غنم بنو عامر أموالا طائلة تعود لقبائل طي وأتباعهم وقد قدرت بما يزيد على العشرة آلاف بعير .

أن قيام العصفوريين بمهاجمة ال فضل وأتباعهم في البصرة يمكن أن يعزي إلي احد السببين التاليين: الأول أن يكون قد تم بإيعاز من السلطان الناصر قلاوون للانتقام له من آل فضل، والثاني وقد يكون هو الأرجح أن يكون قد تم بتحريض من الملك عز الدين عبد العزيز بن إبراهيم الطيبي ( ت 725/1325) والذي سبق أن ذكرنا بأنه كان يحكم إقليم فارس وجزء الخليج العربي بما فيه البصرة وكان قد اقطعه المغول لوالده ثم اقطعه المغول لوالده ثم اقطع له أيضا بعد أن أعقب والده في السلطة. فقيام السلطان أبو سعيد بإقطاع البصرة لآل فضل كان يعني خسارة مادية للطيبين ، فطرد آل فضل من البصرة من قبل العصفوريين الذين يدينون بالتبعية لعز الدين عبد العزيز ربما قد يرغم السلطان أبا سعيد على إعادة إقطاعها للطيبيين كما كان في السابق . ومهما يكن من أمر فان هجوم العصفوريين على آل فضل في البصرة كان في خدمة لكل من المماليك والطيبيين معاً .

على أن العلاقة بين بني عصفور وسلاطين المماليك في مصر قد دخلت مرحلة جديدة من القوة والرسوخ في عهد السلطان الناصر قلاوون والذي تولى السلطنة ثلاث مرات أطولها وأهمها الفترة التي امتدت من 709 إلي 741 – 1309 – 40 ويبدو أن هذا السلطان كان يدرك أكثر من غيره مدى النفع السياسي والعسكري والاقتصادي الذي يمكن أن تؤديه العلاقة الحسنة مع أمراء العصفوريين والأدلة التي سوف نوردها تؤكد لنا قيام مثل هذه العلاقة .

ويبدو أن أحد أشكال هذا التعاون هو أن يتولى العصفوريون التعرض لقوافل الحجاج العراقيين والإيرانيين التي قد تسير تحت راية السلطنة المغولية وذلك لمنعها من تحقيق أي كسب سياسي أو اقتصادي من ذلك .

إلا انه بعد ما تصالح السلطان الايلخاني أبو سعيد مع السلطان الناصر قلاوون قام مباشرة بتسيير قافلة الحج العراقية من البصرة عام 721/1321 ، قام العصفوريون باعتراض طريق هذه القافلة بألف وأرادوا نهبها .

فما كان من المسئولين عن قيادة القافلة إلا أن سارعوا لإبلاغ بني عصفور بأن القافلة قد سيرت بموافقة السلطان الناصر، وعندما تأكد لبني عصفور الأمر أجابوهم – لأجل الناصر نخفركم بغير شيء – وسمحوا للقافلة بمواصلة السير إلي مكة .

فلما بلغ ذلك الأمر السلطان الناصر سر به وبالغ في الإنعام على بني عصفور.على أن ابن فضل الله العمري يروي لنا ما يدل على قوة العلاقة ما بين العصفوريين والسلطان الناصر قلاوون على الأبواب العالية الناصرية وأغرقتهم تلك الصدقات بديمها فاستجلت النائي منهم وبرز الأمر السلطاني إلي آل فضل رؤساء بوادي الشام بتسهيل الطريق لوفودهم وقصادهم، وتأمينهم في الورود والعود، وانثالت عليه جماعتهم وأخلصت له طاعتهم .. ثم أن ابن فضل الله قد أوضح بأن بني عامر قد استمروا في التردد على مصر بأعداد كبيرة ، حيث قال "فكان لا يزال منهم وفود بعد وفود وكان منزلهم تحتد دار الضيافة ، لايزال يسد تلك الرحاب ويغص بقبابه تلك الهضاب، بخيام مشدودة بخيام، ورجال بين قعود وقيام ثم قال وكانت الأمرة فيهم في أولاد مانع بن عصفور إلي بقية أمراء فيهم وكبراء لهم" وقد ذكر لنا ابن فضل الله بعض أسماء زعماء بني عصفور الذين وفدوا على السلطان الناصر قلاوون عدة مرات والتقى هو بهم ، فذكر منهم هلال بن أبي الحسين العامري العقيلي ، والذي وصفه بأنه من كبار قومه . وكلبي بن ماجد العقيلي والذي قابله ابن فضل الله عام (832/1431) في مصر وسمع منه بعضا من شعره، ووصفه بأنه من أمراء البحرين وأنه ذو وقار وإجلال .

والواقع فان الجهاز المملوكي المعقد كان يضم في أقسامه، قسما خاصا مهمته متابعة شئون القبائل. وهذه الدائرة تسمى المهمندارية ، والموظف المسئول عنها يسمى المهمندار .

كما أن الإدارة المملوكية قد اعتنت عناية خاصة بمراتب رؤساء القبائل ، فقسمتهم إلي رتب كل بحسب قوته وسعة نفوذه والخدمات المتوقعة منه . وعلى أساس هذه الأهمية ثبت أسلوب مكاتبته والألقاب التي يجب أن تذكر عند مراسلته .

وفيما يخص أمراء بني عصفور، فبعد أن ضبطت أسمائهم ، صنفوا إلي ثلاث مراتب فأصبحت القابهم التي ترد في المراسلات معهم على الشكل التالي: فالمرتبة الأولى منهم يخاطبون في الرسائل بالمجلس السامي الأميري. أما المرتبة الثانية فيخاطبون في الرسائل بألقاب مجرده من ياء النسب كالمجلس السامي الأمير ….. أما الذين يأتون في المرتبة الثالثة فيخاطبون بلقب مجلس الأمير.

هكذا وقد أورد القلقشندي قائمة تتضمن أسماء أمراء بني عصفور ومرتبة كل منهم في سلم المخاطبات السلطانية ، كل حسب أهميته وسوف نورد هذه الأسماء في الموضع المناسب ، محاولين الاستفادة منها في معرفة نوع الإدارة في الإمارة العصفورية العامرية .

بقى لدينا إشارة واحدة يجمل بنا ذكرها وهي تخص العلاقة ما بين بني عصفور ومغول العراق. فقد ذكر الحسيني ( ت 765/1363 – 64) بأنه في عام 755/1354 قام عرب البحرين بمهاجمة البصرة بهدف الاستيلاء عليها، فتصدت لهم قوات المغول إلا أنها عجزت عن صدهم ومنيت بهزيمة. فما كان من حاكم العراق الشيخ حسن الكبير الجلايري – الذي كان قد خلف المغول الايلخانيين بعد انقراض دولتهم – إلا أن استنجد بالأمير فواز إيقاع الهزيمة بعرب البحرين من بني عصفور بعد أن قتل من الفريقين عدد كبير والذي يبدو لنا أن هجوم بني عصفور على البصرة كان بهدف تعويض خسارتهم الاقتصادية والسياسية باستيلاء ملك هرموز على جزر البحرين وإرغام الأمراء في بقية أجزاء بلاد البحرين على أن يدينوا له بالتبعية، وهذا ما سوف نشير إليه عند الحديث عن علاقة بلاد البحرين بمملكة هرموز

يتضح لنا مما سبق بأن سلاطين المماليك في مصر كانوا أوفر حظاً ونشاطاً من المغول في كسب ولاء رؤساء القبائل العربية المختلفة بما فيهم بني عصفور ، وعلى امتداد رقعة جغرافية واسعة كما كانوا أكثر تقديراً للأدوار التي يمكن للقبائل العربية أن تنهض بها في صنع الأحداث .

علاقة العصفوريين بالطيبيين حكام فارس وجزيرة قيس

أن الاضطراب في الحياة السياسية والاقتصادية في إيران والذي رافق ظهور المغول فيها، قد انعكس أثره أيضا في مناطق واسعة من الخليج العربي، وكان من أبرز نتائج ذلك ضمور بعض القوى السياسية فيه وانكماش حجمها وظهور قوى جديدة نشطت لملء الفراغ في المنطقة. ففي حدود عام 642/1244-45 قام الأمير محمود بن أحمد الكوسى القلهاتي – الذي ينحدر من أصل عربي ، كما تذكره الشاهنامه لينهي بذلك السلالة الحاكمة القديمة ويؤسس سلالة جديدة أخذت تلعب دوراً خطيراً في الحياة السياسية والاقتصادية للخليج العربي لفترة طويلة. ولقد تطلعت نفس هذا الأمير الطموح لبسط نفوذه على كافة سواحل الخليج العربي والبحر العربي، فقام في العقد السابع من القرن السابع/الثالث عشر، بقيادة حملة بحرية وبرية كبيرة هدفها إخضاع عمان الداخل. إلا أن هدفه هذا سرعان ما اصطدم بمعارضة من قبل أمراء عمان الداخل من النبهانيين، مما جعله يغير في اتجاه حملته ويوجهها نحو ظفار التي كانت تحكمها أسرة الحبوضيين. وقد شن هجوماً بحرياً عليها بعد أن جند عددا كبيراً من العرب وفتك بأهلها ونهبها نهباً ذريعاً وانسحب بعدها عائداً إلي قاعدته قلهات. إلا أن هذا النصر الذي أحرزه الأمير محمود القلهاتي لم يمر دون أن يدفع ثمنه غالياً. فقد تاهت قواته في الصحراء وهي في طريق عودتها براً إلي موطنها، فمات عدد كبير من أفراد هذه القوات جوعاً وعطشاً. أما بقية أفراد هذه الحملة والتي تركت كحامية في قلهات ومعها عدد من السفن، فقد تعرضت هي الإخلال لهجوم شنه عليها رجال قبيلة بني جابر، فأبادوها وأحرقوا سفنهم الراسية في الميناء. ولقد قدرت المصادر العمانية عدد الذين كانوا قد هلكوا من أفراد هذه الحملة بخمسة آلاف رجل .

ولقد أخطأ ولكنسون حينما ذكر بأن أمير هرموز محمود بن أحمد القلهاتي كان من بين الذين هلكوا في هذه الحملة، إذ أن الأمير القلهاتي قد عاش فترة غير قصيرة بعد هذه الحملة .

إن هذه النكبة التي أصيبت بها قوات الأمير محمود القلهاتي لم توقف طموحه للسيطرة على مناطق الخليج العربي ، فقد قام في حدود عام 670/1271 بحملة بحرية ضد جزيرة قيس إحدى أهم المراكز التجارية في الخليج – وتمكن من الاستيلاء عليها . كما تمكن في حدود هذا التاريخ من إخضاع جزر البحرين والقطيف .

ويعدد لنا الشبانكاري (ألف كتابه في حدود عام 743/1342-43) ونطنزي (ألف كتابه في حدود 816/1413) المناطق التي كان قد أخضعها الأمير محمود بن أحمد القلهاتي لسيطرته، بأنها قد شملت كلا من ظفار وقلهات وقيس والبحرين والقطيف ونزوين، وأن نفوذه أخذ يمتد من الهند حتى البصرة .

والذي يبدو لنا أن الأمير محمود قلهاتي لم يتمتع بنفوذه طويلاً في جزر وسواحل بلاد البحرين، إذ أن اتساع سلطته كان يتهدد مشاريع المغول الإستراتيجية في السيطرة على طرق التجارة ما بين المحيط الهندي والبحار العربية، لذا فقط قام الحاكم المغولي لبلاد فارس سوغونجاق ببناء أسطول في خور سيف عند سواحل فارس وهاجم به أساطيل أمير هرموز عام 671/1272. إلا أن هذه الحملة منيت بهزيمة كبيرة فما كان من سوغونجاق إلا أن عاود الكرة مرة أخرى وقام باستعدادات أكبر فبنى سفنا جديدة كما صادر سفن بني عصفور ورعاياهم من سواحل وجزر بلاد البحرين واستطاع بذلك تحقيق النصر على أسطول الأمير محمود القلهاتي وتعقبه حتى قلهات .

أن البروفسور أو بين يبدي شكوكه في الرواية القائلة بأن الأمير القلهاتي كان قد استطاع إخضاع جزر البحرين والقطيف. فهو يرى بأنه من غير الممكن لأمير هرموز بعد الهزيمة التي أحاقت باسطولة أمام أسطول المغول أن يستطيع السيطرة على هذه الأجزاء .

إلا إننا نقول بأنه ليس هناك من مصدر يشير بأنه قد تم للأمير محمود القلهاتي بسط نفوذه على جزر وسواحل بلاد البحرين بعد هزيمته أمام المغول. إن الأكثر قبولاً أن يقال بأنه يستبعد على أمير هرموز أن يحتفظ بسلطته على بلاد البحرين بعد هذه الهزيمة ومهما يكن من أمر فان الفترة التي سيطر فيها أمير هرموز على بلاد البحرين ربما كانت قصيرة جداً .

ومما هو جدير بالذكر أن النبهاني قد ذكر بأن جزر البحرين كانت قد خضعت لحكم المغول مباشرة بعد زوال سلطة السلغرين، من دون أن يبين سنده التاريخي في ذلك ولقد تابعه في ذلك آخرون ممن نقل عنه دون أدنى تمحيص. إن الأدلة التي أوردناها أو التي سوف نوردها تضعف هذا التصور إلي حد كبير. ويمكن أن نوضح ابتداء بأن جزر البحرين يصعب إخضاعها بالقوة إلا لمن يملك قوة بحرية ضاربة في الخليج العربي. وحيث أن المغول لم تتوفر لديهم مثل هذه القوة لذا فان فرض سيادتهم عليا أمر مشكوك فيه إلي حد بعيد.

ومهما يكن من أمر فان ما لدينا من أدلة تكفي للقول بأن العصفوريين كانوا في هذه الفترة يتمتعون بسلطة كاملة في بلاد البحرين وأنهم أقاموا علاقة حسنة مع السلطان المملوكي الظاهر بيبرس على الرغم من العداء القائم بين هذا السلطان والمغول في العراق وإيران. أما بخصوص ظفار فان الحبوضيين كانوا أصحاب السلطة الواسعة فيها كما كانوا أصحاب النفوذ الأقوى في حضرموت أيضا إلي الحد الذي جعلهم يتحدون الدولة الرسولية في اليمن …

ومما هو جدير بالذكر أن كلا من ظفار والبحرين هي من المناطق التي ذكرتها المصادر بأنها كانت خاضعة للأمير محمود القلهاتي .

لقد كانت هناك صلات قوية ما بين العصفوريين في البحرين والحبوضيين في ظفار وحضرموت خلال هذه الفترة ونستدل على ذلك من أنه عندما قام سلطان اليمن المظفر الرسولي عام 689/1279 بإرسال حملة ضد ظفار الحبوضي، ووصلت هذه القوات إلي ظفار سرت إشاعة مفادها أن قوات بلاد البحرين قد وصلت لنجدة الحبوضيين مما أثار مخاوف القوات اليمنية. وبالرغم من إننا لا نملك معلومات كافية عن مدى صحة هذه الإشاعات التي راجت في حينها، إلا أن مجرد انتشارها يعكس في الواقع وجود الصلة المتينة ما بين ظفار الحبوضي وحكام البحرين، على أن موقف أمراء بني عصفور من ظفار سرعان ما تغير بعد أن نجح سلطان اليمن في إنهاء حكم الحبوضيين فيها ، فالخزرجي مؤرخ الدولة الرسولية، يذكر بأنه "لما افتتح السلطان مدينة ظفار وقت سالم بن ادريس ارتعدت الأقطار القصية هيبة للسلطان وامتلأت من خوفه قلوب ملوك فارس وأصحاب الهند والصين .. فأرسل صاحب عمان بهديته .. ووصلت هدايا صاحب الصين ، ووصل صاحب البحرين إلي زبيد .." إن كل ما نستطيع قوله مع كثير من التحفظ هو أنه في أواخر القرن السابع /الثالث عشر ارتبطت بلاد البحرين بنوع من العلاقة الغير مباشرة بالمغول إذ أنه في عام 692/1293 اقطع الايلخان كيخاتو (690/1291 – 694/1295) سلطان العراق وإيران، إقليم فارس بما فيه جزيرة قيس إلي تاجر عراقي اسمه جمال الدين إبراهيم بن محمد الطيبي الملقب بابن السواملى لمدة أربعة أعوام. وإبراهيم هذا كان قد استطاع أن يجمع له ثروة طائلة من تجارة اللؤلؤ والخيول ومن احتكار التجارة ما بين الخليج العربي والمحيط الهندي وامتلك ما يقرب من مائة سفينة. فهو في عرف ذلك الزمان من أصحاب الملايين. ولقد حصل جمال الدين إبراهيم الطيبي من الايلخان المغولي على كل امتيازات الحاكم المستقل، فقد منح لقب ملك الإسلام وأن تضرب له النوبة في بابه ثلاث مرات .

ومما تجدر الإشارة إليه هنا أن المقصود بالإقطاع الذي منحه الايلخان كيخاتو إلي جمال الدين إبراهيم الطيبي ليس شبيهاً بالإقطاع الأوربي أو الإقطاع الحربي ولا يقابل كلمة Fief بل أن المقصود به هو التفويض لشخص ما بإدارة إقليم من الأقاليم إدارة شبه مستقلة مقابل قيامه بدفع مبالغ سنوية مقررة إلي الخزينة المركزية للدولة الايلخانية. ومهما يكن من أمر فانه لم تكد تمضي سنة واحدة على تسلم إبراهيم الطيبي إدارة إقليم فارس وجزيرة قيس حتى تمكن من التخلص من موظفي الإدارة المغولية، وأخذ يحكم فيها حكماً شبه مستقل.

ولقد استطاع إبراهيم هذا أن يدخل كلا من القطيف والحسا وجزر البحرين إلي دائرة نفوذه السياسي والاقتصادي ، مستغلاً الخلافات الحادة بين الأمراء العصفوريين ومعتمدا على قوته الخاصة دون الاستعانة بالمغول كما استطاع أن يدخل في دائرة نفوذه أيضاً العراق العربي بما فيه المدينتين الهامتين واسط والبصرة، بعد أن كان قد أقطعهما إليه السلطان الايلخاني غازان (1295-1304) عام 696/1296 ولمدة ثلاث سنوات. وخلال فترة تمتعه بالسلطة والتي امتدت حتى عام 706/1306-7 تمكن من احتكار التجارة ما بين الخليج العربي والمحيط الهندي، بالتعاون مع أخيه تاج الدين عبد الرحمن الطيبي، والذي كان هو الآخر قد استقل بحكم بعض المدن الساحلية في الهند .

ومن أجل كسب رضي وولاء زعماء بني عصفور في بلاد البحرين لجأ ملك الإسلام إبراهيم الطيبي إلي إعطائهم مبالغ من المال سنوياً. مثلما كان يفعله السلغريون .

إن ظهور الزعامة السياسية لملك الإسلام جمال الدين بن محمد الطيبي، في الخليج العربي تمثل أصدق تمثيل ما سبق أن ذكرناه عند الحديث عن سمات مجتمع الخليج العربي بأنه قد أفرز زعامات سياسية معتمدة على قوتها الاقتصادية وأنهم في قوتهم يوازون قوة الشيوخ والحكام. وهؤلاء هم تجار اللؤلؤ والخيول وأصحاب السفن. لقد استطاع إبراهيم الطيبي أن يؤسس سلالة عربية حاكمة في الخليج العربي تمكن من السيطرة سياسياً واقتصادياً على كافة سواحله بل امتد نفوذهم إلي السواحل الهندية .

ومن المؤسف حقاً أن يتعمد باحث إيراني معروف هو المرحوم عباس إقبال إلي إهمال الانتماء العربي لهذه الأسرة، مثلما تجاهل أيضا ما ذكرته المصادر التي اعتمد عليها من أن الغالبية العظمى من سكان الساحل الإيراني هم من العرب. ولا يمكن أن يعزي ذلك إلا إلي شدة تعصبه ضد العرب وتسخير بحثه لدعم ادعاءات سياسية معروفة .

بعد وفاة جمال الدين إبراهيم الطيبي عام 706/1307 أعقبه في السلطة ولده عز الدين عبد العزيز ، كما أن بقية أولاده كانوا يحكمون في مناطق مختلفة من الخليج خصوصاً في جزيرة قيس. وقد استمر نفوذهم قائمة في البصرة وبلاد البحرين. ومن المحتمل جدا أن العصفورين قد اشتركوا إلي جانبهم – بحكم ما تفرضه عليهم شروط التبعية – في الحرب التي دارت بين حكام هرموز وعز الدين عبد العزيز الطيبي والتي استمرت لمدة ثلاث سنوات وانتهت لصالح الطيبيين. وقد بلغت أسرة الطيبيين أوج قوتها واتساع نفوذها في هذه الفترة .

بعد وفاة الملك عز الدين عبد العزيز الطيبي عام 725/1325 ثار النزاع حول السلطة بين أحفاد جمال الدين إبراهيم الطيبي، مما أضعفهم كثيراً وانتهى الأمر بهم إلي الزوال من إقليم فارس أولاً على يد محمود شاه اينجو الذي نجح في تأسيس أسرة حاكمة في هذا الإقليم عام 725/1325 ، وثانياً من جزيرة قيس على يد أمير هرموز قطب الدين تهتمن الثاني وذلك في حدود عام 731/1330 ، فلقد استطاع الأخير الاستيلاء على جزيرة قيس وهي القاعدة الرئيسية لنفوذ الطيبيين السياسي والاقتصادي في الخليج العربي ، كما استولى تهتمن فيما بعد على جزر البحرين أيضا .

ولقد استغل أمير هرموز قطب الدين تهتمن الثاني ، الفوضى التي عمت إيران والعراق في أعقاب وفاة السلطان المغولي أبي سعيد عام 736/1335 فاستولى على القطيف وأجزاء من السواحل العربية للخليج. وفي هذا الصدد يقول الرحالة العربي الشهير ابن بطوطة – الذي كان قد زار الخليج العربي مرتين – بأنه بعد وفاة السلطان سعيد الايلخاني تغلب المتغلبون على ملكه فمنهم الملك قطب الدين تهتمن (تهتمن) تغلب على هرمز وكيش (التسمية الفارسية لقيس) والقطيف والبحرين وقلهات .

يتضح لنا مما سبق بأن بلاد البحرين لم يخضع لنفوذ المغول المباشر، كما ذهب الخيال بالنبهاني إنما كانت خاضعة لمدة تقرب من أربعة عقود من السنين لأسرة عربية هي أسرة الطيبيين وأنهم فد فرضوا نفوذهم عليها بقوتهم الخاصة. وان نفوذ الطيبيين كان يتركز في الإشراف على شئونها المالية، وخصوصاً واردات الكمارك وتركوا شؤونها الداخلية لأمراء بني عصفور من آل عامر، مع دفع مبالغ سنوية لهم على أن يقدموا الدعم العسكري للطيبين كلما دعت الحاجة إلي ذلك. ويمكننا أن نستثني جزر البحرين من ذلك. إذ ربما كان للطيبيين عليها إشراف أوسع من بقية بلاد البحرين نظراً لموقعها وأهمية مواردها. ويمكن أن نستدل على ذلك من قول المستوفي القزويني (ألف كتابه عام 740/1340) من أن كلا من البحرين والإحساء والقطيف والخط ودارين كانت في السابق تعتبر من مملكة العرب، أما في الوقت الحاضر فان جزيرة البحرين تدخل إداريا ضمن إقليم فارس أما القطيف والإحساء والأماكن المجاورة لها فهي لا تعترف في معظم الأوقات بحكام البحرين والذي يفهم مما ذكره المستوفي، أن هذا الوضع في بلاد البحرين، هو الذي كان سائداً في عهد الطيبيين، بل ربما كان كذلك في عهد ملك هرموز قطب الدين تهتمن الثاني. ولعل أبرز دليل على تحرر بلاد البحرين من التبعية للمغول هو ما أسلفنا ذكره من قيام العصفوريين بالهجوم على البصرة بهدف احتلالها وهي جزء من السلطة الايلخانية وذلك عام 718/1318 ثم تعرضهم لقافلة الحج العراقية التي أرسلها السلطان أبو سعيد عام 721/1321. وأخيراً علاقتهم الوثيقة بمماليك مصر خصوم المغول خصوصاً في عهد السلطان الناصر قلاوون .

أن بلاد البحرين قد بقيت في هذه الفترة تحكم من قبل العصفوريين وهذا ما سبق أن أوردناه نقلاً عن أن فضل الله العمري المعاصر لهذه الفترة .

ولعل القلقشندي كان يدرك ما سوف يثور من جدل حول الهوية السياسية لبلاد البحرين خلال هذه الفترات الغامضة . فقط جازماً بالقول "بأن بلاد البحرين لم تزل بيد العرب" ومن المؤسف حقاً أن ابن بطوطة الذي كان قد زار كلا من جزر البحرين والقطيف والحسا خلال زيارته للخليج العربي في حدود عام 732/1332 لم يذكر لنا أسماء حكام هذه المناطق أو طبيعة علاقتهم بمملكة هرموز فأضاع بذلك علينا الفرصة للكشف عما يكتنف هذه الفترة من غموض. ومن الغريب أن رنز قد نسب إلي ابن بطوطة القول بأن القطيف كانت تحكم من قبل أسرة جروان العقيلي، وهذا مالم يقله ابن بطوطة قط وماهو إلا تخليط من رنز.

إن ابن حجر العسقلاني هو الذي انفرد بهذه الرواية ونقلها عنه السخاوي، وهذا ما سوف نشير إليه في موضعه المناسب والذي نميل إليه هو أن بلاد البحرين لم تكن خاضعة لأحد عند زيارة ابن بطوطة لها وأنه له يقابل أمراءها لكونهم متغيبين عن المدن التي مر بها ثم أنه لم يمكث فيها إلا فترة قصيرة .

لقد بقى أن نقول بأن العملة المكتشفة في جزر البحرين من قبل البعثة الاثارية الدنماركية وهي تحمل اسم بادشاه أبو سعيد، يمكن أن تصلح دليلاً للعلاقة التي تربط هذه الجزر بحكومة الطيبيين، ومن الغريب حقاً أن يذهب الخيال بنيقولاس لوويك إلي القول بأن هذه النقود من المحتمل أنها تعود إلي حاكم ينحدر من أسرة أبي سعيد الجنابي ، حكم في جزر البحرين في هذه الفترة .

علاقة العصفوريين بمملكة هرموز

بدخول إمارة العصفوريين ضمن دائرة نفوذ قطب الدين تهتمن الثاني في نهاية العقد الثاني من القرن الثامن / الرابع عشر، تكون الإمارة قد بدأت فترة جديدة في تاريخها إذ أن صلة بلاد البحرين بمملكة هرموز قد استمرت بعد ذلك لمدة تزيد قليلاً على القرن ونصف القرن .

والواقع فإن الفترة الأخيرة من عهد تهتمن الثاني تمثل بداية عهد من القوة والازدهار شهدتها مملكة هرموز. إذ بدأت تحل في الزعامة السياسية والاقتصادية محل جزيرة قيس بعد أن زال منها حكم الطيبيين، على أن عهد تهتمن الثاني بالرغم من ذلك لم يخل من بعض المشاكل الداخلية، ففي ربيع عام 745/1345 وخلال غيابه عن جزيرة هرموز، دبر آخوه نظام الدين كيقباذ ثورة ضده في الجزيرة ونصب نفسه على أثرها ملكاً لها ولم تنجح محاولات تهتمن لاستعادة عرشه إلا بعد الوفاة المفاجئة لأخيه كيقباذ، وقد خلف ولدين هما شادي وشنبه اللذين عجزا عن الاحتفاظ بالسلطة من بعده فهربا بالخزائن والأموال ومعهم عساكرهم إلي جزر البحرين حيث سيسطرا عليها، لكنهما لم يركنا إلي الهدوء بعد استقرارهما في البحرين، إذ تطلعت نفوسهما للسيطرة على جزيرة قيس ونجحا في ذلك حيث اتخذ شادي من قيس مركزا لحكومته . وقد مثل هذا التوسع الذي قام به الإخوان شادي وشنبه تهديداً خطيراً لمملكة هرموز فجهز تهتمن ضدهما حملة بحرية هدفها استعادة قيس منهما، إلا انه فشل في حملته الأولى. وعندما عاود الكرة في حملته ثانية نجح في استعادة جزيرة قيس، مما اضطر شادي إلي الهرب واللجوء إلي جزر البحرين.

وعلى الرغم من ذلك فأن الأخوين شادي وشنبه لم تفت في عضدهما هذه الهزيمة وواصلا الاستعدادات لاستعادة جزيرة قيس. وعندما تهيأت لهما الظروف انطلقا من جزيرة البحرين بحملة بحرية كبيرة تمكنا بها من الاستيلاء على قيس ثم انطلقا منها لإكمال ما اعتزما احتلاله من أراض. ومن الطبيعي أن يتحرك عمهما ملك هرموز قطب الدين تهتمن الثاني لصد هذا الخطر الداهم على ملكه، وقد تمكن بعد معارك بحرية عديدة من استرجاع ما استوليا عليه من مناطق وخاصة جزيرة قيس .

وكان من نتيجة هذه الهزيمة التي حاقت بالأخوين أن ثار بينهما النزاع، إذ أن شادي قد حمل أخاه شنبه مسؤولية هذه الهزيمة مما اضطر الأخير إلي الهرب من البحرين والالتجاء إلي شيراز .

ومن الجدير بالذكر أن ابن بطوطة عندما زار جزيرة هرموز عام 747/1336 كان ملكها قطب الدين تهتمن الثاني مشغولاً بحربه مع أبناء أخيه، وقد قال ابن بطوطة بأن هذه الحرب قد سببت ضرراً كبيراً لتجارة الخليج العربي وخصوصاً لبلاد البحرين، التي قال عنها بأن معظمها قد تخرب لتعرضها لهجمات شادي وشنبه .

ومهما يكن من أمر فأننا لا نملك أي معلومات عن موقف بني عصفور خاصة وسكان بلاد البحرين عموماً من هذه الحروب، إلا أنه يفهم من كلام ابن بطوطة بان الأخوين شادي وشنبه كانا قد حاولا الاستيلاء على سواحل بلاد البحرين وقاما بعدة هجمات عليها إلا إنهما صدا في جميع هجماتهما هذه. وكانت النتيجة أن أصيبت بلاد البحرين بأضرار مادية كبيرة.

وعندما توفي ملك هرموز قطب الدين تهتمن الثاني عام 748/1347 -48 حاول شادي الاستفادة من هذا الظرف فانطلق لحملة بحرية جديدة من جزيرة البحرين وتمكن بواسطتها من الاستيلاء على جزيرة قيس. وكان على ملك هرموز الجديد توارنشاه الذي أعقب والده في الحكم، أن يحسم الوضع مع أبناء عمه لذا فقد جرد حملة ضد شادي وتمكن بعد معارك من طرده من قيس واضطره للهرب إلي جزيرة البحرين. ولم تمض إلا مدة قصيرة على عودته إلي البحرين حتى وافاه الأجل مخلفاً ولداً صغيراً.

وعندما علم توارنشاه بوفاة ابن عمه، لم يتحرك نحو البحرين بل انه أعطى حكم الجزيرة لأبن شادي الصغير. إلا أن شنبه الذي كان يراقب الموقف عن كثب وهو في شيراز سارع إلي جزيرة البحرين بعد أن قبل ابن أخيه ونكل بقسوة بكافة إتباع أخيه ممكن كان قد وقف ضده عندما تنازع مع أخيه، لقد أشاع شنبه الرعب في الجزيرة فأخذ يهرب منها سكانها خشية من بطشه. وفي هذا الجو الإرهابي الذي خلقته نوازع شنبه، أخذ زعماء جزيرة البحرين يتحركون ويتكتلون لإزاحته عن كاهلهم وتخليص الجزيرة من السيطرة الخارجية وإعادة الحكم فيها إلي زعمائها الأصليين. ويفهم مما ورد في الشاهنامه انه كان في جزيرة البحرين ثلاثة زعماء بارزين لهم ثقلهم في الحياة العامة. الأول هو الشيخ احمد بن راشد بن (مانع بن عصفور) زعيم بني عصفور من عامر والثاني على بن محمد البهلوان والذي كان شنبه قد أودعه السجن لأن اتجاهاته فيما يبدو معادية لشنبه وللحكم الأجنبي في الجزيرة هذا ومن المحتمل أن لقب البهلوان الذي يحمله على بن محمد يعود لكونه قائدا لقوافل الحج. إذ أن كلمة البهلوان تأتي بالفارسية بمعنى البطل والشجاع ، كما تأتي بمعنى أمير الحج . وإذا صح ما ذهبنا إليه من أن هذه الكلمة قد استعملت لقباً له بمعناها الثاني فلابد أن يكون على بن محمد من أصحاب الثروة والنفوذ في الجزيرة بالإضافة إلي احتمال وجود صلات واسعة له مع زعماء بني عصفور وبقية زعماء القبائل العربية لما يتطلبه نجاح قيادة قوافل الحجاج من وجود مثل هذه الصلة. ومهما يكن من أمر فان ميوله السياسية والتي سوف تظهر فيما بعد ربما تعزز ما ذهبنا إليه. أما الزعيم الثالث فهو الأمير عجيب Ageb والذي نميل إليه أن هذا الاسم ربما قد حرف عن أصله نتيجة لترجمة الشاهنامة إلي اللغات الأجنبية، وأن الاسم الأصلي له قد يكون عجيل أو عقيل . وعلى كل حال فأن الأمير عجيب أو عجيل كان أسبق زعماء البحرين للعمل ضد شنبه. إذ جمع أتباعه وهاجم شنبه في قصره وتمكن من اقتحامه وقتل شنبه .

وبذلك أصبحت السلطة في الجزيرة في يديه. إلا أنه رأى بأنه لكي يستتب الأمر له لابد من الحصول على تأييد أصحاب النفوذ القوي فيها. فسارع للاتصال بعلي بن محمد البهلوان. الذي كان أطلق سراحه فور نجاح انقلابه وكاشفة بنواياه في الاستقلال بالبحرين وطلب منه الدعم والتأييد. إلا أن البهلوان سرعان ما خيب أماله وأصر بدلا من ذلك على أن تضم جزيرة البحرين إلي بقية بلاد البحرين كما كانت في السابق وأن يعود الحكم فيها إلي بني عصفور العامريين الأمر الذي جعلهما يفترقان في الهدف والعمل، ومن الطبيعي أن تكون وجهة نظر الشيخ احمد بن راشد زعيم بني عصفور في جزيرة البحرين متطابقة مع وجهة نظر البهلوان. لذا فقد أخذا يعملان معاً في هذا السبيل ولكي يتحقق لكل من الشيخ احمد بن راشد وعلى بن محمد البهلوان ما يهدفان إليه قام هذان الزعيمان بالذهاب إلي القطيف واتصلا بحاكمها الشيخ ماجد وطلبا منه العون للتخلص من الأمير عجيب أو عجيل وضم جزيرة البحرين إلي القطيف.

إلا أن موقف حاكم القطيف الشيخ ماجد كان مفاجئا لهما عندما رفض طلبهما لشكوكه في نواياهما، معتقداً بأن هدفهما الحقيقي هو الاستيلاء على السلطة في جزر البحرين والاستقلال فيها، لذا فقد فضل أن تعود الجزر إلي سلطة مملكة هرموز وأن يحافظ على علاقة التبعية معها لذا قام الشيخ ماجد باعتقال هذين الزعيمين وأرسلهما مخفورين على ظهر سفينة إلى الأمير تورانشاه.

والواقع فان الموقف الذي وقفه حاكم القطيف الشيخ ماجد كان مفاجئا لهما عندما رفض طلبهما لشكوكه في نواياهما، معتقدا بان هدفهما الحقيقي هو الاستيلاء على السلطة في جزر البحرين والاستقلال فيها، لذا فقد فضل أن تعود الجزر إلي سلطة مملكة هرموز وان يحافظ على علاقة التبعية معها لذا قام الشيخ ماجد باعتقال هذين الزعيمين وأرسلهما مخفورين على ظهر سفينة إلي الأمير تورانشاه.

والواقع فان الموقف الذي وقفه حاكم القطيف من الشيخ احمد بن راشد زعيم بني عصفور في البحرين ومن حليفة البهلوان ليؤكد عمق الخلافات بين زعماء بني عصفور، وهذا ما عبر عنه ابن فضل الله العمري وهو يتحدث عن وضع زعماء بني عصفور حينما قال ….. إلا أن الكلمة قد صارت بينهم شتى، والجماعة متفرقة. وبعد اطلاع ملك هرموز تورانشاه على أحداث البحرين سارع إليها على رأس قوة بحرية ، وبصحبته الشيخ أحمد بن راشد وعلى بن محمد البهلوان. فما كان من الأمير عجيب إلا أن سارع لاستقباله وقدم له فروض الطاعة، والتمس منه تكليفه بحكم جزر البحرين مقابل الخدمات التي قدمها بقضائه على شنبه .

إلا أن تورانشاه كما يبدو لم يطمئن إلي نواياه ، وإنما كان يعتزم أحكام سيطرته على الجزيرة لذا فلم يكتف برد طلبه بل هدده بأوخم العواقب. فما كان من الأمير عجيب (عجيل) والخطر يهدد حياته، إلا أن هرب من المنامة وهي ميناء البحرين الرئيسي – واختفى في إحدى القرى في الجزيرة، لكن مكان اختفائه اكتشف فقبض عليه حيث اعدم

أما الشيخ احمد بن راشد وعى بن محمد البهلوان فقد أطلق توارنشاه سراحهما بعد أن كان قد استرضاهما. أمضى تورانشاه فترة من الزمن في جزر البحرين كان خلالها مشغولاً بترتيب الأوضاع فيها بالشكل الذي يمنع تكرار ما حدث في السابق، على أن تورانشاه نفسه – والذي ينسب إليه تأليف كتاب الشاهنامه المكرس لتأريخ ملوك هرموز – لم يذكر لنا الوضع السياسي والإداري الذي استقرت عليه الأمور في البحرين. وهل عين عليها حاكما من أفراد أسرته يخضع له مباشرة، أم أنه جعلها تابعه إلي حاكم القطيف الذي ابدي إخلاصا وطاعة له؟

ومهما يكن من أمر فان تورانشاه بعد أن أكمل مهمته في البحرين غادرها إلي القطيف حيث استقبله بترحاب شديد حاكمها الشيخ ماجد. وقد وصفت الفترة التي قضاها في القطيف بأنها فترة راحة واستجمام على أنه كما يبدو قد استهدفت من هذه الزيارة تأكيد تبعية كل من القطيف والحساء إلي مملكته. وبعد أن تأكد لتورانشاه استقرار الأمور في بلاد البحرين بالشكل الذي يريده، غادر القطيف إلي جزيرة البحرين ومنها إلي جزيرة هرموز حيث مقر ملكه. أن الأمر المهم الذي نفتقر إليه بخصوص أحداث بلاد البحرين هو معرفة تاريخ حدوثها، فتورانشاه الملك المؤرخ لم يشر إلي ذلك إلا انه من المحتمل أنها وقعت فيما بين العقد السادس والسابع من القرن الثامن / الرابع عشر. هذا ومما يجدر ذكره، أن الملك المؤرخ تورانشاه قد توفى عام 772/1370-71 بحسب ما رواه نظنزي وعام 779/1377-8 بحسب مارواه تكسيرا. إما منجم باشي والذي اعتمد فيما كتبه عن ملوك هرموز على القاضي غفاري، فقد ذكر أنه توفى عام 788/1386 .

وبقى أن نقول أن كتاب الشاهنامه يمثل مصدراً قيما لمعرفة تاريخ القوى السياسية في الخليج العربي خلال الفترة التي تطرقنا إليها في بحثنا هذا وقد ألقت المعلومات التي زودنا بها هذا المصدر الثمين الضوء على هوية القوى الحاكمة في بلاد البحرين وطبيعة صلتها بمملكة هرموز. ومن الواضح أن بلاد البحرين كانت لا تزال تحكم في هذه الفترة من قبل بني عصفور العامريين الأمر الذي ينفي الرواية القائلة بأن حكمهم قد زال في هذا التاريخ من بلاد البحرين وحل محله حكم بني جروان، وهذا ما سوف نتعرض له بالنقد عند الحديث عن زوال حكم بني عصفور

على أنه من المفيد مواصلة البحث في العلاقة ما بين مملكة هرموز وبلاد البحرين والوقوف بها في حدود نهاية النصف الأول من القرن التاسع / الخامس عشر، بغض النظر عما حدث في بلاد البحرين، على أن نعاود الحديث في هذه الصلة خلال الفترات اللاحقة وذلك عند بحثنا عن الدور الثاني لحكم بني عامر تحت زعامة بني جبر .

لابد لنا ابتداء من نفي ما ذكره النبهاني من أن جزر البحرين كانت قد خضعت لحكم تيمورلنك .أن ما ذهب إليه النبهاني لا يستند إلي دليل، فنظام الدين شامي وشرف الدين أية إشارة في هذا الصدد. فكل ما أورد ذكره هو وصول قوات تيمورلنك إلي سواحل الخليج العربي، فتيمورلنك أرسل عام 796/1393-94 حملة عسكرية بقيادة حفيد أمير زاده محمد سلكان بن جهانكير، نحو إقليمي فارس وكرمان حيث استطاعت اكتساح مدنها وقلاعهما والموانئ المطلة على الخليج العربي ووصلت في تقديمها إلي ذلك الجزء من كرمان الذي يسمى موغستان أو هرموز القديمة ويعتبر جزءا من مملكة هرموز مما اضطر ملك هرموز محمد شاه إلي الهرب من جيوش تيمورلنك والاعتصام بجزيرة هرموز. ولما كانت جيوش تيمورلنك لا تملك السفن فإنها وقفت عاجزة عن احتلال الجزيرة، ومع ذلك فان محمد شاه اضطر إلي دفع مبالغ كبيرة إلي حفيد تيمورلنك لقاء الاعتراف به حاكما في هرموز .

إن هذه الرواية عن علاقة تيمورلنك بالخليج العربي يؤكدها أيضا نطنزي المعاصر للأحداث ومثل ذلك يرد عند منجم باشي وليس هناك من رواية البتة يفهم منها خضوع بلاد البحرين أو جزء منها لنفوذ تيمورلنك ونعيد القول بأنه لا يمكن لقوة خارجية لا تمتلك أسطولا قوياً من إخضاع بلاد البحرين .

ومن المفيد هنا أن نلفت النظر إلي حقيقة كانت قائمة وهي أن ملوك هرموز كانوا قبل غزو تيمورلنك وبعده يقومون بدفع مبالغ من المال لحكام كرمان وفارس من المظفريين وبني اينجو بشكل منتظم تارة وغير منتظم تارة أخرى وذلك بحسن ما تقتضيه الظروف العامة. وبالرغم من ذلك لا يمكن القول بأن بلاد البحرين التي تدين بالتبعية لملوك هرموز في ذلك الحين، خاضعة بشكل مباشر أو غير مباشر لحكام تلك الجهات. والواقع فأن الاعتبارات الاقتصادية والسياسية هي التي ترغم أمراء بلاد البحرين على أن يدينوا بالتبعية لمن يمتلك قوة بحرية متفوقة في مياه الخليج العربي، لئلا يؤدي وقوفهم في وجه هذه القوة إلي إلحاق ضرر كبير بنشاطهم التجاري، باعتبار أن بلاد البحرين تشكل حلقة الصلة ما بين الطرق التجارية البحرية والبرية أو إلي إضعاف مركزهم العسكري تجاه خصومهم السياسيين في الداخل .

ومن المفيد أيضاً أن نورد ما ذكرته بعض المصادر أن تيمورلنك بعد استيلائه على بغداد عام 795/1393 قام بإرسال حملة عسكرية إلي البصرة بقيادة ابنه ميرانشاه، إلا أنها منيت بهزيمة كبيرة فيها وأسر أبن تيمورلنك، إن الذي يهمنا من هذه الواقعة هو أن المصادر قد ذكرت بأن الذي هزم جيوش تيمورلنك في البصرة اسمه صالح بن جولان. وقد وصف صالح هذا بأنه صاحب البصرة والبحرين، وأنه كانت تلتف حوله أعداد كبيرة من عرب البصرة والبحرين.

ومهما يكن من أمر فأن هذه الحادثة تفيد بأن عرب البحرين قد قاوموا جيوش تيمورلنك في البصرة، وإذا كان تيمورلنك قد نجح أخيرا في الاستيلاء عليها فأنه لم تردنا إشارة تفيد بقيامه بهجوم بري على بلاد البحرين .

أن ما نملكه من شواهد تدل على أن بلاد البحرين قد استمرت خلال القرن التاسع /الخامس عشر تدين بالتبعية لملوك هرموز . فالسخاوي (902/1507) عندما ترجم لقطب الدين فيروزشاه وصفة بأنه ملك هرمز والبحرين والحساء والقطيف، كما أن السخاوي نفسه قد وصف أيضا سيف الدين مهار الذي أطاح بحكم والده فيروز شاه سنة 819/1417، بأنه صاب جزيرة هرموز والبحرين. أما الجعفري فقد ذكر عند حديثه عن سيف الدين مهار بأنه قد قام بإرسال حكام من قبله إلي مناطق عديدة، وذكر من بينها القطيف والبحرين. ويعطينا منجم باشي صورة أخرى عن الموقف. فعند حديثه عن الانقلاب الذي دبره سيف الدين مهار ضد والده الذي كان متغيباً في الحج قال بأن سيف الدين مهار قد استولى علن جيرون والبحرين وعمان والقطيف وقلهات وهرموز ومنوجان وغيرها وضبط البلاد . ومما هو جدير بالذكر أن حاكم قلهات فخر الدين تورانشاه قد قام بثورة أطاحت بحكم أخيه سيف الدين مهار عام 840/1436-37 . أن ثورة فخر الدين تورانشاه ضد أخيه قد تمت بتحريض ومساندة من زعماء العرب الذين كان هدفهم فيما يبدو إضعاف الأسرة الحاكمة في هرموز والتخلص من تحكهما في بلادهم .

أن فترة حكم فخر الدين تورانشاه في هرموز تمثل بداية انحسار وضعف في نفوذ مملكة هرموز، وتمثل أيضا انكماشاً في نفوذها على بلاد البحرين ، حتى انتهى الأمر أخيراً إلي استقلال تلك البلاد على يد أحد بطون بني عامر وهم بنو جبر .

نهاية الإمارة العصفورية

على الرغم من افتقارنا إلي الحد الأدنى من المادة التاريخية التي من خلالها يمكن أن نتلمس طريقنا في ظلمة الغموض الذي يلف بلاد البحرين خلال الفترة التي نتصدى لكشفها، إلا أننا نمتلك بعض أدوات التصور لما نتوقع أن يكون قد حدث ببلاد البحرين. مستدين بضوء الدراسات الاجتماعية التي نشرت والمتعلقة بقوى سياسية واجتماعية مماثلة في ظروفها الاقتصادية وبنائها الاجتماعي والتحولات التي مرت بها مع أوضاع الإمارة العصفورية، على الرغم من وجود التفاوت الزمني في أحداثها إذ أنه مع الثبات النسبي لظروف التحولات الاجتماعية والسياسية، يكون للتفاوت الزمني تأثير محدود .

عند بحثنا في العلاقة ما بين بني عامر والعيونيين أشرنا إلي بروز تحول هام في الحياة الاجتماعية والاقتصادية لبني عامر. فبعد أن كانت وسائل إنتاجهم الرئيسية، التي يتساوون في الانتفاع بها تعتمد على المراعي ومصادر المياه وترفضها عمليات الغزو التي يرافقها عادة السلب والنهب، وكذلك إرغام قوافل الحج والتجارة على دفع الإتاوة لهم، أصبحوا منذ القرن الثاني عشر يتغلغلون في أرياف بلاد البحرين وسواحلها، فامتلكوا المزارع والبساتين وعيون المياه والسفن البحرية ومغاصات اللؤلؤ. كما أخذت تبرز فيما بينهم أفخاذ وبطون تلتف حول هذه الزعامة القبلية أو تلك، كما أن هذه الزعامات أخذ كل منها يقف بقوته العسكرية إلي جانب أحد الحكام العيونيين العديدين المتنافسين على السلطة، وذلك حسب ما تمليه عليه مصالحة .

أن كل هذه الظواهر تعني بأن الإطار الاجتماعي الرعوي لبني عامر قد أخذ يتبدل ويتفكك. فبعد أن كانت الروابط الاجتماعية تدور حول الرابطة القبلية الواسعة أصبحت هذه الرابطة غير وثيقة ثم تلا ذلك تطور سياسي عام في حياة بنو عامر .

اتخذت شكل الإمارة التي أقامها الشيخ عصفور بن راشد شملت بلاد البحرين وأجزاء من نجد وعمان.

إن نجاح قوة قبلية بتأسيس سلطة سياسية في بقعة يسودها الطابع القبلي، يعني العمل على إنهاء المساواة في الانتفاع بوسائل الإنتاج على الأسس القبلية، لأنه من غير الممكن إيجاد الموازنة بين ادعاءات القوى القبلية ومصلحة الأسرة الحاكمة الجديدة. فالدولة تعمل على توسيع سيطرتها الاقتصادية وتطوير الملكية الخاصة وتنشيط المصالح التجارية والفعاليات الاقتصادية المختلفة، وكذلك تنظيم استيفاء الضرائب وحماية المنتجين. كما أنها من الجهة الأخرى ترفض الاعتراف للمجاميع العشائرية بحق الانتفاع وإياها على قدم المساواة بكل ذلك. مما يؤدي في كثير من الأحيان إلي حدوث النزاعات فحالة الشقاق العشائرية حالة ملازمة لمثل هذه المجتمعات، لأن كل مجموعة من البطون لا تعترف بحق أي مجموعة قرابية بأن تنفرد دونها باحتكار السلطة والانتفاع بالموارد. إذ علينا إلا نتوقع بأن التحولات التي أدت إلي قيام الإمارة العصفورية في بلاد البحرين والتطورات الاجتماعية التي رافقت ذلك ، كانت قد مست بالتغيير المجاميع العشائرية القرابية بشكل رئيسي وأنها دمرت كيانها الاجتماعي. فسلاحها كان لا يزال كامناً وموجوداً، الأمر الذي يؤدي في بعض الأحيان إلي تمردها كلما شعرت بعدم انسجامها مع كيان الدولة. على أنه يجب أن نستدرك ونقول بأن المجاميع العشائرية من الأفخاذ والبطون تعترف من الجهة الأخرى، وفي أي مستوى اقتصادي واجتماعي كانت. من الخطأ في تصوراتنا لطبيعة موقف السكان في بلاد البحرين من السلطة الحاكمة، أن يقتصر حديثنا على بطون وأفخاذ بني عامر، علينا أن نبدي الملاحظات أيضا بخصوص طبيعة الروابط التي تربط فيما بين السكان المستقرين ثم يربطهم بالسلطة الحاكمة وطبيعة موقفهم منها .

أن السكان المستقرين في بلاد البحرين سواء أكانوا في المدن والقرى والواحات أم على سواحل الخليج تربطهم روابط اقتصادية واجتماعية بالسكان القبليين، فهم يتحولون من خلال الانصهار والاندماج البطيء إلي وحدة كبيرة ذات صلة قربى. على أن السكان المستقرين أنفسهم من الجهة الأخرى على الرغم من وجود الملكية الخاصة للأرض وما ينتج عنها من تمايز في الثروة والمراتب الاجتماعية – يتحدون في روابطهم ويتكتلون بحسب المدن والأحياء والقرى، ويثور بينهم النزاع على أساس هذه التكتلات. كما أنهم قد يتكتلون في قوتهم البشرية والمادية بحيث يصبحون من القوة في بعض الفترات بالشكل الذي يمكنهم من السيطرة على القبائل المحيطة بهم ، أو يقيمون تحالفات معهم .

على أن الملاحظة الجديرة بالإشارة بخصوص السكان المستقرين، هي أن ضروب النشاط الاقتصادي المختلفة التي يمارسونها تتطلب توافر الأمن والاستقرار، إذ بدون ذلك لا يمكن للنشاط الاقتصادي أن يزدهر، لذا فهم يساندون الحكم الذي يحقق لهم ذلك، فمصلحتهم الخاصة أذن ذات صلة بمصلحة السلطة السياسية القهرية. وكثيراً ما تلجأ الأسرة الحاكمة إلي توثيق صلتها بقطاعات السكان المختلفة وتدعيم مركزها بينهم، عن طريق المصاهرات المتعددة الجوانب .

على أنه يجب إلا يغيب عن بالنا أن طوائف السكان المستقرين يتباينون في درجة ولائهم للسلطة، فإذا كان من السهل اضطهاد الفلاحين واستغلالهم من قبل الأسرة الحاكمة نظراً لارتباط نشاطهم الاقتصادي بالملكيات الزراعية الثابتة، فان طوائف التجار والصناع تتميز ولاءاتهم عموماً بعدم الثبات ، إذ كثيراً ما يلجأون إلي تبديلها تبعاً لموازين القوى ومصالحهم الخاصة، فأي تبديل في خطوط المواصلات التجارية أو زيادة كبيرة في الضرائب التي يفرضها الحاكم عليهم أو بروز هيمنة لقوى جديدة منافسة في منطقة أخرى داخل البلاد أو خارجها، كل ذلك يحملهم على تبديل في مواقفهم ويتمثل في أخذهم أموالهم ورحيلهم، مانحين ولاءهم لمركز القوى الجديد. فهم بذلك يهجرون أسيادهم عندما يضعفون. كما أنهم من الجهة الأخرى بعكس البدو في ولائهم، إذ أن الآخرين يبقى ولاؤهم ثابتاً نسبياً لقبيلتهم ولا يمنحون ولاءهم لأية قوة على حساب ولائهم لقبيلتهم .

وبما أن أحد مصادر الثروة الرئيسة في بلاد البحرين تعتمد على النشاط التجاري وما يجلبه من فوائد من خارج البلاد، كان على حكامها من أجل الثروة – أن يتنافسوا من أجل السكان مثلما يتنافسون من أجل الأرض. ففي السياسة في بلاد البحرين لابد أن يعطي للسكان بالغ الأهمية لأنهم مصدر ثروة البلاد.

لاشك بأن التصور الذي قدمناه سوف يساعدنا إلي حد ما في تفهم التفاعلات والتحولات والصراعات التي كانت في بلاد البحرين في ظل الإمارة العصفورية والتي أدت في النهاية التي التفكك السياسي والانحلال ثم إلي زوال سلطتهم من البلاد . وما بقى لدينا إلا أن نستعرض ما توفر لدينا من مادة تاريخية شحيحة.

أن الذي نميل إليه هو أن الشيخ عصفور بن راشد خلال جهوده لانتزاع السلطة من العيونيين والسلغريين والفترة التي أعقبها كان في كسب إلي حد كبير تأييد ومؤازرة قطاعات عديدة من السكان المستقرين بالإضافة إلي معظم بطون وأفخاذ بني عامر واستطاع أن يلفهم حول حكمه. والذي يبدو لنا أيضا أن الشيخ عصفور كان قد اشترك في السلطة بعض بطون بني عامر إضافة إلي أسرته، فعلى الرغم من أنه كان قد وزع السلطة في بلاد البحرين واليمامة على أولاده، فإنه قد أشرك الشيخ مانع بن على بن ماجد بن عميرة في حكم البلاد ، كما أنه كان أشرك قبل ذلك في السلطة الشيخ أبا عاصم بن سرحان بن محمد بن عميره ، ومن المحتمل أنه خلال النصف الثاني من القرن السابع/الثالث عشر ، لم تكن هناك نزاعات تذكر حول السلطة . إلا أنه خلال حكم أولاد الشيخ مانع بن عصفور في النصف الأول من القرن الثامن/الرابع عشر، انفجرت النزاعات حول السلطة.

فالقلقشندي ينقل لنا عن ابن فضل الله العمرى وصفاً لأوضاع بلاد البحرين خلال تلك الفترة، حيث يقول بأن "الإمرة فيهم في أولاد مانع إلي بقية أمراء منهم وكبراء لهم، وبلادهم ما بين العراق والحجاز، ولهم قصور مبنية وأطام عليه وريف غير متسع، إلي مالهم من النعيم والماشية، والحاشية الفاشية …."

ثم يضيف القول "إلا أن الكلمة قد صارت بينهم شتى ، والجماعة متفرقة (126)".

ثم أن ابن فضل الله العمري يورد لنا قائمة تتضمن أسماء عدد كبير من أمراء بني عصفور إضافة إلي أسماء أمراء لعرب البصرة والبحرين من غير بني عصفور. وقد قسم هؤلاء الأمراء إلي ثلاث مراتب حسب أهمية نفوذهم السياسي والقبلي. وقد جعل في المرتبة الأولى من هؤلاء الأمراء أثنين من أولاد الشيخ مانع بن عصفور، وهم محمد و حسين. وقد ضمن هذه المرتبة أسماء نرجح أن يكونوا من أمراء عرب البصرة، وهم صدقة بن إبراهيم بن أبي دلف وعلى بن منصور.

أما المرتبة الثانية، فقد ورد فيها اثنان من أولاد الشيخ مانع بن راشد وهما بدران وراشد ، إضافة إلي مانع بن بدران ، وكبلى بن ماجد بن بدران ومانع بن على، كما تضمنت هذه المرتبة أسماء يبدو أنها من أمراء عرب البصرة والبادية ، وهم رومي بن أبي دلف وزين ابن قاسم ويوسف بن قاسم وسعيد بن معدي وعيسى بن عرفه وظالم بن مجاشع وإسماعيل بن صواري. وأخيرا تأتي أسماء أمراء المرتبة الثالثة ونجد من بينهم عددا من أولاد الشيخ مانع بن عصفور وأحفاده وهم زيد بن مانع وحسن بن عظيم بن مانع وهلال بن يحيي بن معمر بن مانع وموسى بن أبي الحسين ومحمد بن خليفة. ولقد ورد ضمن قائمة أمراء المرتبة الثالثة سعد بن مغامس (127) وهو من أمراء البحرين وسوف نشير إلي دوره في الأحداث في حينه .

يتضح لنا في القائمة السالفة كثرة أمراء بني عامر منحدرين من نسل الشيخ مانع بن عصفور بن راشد وتعدد مراتبهم وأهميتهم. إلا أنه من المؤسف حقاً أن ابن فضل الله العمرة لم يعطنا تفاصيل أكثر عن مركز كل واحد منهم في السلطة والمناطق التي يسود فيها نفوذه ونوع العلاقات القائمة بينهم. والواقع فأن عدم وجود المبدأ الوراثي الثابت لتولية المشيخة ربما يكون خلف كثرة أمرائهم وتعدد مشاحناتهم. فالأمير في مثل هذه الكيانات يخلفه ابنه وربما عمه أو ابن أخيه، وهذا يعتمد على القابلية الشخصية لكل فرد من أفراد البيت الحاكم وعلى عدد المنضوين تحت لوائه من عشيرته وأتباعه. كما أن يمين الولاء الذي يؤديه أفراد الأسرة الحاكمة والوجوه والأعيان للحاكم، ما هو في الواقع إلا اتفاق يمكن فسخه، فليس له من قوة أو قدسية. لذا فعلى الحاكم في ظل هذه الظروف السياسية والاجتماعية أن يلجأ إلي استخدام الإجراء والعبيد لحراسته لكي يشعر بالأمان إذ أنهم أكثر إطاعة له، فلا ينظرون إليه على أنهم على قدم المساواة معه، مثلما ينظر إليه أفراد أسرته وعشيرته الذين يطالبونه بإشراكهم في السلطة والسمعة والثروة. فالظروف المشار إليها تدفع الأمير إذا لتكوين هذه القوة الخاصة ذات التركيب الاجتماعي المقطوع الجذور أو الضعيف الالتصاق بالواقع القبلي السائد، مما يسهل عليه استخدامها في حفظ الأمن وجمع الضرائب فهم خدام الشيخ أو رجاله (رجاجيل الشيخ) الذين يحيطون به ويحمونه .

كما أن لجوء الأمراء العصفوريين إلي اتخاذ المباني المحصنة مستقراً لهم ولحاشيتهم – وأن كان ذلك يدل على تحو لاجتماعي في حياتهم – ما هو في الواقع إلا تعبير عن عدم شعورهم بالأمان من خصومهم السياسيين.

فأحتاطوا لأنفسهم بالسكن في القصور والحصون. وهذا ما عبر عنه ابن فضل الله العمري في نصه السابق ، عندما وصف حياتهم بقولة " …. ولهم قصور مبنية واطام عليه …. والحاشية الفاشية …. " .

والواقع فأن عمليه تكوين السلطة السياسية تعتمد على التطور الحاصل في الإدارة الوحيدة للقوة، وهي القوة العسكرية، ولم تظهر سلطة سياسية بدون ظهور قوة عسكرية إلى جانبها على أن التركيب الاجتماعي للقوة العسكرية ما هو إلا نتاج البيئة الاقتصادية والاجتماعية أي المادة البشرية مع بنائها الثقافي وتركيبها الاجتماعي ومفاهيمها .

على أنه يجدر بنا ونحن نستعرض عوامل تفكك السلطة السياسية لإمارة العصفوريين أن نشير إلي أثر القوة السياسية الخارجية. إذ أن ظهور القوى البحرية التجارية في مياه الخليج العربي كالطيبيين في مقاطعة فارس وجزيرة قيس وكذلك مملكة هرموز، ربما لعبت أدواراً رئيسية في هذا الخصوص .

فالتنافس بين أمراء بني عصفور حول السلطة وخشية بعضهم من بعض ربما دفعهم إلي التسابق في طلب الدعم الخارجي من هذه القوى التي سوف ترحب بالتأكيد بمثل هذا الطلب لبسط نفوذها على بلاد البحرين. كما أنه لابد من أن نشير بأن تحكم هذه القوى البحرية في تجارة الخليج العربي هو مصدر تهديد خطر لكيان بلاد البحرين ولازدهار اقتصاديا فيما إذا لم يقم حكامها علاقة سياسية مع هذه القوى تلك العلاقة التي انتهت في أحيان كثيرة إلي إخضاع البلاد إلي نوع من التبعية الاقتصادية والسياسية. ولعل فيما مر بنا ما يغني عن إعادة التوضيح .

بقى علينا أن نناقش تاريخ زوال إمارة العصفوريين وان نتحدث عن القوى التي تم على يديها ذلك ، والفترة الزمنية لوقوعه .

أن ما نملكه بهذا الخصوص هو نص واحد أورده أبن حجر العسقلاني نستشف منه أموراً كثيرة، فعندما ترجم أبن حجر لإبراهيم بن جروان قال عنه " إبراهيم بن ناصر بن جروان المالكي من بني مالك بطن من قريش ، صاحب القطيف ، انتزع جده جروان الملك من سعيد بن مغامس بن سليمان بن رميثه القرمطي في سنة 705 ، وحكم في بلاد البحرين كلها ، ثم لما مات قام ولده ناصر مقامه ، ثم قام إبراهيم مقام أبيه ، وكان موجوداً في العشرين وثماني مائة ، وهم من كبار الروافض" (128)

أن هذا النص لم نعثر على ما يؤيده أو ينفيه أو يصححه، وقد أعتمده بعض المعاصرين ممن مروا بتاريخ هذه الفترة مروراً عابراً، وقبلوه بدون أدني تمحيص لافتقارهم إلي أدوات تجرحيه. على أننا سوف نقف أمامه وقفة طويلة، وسوف ينصب نقدنا أساساً على التواريخ التي تضمنها النص.

على الرغم من أن ابن حجر في هذا النص لا يشير بشكل مباشر إلي ما يتعلق بإمارة العصفوريين إلا أنه يفيدنا بهذا الخصوص. فهو يورد بأن جروان قد انتزع بلاد البحرين من سعيد بن مغامس عام 705/1305-1306، ومعنى ذلك أن سعيد بن مغامس كان قد انتزع تلك البلاد أو جزءا منها من العصفوريين. فمن يكون سعيد بن مغامس هذا؟ يمكن أن نطرح ثلاثة احتمالات بهذا الخصوص،

الاحتمال الأول يستند إلي قائمة أسماء أمراء بلاد البحرين خلال النصف الأول من القرن الثامن/الرابع عشر التي أوردها ابن فضل الله العمرة وذكرناها سابقاً. إذ نجد من بين الأسماء اسم سعد بن مغال احتمال. سعدا هذا ما هو في الحقيقة إلا سعيد بن مغامس بن سليمان بن رميثه الذي أورد ذكره ابن حجر ، أو أنه أخ له ؟ أنه من الصعوبة الإجابة على مثل هذا الاحتمال ..

أما الاحتمال الثاني فهو أن يكون سعيد بن مغامس من أحفاد شريف مكة أبي نمى، إذ تشير مصادرنا إلي أن قسما من هؤلاء قد استقروا في العراق ومارسوا نفوذا سياسياً واجتماعياً ودينياً واسعاً فيه خلال القرن الثامن/الرابع عشر ( العدان الايلخاني والجلايري) ، ولعل الدور الذي لعبه الشريف أحمد بن الشريف رميثه بن أبي نمى في وسط وجنوبي العراق خلال هذه الفترة خير مثال على ذلك . كما أنه يرد ذكر أكثر من شخص من أحفاده في العراق ممن يحمل اسم مغامس والذي يهمنا من بين هؤلاء هو السيد مغامس الذي ذكر ابن عمه (ت 812) بأنه من أبناء الشريف رميثه بن أبي نمى (ت 746) المقيمين في العراق ، وقد يكون السيد مغامس هذا حفيداً للشريف رميثه. ولقد أضاف أبن عنبه قائلاً بأن للسيد مغامس عقب، ثم سكت دون أن يصرح باسم أحد منها. والسؤال الذي يطرح نفسه هو، هل سعيد بن مغامس الذي ورد ذكره في نص ابن حجر هو من أبناء مغامس المنحدر من الشريف رميثه؟ وإذا كان كذلك فكيف تسنى له ذلك؟ للإجابة على ذلك هناك احتمالان، إما أن يكون السيد مغامس أو ولده سعيد قد أنتقل من العراق إلي بلاد البحرين فأصبح لهم نفوذ ومنزلة كبيرتين نظراً لانتمائهم العائلي، الأمر الذي مكنهم من انتزاع السلطة من العصفوريين. أو أن سعيد بن مغامس كان قد استعان في الاستيلاء على السلطة في بلاد البحرين ببعض قبائل جنوبي العراق، وربما قد تم ذلك بتوجيه وتشجيع من الجلايريين الذين لهم الحكم في العراق وإيران. إلا أن سلطة سعيد بن مغامس بن سليمان بن رميثه هذا لم تدم طويلاً لاحتمال أن تكون القوى الخارجية التي استعان بها قد انفضت من حوله نظراً لطبيعتها القبلية. مما مكن جروان من انتزاع السلطة من يديه بالاستعانة بنفوذه داخل الإحساء.

أن مما يعزز هذا الاحتمال في كون سعيد بن مغامس من ذرية الشريف رميثه هو أولاً أن ابن حجر قد وصفه بالقرمطي ولابد أن يكون المقصود بذلك أنه شيعي المذهب، إذ لا يوجد للقرامطة في بلاد البحرين من بني عصفور وانه ينتمي إلي إحدى عشائر بني عقيل وكانت هناك علاقة بين قبائل جنوبي العراق وخصوصاً البصرة وبين قبائل البحرين، ولعل تعاونهم معاً ضد جيوش تيمورلنك عندما غزت البصرة خير شاهد على ذلك، وقد مر ذكرها.

ثالثا ما أورده العصامي من وجود أقرباء الشريف مكة في الحسا حتى القرن العاشر/السادس عشر.

أما الاحتمال الثالث ، فهو أن يكون صالح بن جولان الذي سبق وذكرنا بأنه قد قاوم جيوش تيمورلنك عند هجومها على البصرة عام 795/1393 والذي يوسف بأنه صاحب البصرة والبحرين هو الذي انتزع بلاد البحرين من بني عصفور وأنه ينتمي إلي إحدى عشائر بني عقيل التي تقيم في منطقة البصرة (بنو مالك ، عباده ، خفاجة) أو أنه من أمراء بني عصفور في البحرين وقد مد نفوذه إلي البصرة وأقام فيها. وعين سعيد هذا قد انتهى بنهاية صالح بن جولان أمام تيمورلنك .

أو أن يكون سعيد بن مغامس قد استولى على بلاد البحرين منتهزاً الهزيمة التي منى بها صالح بن جولان صاحب البصرة والبحرين بعد ذلك أمام جيوش تيمورلنك أن هذا الأمر لا يتعارض وصلة القرابة التي من المحتمل أنها تربط سعيد بن مغامس بشريف مكة رميثه، كما أن الاحتمال الثالث الذي ذكرناه أنفا متداخل مع الاحتمال الثاني .

أما النقطة الأهم في نص ابن حجر فهي التواريخ التي أوردها إذ هي ملفته للنظر وتحتاج إلي مناقشة. فالتاريخ الذي أورده ابن حجر كبداية لقيام حكومة جروان في بلاد البحرين هو عام 705/1305-06 أما تاريخ بداية حكومة سعيد بن مغامس فكان في مطلع القرن الثامن/الرابع عشر بحسب ما ذكره الشيخ محمد العبد القادر . أن التواريخ الآنفة الذكر لا يمكن القبول بصحتها للأسباب الآتية :-

أولاً : – أن أبن فضل الله العمري الذي عاش في النصف الأول من القرن الثامن/الرابع عشر ، وكان معاصراً لما يرويه قد ذكر بأن بلاد البحرين تحكم من قبل أولاد مانع بن عصفور وأن دارهم الإحساء والقطيف وملح وأنطاع والقرعاء واللهابة والجسود ومتالع

ثانياً : أن القائمة التي أوردها ابن فضل الله العمري لأمراء بلاد البحرين في النصف الأول من القرن الثامن/الرابع عشر صريحة في أن الحكم في تلك البلاد هو بيد أولاد مانع وليس هناك من ذكر لجروان أو أولاده .

ثالثاً : إذا كان ما افترضناه من أن سعد بن مغامس الذي ورد ذكره عند ابن فضل الله العمري، ما هو إلا سعيد بن مغامس بن سليمان بن رميثه الذي ورد في نص ابن حجر فأننا نجد أن أسمه يأتي ضمن أمراء المرتبة الثالثة، ومعنى ذلك أنه ذو نفوذ سياسي محدود جداً إذ لا يمكن أن يكون حاكم بلاد البحرين ، خلال هذه الفترة ويوضع في هذه المرتبة. أما إذا سلمنا بأن سعيد بن مغامس ما هو إلا حفيد شريف مكة رميثه المتوفي سنة 746/1345 -46 فمن المستبعد أن يكون الحفيد قد برز إلي الوجود في مطلع القرن الثامن / الرابع عشر .

رابعاً : أن الأحداث التي وقعت في بلاد البحرين في عهد توران شاه وورد ذكرها في الشاهنامه تشير إلي أن زالفترة.عصفور في جزيرة البحرين هو الشيخ أحمد بن راشد وأن حاكم القطيف هو من أقربائه أيضا وهو الشيخ الثاني من القرن الثامن/الرابع عشر، وقد حددنا وقوعها بشكل تقريبي في العقد السادس أو السابع من ذلك القرن فأين ذكر بني جروان أن كانوا يحكمون جميع بلاد البحرين حسب ما أورده ابن حجر؟ بل الذي تفيده هذه النصوص التي أشرنا إليها هو أن حكم بني عصفور لا يزال قائماً في بلاد البحرين في هذه الفترة.

خامساً : أن أبن حجر قد حدد بداية قيام حكومة جروان بعام 705 وأن ولده ناصرا قد أعقبه في الحكم ثم حفيه إبراهيم. وقد وصف ابن حجر إبراهيم هذا بأنه لا يزال يحكم في القطيف عام 820/1417 ومعنى ذلك أن ثلاثة حكام منهم قد حكموا بالتعاقب لمدة تزيد على 110 سنوات ، وأن ثالث هؤلاء الحكام كان لا يزال بحكم في البلاد في عام 820/1418 فيكون بذلك معد حكم كل واحد منهم يقارب الأربعين عاماً. الأمر الذي يصعب قبوله لأنه من الأمور القليلة الوقوع في مناطق واسعة من العالم، فكيف الحال في بلاد البحرين التي يكثر فيها الاضطراب ويتدني فيها المستوى الصحي .

سادساً : أن أبن عنبه ينقل رواية عن أستاذه ابن معيه الحسيني (ت 776) بخصوص أعقاب موسى الجون الذين يقال لهم الأخيضريون، بقوله أنهم في اليمامة بألف فارس وهم مع عامر. أن تخصيص دخول الأخيضريون مع عامر يدل على أن بني عامر كانوا لا يزالون حتى ذلك التاريخ هم أصحاب الصولة والجولة في بلاد اليمامة أيضا .

سابعاً : سبق أن ذكرنا بأن صالح بن جولان الذي قاوم ببسالة هجوم تيمورلنك على البصرة عام 795/1393 ، وقد وصفته المصادر بأنه صاحب البصرة والبحرين، ومعنى ذلك أنه الحاكم فيهما، ومن بين من ذكر ذلك أن حجر نفسه، ومعنى ذلك أنه قد ناقض نفسه في نصين مختلفين، إذ كيف يحكم أولاد جروان؟ بلاد البحرين في الوقت الذي هي تحكم من قبل صالح بن جولان؟ يتضح مما أوردناه من اعتراضات بأنها كافية لتفنيد التاريخ الذي أورده محمد العبد القادر حول تاريخ استيلاء سعيد بن مغامس على السلطة في بلاد البحرين، وكذلك ما أورده ابن حجر حول تاريخ قيام حكومة جروان . لذا لابد أن يكون هذا التاريخ خطأ وقد يكون مصدر هذا الخطأ أن تحريفاً أو سهواً قد وقع في هذا التاريخ، أما في أصل كتاب أبن حجر أو في المطبوع منه، وقد يكون هناك رقم قد وقع من الوسط مابين الرقم الأول والثالث وحل محله الصفر .

بقى إذا أن نعرف التاريخ التقريبي لزوال حكم العصفوريين من بلاد البحرين. أن إعطاء رقم محدد لذلك ليس بالأمر الهين ما دامت مصادرنا ضنينة علينا. والذي نراه أن حكم العصفوريين في بلاد البحرين قد أمتد لمدة تقارب من القرن ونصف القرن، وأن زوال حكمهم قد تم في العقد الثامن أو التاسع من القرن الثامن/الرابع عشر، وقد يكون ذلك مرتبطاً بالاضطراب الذي عم منطقة الخليج العربي، والشرق بظهور تيمورلنك. أن تواريخ 775 أو 785 وحتى 790 هي تواريخ مقاربة لذلك وأخيراً ونحن بصدد ذكر إمارة جروان من المفيد أن نسجل بعض الملاحظات وهي:~

أولاً : أننا لا نرى بأن جروان ينتسب إلي بني مالك القرشيين كما ذكر ابن حجر بل الذي نراه هو أنهم من بني مالك أحد بطون عبد القيس ويبدو أن محمد العبد القادر قد حاول أن يصلح الخطأ الذي وقع فيه أبن حجر، عندما ذكر جروان من بني مالك بن عامر، وكلا البطنين هم من عبد القيس. ومما هو جدير بالذكر هنا بأن ابن مقرب العيوني كان قد ذكر في شعره مرارا اسم إبراهيم بن عبد الله بن جروان معاتباً إياه أو مادحا له وكان إبراهيم هذا أحد أثرياء الإحساء ووجهائها ومعاصرا لقيام إمارة العصفوريين. فهل جروان الذي نجح في تأسيس سلطة سياسية في بلاد البحرين هو من ذريته؟

وإذا كان كذلك فلابد أن فوزه في السلطة قد تم نتيجة لتحالف بعض البطون والأحياء في أرياف بلاد البحرين وهذا ما ألمحنا إليه سابقاً من أن زعماء السكان المستقرين في الأرياف ربما يكون لهم من القوة بحيث يستطيعون فرض سيطرتهم على مناطق واسعة وأن الأثرياء في بلاد البحرين لهم من النفوذ والأتباع الذين يدينون لهم بالتبعية الاقتصادية ما يقارب نفوذ الشيوخ والحكام .

ثانياً : أن إمارة جروان لابد أن تكون قد خضعت هي الأخرى لتبعية مملكة هرموز وأن حكمها هي الأخرى لتبعية مملكة هرموز وأن حكمها لم يشمل جزيرة البحرين . فالنصوص التي أوردها السخاوي تشير إلي أن فيروز شاه الذي قد انتهى حكمه عام 819/1417 كان ملكاً لهرموز والبحرين والحساء والقطيف . كما أن ولده سيف الدين مهار الذي أعقبة في الحكم وانتهى حكمه عام 840/1436 – 37 قد قال عنه جعفري بأنه كان قد أرسل بالحكام من قبله لكل من القطيف والبحرين .

ثالثاً : أن بني عصفور خاصة وبني عامر عامة قد فقدوا سلطتهم السياسية قد بقوا في بلاد البحرين محتفظين بنفوذهم الاقتصادي الواسع. ولعل فيما ذكره السخاوي عند ترجمته لمحمد بن محمد العمري، من أنه قد غادر الحجاز بعد انتهاء موسم الحج متوجهاً إلي بلاد العجم بصحبة قافلة بني عقيل سنة 823/1420، يمكن اعتباره دليلاً مهما على استمرار النشاط الاقتصادي لبني عامر – الذين كثيراً ما يطلق عليهم بنو عقيل – وعلى أنهم لا يزالون يتمتعون بهيبة واحترام في جزيرة العرب، خاصة ونحن نعرف الأهمية التجارية لقافلة الحج وبأن من يتولى قيادتها لابد أن يكون قادراً على حمايتها . ومن المحتمل أنهم دفعوا ثمناً لبقائهم بنقل ولائهم وقوتهم العسكرية إلي خدمة القوة الجديدة، متحينين الفرصة المناسبة لاسترجاع مكانتهم السابقة وقد تم لهم ذلك أخيراً على يد أحد أفخاذهم وهم بنو جبر الدين استرجعوا سلطة بني عامر على بدلا البحرين في حدود منتصف القرن التاسع / الخامس عشر .

يقر كتاب البحث بأنه مدين بالشكر العميق للزميلين الأستاذ أسعد الكبيسي والدكتور محمد وصفى أبو مغلى مدرسي اللغة الفارسية في جامعة البصرة لما قدماه من مساعدة في قراءة النصوص الفارسية وترجمتها. أما النصوص الفرنسية والألمانية فقد تفضل مشكوراً الصديق الدكتور وست T-West مدرس الأدب الأوربي المقارن في جامعة ايست انجليا بترجمتها إلي اللغة الانجليزية بناء على طلب الكاتب .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر:

1. تحفة الألباب في تاريخ الإحساء، مجلة العرب جـ 5-6 (1975) ص 440-72 خصوصاً ص 471 .

1. أحمد مصطفى أبو حاكمة، صفحات مطوية من تاريخ الخليج والجزيرة العربية، مجلة الدوحة مارس 1976 ص 80-81 .

1. كمثال على ما كتب بشكل متحيز ويتجاهل دور العرب في تاريخ الخليج العربي راجع عباس إقبال مطالعاتي درباب بحرين وجزاير وسواحل خليج فارس، طهران 1328 شمسي وقد كتب هذا البحث بطلب من الخارجية الإيرانية ونشر بأمر منها .

1. J.H. Stevens Man and Environments in Eastern Saudi Arabian Studies . I London (1974) 137-8ed .R.S. Serjeant & R.I. Bidwell

1. حول أهمية سفن العرب الشراعية ودورها في حياة عرب الخليج راجع H.Yajima . The Arab Dhow Trade in the Indian Ocean (Tokyo, 1976)

1. J.B. Kelley (( Sovereignty and Jurisdiction in Eastern Arabia , International Affairs Vol.34,I.1959 PP . 16-24esp.17

1. وللاطلاع على أثر القيم القبلية في قيام الكيانات السياسية في شرق الجزيرة العربية انظر.

P. Lienbardt. The Authority of shaykhs in the Gulf Arabian Studies, (London 1975) , 61-75

1. M/B. Rowton. Autonomy and Nomadism in Western Asia Orientalia Vol.42.Nova Series Fase.1.2,Rome 1973) PP.247-58 esp. 253-4.

1. لمن يريد من الباحثين أن يتعرف على الدراسات الأخرى لروتون عن القبائل ودورها في تاريخ العراق والبحرين منذ القدم حتى العصر الحديث عليه مراجعة الأبحاث التالية لنفس الكاتب .

Urban Autonomy in a Nomadie Environment , J . of Near Eastern Sts. No. 1 and 2 (1973) pp.200-15 Enclosed Nomadism, JESHO, Vol. XIII.1,PP.1-30.

10. حول عقيل وسكناها راجع الحسن بن عبد الله الأصفهاني (ت حوالي 310) بلاد العرب ، تحقيق حمد الجاسر وصالح أحمد العلي ، (الرياض 1968) 3-11 ، ابن حزم (ت 456) جمهرة انساب العرب (القاهرة 1962) ، 290-92 ، 782 ، وابن خلدون ، تاريخ ابن خلدون جـ2 (بيروت 1966) ، 647-49 ، جـ6 (بيروت 1968) ، 24-25 ، القلقشندي ، نهاية الأرب في معرفة انساب العرب (القاهرة 1959) ، 75 106 ، 246 ، 230 ، 366 نظرا لكثرة الأخطاء في هذه الطبعة يستحسن مقارنتها بالنسخة المطبوعة في بغداد عام 1958 بتحقيق على الخاقاني . راجع أيضا لنفس المؤلف صبح الأعشى (القاهرة 1914) 4/204 .

قلائد الجمان في التعريف بقبائل عرب الزمان (القاهرة 1963) 76-77 ، 119-21 ، عبد الستار الحسني نظرات في نهاية الأرب للقلقشندي ، مجلة البلاغ 2/6 (1976) 630-71 .

خاشـــع المعاضيدي ، دولة بني عقيل في الموصل ( بغداد ، 1968 ) – 27-30 .

H.C.Kay , Notes on the History of the Banu Okay 1, JAS Vol. XVIII, 1886, PP . 491 – 526 . لقد اعتمد كي في بحثه على ابن خلدون بشكل رئيسي .

11. الأصفهاني ، بلاد العرب ، 3-11

12. G. Rentz, art . Katif. E12

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تعريف الدكتور الباحث عبداللطيف بن ناصر الحميدان

مكان وتاريخ الميلاد ..ولد عام 1934م في بلدة الزبير بالعراق .

تعليمه ..حصل على درجة الدكتوراة من جامعة مانشيستر، في التاريخ عن بحث بعنوان التاريخ السياسي والاجتماعي لبغداد والبصرة من 1479-1988م ، وذلك عام 1975م .

حياته العملية ..ابتدأ حياته العملية كمدرس في المرحلة الثانوية من عام 1964 إلى عام 1966 .

ثم صار استاذاً بقسم التاريخ بجامعة الملك سعود بالرياض .

وتولى رئاسة قسم التاريخ في الفترة من عام 1410هـ إلى عام 1418هـ .

وهو الآن محال على التقاعد، ويعمل أستاذاً متعاقداً في كلية الآداب قسم التاريخ بجامعة الملك سعود بالرياض

المرتبة العلمية :أستاذ مشارك

التخصص العام: تاريخ حديث

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر: مجلة الوثيقة العدد الثالث / السنة الثانية / يوليو 1983م. من الصفحة 26-77